النص المفهرس

صفحات 721-740

واستخلص دلدمر(١) وبني عمه كبراء الباروقية من اعتقال ابن أخيه الملك
الظاهر، ثم قدم دمشق فأصلح بين الأخوين الأفضل والعزيز، على أن للعزيز
من بَيسان إلى أسوان. وقدم الظاهر من حلب إلى دمشق، ثم عاد كلٌّ إلى
بلاده. وتزوَّج العزيز بابنة عمِّه العادل.
قلتُ: وذلك من دَهَاء الملك العادل فإنه بَقِيَ يلعبُ بأولاد أخيه لعبًا،
فإنه قدم من حلب بصاحبها، وبصاحب حَماة ناصر الدين محمد بن عُمر،
وبصاحب حمص، وغيرهم، واتَّفقوا على حِفْظ دمشق. وأوضح لهم العادل
بأن الملك العزيز إنْ مَلَكَ دمشق أخذ منكم بلادكم. فلمّا رأى العزيز اجتماعهم
فَتَرَ وراسل في الصُّلْح، فاستقرَّت القاعدة على أن يكون له مَمْلكة فِلَسطين،
وهي البيت المقدس وبلادها مع مصر، على أن للعادل إقطاعه الأول بمصر،
وأن يكون نائبًا للسَّلْطنة بمصر. وأن للملك الأفضل دمشق، والأُرْدنَّ، وأن
للظَّاهر مَمْلكة حلب مع جَبَلة واللَّذقية. وتفرَّقوا على ذلك. وخرج الأفضل
فودّع أخاه الملك العزيز.
قال العماد الكاتب(٢): قال لي الأفضل: كنتُ قد فارقت أخي منذ تسع
سنين، وما التقينا إلا في هذه السنة. قال: وأنشدني لنفسه في المعنى :
نَظَرْتُكَ نَظْرةً من بَعْد تِسع تقضَّت بالتَّفْرُّق من سِنين
مسافة قُرب طَرْفٍ من جبين
وغضَّ الطَّرْف عنها طَرْف غَدْرِ
فوَيْحَ الدَّهْر لم يسمح بقُرْبٍ يعيدُ به الهجوعَ إلى الجُفُون
يعيدُ إلى الحَشَا عَدَم السُّكون
فراقًا ثم يُعقبُهُ بَيْرٌ
يرتِّبَ جيشَ بُعدٍ في الكمين
ولا يُبدي جيوشَ القُرْبِ حتى
ولا يُدني محلِّي منك إلا إذا دارتْ رَحَى الحَرْبِ الزَّبُون
فَلَيْتَ الذَّهْر يسمحُ لي بأُخرى ولو أمضى بها حُكْمَ المنون
فقلتُ: لله درُّك ما أبدع هذا المعنى، فكاتِب أخاك بما فيه استعطاف
واستلطاف.
قال العماد: فلو تُرك الأفضلُ وفِطْنته الذَّكية، لجرت الأمور على
(١) في المطبوع من ذيل الروضتين: ((ولديه))، وهو تحريف قبيح.
(٢) في كتابه الفتح القسي، والمصنف ينقل من مفرج الكروب ٣/ ٣٧ فما بعدها .
تاريخ الإسلام ١٢ / م٤٦
٧٢١

السَّداد، ولكن أصحابهُ وجلساءهُ أفسدوا أحواله، ورموا أكابر أمرائه بالمكاتبة
والخيانة، فوقعت الوَحْشة، وقالوا له: أنت أحقُّ بالسَّلْطنة، وأنت أكبر
الإخوة، وأنت وَلِيُّ عَهْد أبيك. فتفرَّق عنه كبراء دولته، وتوجّهوا إلى العزيز.
فكان إذا قدم منهم أميرٌ بالَغَ في إكرامه، فأخذوا يُحرِّضون العزيز على قَصْد
دمشق. وأقبل الأفضل مع هذا على الشُّرب والأغاني ليله ونهاره، وأشاع
نُدماؤه أن عمَّه العادل حَضَرَ عنده ليلةً، وحسَّنَ له ذلك واستحسن المجلس،
وقال: أي حاجة لك إلى التَّكثُّم، ولا خير في اللَّذَّات دونها سِتر. فقَبِلَ وصية
عمِّه وتظاهر، ودَبَّرَ وزيرُه الأمور برأيه الفاسد. ثم إن الأفضل أصبح يومًا تائبًا
من غير سَبَب، وأراق الخُمُور، وأقبل على الزُّهد، ولَبِسَ الخَشِنَ وأكثر التَّعْبُّد،
وواظب على صيام أكثر الأوقات، وشَرَعَ في نَسْخِ مُصحف، وضرب أواني
الشُّرب دراهم ودنانير، واتَّخذ لنفسه مجلسًا مسجدًاً وجالسَ الفقراء.
قال ابن واصل(١)، وغيره: ولكنه كان قليلَ السَّعَادة، ضعيفَ الآراء.
(١) مفرج الكروب ٣٨/٣.
٧٢٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
(الوفيات)
الموتی سنة إحدى و ثمانين وخمس مئة
١- أحمد بن سالم بن نَبْهان، أبو سعيد الأسديُّ المُطَوِّعيُّ القاضي.
حدَّث في هذا العام بالإجازة ببغداد عن أحمد بن محمد الزَّمخشري.
روى عنه أحمد بن محمود الواسطي. ومولده سنة خمس مئة.
٢- أحمد بن محمد بن عبدالله بن أحمد، أبو العباس ابن اليتيم
الأنصاريُّ البَلَنسيُّ الأَنْدَرشيُّ المقرىء.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن مَوْهب الجُذَامي، وأبي علي بن
عَرِيب (١)، وأبي إسحاق بن صالح، وأبي العباس ابن العِرِيف، وجماعةٍ لَقِيَهم
بالمَرِيةِ وسمع منهم، ومن ابن وَرْد، وابن عطية، وابن اللَّوَّاز وأجاز له أبو علي
ابن سُكَّرة. وتصدّر للإقراء بمالقة، وأخذ الناس عنهم.
قال الأبار (٢): حدثنا عنه ابنه أبو عبدالله، وأبو القاسم بن بَقِي، وأبو
الخَطَّبِ الكَلْبيُّ. وتوفي في رمضان بالمَرِية.
٣- أحمد بن محمد بن أحمد بن علي ابن الطَيبي، أبو العباس
31
المُعَذَّل، والد الوزير أبي المظفَّر عبيدالله.
سمع من المُعَمَّر بن محمد البَيِّع، وقاضي المَرِستان. وحدَّث(٣).
٤- إبراهيم بن محمد بن المنذر بن أحمد بن سعيد بن ملكون،
الأُستاذ أبو إسحاق الحَضْر ميُّ النَّحْويُّ الإشبيليُّ.
(١) قيده المصنف في المشتبه ٤٥٥، ووقع في طبعتنا من معرفة القراء ٢/ ٥٥٧: ((غريب)) من
غلط الطبع، فيصحح.
(٢) في التكملة ٧٦/١.
(٣) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٦ (شهيد علي). وتنظر التكملة للمنذري، الورقة ٢.
٧٢٣

