النص المفهرس
صفحات 361-380
سنة سبع وستين وخمس مئة ٢٤١- أحمد بن محمد بن أحمد ابن الرَّحَبي، أبو عليّ الحَرِيميُّ العَطَّارِ البَوَّابِ. سمع أبا عبدالله النِّعَالي، وأبو الحسن ابن الخل، وأبا سَعْد بن خُشَيش. روى عنه ابن الأخضر، والحافظ عبدالغني، والشَّيْخِ المُوفَّق، وأبو القاسم بن محمد بن المُفَيَّر، وسعيد بن عليّ بن بكري، وأحمد بن يعقوب المارستاني، وعبد اللَّطيف ابن القُبَيْطِي، وواثلة بن كراز المَلَّحُ(١). وتُوفي في صفر، وله خمس وثمانون سنة. ٢٤٢- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو عبدالله الأصبهانيُّ، يُعرف بقلا المُعَدَّل. سمع غانمًا البُرْجي، وأبا منصور بن مَنْدُوية، وأبا عليّ الحَدَّاد. وحدَّث ببغداد، وكان حيًّا في هذا العام(٢). ٢٤٣- جعفر بن أحمد بن خَلَف بن حُمَيْد بن مَأمون، أبو أحمد البلنْسِيُّ. روى عن أبي محمد البَطَلْيَوسي، وأبي القاسم الأبرش. قال الأبار (٣): وكان ثقةً خيارًا، وهو والد القاضي أبي عبدالله بن (٤) حَمِيد(٤) . عاش نَيِّفًا وسبعين سنة. ٢٤٤- الحُسين بن عليّ بن عبدالله، أبو عبدالله ابن السَّمَّاك الحريميُّ. سمع أبا عليّ البَرَداني، وأبا العِزِ محمد بن المُختار، وشُجاعًا الذُّهْلي. وسافر عن بغداد سنين كثيرةً. سمع منه ابنُهُ واثق، وأبو بكر بن مَشِّق، وأحمد (١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٣ (شهيد علي). (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٢ (شهيد علي). وتقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٦٢ (الترجمة ٥٢). (٣) التكملة ١ / ١٩٦ . (٤) قيده المصنف في المشتبه ٢٥٠ بفتح الحاء المهملة وكسر الميم مكبرًا. ٣٦١ ابن أحمد البَندنيجي. وتُوفي في جمادى الآخرة(١). ٢٤٥- الخَضِر بن نصْر بن عَقِيل، أبو العباس الإربليُّ الفقيه الشَّافعيُّ، أَحدُ الأئمة. اشتغل ببغداد على إلكيا الهَرَّاسي، وأبي بكر الشَّاشي. قال ابن خَلِّكان(٢): وله تصانيفُ كثيرةٌ في التَّفسير والفِقْه وغير ذلك، وألَّف كتابًا فيه ستٌّ وعشرون خُطْبةً نبويَّةً كلُّها مُسْندَةٌ، وانتفع عليه خَلْقٌ. وكان رجلاً صالحًا. تُوفي بإربل، ووَلِيَ التَّدْريس مكانَهُ ابنُ أخيه عِزُّ الدِّين أبو القاسم نَصْر بن عقيل بن نَصْر، ثم سَخِطَ عليه مُظفَّر الدِّين، فأخرجه، فَقَدِمَ المَوْصل بعد الست مئة، وبها تُوفي سنة تسع عشرة. ٢٤٦ - سُليمان بن داود التُّوَيْزِيُّ الأندَلُسيُّ، ويُعرف بابن حَوْط الله. أخذ القراءات عن ابن هُذَيل. وسمع من طارق بن يَعِيش، وأبي الوليد ابن الدَّبَّاغ. وكان حَسَنَ التِّلاوة. أخذ عنه ابناه أبو محمد وأبو سُليمان. وتُوفي في عاشر ذي الحجّة(٣). ٢٤٧- سُليمان بن عليّ بن عبدالرحمن، أبو تميم الفُراتيُّ الرَّحَبيُّ المُقرىء الخَبَّاز. سمع عبدالرحمن بن الحسين بن محمد الحِنَّائي. روى عنه ابنا صَصْری، وعبدالرحمن بن عُمر النَّسَّاج، وآخرون. مات في ربيع الأول؛ نقلتُ وفاتَهُ من خطَّ أبي عبد الله البِرْزالي. ٢٤٨- عاشر بن محمد بن عاشر بن خَلَف، أبو محمد الأنصاريُّ الشَّاطئُّ. سمع من أبي عليّ بن سُكَّرة، وأبي جعفر بن جَحْدر، وأبي عامر بن حبيب، وأبي عِمْران بن أبي تَلِيْد، وأبي بَحْر الأسدي. وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر. وأخذ القراءات بقُرْطبة عن أبي العباس بن ذروة. وأخذ بعض الرِّوايات عن أبي القاسم ابن النَّخَّاس وتُوفي الشّيخ، وسمع من ابن عَتَّاب. (١) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٢٨ (٥٩٢٢ باريس). (٢) وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٧. (٣) من التكملة لابن الأبار ٤ / ٩٦. ٣٦٢ وأجاز له أبو عبدالله الخَوْلاني، وجماعةٌ. وعُنِيَ بالفقه، وشُهِر بالحِفظ، ووَلي خطَّةَ الشُّورى بَلَنْسية، ثم قضاءَ مُرْسيَة، فحُمِدت سِيرتُهُ، ونال دنيا وحِشْمة، ثم صُرِف عند زوال دَوْلة المُلَئِّمة، وانتهت إليه رياسة الفَتْوى. روى عنه أبو الخَطَّاب بن واجب، وأبو عبدالله بن سَعَادة، وابن أُخته أبو محمد بن غَلْبُون، وأبو عبدالله الأندرشي. وله مُصنَّفات نافعةٌ. مات في نصف شعبان بعد أن كُفَّ بَصَرُه وله ثلاثٌ وثمانون سنة(١). ٢٤٩- عبدالله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبدالله بن نَصْر، العَلَّمة أبو محمد ابن الخَشَّابِ النَّحْويُّ. شيخُ بغدادَ ونَحْويُّ البلاد يُقال: إنَّه