النص المفهرس

صفحات 681-700

المقدس. وتسلَّمَ البلد لثلاثٍ بَقِينَ من رجب. وأنقذَهُ الله من النَّصارى
الأنجاس بعد إحدى وتسعين سنة. فلمّا كان يوم الجُمُعة رابع شعبان أُقيمت
الجُمُعة بالمسجد الأقصى، وخَطَبَ للناس قاضي القضاة محيي الدين ابن
الزَّكي خُطبةً مُونقة بليغةً. وابتدأ السُّلطان في إصلاح المسجد الأقصى
والصَّخرة، ومَحْو آثار الفِرَنج وشعارهم. وتنافَسَ الملوك معه في عَمَل المَآثر
الحَسَنة والآثار الجميلة، فرزقنا الله شُكر هذه النِّعَم، ورحم الله صلاح الدين
وأسكنه الجَنَّة .
وللعماد الكاتب يَصفُ وَقْعة حِطِّين(١): ((حتى إذا أسفَرَ الصَّباح خرج
الجاليشية تحرق نيران النِّصال أهل النار، ورَّت القِسي، وغنّت الأوتار، واليوم
ذاكٍ، والحَرْب شاكٍ، والقَّيْظ عليهم فَيْض، وما للغيظ منهم غَيَّص، وقد وَقَدَ
الحَرُّ، واستشرى الشَّرُّ، ووقع الكَرُّ والفَرُّ، والجوُّ مُحرق، والجوى مُقلق،
وأصبح الجيش على تعبيته، والنَّصر على تلبيتِهِ.
قال: وبرَّح بالفِرَنجِ العَطَش، وأبَت عَثْرتها تنتعش، فرمى بعض مُطَّوِّعة
المجاهدين النار في الحشيش فتأجَّجَ عليهم استعارها، فَرَجَا الفِرَنج فَرَجًا،
وطلب طلبهم المُحْرَج مَخْرجًا. وكلّما خرجوا جُرحوا، وبرَّحَ بهم حَرُّ الحَرب
فما بَرِحوا، فَشوّهُم نار السِّهام وأشوتهُم، وصَمَّمَت عليهم قلوب القِسِيِّ
القاسية وأصْمَتُهُم.
وقال: وفتحوا عكا يوم الجُمُعة مُستهل جمادى الأولى، فجئنا إلى
كنيستها العُظمى، فأزحنا عنها البُؤسى بالتُّعْمى، وحضر الأجلُّ الفاضل فرتَّب
بها المنبر والقِبْلة. وأول من خَطَبَ بها جمال الدين عبداللطيف بن أبي النَّجيب
السُّهْرَوردي، ووَلاَه السُّلطان بها القضاء والخطابة والأوقاف.
وقال في حصار القُدس: ((أقامت المنجنيقات على حصانته حَدَّ الرَّجم،
وواقعت ثنايا شُرُّفاته بالهَتْم، وتطايرت الصُّخور في نُصرة الصَّخرة المُباركة،
وحجَرَت على حُكم السُّور بسَفه الأحجار المُتداركة، وحَسَرت النُّقوب عن
عروس البلد نقب الأسوار، وانكشفت للعيون انكشاف الأسرار)).
وفي رمضان توجَّه السُّلطان صلاح الدين فنازل صور ونصب عليها
(١) نقله من الروضتين لأبي شامة ٢/ ٧٧ فما بعد.
٦٨١

المجانيق، وكان قد اجتمع بها خَلْقٌ لا يُحصون من الفِرَنج، فقاتلهم قتالاً
شديدًا، وحاصرها إلى آخر السنة وترحل عنها. وكان قد خرج أصطول صور
في الليل فكَبَسَ أصطول المسلمين، وأسَروا المُقدَّم والرّئيس وخمس قِطَع،
وقتلوا خَلْقًا من المسلمين في أواخر شوال. فعَظُم ذلك على السُّلطانِ وتألَّم،
وهَجَم الشِّتاء والأمطار، فرحل في ثاني ذي القَعدة، وأقام بمدينة عَكًّا شهرين
في خواصه.
سنة أربع وثمانين وخمس مئة
ترحل السُّلطان صلاح الدين عن صور لأنه تعذَّر عليه فَتْحها لكثرة من
فيها وقوَّة شَوْكتهم. ونزل على حِصْن كَوْكب في وسط المحرَّم، فوجده حصنًا
لا يُرام، فرتَّب عليه قايماز النَّجْمي في خمس مئة فارس، ثم قدم دمشق وأقام
بها مُدَيدة. ورَحَل إلى بَعْلَبك فرتَّب أمورها، ثم اجتمع هو والملك عماد الدين
زَنْكي بن مَوْدود صاحب سِنجار على بُحيرة قَدَس، وكان قد جاء إلى السُّلطان
لأجل الغَزَاة، فجعله على مَيْمنته، وجعل مظفَّر الدين ابن صاحب إرْبل على
المَيْسرة. ثم سار السُّلطان فنزل بأرض حصن الأكراد في ربيع الآخر، وبثَّ
العساكر في تخريب ضياع الفِرَنج، وقطع أشجارِهم ونَهَبَهم. ثم رَحَل إلى
أَنْطَرِطُوس، فافتتحها عَنْوةً، وسار إلى جَبَلة فتسلّمها عَنْوةً في ساعتين، ثم
تسلَّم بَكَّاس والشُّغر وسلّمها إلى الأمير غرس الدين قَلِيج والد الأميرين سيف
الدين وعماد الدين. ثم سيَّرَ ولده الملك الظَّاهر إلى سرمانية فهدمها .
قال العماد الكاتب: فهذه ست مُدُن وقلاع فُتحت في ست جُمع تِباع:
جَبَلة، واللَّذقية، وصهيُون، والشُّغر، وبَكَّاس، وسرمانية.
ثم نازل السُّلطان حِصن بَرْزية في جمادى الآخرة، وضَرَبه بالمجانيق
وأخذه بالأمان، وسلَّمه إلى الأمير عزّ الدين ابن شمس الدين ابن المُقدَّم. ثم
رحل إلى دَرْبَساك فتسلَّمها، ثم رحل إلى بَغْراس فتسلَّمها .
ثم عزم على قَصد أنطاكية، فرغب صاحبها البرنس في الهُدنة، فهادنه
السُّلطان. ثم رحل. ووَدَّعه عماد الدين زنكي، وعاد إلى سِنجار.
وأقام السلطان بحلب أيامًا، ثم قدم حَماة وضَيَّفه تقي الدين عُمر،
٦٨٢

فأعطاه الجَبَلة واللَّذقية. وسار على طريق بَعْلَبك في شعبان، ودخل دمشق
وخرج منها في أوائل رمضان طالبًا للغَزَاة.
وأما الملك العادل أخوه فكان نازلاً على تِبْنين بعساكر مصر مُتحرِّزًا على
البلاد من غائلة العَدُوِّ. وكان صِهره سَعد الدين كمشتية الأسدي مُوكَّلاً بحصار
الكَرَك، فضاقت الميرة عليهم، ويَبْسوا من نَجْدةٍ تأتيهم، فتضرَّعوا إلى الملك
العادل، وتردَّدت الرُّسُل منهم، وهو يشدِّدُ حتى دخلوا تحت حُكمه، وسلَّموا
الحِصن إلى المسلمين في رمضان لفَرط ما نالهم من الجُوعِ والقَخْط. ثم تسلّم
السُّلطان الشَّوْبك بالأمان.
وسار السُّلطان إلى صَفَد فنازلها، ووصل إليه أخوه العادل، ودام
الحصار عليها إلى ثامن شوال وأُخذت بالأمان. وكان أهلها قد قاربت
ذخائرهم وأقواتهم أن تنفد، فلهذا سلَّموها. ولو اتكل أخذُها وأخذ الكَرَك إلى
فتحها بأسباب الحصار والنُّقُوب لطال الأمر جدًا.
ثم سار إلى حصن كَوْكب ونازلها وحاصرها، وأخذها بالأمان في نصف
ذي القَّعْدة.
ثم قصد بيت المقدس فدخلها في ثامن ذي الحجَّة هو وأخوه فعيَّدَ،
وسار إلى عَسْقلان فرتَّب أمورها، وجهَّز أخاه إلى مصر. ثم رحل صَوب عَكًّا
ووصلها في آخر السَّنة .
قال صاحب ((مرآة الزمان»(١): وَگَّل صلاح الدين بحصار كوكب قايماز
النَّجمي، ووَكَّل بصَفَد طُغْرِيل، وبعث إلى الكَرَك والشَّوْبك كوخيا وهو صِهر
السُّلطان. وسار في السَّاحل ففتح أنْطَرسُوس، وكان بها بُرجان عظيمان،
فخرَّبهما، وقَتَلَ من كان فيهما.
وأما جَبَلة فأرسل قاضيها منصور بن نبيل يشير على السُّلطان بقَصدهما،
وأخذ أمانًا لأهل جَبَلة. وكان إبرنس أنطاكية قد سلَّمها إلى القاضي منصور
ووثق به في حفظها، فنازلها صلاح الدين وأخذها. وامتنع عليه الحصن يومًا،
وتسلّمَه بالأمان .
وسار إلى اللَّذقية، وهي بلد كبير على السَّاحل، بها قَلْعتان على تَلِّ،
(١) سقط من المطبوع، وينظر الخبر في الكامل ٥/١٢ فما بعد.
٦٨٣

