النص المفهرس
صفحات 861-880
حدثني أبي، قال: ما زال أصحابنا بحلب لا يعرفون الفَرْق بين ابن بُطَّة - بالضم - الشِّيعي من ابن بَطَّة الحنبلي، حتى قدم الرشيد فقال: ابن بَطة الحنبلي بالفتح، والشِّيعي بضَمِّها. وكان رحمه الله عند أصحابنا بمنزلة الخطيب(١) للعامة، وكيحيى بن مَعِين في معرفة الرجال. وقد عارَضَ كل عِلْم من علوم العامة بمثله، وبرز عليهم بأشياء حَسَنة لم يصلوا إليها. وكان بَهِيَّ المَنْظر، حَسنَ الوَجه والشَّيبة، صدوقَ اللَّهجة، مليحَ المُحاورة، واسعَ العِلْم، كثيرَ الفنون، كثيرَ الخشوع والعبادة والتَّهُّد، لا يجلس إلا على وُضوء. توفي ليلة سادس عشر شعبان سنة ثمانٍ وثمانين، ودفن بجبل جَوْشن عند مشهد الحُسين . ٣٢٠- محمود بن محمد بن كَرَم، أبو المجد البغداديُّ الضَّرير المقرىء. روى عن أبي غالب ابن البنَّاء. روى عنه عبد الله بن أحمد الخَبَّاز. توفي في شهر رجب . ٣٢١- نَصر بن منصور بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حُميد، الأمير أبو المُرْهف النُّمَيريُّ الشاعر المشهور. من أولاد أمراء العرب، وأُقُّه بنَّة بنت سالم بن مالك بن بدران بن مُقَلَّد ابن مُسيَّب العُقَيلي. وُلد بالرَّافقة سنة إحدى وخمس مئة، ونشأ بالشام، وخالَطَ أهل الأدب، وقال الشِّعر الفائق وهو مراهق. وأصابه جُدريٌّ وله أربع عشرة سنة، فضعُفَ بَصَرُه، فكان لا يُبصر إلا شيئًا قريبًا منه. ثم وقع الاختلاف بين عشيرته بعد موت والده، واختلَّ أمرهم. فسار إلى بغداد طامعًا في مُداواة عينيه، فآيسه الأطباء من ذلك، فاشتغل بالقرآن فحَفِظَه، وتفقه على مذهب أحمد، وقرأ العربية على أبي منصور ابن الجَوَاليقي. وسمع من أبي القاسم بن الحُصين، وأبي بكر الأنصاري، ويحيى بن عبدالرحمن الفارقي، وعبدالوهاب الأنماطي. وقُوِّض ما تَبقَى من بَصره من ألم أصابه، وصَحِبَ الصالحين والأخيار، (١) يعني الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ . ٨٦١ ومدح الخلفاء والوزراء. وكان فصيحَ القول، حَسنَ المَعَاني، وفيه دينٌ وتسثُّنٌ. روى عنه عثمان بن مقبل، والبهاء عبدالرحمن، ويوسف بن خليل، ومحمد بن سعيد الدُّبيئي، وعلي بن يوسف الحَمَّامي، وآخرون. قال أبو الحسن محمد بن أحمد القَطِيعي: مَنَعَ الوزير ابن هُبيرة الشُّعراء من إنشاد الشِّعر بمجلسه، فكتب التُّميري إليه قصيدة، فكتب الوزير عليها: هذا لو كان الشُّعراء كلُّهم مثله في دينه وقوله لم يُمْنعوا، وإنما يقولون ما لا يحلُّ الإقرار عليه، وهو فالصديق، وما يذكره یوقف عليه، ورسومه تُزاد. قلت: وفي ديوانه عدة قصائد مدح بها المقتفي لأمر الله، فمن ذلك: جوّى بين أثناء الحشاء ما يزايلُه ودَمعٌ إذا كفكفته لَجَّ هامِلُهْ يضيقُ لبُعد النازلين على الشَّرى وهل أنسين الحَيَّ من آل جَنْدٍ تُبَوَّهُ الثَّغْرَ المَخُوفَ محله طوالُ وتقتنص الأعداءَ جَهرًا رجالُه وكنتُ أرى أني صَبورٌ على النَّوى بمُرفَض دَمع العين منِّي سائله تجاوب ليلاً بُزله وصواهلُه ردَّينيَّاته ومناصِلُه كما اقتنصت حُرَّ باز شهب أجادلُه فلمَّا افترقنا غالَ صَبري غوائلُه أفرسانَ قيسٍ من نُمَيرٍ إذا القَنَا تولج لبَّاه الكُماة عواملُه هل السَّفح من نجم المعاقل بالشَّرى على العَهْدِ منكم أم تعفَّت منازلُه؟ بمردوده أسحارُهُ وأصائلُه وهل ما يُقضى من زمان اجتماعنا بكم يأمن الجاني جريرةً ما جَنَى ويَروي من الخُطى في الحَرْب ناهلُه وأوهن طولُ البُعد عنكم تَجلُّدي وغادر ليلى سَرْمدًا متطاولُه ولم أتَّخذ إلفًا من الناس بعدكم وهل يألفُ الإنسان من لا يُشاكله وله فيه : لولا القَنَا والصَّوارم الخدمُ ما أقلعت عن عنادها العَجَمُ توهّموا المُلك بالعراق وما شارفه مُسْلَمَ الحِمَى لَهُمُ وما دَرَوا أنَّ دون حَوْزتهِ من المَنَايا لأمرهِ خَدَمُ تضيف عنه البطاحُ والأكمُ تتابعوا في عجاجتي لَجَبٌ لا يحسبون الإمامَ من مُضرٍ مرصده للعِدَى به النَّقمُ ٨٦٢ حتى إذا أبصروا كتائبه حاروا فما أقدموا ولا انهزموا وقد تلقَّاهم بمُرْهَفةٍ ما بَرِحَت من غمودها القِمَمُ فناشدوهُ الأمانَ والتزموا لأمره الطَّاعةَ التي التزموا وردَّ عنهم عقابه مَلِكٌ لله دَرُّ النُّقوس هاديةً شيمتُه العَفوُ حين يحتكمُ إذا أناسٌ عن الزَّشاد عَمُوا هو الدَّواء الذي تزول به عن القلوب الشُّكوكُ والتُّهمُ ما ابتسمت والخطوبُ مُظلمةٌ إلا انجلَت بابتسامتها الظُلمُ يسمع إنشادها إذا ارتَحَلت غرائبُ المَوْت من به صَمَمُ وله : يُزهِّدني في جميع الأنام قلَّةُ إنصافٍ من يُصحَبُ وهل عرف الناس ذو نُهْيةٍ فأمسى لهم فيهمُ مأربُ وطُلسُ الذّئاب إذا جُرِّبوا هُمُ الناس ما لم تُجرِّبِهُمُ ولَيْتَكَ تَسْلمُ عند البِعادِ منهم فكيف إذا قُرِّبُوا؟ أنشدنا محمد بن علي الواسطي، قال: أنشدنا عبدالرحمن بن إبراهيم، قال: أنشدنا نَصر بن منصور لنفسه : أُحبُّ عليًّا والبَتُولَ ووُلدها ولا أجحدُ الشَّيخين حقَّ التَّقدُّم وأبرأُ ممن نال عثمانَ بالأذى كما أتبرَّأُ من ولاء ابن مُلجم ويُعجبني أهلُ الحديثِ لصِدْقهم مدَى الدَّهر في أفعالهم والتَّكَلَّمِ توفي رحمه الله في ربيع الآخر، وله ثمانٌ وثمانون سنة(١). ٣٢٢- نَصر بن أبي منصور المُؤدِّب، المعروف بالحَكَم الشاعر. توفي في هذه السنة أيضًا. وقد روى عنه من شِعره ابن الدُّبيثي هذين البيتين : ولمَّا رأى وَرْدًا بخَذَّيهِ يُجْتنى ويُقطفُ أحيانًا بغير اختياره أقام عليه حارسًا من جُفُونهِ وسَلَّ عليه مُرهفًا من عِذاره (١) ينظر المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيئي ٢١٣/٣، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ١٦٦. ٨٦٣ قلتُ: لو قال ((وسيَّجه صونًا بآسٍ عِذاره)) لكان أحسنَ. ٣٢٣- يحيى بن عبدالجليل بن مُجبر، أبو بكر الفِهْريُّ المُرسيُّ ثم الإشبيليُّ، شاعر الأندلس في زمانه بلا مُدافعة. أخذ الأدب عن شيوخ مُرسية، ومدح الملوك والأمراء، وشَهِدَ له بقوّة عارضته وسلامة طَبعه قصائدُهُ البديعةُ التي سارت أمثالاً، وبَعُدت على قُربها مَنَالاً . أخذ عنه أبو القاسم بن حَسَّان، وغيرُه. توفي بمَرَّاكُش ليلة عيد النَّحر في الكُهُولة. وقيل: توفي سنة سبع الماضية(١). وله : لا تغبط المُجْدبَ في عِلْمهِ وإنْ رأيتَ الخِصْبَ في حالهِ إن الذي ضَيَّع من نفسهِ فوقَ الذي ثَمَّرَ من مالهِ وله أيضًا: إِنَّ الشَّدائدَ قد تَغْشِى الكريمَ لأنْ تبين فَضْلَ سجاياه وتوضحُه كمِبْرَدِ القين إذْ يَعلُو الحديدَ به وليس يأكُلُهُ إلا ليُصلحَهُ ذكره أبو عبدالله الأبار في ((تكملة الصِّلة))(٢) وبالَغَ في وَصفه . ولأبي بكر بن مُجبر ديوان أكثر ما فيه من المديح في السُّلطان يعقوب صاحب المغرب، فمن ذلك هذه القصيدة البديعة: أتراه يتركُ الغَزَلا وعليه شَبَّ واكْتَهَلا كَلِفٌ بالغِيد ما علقت نفسهِ السَّلْوانَ مُذ عَقَلا غير راضٍ عن سَجِيَّةٍ من ذاقَ طَعْمَ الحُبِّ ثم سَلا إن لي عن لَوْمُكُم شُغُلا أيُّها اللُّوَّامُ وَيْحكُمُ نظراتٍ وافقت أجَلا نَظَرَت عيني لشِقْوتها ترَكَّتني في الهَوَى مَثَلا غادةً لمَّا مَثَلتُ لها خشِيت أني سأُحرقُها إذْ رأت رأسي قد اشْتَعَلا (١) سيعيده في وفيات سنة ٥٩٢ (الترجمة ١١٢). (٢) التكملة ٤/ ١٨٣ - ١٨٤ ومنه نقل المصنف ما تقدم من الترجمة . ٨٦٤ يا سراةَ الحَيِّ مثلُكُم يتلافَى الحادثَ الجَلَلا فشَكَرنا ذلكَ الثُّزُلا فَلَقِينا الهَوْلَ والوَهَلا ثم ما أمَّنتُم السُّبُلا نلْقَ تلك الأعْيُنَ النُّجُلا حين أشرعنا القنا الذُّبُلا فخلعنا البَيْضَ والأسلا كلَّ قَلْبِ بالهَوَى خُذلا وأنا حلَّيتُها الغَزَلا قد نزلنا في جِوارِكُم ثم واجَهنا ظِبـاءَكُم أضَمِنْتم أمنَ جيرتكم ليتنا نَلقى السُّيوف ولم أشرعوا الأعطاف مايسةً واستفزَّتنا عيونُهُم نُصروا بالحُسن فانتَهَبُوا عطَّلَتني الغيدُ من جَلَدي حمَلت نفسي على فتن سمتها صَبرًا فما احتملا ثم قالت سوف نترُكُها سلبًا للحُبِّ أو نَفَلا قلتُ: أما وَهيَ قِد عَلِقَت بأميرِ المؤمنين، فلا من رآه أدْركَ الأمَلا ما عدا تأميلَها مَلكًا فإذا ما الجودُ حركه فاضَ في كفَّيه فانْهَمَلا(١) وهي مئة وتسعة(٢) أبيات . وله يمدح يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن أيضًا: دعا الشَّوقُ قَلْبِي والرَّكائبَ والركبا فلبَّوا جميعًا وهو أول من لَبَّى وظَلنا نَشَاوَى للذي بقلوبنا نخال الهَوَى كأسًا وتحسبُنا شَربا أرقَ نفوسًا عندما نَصفُ الهَوَى وأقسى قلوبًا عندما نشهدُ الحَربا ويؤلمنا لَمِعُ البُرُوقِ إذا بدا ويَصرَعُنا نَفحُ النَّسيمِ إذا هَبَّا يقولون: داوِ القَلْبَ تَسلُ عن الهَوَى فقلتُ: لَنِعمَ الرأيُ لو أنَ لى قَلْبًا ٣٢٤- يزيد بن محمد بن يزيد بن رفاعة، أبو خالد اللّخميُّ الغَرْناطِيُّ المُحدِّث. قد مرَّ في سنة خمسٍ وثمانين(٣). (١) الأبيات في وفيات الأعيان ٧/ ١٣ - ١٤ باختلاف ألفاظ وزيادة عما هنا. (٢) في وفيات الأعيان: ((مئةوسبعة أبيات)). (٣) تقدم برقم (٢٠٢). تاريخ الإسلام ١٢/ م٥٥ ٨٦٥ وقال ابن الزبير: كان من جِلَّة الشُّيوخ وثقات الرُّواة، عارفًا بالأسانيد، يَعظُ ويُقرىء. وكان مُكثرًا؛ أكثرَ عن أبي محمد الرشاطي. وسمَّى جماعة. ثم افتقر واحتاج بدخول النَّصارى المَرية، فجلس يُؤدِّبُ. مات من عَطْسةٍ في المحرَّم سنة ثمانٍ وثمانين. وفيها ولد: إسماعيل بن عبدالقوي بن غَزُّون، وتاج الدين علي بن أحمد ابن القَسْطلاني، والصَّاحب كمال