بَلَغَ في النَّحْوِ دَرَجَةَ أبي عليّ الفارسي. وكانت له معرفةٌ تامَّةٌ بالحديث واللُّغة والهَنْدسة والفَلْسفة، وغير ذلك. أخذ عن أبي منصور ابن الجَوَاليقي، وأبي بكر بن جوامرد القَطَّان النَّحوي، وعليّ بن أبي زيد الفَصِيحي، وأبي السَّعادات هبة الله ابن الشَّجَري، والحسن بن عليّ المُحوَّي اللُّغَوي، حتى أحكم العربية. وكان مولدُهُ سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وسمع من أبي القاسم الرَّبعي، وأبي الغَنائم النَّرْسي، وأبي زكريا بن مَنْدة، وغيرهم. ثم طَلَب بنفسه، وقرأ الكثيرَ، وسمع من أبي عبدالله البارع، وابن الحُصين، وابن كادش، وأبي غالب ابن البَنَّاء. وقرأ العالي والنَّازل إلى أن قرأ على أقرانه. وكان له كُتُبُ كثيرةٌ إلى الغاية. وروى الكثيرَ، وتخرَّج به خَلْقٌ في النَّحْو؛ وحدَّث عنه أبو سَعْد السَّمعاني، وذَكَره في ((تاريخه))، فقال: شابٌ كاملٌ، فاضلٌ، له معرفةٌ تامَّةٌ بالأدب واللُّغة والنَّحو والحديث، يقرأ الحديث قراءةً حَسَنة صحيحةً سريعةً مَفْهومةً. سمع الكثيرَ بنفسه، وجَمَعَ الأُصول الحِسانِ من أي وجهٍ وكان يَضِنُ(٢) بها، سمعتُ بقراءته من أبي بكر محمد بن عبدالباقي، وابن السَّمَرْقندي، (١) من التكملة لابن الأبار ٤ / ٤٤ - ٤٥. (٢) بكسر الضاد المعجمة وفتحها أيضًا. ٣٦٣ وسمعتُ بقراءته مُجلَّداتٍ من ((طَبَقات ابن سَعْد)) وكان يُديم القراءة طول النَّهار من غير فُتور. قلتُ: كان عُمُره إذ ذاك أربعين سنة. قال: وسمعتُ أبا شُجاع عُمر البِسْطامي يقول: لمَّا دخلتُ بغداد قرأ عليَّ ابن الخَشَّابِ ((غريب الحديث)) لأبي محمد القُتَبِي قراءةً ما سمعتُ قَبْلها مِثلها في الصِّحَة والسُّرعة. وحَضَرَ جماعةٌ من الفُضلَاء، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فَلْتَةَ لسانٍ فما قَدروا. قال ابن السَّمْعاني: كتبتُ عنه جزءًا رواه عن الرَّبعي، وسألتُهُ عن مَولده فقال: أظنُّ أنَّه في سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة. وقال ابن النَّجَّار(١): إنَّه أخذ الحِساب والهَنْدسة عن أبي بكر محمد بن عبدالباقي الأنصاري، وأخذ الفَرائض عن أبي بكر المَزْرَفي. وكان ثقةً، ولم يكن في دينه بذاك. قلتُ: روى عنه أيضًا أبو اليُمْن الكِنْدي، والحافظ عبدالغني، وعبدالعزيز ابن الأخضر، وأبو أحمد ابن سُكَيْنة، وأبو محمد بن قُدَامة، ومحمد ابن عماد الحَرَّاني، وأبو البَقَاء العُكْبَري، وأبو الحسن عليّ بن نَصْر الجِلِّي؛ وهو شيخُهما في النَّحو وشيخ الفَخْر أبي عبد الله ابن تَيْمية الخطيب. وقرأتُ بخطًّ أبي محمد بن قُدامة: كان ابن الخَشَّاب إمامَ أهل عَصْره في عِلْم العربية، وحضرتُ كثيرًا من مَجالسه، لكن لم أتمكَّن من الإكثار عنه لكَثْرة الزِّحام عليه، وكان حَسَنَ الكلام في السُّنَّة وشَرْحها . قلتُ: وكان ظريفًا مَزَّاحًا على عادة الأدباء؛ قال ابن الأخضر: كنتُ عنده وعنده جماعةٌ من الحنابلة، فسألَهُ مكِّي الغَرَّاد، فقال: عندك كتاب الجبال؟ فقال: يا أبْلَه ما تَراهم حَوْلي؟ وقال ابن النَّجَّار: سمعتُ بعضهم يقول: سأل ابن الخَشَّاب واحد من تلامذته: القفا يُمَدُّ أو يُقْصَر؟ فقال: يُمَدُّ ثم يُقْصَر. قال: وبَلَغني أنه أتاه اثنان ليَعْرضا عليه شِعرًا قالاه، فسمع من أحدهما، فقال للآخر: هو أردأ شِعْرًا منك. فقال: وكيف ولم تسمع شعري؟ قال: لأنَّ (١) تاريخه كما في المستفاد (٩٢). ٣٦٤ شعره لا يمكنُ أن يكون أردأ منه. وسأل بعضَ تلامذته: ما بك؟ فقال: فؤادي. فقال: لو لم تهمزْهُ لم يوجَعْك. قال: وبَلَغني أنَّ بعض المُعلِّمين قرأ عليه قول العَجَّاج: أَطَرَبًا وأنت فِتَسْريُّ وإنَّما يأتي الصَّبا الصَّبِيُّ فجعله الصبيَّ بالياء، فقال له: هذا عندك في المكتب! فاستحيى. وله في الشَّمْعة : صَفْراء لا من سَقَم مَسَّها كيف وكانت أُمُّها الشَّافية عُرْيانةٌ باطِنها مُكْتَس فاعجبْ لها كاسِيَة عارية قال ابن النَّجّار: وسمعتُ حَمْزة القُبَّيطي يقول: كان ابن الخَشَّابِ يتعمَّمُ بالعمامة، وتَبْقى على حَالها مدَّةً حتى يَسْوَدَّ ما يَلي رأسَهُ منها، وتتقطَّعَ من الوَسَخ، وتَرْمي عليها العصافير ذَرَقَها، فيتركُهُ على حاله. قال: وسمعتُ أبا محمد ابن الأخضر أنَّ ابن الخَشَّاب ما تزوَّج قطُّ ولا تَسَرَّى، وكان قَذِرًا يَسْتقي بجرّةٍ مَكْسورةٍ، ولمَّا مَرِضَ أتيناه نَعُوده، فوجدناه في أسوأ حالٍ من وَسَخ الثّابِ وَذَرِ مكانه وعَدَم الغذاء، فأشرنا على القاضي أبي القاسم ابن الفَرَّاء بأن ينقلَهُ إلى داره، فنقله وأسكنه في بيتٍ نظيفٍ، وألْبسه ثوبًا نظيفًا، وأحضر الأشربة والماء ورد، فوَجَدَ راحةً وخِفَّةً، فأشْهَدَنا بوقف كُتُبه، فاستولى عليها بيت العَطَّار، وباعوا أكثرها، وتفرَّقت حتى بَقِيَ عُشْرها فَتُرِك برباط المأمونية. قال ابن النَّجَّار: كان رحمه الله بَخِيلاً، مُتبذِّلاً في مَلْبسه ومَطْعمه، ويلبسُ قذرًا، ويلعب بالشِّطرنج على الطَّريق، ويَقفُ على المُشعبِذ وأصحاب القرود، ويُكثر المُزَاحِ. وقد صنَّ الرَّدَّ على الحريري في مواضعَ من ((المَقامات))، وشَرَح ((اللّمع)) لابن جِنِّي ولم يُتمَّه، وشَرَح ((مقدمة)) الوزير ابن هُبَيْرة في النَّحو وصنّ الرَّدَّ على أبي زكريا التِّبْريزي في تَهْذيبه ((لإصلاح المنطق)). وقال جمال الدِّين القِفْطي(١): كان مُطَّرِحًا للتَّكلُّف، وفيه بذاذة، ويقف على الحِلَق، ويقعدُ للشِّطْرنج أين وَجَده، وكلامُهُ أجودُ من قَلمه. وكان ضَيِّقَ (١) إنباه الرواة ٢ / ٩٩ - ١٠٠. ٣٦٥ العَطَنِ، ماصنَّف تصنيفًا فكمَّله. شَرَحَ ((الجُمَل)) للجُرْجاني، وتَرَكَ أبوابًا في وَسَط الكتاب وأقرأ هذا المُصَنَّ وهو على هذه الصُّورة، ولم يعتذر عنه. قال ابن النَّجَّار: سمعتُ أبا بكر المُبارك بن المُبارك النَّحْوي يقول: كان أبو محمد ابن الخَشَّاب يَحْضرُ دائمًا سُوقَ الكُتُب، فإذا نُودي على الكتاب يُريد أن يشتريه أخَذَه وطالَعه، واستغفل الحاضرين وقَطَعَ وَرَقةٌ، ثم يقول: إنَّه مَقْطوعٌ ليشتريه برُخْص، فإذا اشتراه أعاد الوَرَقة في بيته . قال: وكان له إيوان كبير ملآن من الكُتُب والأجزاء، فكان إذا استعار شيئًا وطُلِبَ منه يقول: قد حصل بين الكُتُب فلا أقدر عليه. قلتُ: إنْ صَحَّ هذا فلعله تاب والله يغفر له. قال ابن الجوزي(١): دخلتُ عليه في مَرَضه وقد يئس من نفسه، فقال لي: عند الله أحتسبُ نفسي. وتُوفي يوم الجُمُعة ثالث رمضان، ودُفن يوم السَّبْت. وحدَّثني عبد الله بن أبي الفَرَج الجُبَّائي الرجل الصَّالح، قال: رأيتُهُ في النَّوْم بعد موته بأيام، ووَجْهُه مُضيء، فقلتُ له: ما فعلَ الله بك؟ قال: غَفَرَ لي وأدخلني الجنَّة، إلا أنَّه أعرضَ عنِّي. فقلتُ له: أعرض عنك؟ فقال: نعم، وعن جماعة من العُلَماء تركوا العَمَّل . ٢٥٠- عبدالله بن طاهر بن خَيْدرة بن مُفَوَّز، أبو محمد المَعَافِرِيُّ الشاطئُّ. أخذ القراءات عن أبي الحسن بن أبي العَيْش. وسمع من أبيه، وأبي إسحاق بن جماعة وتفقَّه بأبي عبدالله بن مُغَاوِر، وأجاز له آخرون. قال الأبَّار(٢): كان فقيهًا، إمامًا، خبيرًا، بالشُّروط، وَقُورًا. وَلِيَ قضاء شاطِبة، فجَرَى على طريقة السَّلَف الصَّالحِ عَدْلاً وزكاةً وحِلْمًا وأناةً. وتُوفي کَھْلاً . ٢٥١- عبدالله بن منصور بن هبة الله بن أحمد، أبو محمد بن أبي الفَوارس ابن المَوْصليِّ البغداديُّ المُعدَّل. سمع من أبي البَرَكات محمد بن عبدالله الوكيل ((ديوان المتنبي)) وتفرَّد (١) المنتظم ١٠/ ٢٣٨. (٢) التكملة ٢/ ٢٦٩. ٣٦٦ به. وسمع من أبي عبدالله النِّعالي، وأبي الحسن ابن الطَّيُوري، وأبي الحَسَن ابن العَلَّف، وشجاع الذُّهْلي، وغيرهم. سمع منه أبو محمد ابن الخَشَّاب، وأبو سَعْد ابن السَّمْعاني، وغيرُ واحد. وحدَّث عنه أبو محمد ابن الأخضر، وابن قُدامة، ومنصور ابن الزَّكي الغَزَّال، ومحمد بن عماد الحَرَّاني، وأبو حَفْص السُّهْرَوَرْدي في ((مَشْيخته))، وآخرون. وروى عنه بالإجازة الرشيد بن مَسْلَمة(١)، وغيرُه. قال الدُّبيئي(٢): فُقِد أيامًا ثم وُجِدَ في بيته ميًّا في ربيع الآخر، وله ثمانون سنة . ٢٥٢- عبدالله العاضد لدين الله، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين الله عبدالمجيد بن محمد ابن المُستنصرِ ابن الظاهر ابن الحاكم العُبَيْدِيُّ المِصْريُّ الرَّافضيُّ، الذي يَزْعم هو وبيتُهُ أنَّهم فاطميون، وهو آخر خلفاء مصر. وُلِدَ سنة ستٍّ وخمس مئة في أولها. ولمَّا هَلَكَ الفائز ابن عَمِّه واستولى المَلِك الصالح طلائع بن رُزِّيك على الدِّيار المصرية بايَعَ العاضد وأقامهُ صورة، وكان كالمَحْجور عليه لا يتصرَّف في كل ما يُريدُ. ومع هذا فكان رافضيًّا، سَبَّابًا، خَبيثاً . قال ابن خَلِّكان(٣): كان إذا رأى سُنِّيًّا استحلَّ دَمَهُ. وسار وزيرُهُ المَلِك الصَّالح سيرةً مَذْمومةً، واحتكرَ الغَّت، فغَلَت الأسعارُ، وقَتَلَ أُمراء الدَّولة خِيفةً منهم، وأضعفَ أحوالَ دَوْلتهم بقَتْل ذوي الزَّأي والبَأس، وصادَر أولي الثَّرْوة. وفي أيام العاضد وَرَدَ حُسين بن نِزار ابن المُستنصر العُبَيْدي من الغَرْب، وقد جَمَعَ وحَشَدَ، فلمَّا قارب مصرَ غَدَر به أصحابُهُ، وقَبَضوا عليه، وأتوا به إلى العاضد، فذُبِح صَبرًا في سنة سَبْع وخمسين . قلتُ: ثم قَتَلَ ابن رُزِّيِّك، ووَزَرَ له شاور، فكان سببَ خَراب دياره، ودَخَلَ أسد الدِّين إلى ديار مصر كما ذكرنا، وقُتِل شاوَر، وماتَ بعده أسد (١) المشيخة البغدادية، الترجمة (١٧). (٢) تاريخه، الورقة ١٠٩ (٥٩٢٢ باريس). (٣) وفيات الأعيان ٣/ ١١٠. ٣٦٧ الدِّين، وقام في الأمر ابن أخيه صلاح الدِّين وتمكَّنَ من المَمْلكة. قال القاضي جمال الدِّين ابن واصل(١): حَكَى لي الأمير حُسام الدِّين أبي علي، قال: كان جدي في خدمة صلاح الدين، فحَكَى أَنَّه لمَّا وَقَعت هذه الوقْعة، يَعْنِي وَقْعة السُّودان، بالقاهرة التي زالت دَوْلتُهم فيها، ودَوْلة آل عُبَيْد، قال: شَرَعَ صلاح الدِّين فطلب من العاضد أشياء من الخَيْل والرَّقيق والأموال ليتقوَّى بذلك. قال: فسيّرني يومًا إلى العاضد أطلبُ منه فَرَسًا، ولم يَبْقَ عنده إلا فرسٌ واحدٌ، فأتيتهُ وهو راكبٌ في بُسْتانه المعروف بالكافوري الذي يَلِي القَصْر، فقلتُ: صلاح الدِّين يُسلِّم عليك، ويطلبُ منك فَرَسًا. فقال: ما عندي إلا الفَرَس الذي أنا راكبُهُ، ونزل عنه وشَقَّ خُفَّيِه ورَمَى بهما، وسَلَّمَ إليَّ الفَرَس، فأتيتُ به صلاح الدِّين، ولَزِمَ العاضد بيتهُ. قلتُ: واستقلَّ صلاح الدِّين بالأمر، وبَقِيَ العاضد معه صورةً إلى أن خَلَعه، وخَطَبَ في حياته لأمير المؤمنين المُستضيء بأمر الله العباسي، وأزال الله تلك الدَّوْلة المَخْذولة، وكانوا أربعة عشر مُتخلِّفًا لا مُستخلفًا. قال الإمام شهاب الدِّين أبو شامة(٢): اجتمعتُ بالأمير أبي الفُتُوحِ ابن العاضد وهو مَسْجون مُقَيَّد في سنة ثمانٍ وعشرين وست مئة، فحَكَى لي أنَّ أباه في مَرَضه استدعى صلاح الدِّين فحَضَرَ، قال: فأحضرونا، يعني أولاده، ونحن صِغارٌ، فأوصاه بنا فالتزم إكرامَنا واحترامَنا. قال أبو شامة(٣): كان منهم ثلاثةٌ بإفريقية وهم المُلقَّبون بالمهدي والقائم والمنصور، وأحد عشر بمصر، وهم: المُعِز، والعزيز، والحاكم، والظَّاهر، والمُستنصر، والمُستعلي، والآمر، والحافظ، والظَّافر، والفائز، والعاضد، يدَّعون الشَّرَف، ونِسْبتُهم إلى مَجُوسي أو يهوديٍّ، حتى اشتُهر لهم ذلك بين العَوَامِ، فصاروا يقولون: الدَّولة الفاطمية والدّولة العَلَوية، وإنَّما هي الدّولة اليهودية، أو المَجُوسية المُلْحدة الباطنية. قال: وقد ذَكَرَ ذلك جماعةٌ من العُلَماء الأكابر أنهم لم يكونوا لذلك (١) مفرج الكروب ١/ ١٧٨ - ١٧٩ . (٢) الروضتين ١ / ١٩٤. (٣) الروضتين ١/ ٢٠١. ٣٦٨ أهلاً، ولا نَسَبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عُبَيْد. وكان والد عُبَيْد هذا من نَسْلِ القَدَّاحِ المُلْحد المَجُوسي. قال: وقيل كان والدُ عُبَيْد هذا يهوديًّا من أهل سَلَمية، وكان حَدَّادًا. وعُبَيْد كان اسمُهُ سعيدًا، فلمَّا دَخَلَ المَغْرِب تَسمَّى بعُبيد الله، وادعى نَسَبًا ليس بصحيح. وذكر ذلك جماعةٌ من عُلماء الأنساب، ثم ترقَّت به الحال إلى أن مَلَكَ الْمَغْرب، وبنى المهديَّة، وتلقَّب بالمَهْدي. وكان زِنْديقًا خبيثاً، عدوًّا للإسلام، قَتَلَ من الفُقهاء والمُحدِّثين والصَّالحين جماعةً كبيرةً، ونشأت ذُرِّيته على ذلك. وبَقِيَ هذا البَلاء على الإسلام من أوَّل دَوْلتهم إلى آخرها، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومئتين إلى سنة سَبْع وستين وخمس مئة. وقد بيَّن نَسَبَهم جماعةٌ مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، فإنَّ كَشَفَ في أوَّل كتابه المُسمَّى ((كَشْف أسرار الباطنية)) عن بُطلان نَسب هؤلاء إلى عليّ رضي الله عنه، وكذلك القاضي عبدالجبّار بن أحمد استقصى الكلام في أُصولها، وبَيَّنها في آخر كتاب «تَثْبيت النُّبوة)»، وبيَّنَ بعض ما فعلوه من الكُفريات والمُنكرات. قرأتُ في تاريخ صُنِّفَ على السِّنين في مُجلَّدٍ صنَّفه بعض الفُضَلاء سنة بضع وثلاثين وست مئة، وقدَّمه لصاحب مصر المَلِك الصَّالح، قال: في سنة سَبْع وستين وفاة العاضد في يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيُوَيْمات قلائل في أول جُمُعة من المحرَّم لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، وهو آخر خلفاء مصر. فلمّا كانت الجُمُعة الثّانية خُطِبَ بالقاهرة أيضًا للمُستضيءِ، ورَجَعَت الدَّعوة العباسية بعد أن كانت قد قُطِعت بها أكثر من مئتي سنة. وتَسلَّم المَلِك الناصر صلاح الدِّين قَصْر الخلافة، واستولى على ما كان به من الأموال والذَّخائر، وكانت عظيمةَ الوَصْف. وقَبَضَ على أولاد العاضد وأهل بيته، وحَبَسَهم في مكانٍ واحدٍ بالقَصْر، وأجرى عليهم ما يمولهم، وعَفَى آثارهم، وقَمَعَ مواليهم وسائر أنسبائهم. قال: وكانت هذه الفِعْلة من أشرف أفعاله، فلنعمَ ما فَعَلَ، فإنَّ هؤلاء كانوا باطنيَّةً زنادقة، دَعوا إلى مَذهب التَّناسخ، واعتقاد حُلول الجُزء الإلهي في أشباحهم. تاريخ الإسلام ١٢/م٢٤ ٣٦٩ وقد ذكرنا أن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفًا يعتقدون أنَّك الإله. وقال قائلهم وأظنه في الحاكم: ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنتَ الواحدُ القَهَّارُ فَلَعَن الله المادحَ والممدوح، فليس هذا في القُّبْح إلا كقول فِرْعون ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعا وقال بعض شُعرائهم في المهدي برَفَّادة: خَلَّ برَفَّادةَ المسيحُ حلَّ بها آدمُ ونُوح حلَّ بها الله في عُلاه وما سوى الله فهو ريح قال: وهذا أعظم كُفرًا من النَّصارى، لأنَّ النَّصارى يزعمون أنَّ الجزء الإلهي حلَّ بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله في جَسَد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة. هذا اعتقادهم لَعَنهم الله. فأما نَسبهم فأئمة النَّسَب مُجْمِعُون على أنَّهم ليسوا من وَلَد علي رضوان الله عليه، بل ولا من قُريش أصلاً . قلتُ: قد ذكرنا فيما مَضَى أنَّ القادر بالله كتَبَ مَحْضَّرا يتضمنُ القَدْحِ في نَسَبهم ومَذْهبهم، وأنَّه شَهِدَ في ذلك المَحْضر خَلْقٌ، منهم الشَّريفان الرَّضي والمُرتضى، والشَّيخ أبو حامد الإسْفَراييني، وأبو جعفر القُدُوري. وفي المَحْضر أنَّ أصلهم من الدَّيصَانية، وأنهم خَوَارج أدْعياء. وذلك في سنة اثنتين وأربع مئة. وقال العماد الكاتب، يَصِفُ ما جَرَى على ما خَلَّفه العاضد من وَلَدٍ وخَدَم وأمتعة، إلى أن قال: وهم الآن مَخْصورون مَحْسورون، لم يظهروا، وقد نَقَصَ عَدَدُهم، وقَلَصَ مَدَدُهم. ثم عَرَضَ من بالقَصْر من الجَواري والعبيد فوجد أكثرِهنَّ حرائر، فأطلقهنَّ، وفرّق من بقي. وأخذ- يعني صلاح الدين- كلَّ ما صَلُح له ولأهله وأُمرائه من أخاير الذَّخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومَحاسن العَرائس، والدُّرَّة اليتيمة، والياقوتة الغالية القَيِّمة، والمَصُوغات التِّبْرية، والمُصْنوعات العنبرية، والأواني الفضية، والصَّواني الصِّينية، والمَنْسوجات المغربية، والمَمْزوجات الذَّهبية، والعُقود، والتُّقود، والمَنْظوم، والمَنْضود، وما لا يُعَدُّ إحصاءًا. وأطلق البَيْع بعد ذلك في كل ٣٧٠ جديد وعتيق، وبالٍ وأسمال، واستمرَّ البَيْع فيها مدَّة عشر سنين، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين . وكتب السُّلطان صلاح الدِّين إلى وزير بغداد على يد شمس الدين محمد ابن المُحسِّن بن الحُسين بن أبي المَضَاءِ البَعْلَبَكِّي الذي خطب أول شيءٍ بمصر لبني العباس في أول السنة بإنشاء الفاضل كتابًا، فمما فيه: ((وقد توالت الفُتُوح غَرْبًا وشَرْقًا، ويَمَنًا وشامًا، وصارت البلاد والشَّهر بلِ الدَّهر حَرَمًا حَرامًا، وأضحى الدّين واحدًا بعدما كان أديانًا، والخِلافة إذا ذُكِّر بها أهلُ الخِلاف لم يَخْرُوا عليها صُمَّا وعُميانًا والبدْعة خاشعةً، والجُمُعةُ جامعةً، والمَذلَّةُ في شيع الضَّلال شائعةً. ذلك بأنَّهم اتَّخذوا عبادَ الله من دونه أولياء، وسَمَّوا أعداءَ الله أصفياء. وتقطَّعوا أمرهم شيعًا، وفرّقوا أمرَ الأمَّة وكان مُجتمِعًا، وكذَّبوا بالنَّار، فعُجِّلَتْ لهم نار الحُتُوف، ونَثَرَت أقلامُ الظباء حروفَ رُؤُوسهم نَثْرِ الأقلامِ للحُروف، ومُؤُّقوا كل مُمِزَّق، وأُخِذَ منهم كل مُخَنَّق، وقُطِع دابرُهم، ووعَظَ آتيهم غابرهم، ورَغِمت أُنُوفُهم ومنابرهم، وحَقَّت عليهم الكلمة تشريدًا وقَتلاً، وتَمَّت كَلمةِ ربِّكَ صِدقًا وعَدْلاً، وليس السَّيف عمن سواهم من الفِرَنج بصائم، ولا اللَّيل