سمع من أبي مَروان الباجي، وشُرَيح بن محمد، وعبَّاد بن سِرْحان،
وأبي الوليد بن حَجَّاج، وأبي القاسم ابن الرَّمَّاك، وعنهما أخذ علم العربية
والأدب فرَأْسَ فيهما وبَرَعَ. وأجاز له أبو الحسن بن مُغيث، وجماعةٌ.
واشتُهِرَ اسمه وصَنَّف ((إيضاح المَنْهج)) جمع فيه بين كتابي ابن جِنِّي على
((الحماسة)): ((التَّنبيه)) و((المُبْهجِ))، وصنَّ غير ذلك.
أخذ عنه جماعةٌ من الجِلَّة، وأجاز لأبي سُليمان بن حَوْط الله .
وتوفي باشبيلية، ودُفن بداره .
حَمَل عنه أبو علي الشَّلَوْبين، والقاضي أبو مروان الباجي(١).
٥- إسماعيل بن مكِّي بن إسماعيل بن عيسىٍ بن عَوْف، من وَلَد
حُميد بن عبدالرحمن بن عَوْف، صَدر الإسلام أبو الطّاهر القُرشيُّ الزُّهريُّ
الإسكندريُّ الفقيه المالكيُّ.
وُلد سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة، وتفقه على أبي بكر الطَّرْطُوشي،
وبَرَعَ في المذهب وأقرأ الناس، وتخرَّج به جماعة. وسمع من الطَّرْطُوشي،
وأبي عبدالله محمد بن أحمد الرازي.
كتب عنه الحافظ أبو طاهر بن سِلَفَة وهو من شيوخه. وحدَّث عنه
الحافظ عبدالغني المقدسي، وعبدالقادر الزُّهَاوي، وعلي بن المُفضَّل،
وآخرون، وأحفادُه الحسن وعبدالله وعبدالعزيز بنو الفقيه عبدالوهاب ولده.
ورحل إليه السُّلطان صلاح الدين يوسف، وسمع منه ((الموطأ)).
توفي في الخامس والعشرين من شعبان(٢).
٦- بهلوان بن إلْدِكز، الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق
العَجَم أصبهان والرَّي وبلاد أرَّان.
كان أبوه الأتابك إلذْكز كبير القَدر، وكان أتابك السُّلطان رسلان شاه بن
◌ُغريل بن محمد بن مَلِكشاه، فمات هو وسلطانه في سنة سبعين وخمس مئة،
فتملَّكَ البهلوان إلى أن مات في آخر هذا العام، وقام بعده الملك قُزل أخوه من
(١) من تكملة ابن الأبار ١٣٥/١.
(٢) أكثره من التكملة للمنذري (الورقة ٧) من نسختي الخطية غير المنشورة، وهي قطعة فيها
الجزء الأول من الكتاب دلني عليها صديقي العلامة محمد المنوني، وأهداني صورة
منها جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب طيب الله ثراه، إذ هي في خزانته الخاصة.
٧٢٤

أمِّه، فبَقِيَ إلى أن مات سنة سَبع وثمانين وخمس مئة. وكان البهلوان قد أقام
في المُلك طُغريل بن أرسلان شّاه آخر ملوك بني سُلجوق، فكان من تحت
حُكم البهلوان.
وخَلَّف البهلوان فيما قيل خمسة آلاف مملوك وثلاثين ألف دابّة، ومن
الأموال ما لا يُحصى.
ثم قوي طُغريل وتحارب هو وقزل، وجَرَت أمور طويلة (١).
٧- ثَعْلَب بن علي بن حسن، أبو الوَحْش الأنصاريُّ المِصْريُّ
الكاتب .
روى عن عبدالله بن رفاعة، وأحمد بن الخُطَيئة. وعنه الحافظ ابن
المُفضَّل(٢) .
٨- الحسن بن سعيد بن أحمد ابن البَنَّء، أبو محمد، من بيت
الحدیث والإسناد.
قد ذكرناه في سنة اثنتين وسبعين(٣). وبعض الناس ذكر أنه مات في هذا
العام في شعبان، فالله أعلم.
٩- الحسن بن محمد بن عبيدالله، أبو علي المقدسيُّ ثم المصريُّ،
عرف بابن القطّان، والد القاضي أبي عبدالله محمد، ويعرف برضي الدولة.
لا رواية له (٤)
١٠ - حياة بن قيس بن رخَّال بن سُلطان الأنصاريُّ الحَرَّانيُّ الزَّاهد،
شيخ حَرَّان وصالحها، قُدوة الزُّمَّاد بها .
كان عبدًا لله صالحًا، ناسكًا، قانتًا لله، صاحبَ أحوالٍ وكَرَاماتٍ وصِدْقٍ
وإخلاصٍ وجَدِّ واجتهادٍ، وتعقُّفٍ وانقباضٍ. كانت الملوك والأعيان يزورونه
ويتبرَّكون بلقائه. وكان كَلِمةَ إجماع بين أهل بلده.
وقيل: إنَّ السُّلطان نور الدينَ بن زَنْكي زارَهُ واستشاره في جهاد الفِرَنج،
(١) ينظر الكامل ٥٢٥/١١ - ٥٢٦، ومرآة الزمان ٣٩١/٨ - ٣٩٢.
(٢) من التكملة للمنذري، الورقة ٧.
(٣) تقدم في الطبقة الماضية (الترجمة ٣٤).
(٤) من تكملة المنذري، الورقة ٨ - ٩.
٧٢٥