الدين عُمر بن العَدِيم، والضِّياء زُهير بن عُمر الزُّرعيُّ، والكمال إسحاق بن خليل الشَّيبانيُّ قاضي زُرَع، وعُمر بن أبي الفتح ابن عوة الجَزَريُّ التَّاجر، ويحيى بن شجاع بن ضِرغام صاحب ابن المُفضَّل المقدسيُّ. ٨٦٦ سنة تسع و ثمانين وخمس مئة ٣٢٥- أحمد بن أسعد بن محمد بن أحمد، أبو المَعَالي الأصبهانيُّ المَدِينيُّ. سمع أبا الطاهر إسحاق بن أحمد الرّاشْتِينانيُّ. وأجاز له غانم البُرْجي، وأبو علي الحَدَّاد. وتوفي في جمادى الأولى(١). ٣٢٦- أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حُسين بن السَّكَن، أبو الفتح بن أبي غالب ابن المُعَوِّج. سمع أباه، وأبا القاسم ابن السَّمَرْقندي، وأبا الحسن بن عبدالسلام، وجماعةً كثيرةً. وطلب، ونَسخَ وحصَّلَ. روى عنه أبو عبدالله الدُّبيثي، ويوسف ابن خلیل . وكان صحيحَ السَّماعِ، صالحًا(٢). ٣٢٧- إبراهيم بن إسماعيل بن سعيد، الفقيه أبو إسحاق القُرشيُّ الهاشميُّ المصريُّ المالكيُّ. وُلد سنة خمس عشرة وخمس مئة. وحدَّث عن أبي القاسم ابن عساكر، وعبدالمَوْلى بن محمد المالكي. وكان إمامَ مسجد الزبير بن العَوَّام بمصر، وبه يُعرف. توفي في ربيع الآخر . وله مجاميع في الرَّقائق وغيرِها(٣). ٣٢٨- إبراهيم بن سعيد بن يحيى بن محمد ابن الخَشَّاب، القاضي الرَّئيس أبو طاهر الحلبيُّ، من أعيان الحلبيين وكُبرائهم. كان فاضلاً، أديبًا، شاعرًا، مُنشئًا، له نَظَرٌ في العلوم، إلا أنه كان من أجلاد الشِّيعة المعروفين. وكان دَمِثَ الأخلاق، ظريفًا، مطبوعًا. وهو والد المَولى الصَّدر بهاء الدين الحسن ابن الخَشَّاب. (١) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ١٩٨. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٧ (شهيد علي)، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١٥. (٣) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ١٩٣. وتقدمت ترجمته في وفيات السنة الماضية (الترجمة ٢٩٣). ٨٦٧ توفي في ذي القَعدة، وله ثمانٌ وخمسون سنة . ٣٢٩- أسعد بن نصر بن أسعد، أبو منصور ابن العَبَرْتي الأديب. أخذ النّحو عن أبي محمد ابن الخَشَّاب، والكمال عبدالرحمن الأنباري. وعَلَّم الناسَ العربيةَ. وكان له شِعرٌ حسنٌ وتواليفُ ومآخذ على النُّحاة. توفي في رمضان(١). ٣٣٠- بُزْغُش، أبو علي عتيق أبي طاهر محمد بن علي الأنصاري الدَّبَّاس. سمع أبا القاسم بن الحُصين، وأبا غالب ابن البَنَّاء، وأبا الحُسين ابن الفَرَّاء. روى عنه يوسف بن خليل. توفي في ذي القَعْدة(٢). ٣٣١- بُكْتمر، سيف الدين صاحب خِلاَط، مملوك صاحبها . توفي في أول جمادى الأولى. وكان قد أسرف في إظهار الشَّماتة بموت صلاح الدين، وفَرِحَ، وعَمِلَ تَخْتَا جلس عليه. ولَقَّبَ نفسه بالسُّلطان المُعظّم صلاح الدين، وسَمَّى نفسه عبدالعزيز. وظَهَرَ منه رُعُونةٌ. وتجهّز لقَصْد مَیَّافارقین . وكان مملوكٌ لشاه أرمن قد تزوَّجَ بابنةٍ لبُكْتمر، وطَمِعَ في المُلك، فجَهَّز على بُكتمر من قَتَله، وتملَّكَ بعده. قال ابن الأثير(٣): وكان بُكتمر خَيِّرًا، صالحًا، كثيرَ الصَّدَقة، مُحبًّا للصُّوفية، حَسنَ السِّيرة في الرَّعِيَّة. ٣٣٢- حاتم بن محمد بن الحُسين بن مفرِّج بن حاتم، الفقيه أبو المحاسن المقدسيُّ الأصل الإسكندرانيُّ، ابن عَمِّ الحافظ علي بن المُفضَّل . توفي في الكهولة، ولا أعلمه روى شيئًا (٤). (١) ينظر تاريخ ابن الدبيني، الورقة ٢١٣ (شهيد علي). وتقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٨٧ (الترجمة ٢٥٢). (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٣٥ (شهيد علي)، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١٧. (٣) الكامل ١٢/ ١٠٣ . (٤) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ١٩٧ . ٨٦٨ ٣٣٣- حَرَمي بن مغفر، أبو محمد الشَّاهد البَزَّاز المصريُّ. سمع مُنجبًا المُرشدي(١). ٣٣٤- الحسن بن أبي سَعد المُظفَّر بن الحسن بن المُظفَّر ابن السّبط الهَمَذَانيُّ، أبو محمد، ويُقال: اسمه ثابت، وهو بگنیته أشهر. شيخٌ بغداديٌّ، روى عن جَدِّه أبي علي. سمع منه أحمد بن طارق، وجعفر بن أحمد العباسي. وتوفي في رجب(٢). ٣٣٥- الحسن بن أبي نَصر بن أبي حنيفة بن القارص(٣)، أخو الحُسين، وسَمَّاه بعضهم: المبارك. روى عن هبة الله بن الحُصين. روى عنه يوسف بن خليل، وغيرُه(٤). ٣٣٦- الحُسين بن عبدالرحمن بن الحسين بن علي بن الخَضِر بن عَبْدان الأزديُّ الدِّمشقيُّ، أبو عبدالله المُحدِّث. له سَمَاعاتٌ كثيرةٌ وإجازات. وتوفي في رابع رمضان. ٣٣٧- داود بن عيسى بن فُلَيْتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العَلَويُّ الحسنيُّ، صاحب مگّة. توفي في رجب. قال ابن الأثير(٥): ما زالت إمرة مكَّة تكون له تارةً ولأخيه مُكثر تارةً إلى أن مات . ٣٣٨- أبو رجال بن غَلْبون المُرسيُّ الكاتب. روى عن أبي جعفر بن وَضَّاح، وحَمل عن ابن خَفَاجة ((ديوانه)). وكان أديبًا، بليغًا، فصيحًا. أخذ عنه أبو الربيع بن سالم. وأجاز لأبي (١) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ١٩٦. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٣٩ (شهيد علي)، في حرف الثاء، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٠٢ . (٣) قيده المنذري بالحروف. (٤) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٣ (باريس ٥٩٢٢). وسيعيده المصنف في هذه السنة باسم: المبارك (الترجمة ٣٦٦). (٥) الكامل ١٢/ ١٠٤ . ٨٦٩ عبدالله ابن الأبار ((ديوان أبي إسحاق بن خَفَاجةٍ))(١). توفي في ذي الحجة(٢). ٣٣٩- رجب بن مَذْكور بن أرنب، أبو الحُرُم، ويُقال: أبو عثمان، الأزجيُّ الأگَّاف. شيخٌ أُمِّيٌّ، صحيحُ السَّماعِ، عالي الرِّواية. سمع هو، وأخوه ثَعلب من هبة الله بن الحُصين، وأحمد بن الحسن البَنَّاء، وأبي العِزِّ أحمد بن كادش وعلي بن أحمد بن المُوَحِّد، وقَراتِكين بن الأسعد، وجماعةٍ . سمع منه عُمر بن علي القرشي ومات قبله بأربع عشرة سنة. وروى عن رجب يوسف بن خليل، وسالم بن صَصْرى، والبهاء عبدالرحمن، وابن الدُّبيئي(٣) . قال ابن النَّجَّار: شيخٌ لا بأس به. توفي في ثالث عشر رمضان. ٣٤٠- زُبيدة ابنة المقتفي لأمر الله التي تزوَّج بها السُّلطان مسعود الُّلْجوقي على مَهر مئة ألف دينار، ولم يدخل بها . عاشت إلى هذا العام. ٣٤١- سالم بن سَلَامة، أبو محمد السُّوسيُّ المغربيُّ، نزيل سجلماسة. سمع بفاس ((صحيح البخاري)) من أبي عبدالله ابن الرَّمَّامة. وكان حافظًا لمذهب مالك، زاهدًا، خَيِّرًا، يُوردُ الفِقه بالبَرْبَري. قال الأبار (٤): وقد نَّفَ على المئة سنة. ·- سُلطان شاه الخُوارزميُّ. اسمه محمود. يأتي في مَوْضعه(٥). (١) هذا وهم من المصنف رحمه الله، فقد التبس عليه الأمر حال النقل كما يظهر، لأن النص عند ابن الأبار يفيد أنه أجاز لابن سالم وليس لابن الأبار، قال: ((وأخذ عنه شيخنا أبو الربيع بن سالم، وقال: أذن لي في التحديث عنه بشعر ابن خفاجة)). (٢) من تكملة ابن الأبار ١/ ٢٦٢. (٣) وذكره في تاريخه، الورقة ٥٣ (باريس ٥٩٢٢). (٤) التكملة ١٢٤/٤. (٥) يأتي برقم (٣٦٩). ٨٧٠ ٣٤٢- سِنان بن سَلْمان بن محمد، أبو الحسن البصريُّ، كبيرُ الإسماعيلية وصاحبُ الدَّعوة النِّزارية. كان أديبًا، فاضلاً، عاقلاً، عارفًا بالفَلْسفة وشيء من الكلام والشِّعر والأخبار. تفسير الدَّعْوة النِّزارية وكانت في حدود الثَّمانين وأربع مئة فيما أحسب، وهي نسبةٌ إلى نزار ابن المستنصر بالله مَعَدِّ ابن الظاهر علي ابن الحاكم العُبيدي . وكان نِزار قد بايَعَ له أبوه، وبثَّ له الدُّعاة في البلاد بذلك، منهم صَبَّاح صاحب الدَّعوة. وكان صَبَّاح ذا سَمْتٍ وذَلقٍ وإظهارِ نُسُكٍ، وله أتباعٌ من جنسه، فدخل الشام والسَّواحِل، فلم يتمَّ له مُراد، فتوجَّه إلى بلاد العَجَم، وتكلَّمَ مع أهل الجبال والغُتمِ(١) الجَهَلة من تلك الأراضي، فقَصَدَ قَلْعة ألموت، وهي قَلعة حَصِينة، أهلُها ضِعاف العُقول فُقراء، وفيهم قوَّة وشجاعة. فقال لهم: نحن قَومٌ زُهَّادٌ نعبُدُ الله في هذا الجبل، ونشتري منكم نصف القلعة بسبعة آلاف دينار. فباعوه إياها، وأقام بها . فلمَّا قَوِيَ استولى على الجميع. وبلغت عدة أصحابه ثلاث مئة ونَيِّقًا. واتَّصل بملك تلك الناحية: إنَّ ههنا قَوْمًا يُفسدون عقائد الناس، وهم في تزيُّد، ونخافُ من غائلتهم. فنهَدَ إليهم، ونزل عليهم، وأقبلَ على سُكره ولذَّاته. فقال رجلٌ من قوم صَبَّاح اسمه عليٍّ اليعقوبي: أيُّ شيء يكون لي عندكم إنْ أنا كَفَيتُكم مؤونة هذا العَدُوِّ؟ قالوا: يكون لك عندنا ذُكران. أي: نذكرك في تسابيحنا. قال: رضيتُ. فأمَرَهم بالتّزُول من القَلعة ليلاً وقسمهم أرباعًا في نَوَاحي العَسْكر، ورَتَّب معهم طُبُولاً وقال: إذا سمعتُم الصِّياح فاضربوا الطُّبُول، ثم انتهز عليٌّ اليعقوبي الفُرصة من غِرَّة المَلِك، وهَجَمَ عليه فقتله، وصاحَ أصحابه، فقتلَ الخواصُّ عليًّا، وضَرَبَ أولئك بالطُّبُول، فأرجفوا الجيش، فهَجُّوا على وجوههم، وتَرَكوا الخِيَام بما فيها، فنُقِلَ الجميع إلى القَلعة، وصار لهم أموال وأعتاد، واستفحل أمرهم. (١) الغُتم: الذين لا يعرفون شيئًا. ٨٧١ وأما نِزار، فإنَّ عَمَّته خافت منه، فعاهدت أعيان الدَّولة على أن تُوَلِّي أخاه الآمر، وله ست سنين، وخاف نِزار فهَرَبَ إلى الإسكندرية، وجَرَت له أمور، ثم قُتلَ بالإسكندرية. وصار أهل الألموت يدعون إلى