عن السَّير إليهم بنائم، ولا خَفاء عن المجلس الصَّاحبي أنَّ من شدَّ عَقْد خلافة، وحلَّ عَقْد خلاف، وقام بدَوْلةٍ وقَعَدَ بأخرى قد عَجَزَ عنها الأخلاف والأسلاف، فإنَّه مفتقر إلى أن يُشكرَ ما نَصَحَ، ويُقلَّدَ ما فَتَحَ، ويُبَلَّغ ما اقترح، ويقدم حقه ولا يُطَّرَح، ويقرَّبَ مكانه وإنْ نَزَح، وتأتيه التَّشْريفات الشَّريفة)). إلى أن قال: ((وقد أُنهض لإيصال مُلَطَّفاته، وتُنَجز تَشْريفاته، خطيب الخُطَباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلبس السَّواد الأعظم، الذي جَمَعَ الله عليه السَّواد الأعظم. وقال ابن أبي طيِّىء: لمَّا فَرَغَ السُّلطان من أمر الخُطبة أمَر بالقَبْض على القُصور بما فيها، فلم يُوجد فيها من المال كبيرُ أمرٍ، لأنَّ شاوَر كان قد ضيَّعه في إعطائه الفِرَنج، بل وجد فيها ذخائر جليلة. ومن عجيب ما وُجد فيه قضيب زُمُؤُّدٍ طوله شبر وشيء في غِلَظ الإبهام فأخذه السُّلطان، وأحضر صائغًا ليقطعه، فأبى الصَّائغ واستعفى، فرماه السُّلطان، فانقطع ثلاثَ قِطَع، وفرَّقه ٣٧١ على نسائه. ووُجد طبلُ القُولنج الذي صُنِعِ للظَّافر، وكان مَن ضَرَبه خرج منه الرِّيح واستراح من القُولنج، فوَقَعَ إلى بعض الأكراد، فلم يَدْر ما هو، فكَسَره، لأنَّ ضَرَبَ به فَحَبق(١). ووُجد في الذَّخائر إبريقٌ عظيمٌ من الحَجَر المائع، فكان من جُمْلة ما أُرسل من التُّحَف إلى بغداد. ثم وَصَل مُوفَّق الدّين ابن القَيْسَراني، واجتمع في مصر بصلاح الدِّين، وأبلغه رسالة السلطان نور الدين، وطالَبَه بحِساب جميع ما حصَّله، فصعُب ذلك عليه، وهَمَّ بشقِّ العَصَا، ثم سَكَنَ، وأمَرَ الثُّواب بعَمَلِ الحِساب، وعَرَضه على ابن القيْسَراني، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم، وقد ذُكِرَ في الحوادث جمیعُ ذلك. وكان عُمارة اليَمَني الشَّاعر من العُبَيْديين، وممن يتولاَهم فرَنَى العاضد بهذه : رميتَ يا دهْرُ كفَّ المَجْد بالشَّلَل وجِيدَهُ بعد حُسنِ الحَلَى بالعَطَلِ سعيتَ في منهج الرَّأي العثور فإن قدرت من عَثَرات الدَّهْر فاستقل جَدَعت مازنك الأعلى فأنْفُكَ لا يَنْفَكُّ ما بين أمرِ الشَّيْن والخَجَلِ لَهَفِي ولَهَف بني الآمال قاطبةً على فجيعتها في أكرم الدُّولِ قومٌ عرفتُ بهم كسب الألُوف ومن كمالها أنَّها جاءت ولم أسَلٍ لكَ المَلامةُ إن قَصَّرت في عَذَلي يا عاذلي في ھَوَی أبناء فاطمةٍ بالله زُر ساحةَ القَصْرين وابك معي عليهما لا على صِفِين والجَمَلِ ماذا تَرَى كانت الإفرنج فاعلةً في نَسْل آل أمير المؤمنين علي أسَلْتُ من أسفٍ دَمْعي غداةَ خَلَتْ رحابُكُم وغَدَتْ مَهْجورَةَ السُّبُلِ والله لا فازَ يومَ الحَشْرِ مُبْغِضُكُم ولا نَجا من عذابِ النَّار غيرُ وَلِي وهي طويلة. قيل: كان موتُ العاضدُ بذَرَب مُفْرطٍ أتلفه. وقيل: مات غَمَّا لمَّا سمع بقَطع خطبته. وقيل: بل كان له خاتمٌ مَسْموم فامتصَّه لمّا سمع بزوال دَوْلته. والأول أقرب وأشبه. (١) أي: ضرط، وهذا من التّرهات التي لا تسوى سماعها. ٣٧٢ ٢٥٣- عبدالله بن أحمد بن الحُسين، الرَّئيس أبو محمد الحِمْيريُّ الأطرابُلُسيُّ الكاتب، ويُعرف بابن النَّقَّار. وُلد بطرابلس سنة تسع وسبعين، وقرأ بها الأدَب، فلمَّا أخذتها الفِرنْج تحوَّل إلى دمشق. وكان شاعرًا فاضلاً، كتب لمُلُوك دمشق، ثم كتب لنور الدين رحمه الله. وعُمِّر دَهْرًا، وله قصيدةٌ مشهورةٌ يقول فيها: مِن مُنْصفي من ظالم مُتعتِّب يزدادُ ظُلْما كلَّما حكَّمْتُهُ مَلَّكْتُهُ روحِي ليحفظُ مُلْكَه فأضاعَني وأضاعَ ما مَلَّكْتُهُ فمتى أُعَوَّض بعضَ ما أنفقتُهُ؟ أحبابنا أنفقتُ عُمري عندكم فلمن ألوم على الهَوَى وأنا الذي قُدْتُ الفؤادَ إلى الغَرام وسُقْتُه(١) ٢٥٤ - عبدالرحمن بن سعد الله بن قبان بن حامد، أبو القاسم بن أبي المواهب البَغْداديُّ، ابن خال شُهْدَة. سمع أبا غالب الباقلاني، وأجاز له طراد الزَّيْنَبي فيما قيل. سمع منه عُمر القُرشي، وأبو بكر بن مَشِّق(٢). ٢٥٥- عبدالكريم بن إسماعيل بن أبي سَعْد أحمد بن محمد النيسابوريُّ ثم البغداديُّ الصُّوفيُّ. سمع من ابن الحُصَيْن، وزاهر الشَّخَامي. كتب عنه عُمر بن عليّ القُرَشي، وغيرُه(٣) . ٢٥٦- عبدالملك بن إلكيا الهَرَّاسيُّ أبي الحسن عليّ بن محمد . الطَّبَرِيُّ ثم البَغْداديُّ. سمع من ابن بيان الرَّزَّاز. روى عنه ابن الأخضر. وتُوفي في ربيع الآخر (٤). ٢٥٧- عبدالملك