فقوَّى عَزْمه ودعا له، ولمَّا توجه السُّلطان صلاح الدين إلى حَرْب صاحب
المَوصل دخل على الشيخ حياة وطلب منه الدُّعاء، فأشار عليه بتَرْك المسير إلى
المَوْصل، فلم يقبل، وسار إليها فلم يظفر بها .
ومن شيوخه أبو عبدالله الحُسين البَواري الرجل الصالح تلميذ الشيخ
مُجَلِّي بن یاسین.
وللشيخ حياة سيرةٌ في نحو مُجلَّد كانت عند ذُرِّيته، فلمَّا استولت التَّتار
الغازانية على الشام نُهبت فيما نُهب بالصالحية. وقد بَلَغَنا عنه أنه كان مُلازمًا
لزاويته بحَرَّان نحوًا من خمسين سنة لم تَفْته الجماعةُ إلا من عُذرٍ شَرْعيٍّ.
وكان بَشُوشَ الوَجه، ليِّنَ الجانب، رحيمَ القَلب، سخيًّا كريمًا، مُحبًّا
لله، راجيًا عَفْوه وكَرَمه، صاحبَ ليلٍ وتهُّدٍ .
انتقل إلى الله في ليلة الأربعاء سَلخ جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين
هذه، وله ثمانون سنة رحمه الله، ولم يخلّف بحَرَّان بعده مثله.
نقلتُ كثيرًا من ترجمته من ((تاريخ)) صاحبنا العَدل الجليل شمس الدين
أبي المجد محمد بن إبراهيم ابن الجَزَري، وهو تاريخ مُفيد استفدتُ منه أشياء
مطبوعة لا تكاد تُوجد إلا فيه. وقد كنتُ انتخبتُ منه مُجددًا هو الآن ملك الفقيه
المُحدِّث الأوحد صاحبنا صلاح الدين خليل بن كيكلدي الشافعي، حَفِظَه الله
وأصلحه(١).
١١- سعد الدين، وَلَد الأمير مُقَدَّم الجيوش معين الدِّين أُنْر، اسمه
مسعود .
كان من أكابر الأمراء الثُّورية والصَّلاحية لأَبُوَّته ولمكان أُخته الخاتون
زوجة نور الدين وصلاح الدين.
توفي في هذه السَّنة بعد أُخته بيسير .
وكان زوجَ ربيعة خاتون أُخت السُّلطان صلاح الدين، فتَزوَّجَ بعده بها ابن
(٢)
صاحب إربلٌ
.
(١) وصل إلينا بخطه، وحققه السيد خضير عباس المنشداوي وطبع ببيروت سنة ١٩٨٨، وهو
يبدأ من سنة ٥٩٥ وينتهي بسنة ٦٩٨ .
(٢) ينظر مرآة الزمان ٣٨٥/٨، وابن صاحب إربل هو مظفر الدين كوكبري الذي تولى حكم
إربل بعد أبيه .
٧٢٦

١٢- سعيد بن أبي البقاء الموفَّق بن علي بن جعفر، أبو محمد
النَّيسابوريُّ ثم البغداديُّ الصُّوفيُّ الخازن.
صَحِبَ شيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سَعد، وكان برباطِهِ .
وُلد سنة خمسٍ وخمس مئة، وسمع هبة الله بن الحُصَين، والحُسين بن
الفَرُخان السِّمْناني. روى عنه ابنه محمد، وعبدالعزيز بن دُلف، وجماعةٌ (١).
١٣- شاكر بن عبدالله بن محمد بن عبدالله، الرّئيسُ أبو اليُسر
التََّوخِيُّ المَعَرِّيُّ ثم الدِّمشقيُّ كاتب الإنشاء.
كان أديبًا فاضلاً، جليلاً، ذكيًا، شاعرًا. قرأ الأدب على جَدِّه القاضي
أبي المَجْد محمد بن عبدالله بحَماة. وسمع من أبي عبدالله الحُسين ابن
العَجَمي، وغيرِه. وحدَّث.
ووُلد بشَيْزَر في سنة ستٍّ وتسعين وأربع مئة.
روى عنه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر مع تقدُّمه، وهو جَدُّ المُحدِّث
تقي الدين إسماعيل .
وكان كاتبَ إنشاء ديوان الملك نور الدين.
وروى عنه أيضًا ابنه إبراهيم، وأبو القاسم بن صَصْرى(٢).
١٤ - شاه أرمن، صاحب مَمْلکة خِلاَط .
توفي بها في تاسع ربيع الآخر، وتَملَّكَ بعده مملوكه بكتمر(٣).
١٥- عبدالله، أبو طالب ابن النَّقَيب الطاهر أبي عبدالله أحمد بن علي
ابن المُعَمَّر العَلَويُّ الحُسينيُّ البغداديُّ النََّيب.
وَلَيَ النَّقابة بعد أبيه، وله شِعرٌ جَيِّدٌ (٤).
١٦- عبدالله بن أسعد بن علي بن عيسى، مهذَّب الدين أبو الفَرَج
ابن الدَّهَّان المَوْصليُّ الفقيه الشافعيُّ الأديب الشاعر، ويُعرف أيضًا
بالچِمْصي.
(١) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٦٥ (باريس ٥٩٢٢)، وتنظر التكملة المنذرية، الورقة ٤ .
(٢) تنظر تكملة المنذري، الورقة ٣.
(٣) ينظر الكامل لابن الأثير ٥١٣/١١.
(٤) من تكملة المنذري، الورقة ٥.
٧٢٧

له دیوان صغیر، کان مجموع الفضائل.
لمَّا ضاقت به الحال بالمَوْصل وعزم على قَصد الملك الصالح طلائع بن
رُزِّيك وزير مصر، كتب إلى الشريف ضياء الدين زيد بن محمد نَقِيب
المَوْصل(١) :
وذات شَجْوٍ أسالَ البَيْنُ عَبْرَتَها باتت تُؤمِّلُ بالتَّقييد إمساكي
لَجَّت فلمَّا رأتني لا أُصيخُ لها بكت فأقرحَ قَلْبِي جَفْنُها الباكي
قالت وقد رأتِ الأجمالَ مُخدجَةً والبَيْنُ قد جمع المشكُوَّ والشَّاكي:
مَن لي إذا غبتَ في ذا المحل قلتُ لها اللهُ وابنُ عبيد الله مَوْلاكِ
فقام الثَّقيب بواجب حقِّها مدة غَيْبته بمصر .
ومَدَحَ ابن رُزِّيك بالقصيدة الكافيّة التي يقول فيها(٢):
أأمدحُ التُّرْكَ أبغي الفَضْلَ عندهُمُ والشِّعرُ ما زال عند التُّرْكِ متروكا؟
لا نِلتُ وَصْلَك إنْ كان الذي زعموا ولا شفا ظَمَأي جودُ ابن رُزِّيكا
ثم تقلَّبت به الأحوال، وتَوَلَّى التَّدريس بحمصَ. ثم قدم على السُّلطان
صلاح الدین، فأحسن إليه، وله فيه مدائح جيدة.
ومن شعره(٣):
يُضحي يُجَانِبُني مُجانبةَ العِدَى ويَبيتُ وهو إلى الصَّباحِ نديمُ
ويمرُّ بي يخشى الرَّقيبَ فلفظُه شتْمٌ، وغنجُ لحاظه تسليمُ
وله (٤):
قالوا: سلا، صَدَقُوا، عن السُّلْـ ـوان ليس عن الحبيب
قالوا: فَلم تَرَكَ الزِّيا رة؟ قلتُ: من خَوْفِ الرَّقيبِ
قالوا: فكيف تعيش مع هذا؟ فقلتُ: من العجيبِ
(١) الأبيات في ديوانه ١٨٢ (بتحقيق الدكتور عبدالله الجبوري).
(٢) تنظر تكملة الديوان، وهما من قصيدة طويلة ٢١٩ - ٢٢٣.
(٣) تكملة الديوان ٢٣٠ .
(٤) هذه الأبيات ليست له، توهم المصنف حين نقلها من وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٦٠
إذ جاءت في آخر ترجمته ولكنها للشريف أبي عبدالله زيد بن محمد الحسيني نقيب
العلويين بالموصل والمتوفى بها في سنة ٥٦٣ .
٧٢٨