ولها ميناء من أحسن المَوَاضع، وهي من أطيب البلاد، فحَصَرَها أيامًا،
وافتتحها، وأخذ منها غنائم كثيرة، ثم نازل القَلْعتين، وغُلِّقت الثُّقوب،
فصاحوا الأمان، وساروا إلى أنطاكية .
قال العماد: ولقد كَثُرَ تأسُّفي على تلك العمارات كيف زالت، وعلى
تلك الحالات كيف حالت.
وسار فنازل صِهْيَون، وهي حصينة في طَرَف الجبل، ليس لها خَندق
محفور إلا من ناحيةٍ واحدةٍ، طوله ستون ذراعًا، نُقر في حجر، ولها ثلاثة
أسوار. وكان على قُلَّتها عَلَمٌ طويل عليه صليب. فلمَّا شارفها المسلمون وقع
الصَّليب، فاستبشروا ونَصَبوا عليها المجانيق، وأخذوها بالأمان في ثلاثة أيام،
ثم سلَّمها إلى الأمير ناصر الدين منكورس ابن الأمير خُمارتِكين، فسكنها
وحصَّنها، وكان من سادة الأمراء وعُقلائهم. توفي وهو مالك صِهْيَون، ووَليَ
بعده ولده مظفَّر الدين عثمان. ثم وَلِيَها بعده سيف الدين محمد بن عثمان إلى
بعد السبعين وست مئة .
وبثَّ السُّلطان عسكرهُ وأولادهُ فأخذوا حُصُون تلك النَّاحية، مثل
بلاطُنُس، وقَلْعة الجماهريين، وبَكَّاس، والشُّغر، وسَرْمانية، ودَرْبَساك،
وبَغْراس، وبَرْزية. قال: وعُلُوُ قَلْعة بَرْزية خمس مئة ونيٌّ وسبعون ذراعًا،
لأنها على سِنِّ جبلِ شاهقٍ، ومن جوانبها أودية، فسلّم دَرْبَساك إلى عَلَم الدين
سُليمان بن جَنْدر، وهي قَلْعة قريبة من أنطاكية .
ثم سار يقصد أنطاكية، فراسله صاحبُها وقَدَّم له. وكانت العساكر
المشرقية قد ضجرت وخصوصًا عماد الدين صاحب سنجار، فطال عليه
المُقام. فهادَنَ السُّلطان صاحبَ أنطاكية ثمانية أشهر على أن يُطلق الأُسارى.
ودخل إلى حلب فبات بها ليلةً وعاد إلى دمشق. وأعطى تقي الدين عُمر
صاحب حَماة جَبَلَة واللَّذقية.
وقال ابن الأثير (١): نَزَل صلاح الدين تحت حِصن الأكراد، وكنتُ
معهم، فأتاه قاضي جَبَلة منصور بن نبيل، وكان مسموع القَوْل عند بيمند
صاحب أنطاكية، وجَبَلة، وله الحُرمة الوافرة، ويحكم على جميع المسلمين
(١) الكامل ١٢/ ٧.
٦٨٤

بجَبَلة ونواحيها، فحملته غَيْرة الدين على قَصد السُّلطان، وتكفَّل له بفتح جَبَلة
واللَّذقية والبلاد الشَّمالية، فسار صلاح الدين معه فأخذ أنْطَر طُوس، وسار إِلى
المَرْقب وهو من حصونهم التي لا تُرام، ولا يُحَدِّثُ أحدٌ نفسهُ بمُلكه، لعُلُوّه
وامتناعه، ولا طريق إلى جَبَلة إلا من تحته.
ثم ساق عِزُّ الدين ابن الأثير فتوحات الحُصُون المذكورة بعبارةٍ طويلة
واضحة، لأن عزَّ الدين حَضَرَ هذه الفتوحات الشمالية. ثم ذكر بعدها فَتح
الكَرَك، والشَّوْبك وما جاور تلك الناحية من الحُصُون الصِّغار. ثم ذكر فَتح
صَفَد، وكَوْكَب، إلى أن قال(١): فتسلَّم حِصن كَوْكب في نصف ذي القَعْدة،
وأمَّنهم وسيَّرهم إلى صُور، فاجتمع بها شياطين الفِرَنج وشُجعانهم، واشتدَّت
شَوْكتُهم، وتابعوا الرُّسُل إلى جزائر البحر يستغيثون، والأمداد كل قليل
تأتيهم. وكان ذلك بتفريط صلاح الدين في إطلاق كل من حَضَره، حتى عَضَّ
بنانه نَدَمًا وأسفًا حيث لم ينفعه ذلك. وتمَّ للمسلمين بفتح كوكب من حد أيلة
إلی بیروت، لا يفصل بين ذلك غير مدينة صور.
أنبأني ابن البُزُوري، قال: وفي المحرَّم خرج الوزير جلال الدين ابن
يونس لِلِقَاء السُّلطان طُغْرُل بن رسلان شاه في العساكر الدِّيوانية، واستُنيب في
الوزارة قاضي القضاة أبو طالب علي ابن البخاري.
وفي ربيع الأول كان المَصَافُّ بين الوزير ابن يونس وطُغْرُل، وحرَّض
الوزير أصحابه، وكان فيما يقول: من هاب خاب، ومن أقدمَ أصابَ، ولكلِّ
أجَلِ كتاب. فلمَّا ظهر له تقاعُس عساكره عن الإقدام، وزلَّت بهم الأقدام،
تأسَّف على فَوْت المُرام، وثبت في نَفَرٍ يسير كالأسير، وبيده سيف مشهور،
ومُصحف منشور، لا يقدم - لهَيْبته - أحدٌ عليه، بل ينظرون إليه، فأقدم بعض
خَوَاصِّ طُغرُل وجاء فأخذ بعِنَان دابَّته، وقادها إلى خَيْمته، ثم أنزله وأجلسه،
فجاء إليه السُّلطان في خَوَاصِّه ووزيره، فلَزْمَ معهم الأدب وقانون الوزارة، ولم
يقم إليهم، فعجبوا من فِعْله، وكلَّمهم بكلام خَشِن، فلم يزل السُّلطان طُغرُل له
مُكرمًا، ولمنزلته مُخْترمًا، إلى حين عَوده.
(١) الكامل ٢٣/١٢.
٦٨٥