نِزار، فأخذوا فَلعة أخرى، وتسرَّعَ أهل الجبل من الأعاجم إلى الدُّخول في دَعْوتهم، وبايَنوا المصريين لكونهم قتلوا نِزارًا، وبنوا قَلعةً ثالثةً، واتَّسَع بلاؤهم وبلادُهم، وأظهروا شُغُلَ الهُجوم بالسِّكِّين التي سَنَّها لهم عليٌّ اليعقوبي، فارتاع منهم الملوك، وصانعوهم بالتُّحَف والأموال. ثم بعثوا داعيًا من دُعاتهم في حدود الخمس مئة أو بعدها إلى الشام، يُعرف بأبي محمد، فجَرَت له أمور، إلى أن مَلَكَ قلاعًا من بلد جبل السُّمَّاق، كانت في يد النُّصَيرية. وقام بعده سنان هذا، وكان شَهْمًا، مَهِيبًا، وله فُحُولية وذكاء وغَور. وكان لا يُرى إلا ناسكًا، أو ذاكرًا، أو متخشعًا، أو واعظًا، كان يجلس على حَجَر، ويتكلَّمُ كأنه حَجَرٍ، لا يتحرَّكُ منه إلا لسانه، حتى اعتقد جُهَّالهم فيه الإلهية، وحَصَّلَ كُتُبًا كثيرةً. وأما صباح فإنه قرَّرَ عند أصحابه أن الإمام هو نزار. فلمّا طال انتظارهم له، وتقاضيهم به قال: إنه بين أعداء، والبلاد شاسِعة، ولا يُمكنه السُّلوك، وقد عَزَمَ أن يختفيَ في بَطْنِ حاملٍ، ويجيءَ سالمًا، ويستأنفَ الولادة. فرضوا بذلك - اللَّهُم ثبّت علينا عقولنا وديننا وإيماننا - ثم إنه أحضر جاريةً مصريةً قد أحْبَلها وقال: إنه قد اختفى في بَطْن هذه، فأخذوا يُعظّمونها، ويتخشَّعون لرؤيتها، ويرتقبون الإمام المُنتظر أن يخرج منها، فولدت ولدًا، فسمَّاه حسنًا. فلمَّا تَسَلْطن خُوارزم شاه محمد بن تكش واتَّسع مُلكه وفَخُمَ أمرُه، قَصَدَ بلاد هؤلاء المَلَاَحدة، وهي قلاعٌ حَصِينَةٌ، منيعةٌ، كبيرةٌ، يُقال: إنها مُمتدَّة إلى أطراف الهند. وقد حَكَمَ على المَلَاحدة بعد صَبَّاح ابنه محمد، ثم بعده الحسن بن محمد بن صَبَّاحِ المَذكور، فرأى الحسنُ من الحَزْم أن يتظاهر بالإسلام، وذلك في سنة سَبع وست مئة، فادَّعى أنه رأى عليًّا عليه السلام في النَّوْم يأمرُهُ أن يُعيدَ شِعَار الإسلام من الصَّلاة والصِّيام والأذان وتحريم الخمر، ثم قصَّ المَنَام على أصحابه وقال: أليس الدِّينُ لي؟ قالوا: بلى. قال: فتارةً أرفع التّكاليف، ٨٧٢ وتارةً أضعُها. قالوا: سَمعًا وطاعة. فكتب بذلك إلى بغداد والنَّوَاحي، واجتمع بمن جاوَرَه من الملوك، وأدخل بلادهُ القُرَّاء والفُقهاء والمُؤذِّنين، واستخدم في ركابه أهل قَزْوين. وذلك من العجائب. وجاء رسوله ونائبه في صُحبة رسول الخليفة إلى الملك الظاهر إلى حلب، بأن يقتل النائب الأول ويقيم هذا النائب له على قِلاعهم التي بالشام. فأنفق عليهم الظاهر وأكرمهم، وخلصوا بإظهار الإسلام من يد خُوارزم شاه. رجعنا إلى أخبار سِنان. كان أعرجَ لِحَجَرٍ وَقَعَ عليه من الزَّلزلة الكائنة في دولة نور الدين. فاجتمع إليه مُحبُّوه، على ماَ ذَكَرَ الموفَّق عبداللطيف، لكي يقتلوه. فقال لهم: ولِمَ تقتلوني؟ قالوا: لترجع إلينا صحيحًا، فإنا نكره أن يكون فينا أعرج. فشَكَرَهم ودعا لهم، وقال: اصبرِوا عليَّ، فليس هذا وَقته، ولاطَفَهم. ولمَّا أراد أن يُحِلَّهم من الإسلام، ويُسقطَ عنهم التكاليف لأمرٍ جاءه من الألموت على عهد إلْكيا(١) محمد، نزل إلى مَقْثَأَةٍ (٢) في شهر رمضان، فأكل منها، فأكلوا معه، واستمرَّ أمرهم على ذلك. وأول قدوم سِنان كان إلى حلب، فذَكَرَ سَعد الدين عبدالكريم، رسول الإسماعيلية، قال: حَكَى سِنان صاحب الدَّعوة، قال: لمَّا وردتُ الشامَ اجتزتُ بحلب، فصلَّيتُ العَصر بمَشهد علي بظاهر باب الجِنان، وثم شيخٌ مُسنٍّ، فسألتُهُ: من أين يكون الشيخ؟ قال: من صِبيان حلب. وقال الصاحب كمال الدين في ((تاريخ حلب)): أخبرني شيخ أدرك سنانًا أن سِنانًا كان من أهل البصرة، وكان يُعلُّم الصِّبيان، وأنه مرَّ وهو طالع إلى الحُصون على حِمارٍ حين وَلاَه إياها صاحب الألموت، فمزَّ بإقميناس(٣)، فأراد أهلها أخذَ حِماره، فبَعد جَهد تركوه، وبَلَغَ من أمره ما بَلَغَ. وكان يُظهر لهم التنَسُّك حتى انقادوا له، فأحضرهم يومًا وأوصاهم، وقال: عليكم بالصَّفاء بعضكم لبعض، ولا يمنعنَّ أحدكم أخاه شيئًا هو له، فنزلوا إلى جبل السُّمَّاق وقالوا: قد أمرنا بالصَّفاء، وأن لا يمنع أحدُنا صاحبه شيئًا هو له. فأخذ هذا زَوْجةَ هذا، وهذا بنتَ هذا سفاحًا، وسَمَّوا أنفُسهم ((الصُّفاة)). فاستدعاهم (١) إليكا: الرئيس. (٢) المقتأة: الموضع الذي يزرع فيه القثاء. (٣) قرية كبيرة من أعمال حلب في جبل السماق، ذكر ياقوت أن أهلها إسماعيلية. ٨٧٣ سِنان إلى الحُصون، وقَتَلَ منهم مَقْتلةً عظيمةً . قال الصاحب كمال الدين: وتمكَّنَ في الحُصون، وانقادوا له ما لم ينقادوا لغيره، وتمكَّنَ. وأخبرني علي ابن الهَوَّاري أن الملك صلاح الدين سَيَّرَ إليه رسولاً، وفي رسالته تهديد، فقال للرسول: سأُريكَ الرِّجال الذين ألقاه بهم. وأشار إلى جماعةٍ من أصحابه بأن يُلقوا أنفسهم من أعلى الحِصن، فألقوا نفوسهم فهلکوا . قال: وبلغني أنه أحلَّ لهم وَطْءَ أُمَّهاتهم وأخواتهم وبناتهم، وأسقط عنهم صوم رمضان. قال: وقرأتُ بخطًّ أبي غالب بن الخُصين في ((تاريخه)): وفيه، يعني مُحرَّم سنة تسع وثمانين، هَلَكَ سِنان صاحب دار الدَّعوة النِّزارية بالشام بحِصن الكَهْف. وكانَ رجلاً عظيمًا، خَفِيَّ الكَيد، بعيدَ الهِمَّة، عظيمَ المَخَاريق، ذا قُدرة على الإغواء وخديعة القلوب وكتمان السِّرِّ واستخدام الطَّغام والغَفَلَة في أغراضه الفاسدة. وأصلُه من قريةٍ من قُرَى البصرة، وتُعرف بعُقر السدف. خَدَم رؤساء الإسماعيلية بالألموت، وراضَ نفسه بعلوم الفلاسفة. وقرأ كثيرًا من كُتُب الجَدَل والمُغالطة، و((رسائل إخوان الصَّفا)) وما شاكَلَها من الفَلسفة الإقناعية المُشَوقة غير المُبَرهنة. بَنَى بالشام حُصُونًا لهذه الطائفة، بعضها مُسْتَجدة، وبعضها كانت قديمةً، فاحتال في تحصيلها وتحصينها، وتَوْعير مسالكها. وسالَمَتهُ الأنامُ، وخافته الملوك من أجل هُجوم أصحابه عليهم. ودام له الأمر بالشام نَيِّفًا وثلاثين سنة. وسَيَّرَ إليه داعي دُعاتهم من ألموت جماعةً في عدة مرار ليقتلوه خَوفًا من استبداده عليه بالرِّياسة، فكان سِنان يقتلهم، وبعضهم يخدعه سِنان، ويُثنيه عمَّا سُيِّر لأجله. قال كمال الدين: وقرأتُ بخطُّ الحُسين بن علي بن الفَضْلِ الرَّازي في ((تاريخه)) قال: حدثني الحاجب معين الدين مَوْدود أنه حَضَرَ عند الإسماعيلية سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، وأنه خَلاَ بسنان، وسأله عن سَبَب كونه في هذا المكان، فقال: إنني نشأتُ بالبصرة، وكان والدي من مُقدَّميها. فوقع هذا الحديث في قلبي، فجَرَى لي مع إخوتي أمرٌ أحوجني إلى الانصراف عنهم، فخرجتُ بغير زاد ولا ركوب، فتوصَّلتُ حتى بلغتُ الألموت، فدخلتُها وبها ٨٧٤ إلكيا محمد مُتحكّم، وكان له ابنان سمَّاهما الحسن والحُسين، فأقعدني معهما في المكتب، وكان يَبُزُّني بِرَّهما، ويساويني بهما. وبَقِيتُ حتى مات، ووَليَ بعده ابنُه الحسن، فأنفذني إلى الشام. قال: فخرجتُ مثل خروجي من البصرة، فلم أُقارب بلدًا إلا في القليل. وكان قد أمرني بأوامر، وحَمَّلني رسائل. فدخلتُ المَوصل، ونزلتُ مسجد التَّمَّارين، وسِرتُ من هناك إلى الرَّقَّة، وكان معي رسالة إلى بعض الرِّفاق بها، فأدَّيتُ الرِّسالة، فزوَّدني، واكترى لي بهيمةً إلى حلب. ولَقِيتُ آخر أوصلتُ إليه رسالةً، فاكترى لي بهيمةً، وأنفذني إلى الكهف. وكان الأمر أنْ أقيم بهذا الحِصن. فأقمتُ حتى توفي الشيخ أبو محمد في الجبل، وكان صاحب الأمر، فَتَوَلَّى بعده الأخواجة (١) علي بن مسعود بغير نصٌّ، إلا باتِّفاق بعض الجماعة. ثم اتَّفق الرَّئيس أبو منصور بن أحمد ابن الشيخ أبي محمد، والرّئيس فَهد، فأنفذوا من قتله، وبَقِيَ الأمر شُورى فجاء الأمر من الألموت بقَتل قاتله وإطلاق فَهد، ومعه وَصيّة، وأُمر أن يقرأها على الجماعة، وهذه نسخة المكتوب: «هذا عَهِدٌ عَهدناه إلى الرَّئيس ناصر الدين سِنان، وأمرناه بقراءته على سائر الرِّفاق والإخوان أعاذكم الله جميعَ الإخوان من اختلاف الآراء، واتِّباع الأهواء، إذ ذاك فتنةُ الأولين وبلاء الآخرين، وفيه عِبرة للمُعْتبرين، من تبرَّأ من أعداء الله وأعداء وَليِّه ودينه، عليه مُوالاة أولياء الله، والاتِّحاد بالوحدة سُنَّة جوامع الكَلِم، كَلِمة الله والتَّوحيد والإخلاص؛ لا إله إلا الله، عُروة الله الوثقى، وحَبله المتين، ألا فتمسَّكوا به واعتصموا عبادَ الله الصالحين، فيه صلاحُ الأولين وفلاحُ الآخرين. أجْمعوا آراءكم لتعليم شَخصٍ مُعين بنَصِّ من الله ووَليِّه، فتلقُّوا ما يُلقيه إليكم من أوامره ونواهيه بقَبُول، فلا وربِّ العالمين لا تؤمنون حتى تُحكِّموه فيما شَجَرَ بينكم، ثم لا تجدوا في أنفسكم حَرَجًا ممَّا قَضَى، وتُسلِّموا تسليمًا(٢). فذلك الاتِّحادُ به بالوحدة التي هي آية الحقِّ، المُنجية من المهالك، المُؤدِّية إلى السَّعادة السَّرْمدية، إذ الكَثْرة عَلَامة الباطل المُؤدِّية إلى الشَّقاوة المُخزية، والعياذ بالله من زواله، وبالواحد من آلهةٍ شَتَّى، (١) ويقال فيه: الخواجة، والخواجا. (٢) اقتباس من سورة النساء: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا .. ﴾ ٨٧٥ وبالوحدة من الكَثرة، وبالنَّصِّ والتَّعليم من الأدواء والأهواء المُختلفة، وبالحقِّ من الباطل، وبالآخرة الباقية من الدُّنيا المَلْعونة المَلْعون ما فيها إلا ما أُريد به وَجه الله، ليكون عِلْمُكم وعَمَلُكم خالصًا لوجهه الكريم. يا قوم إنما دنياكم مَلْعبةٌ لأهلها، فتزوَّدوا