ومن شعره(١):
تُردي الكتائبَ كُتْبُهُ فإذا انبرت لم تَدْرِ أنفذ أسطُرًا أم عسكرا
لم يَحسُن الإترابُ فوق سُطُورها إلا لأنَّ الجيش يَعقدُ عِثْرا(٢)
وقال جمال الدين القِفْطي(٣): ابن الدَّهَّان نَحويٌّ، أديبٌ، شاعرٌ، قَدِمَ
الشام صُحبة أبي سَعد بن عَصرُون، وكان يَلْزم دَرْسه، ثم إنه وَلَيَ التَّدريس
بحمص .
توفي في شعبان بحمص (٤).
١٧ - عبدالله بن سماقة، قِوَامُ الدین أبو محمد وزیر ابن قَرا رسلان.
دخل عليه في ثامن رمضان مماليكُ مخدومه فطلبوه إلى الخِدْمة فجاء
ودخل في الدِّهليز، فأغلقوا الباب الذي دخل منه، والباب الذي من جهة الأمير
وقتلوه، وأخرجوه.
١٨ - عبدالله بن محمد بن أبي عبيد البَكْريُّ القُرْطبيُّ، أبو عبيد.
روى عن جعفر بن مكِّ، وأبي جعفر البِطْرَوجي، وغيرِهما. وكان من
أهل المعرفة باللُّغة والأدب. وكان جَدُّه أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز من
مَفاخر الأندلس. وهذا أخذ عنه أبو القاسم بن بَقِي، وأبو القاسم الملاحي،
وابنا حَوْط الله. وتوفي بقُرطُبة عن أربع وسبعين سنة في جمادى الأولى؛ قاله
الأبار (٥).
١٩- عبدالحق بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حُسين بن سعيد، أبو
محمد الحافظ الأزديُّ الإشبيليُّ، ويُعرف أيضًا بابن الخَرَّاط .
روى عن شُرَيح بن محمد، وأبي الحَكَم بن بَرَّجان، وعُمر بن أيوب،
وأبي بكر بن مُدير، وأبي الحسن طارق، وطاهر بن عطية. وأجاز له مُحدِّث
الشام أبو القاسم ابن عساكر، وغيرُه. ونزل بِجَاية وَقت فتنة الأندلس بانقراض
(١) الديوان ٥١ - ٥٢ .
(٢) من وفيات الأعيان ٣/ ٥٧ - ٦٠.
(٣) إنباه الرواة ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٤) هكذا قيد المنذري وفاته (التكملة، الورقة ٨).
(٥) في التكملة ٢٧٦/٢ .
٧٢٩

الدولة اللَّمْتُونية، فبثَّ بها عِلْمه وصنَّف التَّصانيف، ووَليَ الخُطبة والصَّلاة
بها .
قال الأبار(١): وكان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعِلَله، عارفًا
بالرجال، مَوْصوفًا بالخير والصَّلاح والزّهد والوَرَع ولُزُومِ السُّنَّة والتَّقلُّل من
الدنيا، مشاركًا في الأدب وقَوْل الشِّعر. وقد صنَّف في الأحكام نُسختين
((كُبرى)) و((صُغرى)). سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مَروان الشَّهيد
بَلْبَلة، فحَظِيَ عبدالحق دونه. وله ((الجمع بين الصحيحين)) مُصنَّف، وله
مُصنَّف كبير في ((الجمع بين الكُتُب السِّنَّة))، وله كتاب في ((المُعْتَل من
الحديث))، وكتاب في ((الزَّقائق))، ومُصنَّفات أُخر. وله في اللَّغة كتاب حافل
ضاهى به كتاب ((الغَرِيبين)) للهَرَوي. حدثنا عنه جماعة من شيوخنا. وُلد سنة
عشرٍ وخمس مئة، وتوفي ببِجَاية بعد مِحْنةٍ نالته من قبل الولاة في ربيع الآخر.
ومن شعره:
واهًا لدنيا ولمغرورها كم شابتِ الصَّفو بتَكْدِيرها
أي امرىء أُمّن في سِربه ولم يَنَلهُ سوء مقدورها
وكان ذا عافيةٍ جسمُهُ من مَسَّ بَلواها وتغييرها
وعنده بُلغة يوم فقد حيزَت إليه بحذافيرها
سمع من ابن عطية ((صحيح مسلم))، عن محمد بن بشر، عن الصَّدَفي،
عن العُذري، نازلاً .
وذكر ابن فرتون أنَّ وفاته كانت سنة اثنتين وثمانين. وقال: حدثني عنه
أبو ذَرٍّ، وأبو الحَجَّاج ابن الشيخ، وأبو عبدالله بن نَقَيْمَش. وحدثني أبو العباس
العَزَفي(٢) بسَبْتَة، قال: كتب إليَّ عبدالحق، قال: حدثنا عبدالعزيز بن خَلَف بن
مدير، قال: حدثنا أبو العباس العُذري، قال: حدثنا محمد بن نوح بمكّة،
قال: حدثنا الطَّبراني، فذكر حديثاً.
ومن شعره رحمه الله تعالی :
(١) التكملة ٣/ ١٢٠ - ١٢١.
(٢) قيده المصنف في المشتبه ٤٥٣ .
٧٣٠

إن في المَوْت والمَعَادِ لشُغلاً وادِّكارًا لِذي النُّهى وبَلاغا
فاغْتَنم خُطَّتين قبل المَنّايا صحة الجِسْم يا أخي والفَرَاغا(١)
قلتُ: وروى عنه أبو الحسن علي بن محمد المَعَافري خطيب الأندلُس.
٢٠- عبدالرحمن بن إسماعيل بن جعفر بن أحمد بن صولة، أبو
القاسم المصريُّ المالكيُّ الكاتب المعدّل.
حدث عن الفقيه سُلطان بن إبراهيم المقدسي.
توفي في ذي القَعدة(٢) .
٢١- عبدالرحمن بن أيوب بن تَمَّام، أبو القاسم الأنصاريُّ
المالَقيُّ.
روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن شُريح، وأبي جعفر
البِطْروجي، وجماعةٍ. وكان عالمًا بالعربية واللّغة والآداب، مُبرِّزًا فيها، مع
مُشاركةٍ في الفقه والحديث. استوطن دانية وأقرأ بها العربية، وأسمع الحديث؛
روى عنه جماعة. وتوفي في شوال؛ قاله الأبار(٣).
٢٢- عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد بن أصْبغ بن الحُسين بن
سَعْدون بن رضوان بن فتوح، الإمام الحَبْر أبو القاسم وأبو زيد، ويُقال
أيضًا: أبو الحسن، ابن الخطيب أبي محمد ابن الخطيب أبي عُمر بن أبي
الحسن الخَتعميُّ السُّهَيليُّ الأندلسيُّ المالَقيُّ النَّحويُّ الحافظ صاحب
المُصنَّقَات.
أخذ القراءات عن سُليمان بن يحيى، وبعضها عن أبي علي منصور بن
الخَيِّر. وسمع أبا عبدالله المعمر، وأبا بكر ابن العربي، وأبا عبدالله بن مكي،
وأبا عبدالله بن نجاح الذَّهبي، وجماعةً. وأجاز له أبو عبدالله ابن أُخت غانم،
وغيرُه. وناظَرَ على أبي الحُسينِ ابن الطَّراوة في ((كتاب سيبُوية)). وسمع منه
كثيرًا من كُتُب اللُّغة والآداب. وكُفَّ بَصَرُه وهو ابن سبع عشرة سنة .
وكان عالمًا بالقراءات، واللُّغات، والغريب، بارعًا في ذلك. تصدَّر
(١) البيتان في التكملة الأبارية ١٢١/٣.
(٢) من التكملة للمنذري، الورقة ٩.
(٣) في التكملة ٣٣/٣.
٧٣١