وأما أبو المظفَّر، فقال في ((المرآة))(١): أُخذ ابن يونس وكان محلوقَ
الرأس، فأُحضر بين يدي السُّلطان طُغرُل، فألبسه طرطورًا أحمر فيه خلاخل،
وجعل يضحك عليه، ولم يرجع إلى بغداد من العسكر إلا القليل، تقطّعوا في
الجبال، وماتوا جُوعًا وعَطَشًا، وعَمِلَ الناسُ الأشعار فيها.
قال: ثم كتب الخليفة إلى بكتمر صاحب خِلاَط ليطلب ابن يونس من
طُغْرُّل، وكان قزل أخو البهلوان قد حَشَدَ وجَمَعَ، والتقى طُغرُل على هَمَذان،
فانهزم طُغرُل إلى خِلَاط ومعه ابن يونس، فأنكر عليه بكتمر ما فعله بالوزير
وعسكر الخليفة، فقال له: هم بَدَؤوني وبَغَوا عليّ. فقال له: أطلق الوزير.
فلم يُمكنه مُخالفتُهُ فأطلقه، فبعث إليه بكتمر الخيل والمماليك، فردَّ الجميع،
وأخذ بَغْلين بَبَرَذَعَتين، ورَكِبَ هو بَغلاً وغلامه بغلاً، وسار في زِيٍّ صوفيٍّ،
وقَدِمَ المَوْصل، فانحدر في سفينة مُتنكِّرًا.
وفي ربيع الأول عُزل قاضي القضاة أبو طالب عن نيابة الوزارة.
وفي شعبان وَلَيَ الوزارة ببغداد شهاب الدين أبو المَعَالي سعيد بن
حديدة .
وفي رمضان عُزل أبو طالب علي بن علي عن قضاء القضاة، وقُلِّده فخر
الدين أبو الحسن محمد بن جعفر العباسي.
وفيه وصل الوزير جلال الدين في سفينةٍ من المَوْصل، وصَعِدَ إلى داره
مختفيًا، وبلغ الخليفةَ فكتب إلى ابن حديدة يقول: أين هو ابن يونس؟ فقال:
يكون اليوم بتكريت. فقال له الخليفة: بهذه المعرفة تدبِّر دولتي؟ ابن يونس في
بيته. وكان ابن حديدة بقوانين التِّجارة أعرفَ منه بقوانين الوزارة.
وفي شوال عُزل عن الأستاذ دارية أبو طالب بن زبادة ووُلِّيَ علي بن
بختيار .
وفيها ثار بالقاهرة اثنا عشر من بَقَايا شيعة الباطنية في الليل، ونادوا:
يا آل علي يا آل علي. وصاحوا في الدُّروب ليُلِّي أحدٌ دعوتهم، فما التفتَ
إليهم أحد، فاختفوا.
(١) سقط من المطبوع من المرآة.
٦٨٦

وفيها وَهَبَ السُّلطان أخاه العادل سيف الدين الكَرَك، واستعاد منه
عسقلان .
سنة خمس وثمانين وخمس مئة
في أولها قدم فَرَج الخادم شِحنة أصبهان رسولاً من السُّلطان طُغْرُّل،
فقَدَّم تُحفًا وهدايا، ومضمون الرِّسالة الاستغفار والاعتذار، لاجئًا إلى الدِّيوان
لتُقال عَثْرَتُه.
وفي صَفَر أمر الخليفة بالدُّعاء بالخُطبةِ لوَليٍّ عَهده أبي نَصر محمد،
ونَقْشِ اسمه على الدِّینار والدِّرهم، وأن يُكتب بذلك إلى سائر البلاد.
وفي صَفَر أيضًا وَليَ أبو المظفَّر عبيدالله بن يونس الذي كان وزيرًا وكَسَره
طُغْرُّل صَدْرًا بالمخزن المعمور.
وفيه عُزل الوزير ابن حديدة. وكانت ولايتُهُ أقلّ من شهر.
وفي ربيع الأول وصلِ القاسم ابن الشَّهرزوري رسولاً من الُّلطان صلاح
الدين وصُحبته صليب الصَّلَبُوت التي تزعم النَّصارى أن عيسى عليه السلام
صُلب عليه. فأُلقي بين يدي عَتَبة باب النُّوبي، فَبَقِيَ أيامًا .
وفي جمادى الأولى توجّه مُجير الدين طاشتِكِين الحاجُ في جيشٍ فنزل
على قَلْعة الحديثة وحاصرها.
وفي رجب قُلِّد مؤيَّد الدين محمد ابن القَصَّاب نيابة الوزارة.
وفي شوال قُتل زعيم قَلْعة تكريت، وتسلَّمها نُوَّاب الخليفة.
وفي ذي القَعْدَة عُزل صَدْر المخزن أبو المظفَّر عبيد الله بن يونس .
وفيها وصل جماعة من الفِرَنجِ شبابٌ ملاحٌ مُردٌ في القيود من جهة صلاح
الدين إلى الدِّيوان العزيز، فقال فيهم قِوَام الدين يحيى بن زيادة:
أفدي بُدُورًا على غصونٍ أسْرى يُقادون في القُيُود
قد نُظموا في الحِبال حَسْرى نظمَ الجُمَانات في العُقود
إِنْ سَكَنوا هؤلاء نارًا فهي إذًا جنَّة الخُلود
وفيها سار السُّلطان صلاح الدين من عَكًّا إلى دمشق فدخلها في صَفَر، ثم
توجه إلى شَقيف أرنُون فأقام بمَرْج برغوث أيامًا، ثم أتى مَرج عيون، فنزل
٦٨٧

أرناط صاحب الشَّقيف صَيدا إلى خدمة السُّلطان فخَلَعَ عليه واحترمه، وكان من
أكبر الفِرَنج وكان يَعرف العربية، وله معرفة بالتَّواريخ، فسلّم الحِصن من غير
تَعَب وقال: لا أقدر أُساكن الفِرَنجِ، والتَمَسَ المُقام بدمشق، ثم بدا منه غَدْر
فقَبَضَ عليه وحَبَسه بدمشق، ووكّل بالحِصن من يُحاصره. ثم بلغ السُّلطان أن
الفِرَنج قد جَمَعوا وحَشَدوا وجَيَّشوا من مدينة صُور، وساروا لحصار صَيدا
وعَكَّا لِيَسْتردُّوها، فسار إليهم فالتقاهم، فَظَهر الفِرَنج وقُتل في سبيل الله طائفةٌ.
ثم كرَّ المسلمون عليهم فردُوهم حتى ازدحموا على جَسْرِ هناك. فغَرِقَ مئتا
نَفْس.
ثم سار السُّلطان إلى تِبْنين فرَتَّب أمورها، وسار إلى عَكّا فأشرف عليها،
وقرَّر بها أميرين: سيف الدين علي المَشْطوب الكُردي، وبهاء الدين قراقوش
الخادم الأبيض. وعاد فلم يلبث أن نازلت الفِرَنج عَكًّا، وجاءت من البَرِّ
والبَحر، فسار السُّلطان حتى نزل قِبَالتهم وحاربهم مرَّاتٍ عديدة، وطال القتال
عليها، واشتدَّ البلاء، وقُتل خَلْقٌ من الفِرَنج والمسلمين إلى أن دخلت السَّنة
الآتية والأمر كذلك.
وفيها وَلَيَ نيابة دمشق الأمير بدر الدين مَوْدود أخو الملك العادل لأُمِّه.
وقال ابن الأثير(١): اجتمع بصُور عالم لا يُعَدُّ ولا يُحصى، ومن الأموال
ما لا يفْنَى. ثم إن الزُّهبان والقُسُوس وجماعة من المشهورين لَبِسوا السَّوَاد،
وأظهروا الحزن على بيت المقدس، فأخذهم بترك القدس، ودخل بهم بلاد
الفرنج يطوف بهم ويستنفرون الفِرَنج، وصوَّروا صورة المسيح وصورة النبي
وَّر وهو يضرب المسيح وقد جَرَحه، فعَظُمَ ذلك على الفِرَنج، وحَشَدوا
وجَمَعوا حتى تهيَّأ لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرّقُ إليه الإحصاء، فحدثني
رجلٌ من حِصن الأكراد من أجناد أصحابه الذين سَلَّموه إلى الفِرَنج قديمًا،
وكان قد تاب ونَدِمَ على ما كان منه من الغارة مع الفِرَنج على الإسلام، قال :
دخلتُ مع جماعةٍ من الفِرَنج من أهلِ حِصن الأكراد إلى البلاد البحرية في أربعة
شواني يستنجدون قال: فانتهى بنا الطَّوَاف إلى رومية الكُبرى فخرجنا منها وقد
ملأنا الشَّواني نُقرة.
(١) الكامل ١٢/ ٣٢.
٦٨٨

قال ابن الأثير(١): فخرجوا على الصَّعب والذَّلُول بَرًّا وبَحرًا من كل فَجِّ
عميق، ولولا أنَّ الله لطَفَ بالمسلمين وأهلكَ ملك الألمان لمَّا خرج إلى الشام،
وإلا كان يُقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. إلى أن قال(٢): ونازلوا عَكًّا
في منتصف رجب، ولم يَبْقَ للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدين على تَلِّ
كَيسان، وسَيَّرَ الكُتُب إلى ملوك الأطراف يطلب العساكر، فأتاه عسكر المَوْصل
وديار بكر والجزيرة، وأتاه تقيُّ الدين ابن أخيه. إلى أن قال ابن الأثير(٣):
فكان بين الفريقين حروبٌ كثيرةٌ، فقاتلهم صلاح الدين في أول شعبان، فلم
ينل منهم غَرَضًا، وبات الناس على تَعْبئة، وباكروا القتال من الغَدِ، وصَبَرَ
الفريقان صَبْرًا حار له من رآه إلى الظُّهر، فحَمَلَ عليهم تقي الدين حَمْلةً مُنكرةً
من المَيْمنة على من يليه فأزاحهم عن مواقفهم، والتجؤوا إلى من يليهم،
ومَلَكَ تقي الدين مكانهم والتصق بعَكًا. ودخل المسلمون البلد، وخرجوا منه،
وزال الحصار. وأدخل إليهم صلاح الدين ما أراد من الرجال والذَّخائر، ولو أن
المسلمين لَزِموا القتال إلى الليل لبلغوا ما أرادوا. وأدخل إليهم صلاح الدين
الأمير حسام الدين السَّمين .
ذكر الوقعة الكبرى
قال(٤): وبَقِيَ المسلمون إلى العشرين من شعبان، كل يوم يعاودون
القتال ويراوحونه، والفِرَنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يُفارقونه، ثم تجمَّعوا
للمَشُورة، فقالوا: عساكر مصر لم تحضر، والحال مع صلاح الدين هكذا.
والرأي أننا نَلْقى المسلمين غدًا لعلَّنا نظفر بهم. وكان كثيرٌ من عساكر السُّلطان
غائبًا، بعضها مقابل أنطاكية تخوُّفًا من صاحب أنطاكية، وبعضها في حمص
مُقابل طرابُلُس، وعسكر في مقابل صُور، وعسكر مصر بالإسكندرية ودمياط،
وأصبح صلاح الدين وعسكره على غير أُهبة، فخرجت الفِرَنج من الغَدِ كأنهم
الجراد المُنتشر، قد ملؤوا الطُّول والعَرض، وطلبوا مَيْمنة الإسلام وعليها تقي
(١) الكامل ٣٣/١٢.
(٢) الكامل ٣٤/١٢.
(٣) الكامل ٣٤/١٢ - ٣٥.
(٤) الكامل ٣٦/١٢ - ٣٩.
تاريخ الإسلام ٤٤٣/١٢
٦٨٩

الدين عُمر، فَرَدفه السُّلطان برجالٍ، فعطفت الفِرَنج نحو القَلْب، وحملوا حَمْلة
رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون، وثبت بعضُهم فاستُشهِد جماعة، منهم الأمير
مجلّي، والظَّهير أخو الفقيه عيسى الهَكَّاري، وكانَ مُتولِّي بيت المقدس،
والحاجب خليل الهَكَّاري. ثم ساقوا إلى الثَّلِّ الذي عليه خَيْمة صلاح الدين
فقتلوا ونَهَبوا، وقتلوا شيخنا جمال الدين ابن رَوَاحة، وانحدروا إلى الجانب
الآخر من الثَّلِّ، فوضعوا السَّيف فيمن لَقُوه، ثم رجعوا خَوْفًا أن ينقطعوا عن
أصحابهم، فحَمَلت مَيْسرة الإسلام عليهم فقاتلوهم، وتراجع كثيرٌ من القَلْب،
فحمل بهم السُّلطان في أقفية الفِرَنج وهم مشغولون بالمَيْسرة، فأخذتهم سيوف
الله من كل جانب، فلم يَفْلت منهم أحدٌ، بل قُتل أكثرهم، وأُسر الباقون، فيهم
مُقدَّم الدَّاوية الذي كان السُّلطان قد أسره وأطلقه، فقتله الآن. وكان عِدَّة
القَتْلى عشرة آلاف، فأمر بهم فأُلقوا في النَّهر الذي يشرب منه الفِرَنج. وكان
أكثرهم من فُرسان الفِرَنجِ .
قال القاضي ابن شدَّاد: لقد رأيتُهم يُلْقَون في النَّهر فحَزَرتُهُم بدون سبعة
آلاف.
قال غيره: وقُتل من المسلمين مئة وخمسون نَفَرًا، وكان من جُملة
الأسرى ثلاث نِسْوة إفْرَنجيات كنَّ يقاتلنَ على الخيل. وأما المنهزمون فبلغ
بعضهم إلى دمشق، ومنهم من رجع إلى طَبَرية .
قال العماد الكاتب: العَجَب أن الذين ثبتوا نحو ألف ردُّوا مئة ألف،
وكان الواحد يقول: قتلتُ من الفِرَنج ثلاثين، قتلتُ أربعين. وجافَت الأرض
من نَتَن القَتْلى، وانحرفت الأمزجة وتمرَّض صلاح الدين، وحصل له قولَنج
كان يعتاده. فأشار الأمراء عليه بالانتقال من المنزلة، وتَرْك مُضايقة الفِرَنج،
وأن يبعد عنهم، فإنْ رحلوا فقد كُفينا شَرَّهم، وإنْ أقاموا عُدنا، وأيضًا فلو وقع
إرجاف، يعني بوفاتك، لهَلَكَ الناس، فرحل إلى الخَرُّوبة في رابع عشر
رمضان .
وأخذت الفِرَنج في محاصرة عَكًّا، وعملوا عليهم الخندق، وعملوا سورًا
من تراب الخندق وجاؤوا بما لم يكن في الحساب. واشتغل صلاح الدين
بمَرَضه، وتمكَّنَ الفِرَنج وعملوا ما أرادوا. وكان من بعَكًا يخرجون إليهم كل
٦٩٠

يوم ويقاتلونهم. وفي نصف شوال وصل العادل بالمصريين، فقَوِيت النفوس،
وأحضر معه من آلات الحصار شيئًا كثيرًا. وجمع صلاح الدين من الرَّجَّالة
خلائق، وعزم على الزَّحف. وجاءه الأصطول المصري عليه الأمير لؤلؤ،
وكان شَهْمًا، شجاعًا، خبيرًا بالبحر، مَيْمونَ النَّقيبة، فوقع على بُطْسةٍ للِفِرَنج
فأخذها، وحوَّل ما فيها إلى عَكَّا فسكنت نفوس أهلها وقَوِيَ جَنانهم(١) .
قال: ودخل صَفَر من سنة ستٍّ وثمانين، فسمع الفِرَنج أنَّ صلاح الدين
قد سار يتصيَّدُ ورأوا اليَزَكَ الذي عليهم قليلاً، فخرجوا من خندقهم على اليَزَكَ
العَصْر، فحَمِيَ القتال إلى الليل وقُتل خَلْقٌ من الفريقين، وعاد الفِرَنج إلى
سورهم. وجاءت الشُّلطان الأمدادُ، وذهب الشِّتاء فتقدَّم من الخَرُوبة نحو
عَكَّا، فنزل بتَلِّ كَيسان وقاتل الفِرَنج كل يوم وهم لا يسأمون. إلى أن قال:
وافترقوا فرقتين؛ فرقة تقابله، وفرقة تقاتل عَكًّا. ودام القتال ثمانية أيام
متتابعة. ثم ساق قصة الأبراج الخَشَب التي يأتي خبرها، وقال: فكان يومًا
مشهودًا لم يَرَ الناس مثله، والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت
وجوههم بنَصر الله.
إلى أن قال(٢):
ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام
والألمان نوع من أكثرِ الفِرَنج عَدَدًا وأشدِّهم بأسًا. وكان قد أزعجه أخذ
بيت المقدس، فجَمَعَ العساكر وسار، فلمّا وصل إلى القُسْطنطينية عجز مَلِكُها
عن مَنعهم من العبور في بلاده، فساروا وعَبَروا خليج قُسطنطينية، ومُّوا
بمَمْلكة قَلج أرسلان، فثار بهم التُركُمان، فما زالوا يُسايرونهم ويقتلون من
انفرد ويسرقونهم. وكان الثَّلج كثيرًا فأهلكهم البَرْد والجُوع، وماتت خيلهم
لَعَدَمِ العَلَف وشدة البَرْد، وتمَّ عليهم شيء ما سُمع بمثله. فلمَّا قاربوا قُونية
خرج قُطب الدين مَلِكشاه بن قَلِج أرسلان ليمنعهم، فلم يقو بهم، وكان قد
حَجَرَ على والده، وتفرَّق أولاده، وغلب كل واحدٍ على ناحية من بلاده. فنازلوا
قُونية وأرسلوا إلى قَلج أرسلان هدية وقالوا: ما قَصدُنا بلادك، وإنما قصدنا
(١) كله من الكامل ١٢ /٤١ .
(٢) الكامل ٤٨/١٢ .
٦٩١

بيت المقدس. وطلبوا منه أن يأذن لرَعِيته في إخراج سوق، وشبعوا وتزوَّدوا.
وطلبوا من صاحب الرُّوم جماعة تخفرهم من لصوص التُّركُمان، فنفَّذَ معهم
خمسةً وعشرين أميرًا، فما قَدِروا على مَنع الحَرَامية لكثرتهم، فغضب مَلِك
الألمان، وقَبَضَ على أولئك الأمراء، وقيّدهم ونَهَبَ مَتَاعهم، ثم منهم من
خَلُص، ومنهم من مات في الأسر.
وقال ابن واصل(١): جَمَعَ قُطبِ الدين صاحب قُونية العساكر والتفاهم
فكَسَروه كَسْرةً عظيمةً، وهَجَمُوا قُونيةَ بالسَّيف، وقتلوا منها عالمًا عظيمًا.
ووصل إلى السُّلطان مُناصحة من مَلِك الأرمن صاحب قَلْعة الرُّوم كتاب
المخلص الداعي الكاغيكوس أن مَلِك الألمان خرج من دياره، ودخل بلاد
الهنكر، ثم أرض مقدَّم الرُّوم، فقَهَره وأخذ رَهَائنه وولده وأخاه في جماعة،
وأخذ منه أموالاً عظيمةً إلى الغاية. وسار مَلِك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن،
فأمذَّهم صاحبها بالأقوات وخضعَ لهم، ثم ساروا نحو أنطاكية فنزل مَلِكُهم
يغتسل في نَهر هناك، فغَرِق في مكانٍ منه لا يبلغ الماء وسط الرجل، وكَفَى الله
شَرَّه. وقيل: بل غَرِقَ في مخاضةٍ، أخذ فَرَسه التََّّارُ. وقيل: بل سَبَحَ، فمَرِضَ
أيامًا ومات. وصار في المُلك بعده ولده، وسار إلى أنطاكية فاختلفَ أصحابُه
عليه، وأحبّ بعضهم العَوْد إلى بلاده، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فرجعوا،
فسار من ثبت معه فوصلوا إلى أنطاكية، فكانوا نَيًِّا وأربعين ألفًاً، فوقع فيهم
الوَبَاء وتبرَّم بهم صاحب أنطاكية، وحسَّنَ لهم المسير إلى الفِرَنج الذين على
عَكَّا، فساروا على جَبَلة واللَّذقية، وتخطّف المسلمون منهم فبلغوا طرابُلُس،
وأقاموا بها أيامًا، فَكَثُرَ فيهم المَوْتِ، ولم يَبْقَ منهم إلا نحو ألف رجل، وركِبوا
في البحر إلى الفِرَنج الذين على عَكًّا، فلمّا وصلوا ورأوا ما نالهم وما هم فيه
من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرقت بهم المراكب، ولم يَنْجُ منهم أحدٌ،
وردّ الله کَیْدَهم في نَخْرهم.
قال ابن واصل(٢): وَرَدَ كتاب الملك الظَّاهر من حَلَب إلى والده يُخبره
أنه قد صَحَّ أن مَلِكَ الألمان قد خَرَج من جهة القُسْطَنطينية في عدَّةٍ عظيمةٍ،
(١) مفرج الكروب ٢/ ٣٢٠ فما بعد.
(٢) مفرج الكروب ٣١٠/٢.
٦٩٢

قيل: إنهم مئتا ألف وستون ألفًا تريد الإسلام والبلاد.
قلتُ: كان هلاك هذه الأمة من الآيات العظيمة المشهورة. وكان الحامل
لخروجهم من أقصى البحار أخذُ بيت المقدس من أيديهم.
قال ابن واصل(١): وصل إلى السُّلطان كتاب كاغيكوس الأرمني صاحب
قَلْعة الروم، وهو للأرمن كالخليفة عندنا. نُسخة الكتاب: ((كتاب الدَّاعي
المخلص الكاغيكوس: مما أطالع به مولانا ومالكنا السُّلطان الملك الناصر،
جامع كَلِمة الإيمان، رافع عَلَم العَدْل والإحسان، صلاح الدُّنيا والدين، من
أمر مَلِك الألمان، وما جرى له، فإنه خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر غَصْبًا
ثم دخل أرض مُقدَّم الرُّوم، وفتح البلاد ونَهَبها، وأخذ رهائن مَلِكها، ولَدَه
وأخاه، وأربعين نَفرًا من جُلَسائه، وأخذ منه خمسين قنطارًا ذَهبًا، وخمسين
قنطارًا فضَّةً، وثياب أطلس مبلغًا عظيمًا، واغتصب المراكب، وعدَّى بها إلى
هذا الجانب، يعني في خليج قسطنطينية. قال: إلى أن دخل إلى حُدود بلاد
فَلج أرسلان، وردَّ الرهائن، وبَقِيَ سائرًا ثلاثة أيام، وتُركُمان الأوج يَلْقَونه
بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فتداخَلَهم الطَّمَع وتجمَّعوا له من جميع
البلاد، ووقع القتال بين الثُّركمان وبينهم، وضايقوه ثلاثة وثلاثين يومًا وهو
سائر. ولمَّا قرب من قُونية جَمَعَ ابن قَلِج أرسلان العساكر، فضَرَب معه
المَصافَّ، فَكَسَره مَلِك الألمان كَسرةً عظيمةً، وسار حتى أشرف على قُونية،
فَخَرَج إليه جموعٌ عظيمةٌ، فردَّهم مَكْسورين، وهَجَمَ قُونية بالسَّيف، وقَتَلَ منهم
عالمًا عظيمًا من المسلمين، وأقام بها خمسة أيام، فطلب قَلِج أرسلان منه
الأمان فأمَّنه، وأخذ منه رهائن عشرين من أكابر دولته، وأشار على المَلِك أن
يمرُّوا على طرسوس، ففعل. وقبل وصوله بعث إليَّ رسولاً، فأنفذ المملوك
خاتمًا، وصُحبته ما سأل، وجماعة إليه، فكَثُرت عليه العساكر ونزل على نهرٍ
فأكل خُبزًا ونام، ثم تاقت نفسه إلى الاستحمام ففعل، فتحرك عليه مَرَضٌ
عظيمٌ ومات بعد أيام قلائل. وأما لافون فسار لتلقِّيه، فلمَّا عَلِمَ بهذا احتمى
بحِصن له. وأما ابن مَلِك الألمان فكان أبوه منذ خرج نصب ولده هذا عِوَضه،
وتأطدت قواعده، فلما بلغه هَرَبُ رُسُل لافون نفَّذ يستعطفهم، فأحضرهم
(١) مفرج الكروب ٣٢٠/٢ فما بعد.
٦٩٣