منها للأخرى، وخير الزَّاد التَّقوى)). إلى أن قال: ((أطيعوا أميركم ولو كان عبدًا حَبَشيًّا، ولا تُزَكُّوا أَنفُسكم)). قال كمال الدين: وكتب سِنان إلى سابق الدين صاحب شَيْزَر يُعزِّيه عن أخيه شمس الدين صاحب قَلعة جَعْبَر : إن المَنَايا لا يطأن بمنسم إلا على أكتاف أهل السُّؤَدُدِ فَلَئِن صَبَرَتَ فأنتَ سَيِّدُ مَعْشرٍ صبروا وإنْ تَجْزَع فغيرُ مُفَنَّدٍ هذا التَّناصُرُ باللِّسان ولو أتى غيرُ الحِمام أتاكَ نَصري باليدِ وهي لأبي تَمَّام . وقال: ذُكرَ أن سِنانًا كتب إلى نور الدين محمود بن زَنكي، والصحيح أنه إلى صلاح الدين : ياذا الذي بقراع السّيف هدَّدنا لا قام مصرعُ جَنْبي حين تَصْرعُه قام الحَمَام إلى البازي يُهدِّدُهُ واستيقظت لأَسُود البَرِّ أضبعُه أضحى يَسُدُّ فَمَ الأَفْعَى بإصبعهِ يكفيهِ ما قد تُلاقي منهُ إصبعُه وَقَفنا على تفصيله وجُمله، وعَلِمنا ما هذَّدنا به من قَوله وعَمَله، ويالله العَجَب من ذُبابة تَطْرُ في أُذُنِ فيل، وبَعُوضة تُعَدُّ في التماثيل، ولقد قالها قومٌ من قبلك آخرون، فدمَّرنا عليهم وما كان لهم ناصرون، ألِلحَقِّ تدحضون، وللباطل تنصرون؟! وسيعلم الذين ظلموا أي مُنقلب ينقلبون. ولَئِن صَدَرَ قولك في قَطْع رأسي وقَلعك لقلاعي من الجبال الرَّواسي، فتلك أمانيُّ كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجَوَاهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحُّ بالأمراض. وإن عُدنا إلى الظَّواهر وعَدَلنا عن البواطن، فلنا في رسول الله أُسوة حَسَنة: ((ما أُوذي نبيٌّ ما أُوذيتُ))(١). وقد عَلِمتم ما جرى على عِترته (١) روي بأسانيد ضعيفة من حديث أنس؛ أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٣٣/٦، ومن حديث جابر؛ أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٦١٣/٧. وانظر شرح الجامع الصغير ٤٣٠/٥-٤٣١. ٨٧٦ وشيعته، والحال ما حال،، والأمرُ ما زال، ولله الأمرُ في الآخرة والأولى. وقد عَلِمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا، وما يتمنَّونه من الفَوْت، ويتقرَّبون به إلى حياض المَوت، وفي المَثَل: أو لِلْبَطِّ تهدِّد بالشَّطِّ؟ فهَيِّىء للبلايا أسبابًا، وتدرَّع للرَّزايا جِلبابًا، فلأظْهَرنَّ عليك منك، وتكون كالباحث عن حَتفه بظِلْفه، وما ذلك على الله بعزيز، فإذا وقفتَ على كتابنا هذا، فكُن لأمرنا بالمِرْصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النَّحل(١) وآخر ص(٢). وقال كمال الدين: حدثني النَّجم محمد بن إسرائيل، قال: أخبرني المُنْتجبُ بن دفتر خوان، قال: أرسلني صلاح الدين إلى سنان زعيم الإسماعيلية حين وَثَبوا على صلاح الدين المرة الثالثة بدمشق، ونَعَي القُطب النَّيسابوري، وأرسل معي تهديدًا وتخويفًا، فلم يُجبه، بل كتب على طُرَّة كتاب صلاح الدين، وقال لنا: هذا جوابكم: جاء الغُرابُ إلى البازي يُهَدِّدهُ ونَبُهت لصِرَاعِ الأُسد أضبعُه يا من يهدِّدني بالسِّيف خُذهُ وقُم لا قام مصرعُ جنبي حين تصرعُه يا من يسدُّ فَمَ الأفْعَى بإصبعهِ يَكفيه ما لَقِيت من ذاك إصبعُه ثم قال: إن صاحبك يحكمُ على ظواهر جُنده، وأنا أحكم على بواطن جُندي، ودليله ما تشاهد الآن. ثم دعا عشرةً من صِبيان القاعة، وكان على حِصنه المُنيف، فاستخرج سِكّينًا وألقاها إلى الخَنْدق، وقال: من أراد هذه فليُلق نفسه خَلْفها. فتبادروا جميعًا وَثبًا خَلْفها، فتقطَّعوا. فعُدنا إلى السُّلطان صلاح الدين وعرَّفناه، فصالَحَه. وذكر الشيخ قُطب الدين في ((تاريخه)) أن سِنانًا سَيَّرَ إلى صلاح الدين رحمه الله رسولاً وأمره أن لا يؤدِّي رسالته إلا خَلْوةًوففتَّشه صلاح الدين، فلم يجد معه ما يخافه، فأخلى له المجلس، إلا نَفَرًا يسيرًا، فامتنع من أداء الرِّسالة حتى يخرجوا، فأخرجهم كلَّهم، سوى مملوكين، فقال: هاتِ رسالتك. فقال: أُمرت أن لا أقولها إلا في خَلْوة. فقال: هذان ما يخرجان، فإنْ أردتَ تذكر رسالتك، وإلا قُم. قال: فلمَ لا يخرج هذان؟ قال: لأنهما مثل أولادي. (١) يعني قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]. (٢) وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ لَهَ﴾ [ص]. ٨٧٧ فالتفت الرسول إليهما، وقال لهما: إذا أمرتكما عن مخدومي بقَتل هذا السُّلطان تقتلانه؟ قالا: نعم. وجَذَبا سيفيهما. فبُهتَ السُّلطان وخرج الرسول وأخذهما معه. وجَنَحَ صلاح الدين إلى الصُّلْح والدُّخول في مَرَاضيه. قلتُ: هذه حكاية مُرسلة، والله أعلم بصِخَّتها . وقال كمال الدين: أنشدني بهاء الدين الحسن بن إبراهيم ابن الخَشَّاب، قال: أنشدني شيخٌ من الإسماعيلية، قال: أنشدني سِنان لنفسه : ما أكثرَ الناسَ وما أقَلَّهُم وما أقلَّ في القليل النُّجَبَا ليتَهُم إذْ لم يكونوا خُلِقُوا مُهذَّبين صَحِبُوا مُهذَّبَا قال: وقرأتُ على ظَهر كتابٍ لسِنان صاحب الدَّعوة: ألجأني الدَّهْرُ إلى مَعْشرٍ ما فيهم للخير مُسْتَمع إنْ حدَّثوا لم يُفهموا سامعًا أو حُدِّئوا مَجُوا ولم يَسْمِعُوا تقدُّمي أخَّرني فيهمُ من ذَنِبُه الإحسانُ ما يصنعُ؟ ٣٤٣- شمس النَّار بنت كامل البَغْدادية. روت عن أبي الحُسين محمد بن أبي يَعْلى الفَرَّاء. توفيت في تاسع ربيع الآخر (١). ٣٤٤- طَغدي بن خُتْلُغ بن عبدالله، أبو محمد الأميريُّ البَغْداديُّ الفَرَضيُّ، ويُسمَّى عبدالمُحسن، وهو بطَغدي أشهر. وُلد سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وقرأ القراءات على علي بن عساكر البَطَائحي زَوج أمِّه، وهو الذي ربَّاه. وسمع بإفادته من أبي الفَضْل الأُرموي، وابن باجة، وهبة الله بن أبي شَرِيك، وأبي الوَقت . وكان أستاذًا في الفرائض، قدم الشامَ واستوطنها وحدَّث بها، وتوفي في المحرم. روى عنه يوسف بن خليل، والضِّياء محمد(٢). ٣٤٥ - ظَفَر بن أحمد بن ثابت بن محمد، أبو الغنائم ابن الحافظ أبي العباس الطّرقيُّ ثم الیزديُّ. (١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ١٩٢ . (٢) ينظر المختصر المحتاج إليه ١٢٢/٢ - ١٢٣، وتكملة المنذري ١ / الترجمة ١٨٦. ٨٧٨ سمع من أبيه، وأبي علي الحَدَّاد، وجماعةٍ. وقدم بغدادَ حاجًّا فحدَّث بها . وطَرْق: بُلَيدة من نواحي أصبهان(١). ٣٤٦- عبدالله بن الحُسين بن الخَضِر بن عَبدان الأزديُّ الدِّمشقيُّ. روى شيئًا يسيرًا عن أبي الحسن علي بن أشليها، وأبي يَعْلى ابن و و الحُبُوبي . توفي في المحرّم. ٣٤٧- عبدالله بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبدالسلام، أبو منصور بن أبي الفتح البغداديُّ الکاتب. من بيت حديث وكتابة. وُلد في جمادى الأولى أو في ربيع الآخر سنة ستٍّ وخمس مئة. وسمع من أبي القاسم هبة الله بن الحُصين، وقبله من أبي القاسم بن بيان، وسماعه منه حضورًا. ومن أبي علي بن نَبْهان، ومحمد بن عبدالباقي الدُّوري، وعبدالقادر بن يوسف، وجعفر بن المحسن السَّلَماسي، وغیرِهم. وهو والد الفتح مُسند بغداد في زمانه. توفي في تاسع ربيع الأول. روى عنه يوسف بن خليل، والشيخ الموفَّق، والجلال عبدالله بن الحسن قاضي دمياط، وعلي بن عبداللطيف ابن الخِيَمي، ومحمد بن نفيس الَّعيمي، وأحمد بن شُكر الكندي، وآخرون. قال عبدالعزيز بن الأخضر: سمعتُ منه، ومن أبيه وجَدِّه(٢) . ٣٤٨- عبدالله بن المبارك بن أبي نَصر المبارك بن زُوما، أبو بكر الأزجيُّ البَزَّاز. روى عن أبي القاسم بن الحُصين، وزاهر الشَّخَامي. روى عنه تَمِيم بن (١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٢٢. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٠٣ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ١٩٠. ٨٧٩ أحمد، ويوسف بن خليل، وغيرُهما. وتوفي بعد الذي قبله بيومين(١). ٣٤٩- عبدالخالق بن أبي هاشم محمد بن المبارك، الشريف أبو جعفر الهاشميُّ الكوفيُّ القَصريُّ؛ قَصر الكوفة. روى عن هبة الله بن الخُصين(٢). ٣٥٠- عبدالعزيز بن أبي بكر بن عبدالعزيز بن صِيْلا الحَربِيُّ الخَبَّاز. روى عن سعيد ابن البنَّاء. وتوفي في سابع شعبان . روی عنه ابن خلیل. ٣٥١- عتيق بن هبة الله بن ميمون بن عتيق بن وَردان، أبو الفَضْل، من ذُرِّية عيسى بن وردان التابعي، المِصْريُّ. حدَّث عن أبيه، عن آبائه بنُسخةٍ مُنكرةٍ بعيدة من الصِّحَّة. روى عنه ولده المُحدِّث أبو المَيْمون عبدالوهاب، وغيرُه. توفي في العشرين من شعبان(٣). ٣٥٢- علي بن أحمد بن محمد بن كَوثر، أبو الحسن المُحاربيُّ الغَرناطيُّ. سمع من أبيه أبي العباس. وحَجًّا معًا، فسَمِعا بمكة من أبي الفتح الكَرُوخي سنة سَبع وأربعين ((جامع أبي عيسى)). وأخذ القراءات بمكة عن أبي علي ابن العَرْجاءَ القَيْرواني، وأبي الحسن بن رضا البَلَنسي الضَّرير، وسمع منهما، ومن أبي الفَضْلِ الشَّيباني، وأبي بكر بن أبي الحسن الطُّوسي. وقرأ بمصر على أحمد بن الخُطَيئة سنة ثلاثٍ وخمسين، وعلى الشريف أبي الفُتُوح الخطيب. وأخذ العربية عن ابن بَرِّي. وحمل عن السِّلَفي كثيرًا. وتصدّر بغرناطة للإقراء والرِّواية، وصَنَّ في القراءات، وأخذ الناس عنه، وتوفي في ربيع الآخر (٤). (١) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٠٧ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ١٩١. (٢) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٠١. (٣) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٠٤. (٤) من تكملة ابن الأبار ٢١٧/٣ - ٢١٨. ٨٨٠