للإقراء والتَّدريس والحديث وبَعُدَ صِيتُه، وجلَّ قَدره. جَمَعَ بين الرِّواية
والدِّارية، وحَمَلَ الناس عنه، وصنَّف ((الرَّوْض الأُنُف)) في شَرح ((السِّيرة)) لابن
إسحاق، دلَّ على تَبَخُره وبَرَاعته، وقد ذكَرَ في آخره أنه استخرجه من نٍَّ
وعشرين ومئة ديوان(١).
وللسُّهَيلي في ابن قرقول :
سَلاَ عن سَلاَ أهل المعارف والُّهى بها ودعا أُمَّ الرَّباب ومَأْسَلَا
بَكَيتُ دمًا أزمانَ كان بِسَبْتَة فكيف التَّأْسِّي حين منزلهُ سَلاً
وقد طالَ هذا البُعد والقَلْبُ ما سَلاَ
وقال أُناسٌ: إنَّ في البُعدِ سَلْوةً
تحيَّته الحُسنى مع الرِّيح أرْسَلاَ
فَلَيتَ أبا إسحاق إذْ شطت النَّوى
فعادت دَبُور الرِّيح عندي كالصَّبا لدى عُمر إذا مرَّ زيد تنسَّلا
وقد كان يُهديني الحديثَ مُعَنْعنًا فأصبح مَوْصولُ الأحاديث مُرْسلاً
وله كتاب ((التَّعريف والإعلام بما أُبهمَ في القرآن من الأسماء الأعلام))،
وكتاب ((شَرْح آية الوَصِيَّةِ))، و((شَرْحِ الجُمل)) ولم يُتَمَّه. واستُدعي إلى مَرَّاكُش
ليُسمع منه بها، وبها توفي في الخامس والعشرين من شعبان هو والإمام أبو
الطاهر إسماعيل بن عَوْف شيخ الإسكندرية في يومٍ واحد، وعاش ثنتين أو ثلاثًا
وسبعين سنة .
قال ابن خَلِّكان(٢): فتوح جدُّهم هو الدَّاخل إلى الأندلس، سمع منه أبو
الخَطَّاب بن دحية. وقال: كان ببلده يتسوَّعْ بالعَفَاف، ويتبلَّغُ بالكَفَاف، حتى
نُمَيَ خَبَره إلى صاحب مَرَّاكُش، فطلبه وأحسن إليه وأقبل عليه. وأقام بها نحوًا
من ثلاثة أعوام. وسُهَيل قرية بالقُرب من مالَقة سُمِّيت بالكَوْكب، لأنه لا يُرى
من جميع الأندلس إلا من جبلٍ مُطلِّ على هذه القرية.
ثم وجدتُ على كتاب ((الفرائض)) للسُّهَيلي أنه وُلد بإشبيلية سنة ثمانٍ
وخمس مئة، وأنه وَلَيَ قضاء الجماعة، فحَسُنت سيرتُهُ(٣).
(١) من تكملة ابن الأبار ٣٢/٣ - ٣٣.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٣) وتنظر تكملة المنذري، الورقة ٨.
٧٣٢

٢٣- عبدالرحمن بن محمد بن الحُسين بن علي، أبو القاسم السِّبْيُّ
ثم المِصْريُّ الرجل الصالح، المعروف بابن نُخَيْسة الجَيَّار.
وُلد سنة ثمانٍ وخمس مئة. وسمع من سُلطان بن إبراهيم المقدسي،
وأجاز له محمد بن عبدالله بن الحسن بن طَلحة التِّنِيسي ابن النَّخَّاس. روى عنه
المصريون .
قال الحافظ زكي الدين المُنذري(١): حدثنا عنه جماعةٌ من شيوخنا.
وسِبية: مثل صِبية بباء مُوحدة(٢)، من قُرى عَسْقلان، ونُخَيسة والنَّخَّاس: بنون
ثم خاء مُعجمة فيهما(٣). والجَيَّر: بجيم ثم ياء آخر الحروف (٤).
٢٤- عبدالرحمن بن علي بن عبدالرحمن بن عباس، أبو القاسم
وأبو محمد الجُذاميُّ المقرىء، نزيل سَبْتة.
روى عن أبي الحسن بن مُغيث، وأبي عبدالله بن مكِّي، وأبي الحسن
شُرَيح وقرأ عليه القرآن، وعلى أبي القاسم بن رضا. وتصدّر للإقراء
والتحديث؛ حدث عنه أبو سُليمان وأبو محمد ابنا حَوْط الله، وأيوب بن
عبد الله، وغيرُهم(٥).
٢٥ - عبدالرزاق بن نَصر بن المُسَلَّم بن نَصر، أبو محمد وأبو مسلم
الدِّمشقيُّ النَّجَّارِ البَنَّء.
سمع من أبي طاهر محمد بن الحُسين الحِنَّائي، وأبي الحسن ابن
المَوَازيني، وهبة اللهِ ابن الأكفاني، وأبي عبدالله محمد بن علي بن أبي العلاء،
وأبي الحسن بن مُسَلَّم الفقيه، وعبدالرحمن بن صابر.
(١) التكملة، الورقة ١٠.
(٢) هكذا نقل عن المنذري، وإنما قال المنذري: ((بكسر السين المهملة وسكون الباء الموحدة
وفتح الياء آخر الحروف وبعدها تاء تأنيث قرية بالساحل قريبة من عسقلان)).
(٣) في التكملة: ((بضم النون وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين
مهملة وتاء التأنيث)).
(٤) في التكملة: ((بفتح الجيم وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وبعد الألف راء مهملة،
وشيخه ابن النخاس بالنون والخاء المعجمة)). والذهبي رحمه الله يتصرف حتى يخرج عن
الحد.
(٥) من تكملة ابن الأبار ٥١/٣ - ٥٢.
٧٣٣