وقال: إن أبي كان شيخًا كبيرًا، وإنما قصد هذه الديار لأجل حجِّ بيت المقدس
وأنا الذي دبَّرتُ المُلك، فمن أطاعني وإلا قصدتُ بلاده. واستعطف لافون،
واقتضى الحال الاجتماع به ضرورة. وبالجُملة قد عَرَضَ عسكره، فكانوا اثنين
وأربعين ألف فارس، وأما الرَّجَّالة فلا يُحصَون، وهم أجناس متفاوتة، وهم
على سياسةٍ عظيمةٍ، حتى أن من جَنَى منهم جنايةً قُتل. ولقد جَنَى كبير منهم
على غلامه فجاوز الحدَّ في ضَربه، فاجتمعت القسوس للحكم فأمروا بذَبْحه،
فشفع إلى المَلِك منهم خَلْقٌ، فلم يلتفت إلى ذلك وذَبحه. وقد حرَّموا المَلاّ
على أنفسهم، ولم يلبسوا إلا الحديد، وهم من الصَّبْر على الذُّلِّ والثَّعَب
والشَّقاء على حالٍ عظيمٍ)). انتهى الكتاب.
فلمَّا هَلَكَ مَلِكُهم سار بهم ولده إلى أنطاكية، وعَمَّهم المَرَضُ، وصار
مُعظمهم حَمَةَ عِصِيٍّ ورُكَّابَ حمير. فَتَبرَّمَ بهم صاحب أنطاكية، وحسَّن لهم
قَصدَ حلب، فأبَوا وطلبوا منه قَلْعته ليُودعوا فيها الخزائن، فأخلاها لهم، ففاز
بما وضعوه بها وجاءت فرقة من الألمانية إلى بَغْراس، وظُّوا أنها للنَّصارى،
ففتح وَاليها الباب، وخرج أصحابه فتَسلَّموا صناديق أموال، وقتلوا كثيرًا منهم.
ثم خَرَج جُند حَلَب وتَلَقَّطُوهم. وكان الواحد يأسِرُ جماعةً، فهانوا في النُّفوس
بعد الهَيْبة والرُّعب منهم، وبِيعوا في الأسواق بأبخس ثَمَن.
قال ابن شدَّاد(١): مَرِضَ ابن مَلِك الألمان مَرَضًا عظيمًا في بلاد ابن
لاون، وأقام معه خمسة وعشرون فارسًا وأربعون داويًّا، ونَفَّذَ عسكره نحو
أنطاكية، حتى يقطعوا الطريق، ورئَّبهم ثلاث فِرَق لكثرتهم. فاجتازت فرقة
تحت بَغْراس، فأخذ عسكر بَغْراس مع قلَّته مئتي رجلٍ منهم. وسار بعض
عسكر البلاد لكشف أخبارهم، فوقعوا على فِرقة منهم، فقتلوا وأسروا زُهاء
خمس مئة .
وقال ابن شدَّاد(٢): حضرتُ من يخبر السُّلطان عنهم ويقول: هم ضعفاء
قليلو الخيل والعدَّة، وأكثر ثقلهم على حمير وخيلٍ ضعيفة، ولم أرَ مع كثير
منهم طارقة، ولا رُمُحًا، فسألتُهم عن ذلك، فقالوا: أقمنا بمَرْجِ وَخْمٍ أيامًا،
(١) النوادر السلطانية ١٢٥ .
(٢) النوادر السلطانية ١٢٧ .
٦٩٤

وقَلَّت أزوادنا وأحطابنا، فأوقدنا مُعظمَ عُدَدنا، وذَبحنا الخيل وأكلناها. ومات
الكُند الذي على الفِرقة الواحدة، وَطَمِع ابن لاون حتى عزم على أخذ مال
المَلِك لمرضه وضعفه، وقلَّة من أقام معه، فشاور السُّلطان الأمراء، فوقع
الاتِّفاق على تَسْيير بعض العساكر إلى طريقهم. فكان أول من سار الملك
المنصور محمد بن المظَفَّر، ثم سار عز الدين ابن المُقدَّم صاحب بَعْرين
وفامِيَة، ثم الأمجد صاحب بَعْلَبَك، ثم سابق الدين عثمان ابن الدَّاية صاحب
شَيْزَر، ثم عسكر حَماة. ثم سار الملك الظَّاهر إلى حِفْظ حلب، فخفَّت
المَيْمنة، فانتقل إليها الملك العادل، ووقع في العسكر مَرَضٌ كثيرٌ، وكذلك في
العَدُوِّ. وتقدَّم السُّلطان يهدم سور طَبَرِية ويافا وأرسُوف وقَيْسارية وصَيدا
وجُبيل، وانتقل أهلها إلى بيروت.
وفي رجب سار مَلِك الألمانيين من أنطاكية إلى اللَّذقية ثم إلى طرابلس،
وكان قد سار إليه المركيس صاحب صور، فقَوَّى قَلْبه، وسَلَكَ به السَّاحل،
فكانت عِدَّةُ من معه لمَّا وصل إلى طرابُلُس خمسة آلاف بعد ذلك الجيش
العظيم. ثم إنه نزل في البحر، وسار مُعظم أصحابه في السَّاحل، فثارت عليه
ريح، فأهلكت من أصحابه ثلاثة مراكب، فوصل إلى عَكّا في جَمْع قليل في
رمضان، فلم يظهر له وَقع، ثم هلك على عَكًّا في ثاني عشر ذي الحجة سنة
ستٍّ وثمانين، فسبحان من أبادهم ومَحَقَهم .
ويوم وصول مَلِك الألمان إلى عَكَّا رَكِبت الفِرَنج وأظهروا قُوَّةً وأرجفوا،
وحملوا على يَزَك المُسلمين، فرَكِبَ السُّلطان، ووقع الحَرْب، ودام إلى الليل
فكانت الذَّائرة على الكُفّار، ولم يزل السّيف يعمل فيهم حتى دخلوا خيامهم.
ولم يُقتل يومئذٍ من المسلمين إلا رجلان، لكن جُرح جماعةٌ كثيرة .
ولما مات طاغية الألمان حزنت عليه الفِرَنج، وأشعلوا نيرانًا هائلةً،
بحيث لم يَبْقَ خَيمة إلا أُوقد فيها النار. ومات لهم كُند عظيم، ووقع الوَبَاءُ
فيهم والمَرَضُ، ومَرِضَ كندهري، وصار يموت في اليوم المئة وأكثر في
معسكرهم. واستأمن منهم خَلْقٌ عظيمٌ، أخرجهم الجُوع، وقالوا للسُّلطان:
نحن نركب البَحر في مراكب صِغار، ونكسب من النَّصارى، ويكون الكَسب لنا
ولكم. فأعطاهم السُّلطان مَرْكبًا فرَكِبوا فيه، وظفروا بمراكب التُّجَّار النَّصارى،
وأتوا بالغنائم إلى السُّلطان فأعطاهم الجميع، فلمَّا رأوا هذا أسلم جماعة
٦٩٥