ووُلد في سنة سَبع وتسعين وأربع مئة، وتوفي في سادس ربيع الآخر(١).
روى عنه عبدالقادر الرُّهَاوي، وعبدالله ابن الخُشُوعي، وأبو المَعَالي
أحمد ابن الشِّيرازي، والشمس محمد بن عبدالهادي المقدسي، والأمين أبو
الغَنَائم سالم بن صَصْرى، والتاج محمد بن أبي جعفر القُرْطُبي، وآخرون.
٢٦- عبدالصَّمد بن الحُسين بن أبي الوَفَاء عبدالغفار، أبو المظفَّر
الكُلاهينيُّ(٢) الزَّنجانيُّ الصُّوفيُّ، الواعظ المعروف بالبديع .
وَعَظَ ببغداد دَهْرًا، وأخذ الوَعظ عن أبي النَّجيب السُّهْرَوردي وصَحِبِه.
وحدث بـ ((مُسند أحمد)) كله عن ابن الخُصَين. وروى أيضًا عن زاهر
الشَّخَامي.
قال ابن الدُّبيثي(٣): وكان له رباط بقراح القاضي يجلس فيه، وعنده
جماعة من الفقراء.
قلتُ: وقرأ عليه الحافظ أبو بكر الحازمي ((المُسْند)). وتوفي في ربيع
الآخر، وكان ذا تعبُّدٍ وتألُهٍ.
٢٧- عبيدالله بن عبدالله بن محمد بن نَجَا بن شاتيل، أبو الفتح
البغداديُّ الدَّبَّاس.
سمع أباه، والحُسين بن علي ابن البُسري، وأبا غالب محمد بن الحسن
الباقِلاَّني، وأحمد بن المظفر بن سُوسن، وأبا الحسن ابن العَلَّف، وانفرد
عنهم سوى أبيه، وأبا سَعد بن خُشَيش، وأبا القاسم علي بن الحسن الرَّبعي،
وأُبِيًّا النَّرْسي، وأبا علي بن نَبْهان، وطائفةً.
ووُجد سماعُه منقولاً بخطّ أبي بكر بن كامل على جزء الإفك، من أبي
الخَطَّاب ابن البَطِر سنة تسعين وأربع مئة، فسمعه عليه قَوْم، فإنْ كان سماعه
صحیحًا فتاريخه غلط، وإنْ كان تاريخه صحیحًا فیکون لأخ له باسمه مات.
قال ابن النَّجَّار (٤): مع أنَّ أكثر أصحاب الحديث أبطلوا سماعه من ابن
(١) من تكملة المنذري، الورقة ٣.
(٢) قال المنذري: وكلاهين من نواحي زنجان (التكملة، الورقة ٤).
(٣) في تاريخه، الورقة ١٧٦ (باريس ٥٩٢٢) ومنه أخذ المصنف الترجمة.
(٤) تاريخه ٢ / ٦٧ .
٧٣٤

البَطِر، فإنه ذكر أنَّ مَوْلده سنة إحدى وتسعين وأربع مئة. وقال بعضهم عنه:
إنه وُلد سنة تسع وثمانين وأربع مئة.
روى عنه أبو سَعد ابن السَّمعاني مع تقدُّمه، وابن الأخضر، والشيخ
الموفَّق، والبهاء عبدالرحمن، والعز محمد ابن الحافظ، وأبوه، وسالم بن
صَصْرى، ومحمد بن أبي بكر الحمامي، ومحمد بن علي بن بَقَاء السَّبَّك،
وفَضْل الله الجِيلي، وخَلْقٌ كثيرٌ(١).
وكان مُسندَ بغداد في عصره. وآخر من روى عنه بالإجازة الزين أحمد بن
عبدالدائم .
قال أبو الحسن محمد بن أحمد القَطِيعي: سألتُهُ عن مولده، فقال: في
ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وأربع مئة.
وتوفي في العشرين من رجب .
ووقع له حديثٌ بينه وبين أبي داود السِّجِستاني، فيه ثلاثة أنفس(٢).
٢٨- عُبيدالله بن علي بن غلندة، أبو الحَكَم الأندلسيُّ، مَوْلى بني
أُمیة.
نزل إشبيلية، وكان شاعرًا، طبيبًا، ماهرًا، بارعَ الخطِّ. نَقَلَ بِخَطِّه
الكثير. وطال عُمُرُه. وتوفي بمَرَّاكُش(٣) .
٢٩- عساكر بن علي بن إسماعيل بن نَصر، أبو الجيوش الصُّوريُّ
المولد الخَتْدقيُّ المنشأ المصريُّ المقرىء النَّحويُّ الشافعيُّ المُعدَّل.
وُلد سنة تسعين وأربع مئة، وأخذ القراءات عن أبي الحُسين أحمد بن
محمد بن شَمُول(٤) المقرىء، وعلي بن عبدالرحمن بن القاسم الحَضْرمي
نِقْطُوية، وأبي إسحاق إبراهيم بن أغلب النَّحوي، والشريف الخطيب. وسمع
من محمد بن أحمد الرازي، وتفقه على قاضي القضاة مُجلِّي بن جُميع. وقرأ
العربية على ابن بَرِّي، وغيرِه.
(١) وتنظر التكملة للمنذري، الورقة ٥ - ٦ .
(٢) الحديث في مشيخة النعال البغدادي ٧٤ .
(٣) من تكملة ابن الأبار ٣١٣/٢ - ٣١٤.
(٤) قيده أبو الخير الجزري في غاية النهاية ١٠٩/١.
٧٣٥

وتصدَّر للإقراء بدار العِلْم وبالجامع الظَّافري. وانتفع به الناس؛ أخذ عنه
عَلَم الدين السَّخاوي، وجماعةٌ. وتوفي في تاسع المحرّم، وكان رجلاً صالحًا
خَيِّرًا(١).
٣٠- عِصْمة الدين، الخاتون المحترمة بنت الأمير معين الدين أُثر،
زَوجة السُّلطان نور الدين، ثم زوجة السُّلطان صلاح الدین .
تزوَّجَ بها صلاح الدين في سنة اثنتين وسبعين، وكانت من أعفِّ النساء
وأجلُّهنَّ، وأوفرِهِنَّ حِشْمةً. وهي واقفة المدرسة الخاتونية بمحلَّة حجر الذهب
بدمشق، والخانقاه الخاتونية التي على بانياس. أما الخاتونية التي في آخر
الشرف القبلي فمنسوبة إلى زُمُرُّد خاتون بنت جاولي أخت الملك دُقاق لأُمِّه،
وزوجة أتابك زنکی والد نور الدین.
توفيت عِصمةُ الدين بدمشق في ذي القَعدة، وتُعرف بالخاتون العِصمية،
ودُفنت بتُربتها المنسوبة إليها بقاسِيون قِبْلي قبة شركس، ومنارتها كلها
حجر(٢).
٣١- عُمر بن عبدالمجيد بن عُمر بن حُسين، أبو خَفص القُرشيُّ
العَبْدَرِيُّ المَيَانشيُّ شيخ الحَرَم.
حدث عن القاضي أبي المظفر محمد بن علي بن الحُسين الشَّيباني
الطَّبَري، وأحمد بن مَعَدِّ الإقليشي، ومحمد بن علي المازري، وأبي طاهر
السِّلَفي. ولَقِيَ أبا عبدالله محمد بن أحمد الرَّازي وفَرَّط به، فأكثر ما عمل أنه
تناول منه ((سُداسياته)).
روى عنه عبدالرحمن بن أبي حَرَمي، وجماعةٌ. وآخر من حدث عنه
صَدر الدين أبو علي البَكْري.
توفي بمكة في جمادى الأولى. وكان مُحدِّثًا متقنًا صالحًا، صنف جزءًا
في ((ما لا يسع المُحدِّث جَهْله))(٣).
(١) أكثره من تكملة المنذري، الورقة ٢.
(٢) ينظر مرآة الزمان ٣٨٥/٨، وفيه وفاتها في شهر رجب.
(٣) جله من تكملة المنذري، الورقة ٥.
٧٣٦