منهم. واستُشْهِد في هذه السنة سبعة أمراء على عَكًّا. والتقى شواني المسلمين
وشواني الفِرَنج في البحر، فأُحرقت للفِرَنج شواني برجالها، وأحاطت مراكب
العَدُوِّ بشيني مُقدَّمه الأمير جمال الدين محمد بن إلْدكز، فترامى مَلَّحو الشِّيني
إلى الميناء، فقاتل جمال الدين، فعَرَضوا عليه الأمان فقال: ما أضع يدي إلا
في يد مُقدَّمكم الكبير. فجاء مُقدَّمهم إليه، فعانقه جمال الدين وماسَكَه
وشَحَطه، فوقعا في البحر وغَرِقا معًا.
سنة ست وثمانين وخمس مئة
استهلَّت والفِرَنج مُحدقون بعَكًا محاصرون لها، والسُّلطان بعساكره في
مقابلتهم، والقتال عَمَّال، فتارةً يظهر هؤلاء، وتارةً يظهر هؤلاء. وقدمت
العساكر البعيدة مَدَدًا للسُّلطان صلاح الدين، فقدم صاحب حمص أسد الدين،
وصاحب شَيْزَر سابق الدين عثمان ابن الدَّاية، وعز الدين ابن المُقدَّم،
وغيرُهم. ثم قدمت عساكر الشَّرق مع مظفَّر الدين صاحب إرْبل، ومع عماد
الدين ابن صاحب سنجار، ومعز الدين سَنْجَرشاه بن غازي. واشتدَّ الأمر،
وجَدَّت الفِرَنج في الحصار، وأتتهم الأمداد في البحر من الجزائر البعيدة حتى
ملؤوا البَرَّ والبَحر فتوفي صاحب إرْبل زين الدين يوسف ابن زين الدين علي
كُوجُك، ففوَّضَ السُّلطان مَمْلكة إرْبل من حينئذٍ إلى أخيه مظفَّر الدين كَوكُبرى
ابن علي. ودام الحصار والنِّزال على عَكَّا حتى فرغت السَّنة.
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد(١): ((ومن خبر الفِرَنج أنهم الآن على عَكَّا
يمدُّهم البحرُ بمراكب أكثر عدةً من أمواجه، ويُخرج للمسلمين أمرَّ من أُجاجه،
وقد تعاضدت ملوك الكُفر على أن يُنهضوا إليهم من كل فرقة طائفة، ويرسلوا
إليهم من كل سلاحِ شَوْكة، فإذا قَتَلَ المسلمون واحدًا في البَرِّ بعثوا ألفًا عِوَضه
في البحر، فالزَّرع أكثر من الحصاد، والثَّمَرة أنمى من الجذاذ. وهذا العَدُوُّ قد
زرَّ عليه من الخنادق دروعًا متينة، واستجنَّ من الجنونات بحصونٍ حصينة،
فصار مستحجزًا، ومُمتنعًا، حاسرًا ومُدرعًا، مواصلاً، ومنقطعًا، وعَدَدهم
الجَمُّ قد كاثر القَتل، ورقابهم الغلب قد قطعت النَّصل لشِدَّة ما قطعها النَّصل،
(١) ينظر نص الكتاب هذا في الروضتين ٢/ ١٥٧.
٦٩٦

وأصحابنا قد أثرت فيهم المُدَّةُ الطَّويلةُ والكلَف الثَّقيلة في استطاعتهم لا في
طاعتهم، وفي أحوالهم لا في شجاعتهمٍ، وكل من يعرفهم يُناشد الله فيهم
المُناشدة النبوية في الصَّحابة البَذْرية؛ اللَّهم إن تهلك هذه العِصَابة. ويُخلص
الدُّعاء ويرجو على يد مولانا أمير المؤمنين الإجابة. وقد حَرَّم باباهم، لَعَنه
الله، كلَّ مُباح، واستخرج منهم كلَّ مَذْخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولَبِسَ
وألْبَسَ الحِدَاد، وحَكَم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة. فيا عُصبة
محمد رَّ اخلفه في أُمَّته بما تطمئنُ به مضاجعه، ووَفِّه الحقَّ فينا، فإنا
والمسلمون عندك ودائعه، ولولا أن في التَّصريح ما يعود على العدالة
بالتَّجْريح، لقال الخادم، ما يُبكي العيون ويُنكي القلوب، لكنه صابرٌ محتسب
منتظرٌ للنَّصر مرتقبٌّ. ربِّ إني لا أملكُ إلا نفسي، وها هي في سبيلك مبذولة،
وأخي وقد هاجر هجرة يرجوها مقبولة، وولدي وقد بُذلت للعَدُوِّ صفحات
وجوههم، وهان على مَحْبوبك بمكروههم. ونقف عند هذا الحَدِّ، ولله الأمر
من قبل ومن بعد)).
وقال الموفَّق عبداللطيف: إن الفِرَنج عاثوا في سوق العسكر وفي
الخِيَم، فرجع عليهم السُّلطان فطَحَنهم طَحْنَا، وأحصى قَتْلاهم بأنْ غَرَزوا في
كل قتيل سَهْمًا، ثم جمعوا السِّهام، فكانت اثني عشر ألفًا وخمس مئة. والذين
لَحِقوا بأصحابهم هَلَكَ منهم تَمَامُ أربعين ألفًا. وبلغت الغرارة عندهم مئة
وعشرین دینارًا .
قال: وخرجوا مرةً أخرى، فقُتل منهم ستة آلاف ونَيِّ، ومع هذا
فصبرهم صبرهم. وعمروا على عَكَّا بُرْجين من خَشَب، كل بُرج سَبع طبقات،
بأخشاب عاتية، ومسامير هائلة، يبلغ المسمار نصف قنطار، وضبَّات على هذا
القياس، وصُفِّح كل بُرج منها بالحديد، ولُبِّس الجلود، ثم اللُّبُود المُشْرَبة
بالخَلِّ، وجُلِّل ذلك بشِباك من حبال القِنَّب لتردَّ حدَّة المَنْجنيق، وكل واحدٍ
يَعْلو سور عَكَّا بثلاث طبقات. وزحفوا بهما إلى السُّور، وفي كل طبقة مقاتلة،
فيَِّسَ المسلمون بعَكًّا، فقال دمشقي يُقال له ابن النَّخَاس: دَعُوني أضربُها
بالمجانيق. فسَخِروا منه، فطلب من قراقوش أن يُمكِّنه من الآلات، ورَمَى
البُرج بحجارة حتى خَلْخَلَه، ثم رماه بقدر نِقْط، ثم صاح: الله أكبر، فعَلاَ
الدُّخَانُ، فضجَّ المسلمون، وبرزوا من عَكًا، وعملت النار في أرجائه، والفِرَنج
٦٩٧

ترمي أنفسها من الطَّبقات، واشتعلوا، فأحرق المسلمون الستائر والعُدَد،
فانكسرت صَوْلتهم. ثم اجتمعت هِمَّتهم نَوْبةً، وعملوا كبشًا هائلاً، رأسه
قناطير من الحديد ليَنْطحوا به السُّور فينهدم، فلمَّا سَحَبوه وقربوا من السُّور
ساخ في الرَّمل لثقله، وعجزوا عن تخليصه. وكان المسلمون في عَكًّا في
مَرَضٍ شديد وجُوع قد مَلُّوا من القتال، ما يحملهم سوى الإيمان بالله تعالى.
وقد هَدَمت الفِرَنجَّ بُرجًا ومئذنة، ثم سدَّ المسلمون ذلك في الليل ووَثَّقوه.
وكان السلطان يكون أول راکب وآخر نازل.
قلتُ: ولعلَّه وجبت له الجنة برباطه هذين العامين.
ذكر العماد الكاتب أنه حُزر ما قُتل من الفِرَنج في مدَّة الحَرْب على عَكًّا،
فكان أكثر من مئة ألف.
ومن كتاب إلى بغداد: «قد بُلي الإسلام منهم بقوم استطابوا المَوْت،
واستجابوا الصَّوْت، وفارقوا الأوطان والأوطار، والأهّل والديار، طاعةً
لِقِسِّيسهم، وغَيْرةً لمَعْبدهم، وحَمِيةً لمُعتقدهم، وتَهَالُكًا على مَقْبرتهم، وتَحرُّقًا
على قُمامتهم، حتى خرجت النِّساء من بلادهنَّ مُتبرِّزات، وسِرْنَ في البحر
مُتجهِّزات، وكانت منهنَّ مَلِكة استتبعت خمس مئة مقاتل، والتزمت بمؤونتهم،
فأُخذت برجالها بقرب الإسكندرية. ومنهنَّ مَلِكة وصلتِ مع مَلِك الألمان،
وذوات المقانع من الفِرَنج مُقنَّعات دارعات، يحملنَ الطَّوارق والقنطاريات.
وقد وُجدت في الوقعات التي جرت عدةٌ منهنَّ بين القَتْلى. وما عُرفنَ حتى
سُلبنَ. والبابا الذي برومية قد حرَّم عليهم لذَّاتهم وكلُّ من لا يتوجه إلى القُدس
فهو محرمٌ، لا منكح له ولا مَطْعَم، فلهذا يتهافتون على الورود، ويتهالَكُون
على يومهم المَوْعود. وقال لهم: إني واصل في الربيع، جامع على الاستنفار
شَمْل الجميع، وإذا نهض هذا اللَّعين فلا يقعد عنه أحد، ويصل معه كل من
يقول الله تعالى وَلَد)).
ومن كتاب فاضلي إلى الشُّلطان(١): ((فليس إلا الدُّعاء والتَّجلُّد للقضاء،
فلابُدَّ من قَدَر مفعول، ودُعاء مقبول.
نحن الذين إذا علوا لم يبطروا يوم الهياج وإنْ عُلوا لم يَضْجروا
(١) نص الكتاب في الروضتين ٢/ ١٦٧ ومنه ينقل المصنف هذا وغيره من الكتب الآتية.
٦٩٨