٣٢- الفَضْل بن الحُسين بن إبراهيم بن سُليمان، أبو المجد
الحمیرُّ البانیاسيُّ، الرئیس عفیف الدین، من کبار شيوخ دمشق .
وُلد بها في رجب سنة خمس وتسعين وأربع مئة. وهو آخر من حَدَّث عن
أبي القاسم الكلابي. وحدَّث أيضًا عن أبي الحسن علي وأبي الفَضْل محمد
ابني الحسن ابن المَوَازيني، وغيرِهم. روى عنه موفّق الدين الحنبلي، والبهاء
عبدالرحمن، والحافظ الضُّياء، وعبدالرحمن بن أبي حَرَمي المكِّي، وآخرون.
وتوفي في سابع شوال.
ولم يكن من بانياس، وإنَّما خَزَن مرةً أرُزَّا كثيرًا من بانياس، فكان
الرَّزَّازون يقول أحدهم: اذهبوا بنا نشتري من البانِياسي. وإليه يُنسبُ الدَّرب
الذي في الكَثَّانيين(١).
٣٣- محمد ابن الملك أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان،
الملك القاهر ناصر الدين صاحب حمص، ابن عَمِّ صلاح الدين .
توفي بحِمص يوم عَرَفَة وَقْتِ الوَقْفة بمَرَضٍ حادِّ مُزعج، وتملَّك حِمصَ
بعده وَلَدُه الملك المجاهد أسد الدين شيركُوه فطالت أيامه.
وكان السُّلطان صلاح الدين قد مَرِضَ في هذه السَّنة بحَرَّان في شوال
حتى اشتدَّ مَرَضه وأوصى، فسار من عنده ناصر الدين محمد واجتاز بحلب،
وأخذ جماعة من الأحداث وأعطاهم مالاً ووَعَدَهم، وقدم حِمصَ فكاتَبَ أهل
دمشق بأن تكون له دمشق إنْ مات ابن عَمِّه. ثم عُوفي صلاح الدين .
وقيل: إنه سَكِرَ فقَتَله الخَمْر، وقيل: ابن عَمِّه سقاه سُمَّا، ونقلته زوجته
بنت عَمِّه ست الشام بنت أيوب إلى تُربتها بمدرستها الشامية بظاهر دمشق،
ودفنته عند أخيها شمس الدولة تورانشاه.
وكان مَوصوفًا بالشَّجاعة والإقدام، له نفسٌ أبية، وهمَّةٌ أيوبية.
قال ابن واصل(٢): شَرِبَ خَمرًا فأكثر منها فأصبح مَيًِّا. فأقطع السُّلطان
لولده الملك المجاهد وله اثنتا عشرة سنة، فتَملَّكَ حِمص بضعًا وخمسين سنة.
وذكر العماد الكاتب أن التَّرِكة بلغت ما قيمته ألف ألف دينار.
(١) تنظر تكملة المنذري، الورقة ٨.
(٢) مفرج الكروب ٢/ ١٧٤ و١٧٦ .
تاريخ الإسلام ١٢/ ٤٧٣
٧٣٧

٣٤- محمد بن عبدالواحد بن عبدالوهاب بن الحُسين بن علي،
الحافظ أبو سعد الأصبهانيُّ الصَّائغ.
وُلد سنة سَبع وتسعين وأربع مئة. وسمع من أبي القاسم غانم البُرجي،
وأبي علي الحَدَّاد، وحَمزة بن العباس العَلَوي، وجعفر بن عبدالواحد الثَّقْفي،
وصاعد بن سَيَّر الدَّمَّان، وأبي عدنان محمد بن أحمد، ويحيى بن مَنْدة، وقوام
السُّنَّة إسماعيل بن محمد التَّيمي، ومحمد بن عبدالواحد الدَّفَّاق، وطائفةٍ.
ورحل إلى الجبال وفارس وخُوزستان. وسمع بهَمَذَان من جُميع بن الحسن،
وأبي طاهر محمد بن عبدالغفَّار، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ. سمع
بشيراز من أبي منصور عبدالرحيم بن محمد بن أحمد الخطيب، وأبي الفتح هبة
الله بن الحسن، ومن جماعةٍ. وسمع بالأهواز من أبي القاسم عبدالعزيز بن
الحُسین.
وحدَّث وخرّج، وقد كتب عنه من أماليه الحافظ أبو سَعد السَّمعاني.
وروى عنه الحافظ عبدالغني، والفقيه أبو نزار ربيعة اليَمَني، وآخرون.
وبالإجازة كريمة، وابن اللَّتِّي. وتوفي في الثاني والعشرين من ذي القَعْدة(١).
٣٥- محمد بن علي بن محمد، أبو الفَوَارس العِجْليُّ البَعْقوبيُّ.
وُلد سنة إحدى عشرة وخمس مئة. وسمع من محمد بن طِرَاد، وعلي
ابن الصَّبَّاغ. وحدَّث(٢).
٣٦- محمد بن أبي بكر عُمر بن أبي عيسى أحمد بن عُمر بن
محمد، الحافظ الكبير أبو موسى المَدِينيُّ الأصبهانيُّ، صاحب التَّصانيف
وبقية الأعلام.
وُلد في ذي القَعدة سنة إحدى وخمس مئة. وسمع حضورًا في سنة ثلاثٍ
باعتناء والده من أبي سَعد محمد بن محمد المُطرِّز، ومات المُطرِّز في شوال
سنة ثلاثٍ وخمس مئة. وسمع من أبي منصور محمد بن مَنْدُوية الشُّرُوطي،
وغانم البُرجي، وأبي علي الحَدَّاد، وأبي الفتح محمد بن عبدالله خوروست،
(١) جله من تكملة المنذري، الورقة ٩ - ١٠.
(٢) من تاريخ ابن الدبيثي ١٣٢/٢، وهو في تكملة المنذري، الورقة ٤.
٧٣٨

وأبي الفتح محمد بن عبدالله الشَّرابي بَلِّيزة، وأبي الرَّجاء محمد بن أبي زيد
الجَرْكاني، ومحمد بن أحمد بن المُطهَّر العدناني، وأبي الفَضْل محمد بن طاهر
الحافظ، ومحمد بن الفَضْل القرابي القَصَّار، وأبي الرَّجاء أحمد بن عبدالله بن
مَنْدة، وإبراهيم بن أبي الحُسين محمد بن أبروية، وإبراهيم بن عبدالواحد بن
أبي ذَرِّ الصالحاني، وإسماعيل بن الفَضْل الإخشيد، وأبي القاسم إسماعيل بن
محمد بن الفَضْل الحافظ وبه تخرَّج وهو أُستاذه، وإسحاق بن أحمد
الراشتيناني(١)، وتميم بن علي الواعظ، وجعفر بن عبدالواحد الثقفي، وحمزة
ابن العباس العَلَوي، وأبي شُكر حَمد بن علي الحَبَّال، وحبيب بن أبي مسلم
الزَّاهد، ورجاء بن إبراهيم الخَبَّاز، وطلحة بن الحُسين الصالحاني، وطاهر بن
أحمد البَزَّاز، وأبي نَهْشَل عبدالصمد بن أحمد العَنْبري، وعبدالكريم بن علي
ابن فُورجة، وعبدالواحد بن محمد الدَّشْتج، وعثمان بن عبدالرحيم اللَّبيكي،
النَّيسابوري وعلي بن عبدالله النَّيسابوري الواعظ يرويان عن ابن مَسْرور، وغانم
ابن علي العَطَّار مُشْكة، ومحمود بن إسماعيل الصَّيْرفي الأشقر، ونَصر بن أبي
القاسم الصَّبَّاغ، ونوشروان بن شيرزاد الدَّيْلمي، وهبة الله بن الحسن
الأبْرقُوهي، وهبة الله بن الحُصَين؛ سمع منه ((المُسند))، وهبة الله ابن الطَّبر
الحَرِيري، وهادي بن إسماعيل العَلَوي، والهيثم بن محمد المَعْداني، ويحيى
ابن عبدالوهاب بن مَنْدَة الحافظ، وخُجستة بنت علي بن أبي ذَرٍّ، ودَعجاء بنت
أبي سَهْل الكاغدي، وفاطمة الجُوزدانية، وأبي العِزِّ بن كادش، وخَلْقٌ كثيرٌ
ببلده وببغداد وهَمَذان .
وصنَّفَ التَّصانيف النَّافعة، وكان واسعَ الدائرة في معرفة الحديث وعِلَله
وأبوابه ورجاله وفنونه، ولم يكن في وَقته أحدٌ أحفظُ منه، ولا أعلمَ، ولا أعلى
سَندًا ممن يعتني بهذا الشأن .
قال ابن الدُّبيئي(٢): عاش حتى صار أوحَدَ وَقته وشيخَ زمانه إسنادًا
وحِفظًا .
وقال أبو سَعد السَّمعاني: سمعتُ منه وكتب عني، وهو ثقةٌ صدوقٌ.
(١) لم يذكر السمعاني هذه النسبة في أنسابه، ولا استدركها عليه ابن الأثير في اللباب، وهو
منسوب إلى ((راشتينان)) من قرى أصبهان.
(٢) تاريخه ٩٨/٢ - ٩٩.
٧٣٩

قلتُ: وروى عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، والحافظ
عبدالغني، والحافظ عبدالقادر الرُّهاوي، والحافظ محمد بن مكِّي،
وعبدالعظيم بن عبداللطيف الشَّرابي، والحسن بن أبي مَعْشَر الأصبهاني،
والناصح ابن الحنبلي، وأبو نجيح محمد بن مُعاوية مقرىء أصبهان، وخَلْقٌ
كثيرٌ. وبالإجازة الفقيه محمد اليُونيني، وعبدالله ابن الخُشُوعي، وآخرون.
وكانت رحلته إلى ابن الحُصَين سنة أربع وعشرين وخمس مئة، ثم قدم
بغداد ثانيًا في سنة اثنتين وأربعين، وعاد إلى بلده وأقبل على التصنيف والإملاء
وتعليم العِلْم والأدب.
ومن مُصنَّفاته الكتاب المشهور في ((تتمة معرفة الصحابة)) الذي ذِيَّل به
على أبي نُعَيم (١)، يدلُّ على تَبُره وحِفظه، وكتاب ((الطِّوالات)» مُجَّدان،
وكتاب ((تتمة الغريبين)) يدلُّ على براعته في اللُّغة والغريب، وكتاب
((الوظائف))، وكتاب ((اللَّطائف))، وكتاب ((عَوَالي التابعين))، وغير ذلك.
وعَرَض من حفظه كتاب ((علوم الحديث)) للحاكم على إسماعيل
الحافظ .
قال الحافظ عبدالقادر: إن أبا موسى حصَّل من المسموعات بأصبهان
خاصة ما لم يحصل لأحدٍ في زمانه فيما أعلم، وانضمَّ إلى كَثْرة مسموعاته
الحِفْظ والإتقان. وله التصانيف التي أربى فيها على تصانيف بعض من تقدَّمه،
مع الثَّقة فيما يقول، وتعقُّفه الذي لم نره لأحدٍ من حُفَّاظ الحديث في زماننا له
شيء يسيرٌ يتربَّحُ به وينفق منه، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا قط، حتى أنه كان ببعض
قُرى أصبهان رجلٌ من أهل العِلْم والدين أراد أن يحجَّ حجَّ نافلة، فجاء جماعةٌ
إلى الحافظ أبي موسى فسألوه أن يشفع إليه في قعوده عن الحجِّ لِمَا يرجون من
الانتفاع بإقامته، فخرج معهم إلى القرية راكبًا على حِمَار، فأجابه إلى ذلك،
فحملوا إلى أبي موسى شيئًا من الذهب، فلم يقبله. فقالوا: فَرِّقه في
(١) كذا قال رحمه الله، وتبعه على ذلك خلائق ممن نقل عنه، وكله وهم، فذيل أبي موسى
إنما هو على كتاب ((معرفة الصحابة)) لابن مندة، استدرك عليه ما فاته؛ ذكر ذلك ابن
الأثير في مقدمة كتابه «أسد الغابة)) ١٠/ ١٠، وهو أعلم به، فقد استعمله في كتابه، ولعله
اشتبه على المؤلف قول ابن النجار الذي ينقل منه المصنف (المستفاد، الترجمة ٢٤):
((ومن جملة مصنفاته كتاب تتمة معرفة الصحابة))، فظنه كتاب أبي نعيم لتشابه الاسمين.
٧٤٠