ومَعَاذ الله أن يفتح علينا البلاد، ثم يغلقها، وأن يسلم على يدينا القُدس،
ثم يُنَصِّره، ثم مَعَاذ الله أن نُغلب عن النَّصر، ثم مَعَاذ الله أن نُغلب على الصَّبر.
وإذا كان ما يُقدِّمنا الله إليه لابُدَّ منه وهو لقاؤه، فلأن نَلْقاه والحجَّة لنا خيرٌ من
أن نَلْقاه والحجَّة علينا. ولا تعظم هذه الفتوق على مولانا فتَبْهَرَ صَبْره، وتملأ
صَدْرِه، ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَّدْعُوَاْ إِلَى السَّلِّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد ٣٥]. وهذا
دين ما غَلب بكَثْرة وإنما اختار الله له أرباب نِيَّات، وذوي قلوب وحالات،
فليكن المَوْلَى نِعْم الخلف لذلك السَّلَف، واشتدِّي أزمة تَنْفرجي، والغمرات
تذهب ثم لا تجيء، والله يُسمعنا ما يسرُّ القلب، ويصرف عن الإسلام غاشية
هذا الكرب. ونستغفر الله فإنه ما ابتَلَى إلا بذنب)).
ومن كتاب آخر يقول: ((ولستَ بمَلِك هازم لنظيره، ولكنك الإسلام
للشِّرْك هازم)). يشير رحمه الله إلى أنه وحده بعسكره في مقابلة جميع دين
النَّصرانية، لأن نفيرهم إلى عَكًا لم يكن بعده بعد، ولا وراءه حدٍّ.
ثم قال: «هذا وليس لك من المسلمين مُساعد إلا بدَعْوة، ولا خارج بين
يديك إلا بأُجرة، تشتري منهم الخطوات شِبرًا بذراع، تدعوهم إلى الفريضة،
وكأنك تُكلِّفهم النَّفلة وتَعْرض عليهم الجَنَّة، وكأنك تريد أن تستأثر بها
دونهم. والآراء تختلف بحضرتكَ، فقائل يقول: لم لا يتباعد عن المنزلة؟
وآخر: لم لا يميل إلى المُصالحة؟ ومشيرٌ بالتَّخلِّي عن عَكَّا، حتى كأن تَركها
تغليق المعاملة، ولا كأنها طليعة الجيش، ولا قفل الدَّار، ولا خَرزة السِّلْك إنْ
وَهَتْ تَدَاعى السِّلْك. فألهمك الله قَتْلَ الكافر، وخلاف المُخْذل، فكما لم
يُحدث استمرارُ النِّعم لك بَطَرًا، فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضَجَرًا. وما
أحسن قول حاتم :
شرِبنا بكأسِ الفَقر يومًا وبالغِنَى وما منهما إلا سقانا به الذَّهرُ
فما زادنا بغيًا على ذي قرابةٍ غِنانا ولا أزرى بأحسابنا الفَقرُ
وقال الآخر:
لا بطر إنْ تتابعت نِعَمٌ وصابر في البلاء محتسبُ
وقيل للمهلَّب: أيَسُرُّك ظَفَر ليس فيه تَعبُّ؟ فقال: أكره عادة العجز.
ونحن في ضُرٍّ قد مَسَّنا، ولا نرجو لكَشفه إلا من ابتلى. وفي طوفان فتنة،
٦٩٩

و﴿لَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِرّ﴾ [هود ٤٣]، ولنا ذنوب قد سدَت طريق
دعائنا، فنحن أولى أن نلوم أنفسنا، ولله قَدَرٌ لا سلاح لنا في دَفْعه، إلاَّ: لا
حول ولا قوَّة إلا بالله. وقد أشرفنا على أهوال ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾
[الأنعام ٦٤]. وقد جمع لنا العَدُوُّ، وقيل لنا: اخشوه فنقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
﴾ [آل عمران]. وليس إلا الاستعانة بالله، فما دَلَّنا في
١٧٢
الشَّدائد إلا على طروق بابه، وعلى التَّضرُّع له ﴿ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ
وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام ٤٣] نعوذ بالله من القَسْوة، ومن القنوط من
الرحمة. وما شرَّد الكَرَى، وطوَّل على الأفكار السَّرى، إلا ضائقة القُوت
بعَكَّا. وهذه الغَمَرات هي نِعَمُ الله عليه، وهي درجات الرِّضوان، فاشكر الله
كما تَشْكره على الفتوحات. واعلم أن مثوبة الصَّبر فوق مثوبة الشُّكْر. ومن
رَبْط جَأْش ◌ُعُمر رضي الله عنه قوله: لو كان الصَّبر والشُّكر بَعِيرَين ما باليتُ
أيَّهما ركِبتُ. وبهذه العزائم سبقونا فلا نطمع بالغُبَار. وامتدَّت خُطاهم ونعوذ
بالله من العثَار. ومن وصايا الفُرس: إن نزلَ بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن
نزل بك ما ليس فيه حيلة فلا تجزع)).
ولمّا اشتدَّ الأمر بعَكَّا وطال أرسل السُّلطان كتابًا إلى شمس الدين ابن
مُنقذ يأمره بالمسير إلى صاحب المغرب يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن
يستنصر به، ليقطع عنه ماذَّتهم من جهة البَحر، ويأمر ابن مُنقذ أن يستقرىء في
الطَّريق والبلاد ما يُحيِّي به الملك يعقوب وكيف عاداتهم، وأن يقصَّ عليه. من
أول وصولنا إلى مصر، وما أزلنا بها من الإلحاد، وما فتحنا من بلاد الفِرَنج
وغيرها وتفصيل ذلك كله، وأمْرِ عَكًّا، وأنه لا يمضي يوم إلا عن قُوَّة تتجدَّد،
وميرة في البحر تصلٍ، وأن ثغرنا حصروه، ونحن حصرناهم، فما تمكَّنوا من
قتال الثَّغر، ولا تمكَّنوا من قتالنا، وخندقوا على نفوسهم عدة خنادق، فما
تمكَّنا من قتالهم. وقدَّموا إلى الثَّغر أبرجة من خَشَب أحرقها أهله. وخرجوا
مرَّتين إلينا يبغون غرَّتنا، وينصرنا الله عليهم، ونقتلهم قَتلاً ذريعًا، أجلت
إحدى النَّوبتين عن عشرين ألف قتيل منهم. والعَدُوُّ وإن حصر الثَّغر فإنه
محصور، ولو أبرز صَفحته لكان بإذن الله هو المكسور. ويذكر ما دخل الثَّغر
من أساطيلنا ثلاث مرات وإحراقها مراكبهم، وهي الأكثر، ودخولها بالسَّيف
الأظهر تَنْقل إلى البلد الميرة. وإن أمر العَدُوِّ قد تطاول، ونَجدته تتواصل،
٧٠٠