بن محمد بن باتانة، أبو الحسن المَغْربيُّ المُجوِّد. (١) من تاريخ دمشق ٢٧ / ١٤ . (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٣٤ (كيمبرج). (٣) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٦٥ (٥٩٢٢ باريس). (٤) من تاريخ ابن النجار ١/ ١٢٠، وينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٣٩ (٥٩٢٢ باريس). ٣٧٣ ما ذكر ابن النَّجَّار(١) على مَن تلا. سمع أبا العز بن المختار. ومات في ربيع الأول. ٢٥٨- عثمان بن يوسف بن أيوب، أبو عَمرو الكاشْغَرِيُّ الخُجَنْدِيُّ، ويعرف أبوه بابن زُرَیق. من أهل كاشْغَر، سَكن بغداد، وكان، أعني يوسُف يخدمُ في إصطبل المُستظهر بالله، فوُلِد له عثمان، وتفقَّه على مَذْهب أبي حنيفةٍ وسَمِعَ الحديث. وسَمَّع أولادَهُ عليًّا وأبا بكر وإبراهيم من أبي الفَتْحِ ابنِ البَطَّ، وأبي بكر ابن التَّقُور، وأبي المَعالي بن حَنيفة، وأمثالهم. وحَصَّلَ الأُصول، واستنسخ، ونُفّذ من الدِّيوان العزيز في مُهمّ إلى المَلك نور الدّين، فسمع منه الشَّيخ أبو عُمر، وأخوه الشَّيخ المُوفَّق، والحافظ عبدالغني في سنة خمسٍ وستين. قال ابنُهُ إبراهيم: تُوفي في حدود سنة سَبْع وستينَ(٢). ٢٥٩- عرقلة، الشَّاعر المَشْهور. هو أبو النَّدى حسَّان بن نُمير الكَلبي الدِّمشقي شاعر مُجِيد، ونديمٌ خليعٌ، وأعور مَطْبوعٌ، وهو القائل في دمشق : أما دمشقُ فجنَّاتٌ مَزخْرَفَةٌ للطّالبين بها الولدان والحُورُ ما صاح فيها على أوتاره قَمَرٌ إلا وغنَّاه قمْريٌّ وشُخْرورُ يا حَبَّذا ودُروع الماء تَنسُجُها أناملُ الرِّيح إلا أنَّها زُورُ(٣) وله وقد وَلِيَ صلاح الدِّين يوسف بن أيوب شحنكية دمشق لنور الدِّين في سنة ستين وخمس مئة: رُوَيْدَكم يا لصوصَ الشَّامِ فإِنِّي لكم ناصحٌ في المَقالِ أتاكم سَمِيُّ النَّبيّ الكريم يوسفُ ربُ الحِجَى والجَمال فذلك يقطعُ أيدي النِّا وهذا يُقطِّع أيدي الرِّجالِ وكان صلاح الدِّين وعَدَه إن أخذ مصر أن يعطيه ألف دينار، فلمَّا مَلَكها قال فيه : (١) تاريخه ١/ ١٣٩. (٢) من تاريخ ابن النجار ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥. (٣) ينظر مرآة الزمان ٨/ ٢٨٨. ٣٧٤ قُلْ للصلاح مُعِيني عند افتقاري يا ألف مولاي أين الألف دينار؟ أخشى من الأسْر إن حاولت أرضَكم وما تَقي جنة الفردوس بالنار فُجُد بها عاضديات موفرة من بعض ما خَلَّف الطَّاغي أخو العار حُمرًا كأسيافكم غرًّا كخيلكم عْقًا ثِقالاً كأعدائي وأطماري فأعطاه ألف دينار وأخذ له من إخوته مِثْلَها، فجاءَه الموت فُجَاءَةً ولم ينتفع بفجاءة الغِنى. ومن شِعره: عندي إليكم من الأشواق والبَرَحًا ما صَيَّر الجِسْم من بعد الضنَّا شَبَحا أحبابَنا لا تظنُّوني سَلَوتُكُم الحال ما حال والتَّبريح ما برحا لو كان يسبح صَبٍّ في مَدَامعه لكنتُ أوَّلَ من في دَمعه سَبحا أو كنتُ أعلمُ أنَّ البَيْن يَقْتَلُني ما بِنْتُ عنكم ولكن فات ما ربحا وله : ترى عند مَن أحببتُه لا عَدِمْتُه من الشَّوْق ما عندي وما أنا صانعُ جميعي إذا حدثت عن ذاك أعين وكُلّي إذا نُوجيتُ عنه مسامعُ ولعرقلة ديوانٌ مشهورٌ، تُوفي بدمشق في حدود سنة سَبْع هذه(١). ٢٦٠- عليّ بن أحمد بن عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن بن يعيش، أبو الحسن القُرَشيُّ الزُّهريُّ العَوْفيُّ الباجيُّ، قاضي إشبيلية. سمع أبا القاسم الهَوْزَني، وشُرَيح بن محمد، وأبا بكر ابن العَرَبي. وناظَر في ((المُدوَّنة)) عند أبي مَرْوان الباجي. وأخذ العربية عن أبي الحسن بن الأخضر. وسمع بقُرْطُبة من أبي محمد بن عَتَّاب، وابن بَقِي، وأبي الوليد بن طَرِيف. قال الأبَّار(٢): وكان فقيهًا، مُشاوَرا، مُحدِّثًا، مُتقدِّمًا بنفسه وبشرَفه. وله تصنيفٌ في مناسك الحجِّ. حدَّث عنه أبو بكر بن خَيْرِ، وأبو عُمر ابن عَيَّاد، وأبو بكر بن أبي زَمَنين، وأبو الخَطَّاب بن واجب. وآخر من حدَّث عنه (١) في مرآة الزمان ٨/ ٢٨٦ - ٢٨٨. (٢) التكملة ٣/ ٢٠٦. ٣٧٥ أبو القاسم عبدالرحمن ابنه. تُوفي في ربيع الأول وله سَبْعٌ وسبعون سنة. وكانت له جنازةٌ مشهودةٌ . ٢٦١- عليّ بن صالح بن أبي اللَّيْث، أبو الحسن ابن عِزِّ النَّاس العَبْدَريُّ الدّانيُّ الطَّرْطَوشيُّ. سمع أبا محمد بن الصَّيْقَل، وأبا بكر بن العَرَبي، وأبا القاسم بن وَرْد. قال الأبَار(١): وكان فقيهًا مُتَقِنًا، عالمًا بالأصول والفُروع دقيقَ النَّظَر، جَيِّد الاستنباط، فصيحًا لَسِنًا، وكان رأسَ الفتوى بدانية، وله مُصنَّفات. أخذ عنه أبو عُمر بن عيَّاد، وابنه محمد، وأبو محمد بن سُفيان، وأسامة بن سُليمان، وأبو القاسم بن سَمَجون. وقتِل مَظْلومًا بدانية سنة ست وستين. وقال محمد بن عيَّد: قُتِلَ لسِعاية لَحِقَتْه عند السُّلْطان محمد بن سَعْد سنة سَبْعِ وستين، ووُلد سنة ثمانٍ وخمس مئة بطَرْطُوشة. ٢٦٢- عليّ بن عبدالله بن خَلَف بن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالملك، الإمام أبو الحسن ابن النِّعمة الأنصاريُّ الأَنْدِلُسيُّ المَرِِّّي، نزيلُ بَلَنْسية. أخذ في صِغَرِهِ عن أبي الحسن بن شفيع. وسمع من عبَّاد بن سِرْحان. وانتقل به أبوه إلى بَلَنْسية سنة ستٍّ وخمس مئة فقرأ بها القرآن على موسى بن خَميس الضَّرير، وأبي عبدالله بن باسة. وأخذ العربية عن أبي محمد البَطَلْيَوسي واختصَّ به. وروى عن أبي بَحْرِ بن العاص، وخُلَيْص بن عبدالله، وأبي عبدالله ابن أبي الخَيْرِ. ورَحَلَ إلى قُرْطُبة سنة ثلاث عشرة فتفقَّه بأبي الوليد بن رُشْد وأبي عبدالله بن الحاجٌّ. وسمع من أبي محمد بن عَتَّاب، وأبي القاسم بن بَقِي، وأبي الحسن بن مُغيثٍ، وجماعةٍ. وسمع أيضًا من أبي عليّ بن سُكَّرة. وأجازَ له جماعة. وتصدّر ببَلَنْسية لإقراء القرآن والفِقْه والنَّحو والرِّواية ونَشْر العُلوم. قال الأبَار(٢): وكان عالمًا مُتقنًا، حافظًا للفقه والتَّفاسير ومَعاني الآثار، مُقدَّمًا في عِلم اللِّسان، فصيحًا، مُفَوَّهًا، وَرِعًا، فاضلاً، مُعظّمًا عند الخاصَّة والعامَّة، دَمِثَ الأخلاق، لَيِّنَ الجانب، وَلِيَ خطَّة الشُّورى وخطابة بَلَنْسية (١) التكملة ٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥. (٢) التكملة ٣/ ٢٠٧. ٣٧٦ دَهْرًا، وانتهت إليه رياسة الإقراء والفَتْوى. وصَنَّف كتاب ((ريُّ الظمآن في تفسير القرآن))، وهو كبير، وصنَّف كتاب «الإمعان في شَرْح مُصنَّف النَّسائي أبي عبدالرحمن)) بَلَغَ فيه الغاية في الاحتفال والإكثار، وانتفع به النَّاس، وكثُر الراحلون إليه. وأخبرنا عنه جماعةٌ من شيوخنا، وهو خاتمة العُلَماء بشرق الأندلُس. تُوفي في رمضان إلى رحمة الله تعالى، وهو في عَشْرِ الثَّمانين. قرأ عليه بالرِّوايات أبو عليّ الحسن بن محمد ابن فاتح. ٢٦٣- عليّ بن عِمْران بن عليّ بن مَعْروف، أبو الحسن البَكْرِيُّ التَّيميُّ الأصبهانيُّ. كان سالار الحاج، حجَّ مرات. روى عن أبي مُطيع، وأبي الفَتْح الحَدَّاد. وعنه أبو المحاسن القُرَشي، وابنه أبو بكر عبدالله . وُلد سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة، ومات في ذي الحجة. ٢٦٤- عليّ بن أبي عبدالله محمد بن أحمد بن فيد، أبو الحَسَن الفارسيُّ الأصل القُرْطَبيُّ. روى عن أبي محمد بن عَتَّاب، وأبي الوليد بن طريف، وأبي بَحْر الأسدي. وحجَّ سنة ثلاثين، فسمع أبا بكر بن عشير الشَّرواني، وأبا عليّ بن العرجاء، وأبا المُظفَّر الشَّيْباني. قال الأبَّار(١): ولَقِيَ أيضًا أبا سعيد حَيْدر بِن يحيى، وسُلْطان بن إبراهيم المَقْدسي، وأكثَرَ عن السِّلَفي. وانصرف إلى قُرْطُبة بفوائدَ جمَّةٍ، فسمعوا منه. وكان من أهل العناية الكاملة بالرِّواية، ثَبْتًا، عارِفًا، مَوْصوفًا بالذَّكاء والحِفْظ، مُتواضعًا. خرجَ من قُرْطُبة في الفِتنة بعد الأربعين وخمس مئة، فنزل كُورة ألْش، من أعمال مُرْسِية، فوَلِيَ خطابتَها مدة. وكان النَّاس يقصدونه. حدَّث عنه ابن بَشْكُوال، وأعجب من هذا أنَّ رَزِين بن معاوية العَبْدَري حدَّث عنه (بسيرة ابن إسحاق))، بروايته عن السِّلَفي. وحدَّث عنه من شيوخنا أبو الخَطَّاب ابن واجب، وأبو عبدالله التُّجِيبي. استُشْهِد في خُروجه من ألْش مع عامَّة أهلها لمَّا خافوا من الأمير سَعْد بن محمد، وكانوا قد خَلَعوا دعوتَهُ. قُتِل في هذه السنة وقد قارب الثَّمانين . (١) التكملة ٣/ ٢٠٨. ٣٧٧ ٢٦٥- عليّ بن محمد بن خُلَيد، أبو الحسن ابن الإشبيليِّ. سكن المَرِيَّة، وأخذ عن أبي القاسم بن وَرْد، ولازَمَه. وبَرَعَ في عِلْم الأصول والكلام. وكان خطيبًا مُفوّهًا، وافرَ الحُرْمة. أخذ عنه أبو القاسم ابن المَلْجوم، وأبو عَمْرو عثمان بن عبدالله. تُوفي بمَزَّاكُش . ٢٦٦- القاسم بن الفَضْل بن عبدالواحد بن الفَضْل، أبو المُطَهَّر بن أبي طاهر الأصبهانيُّ الصَّيْدَلانيُّ. سمع من رِزْق الله التَّمِيمي، والقاسم بن الفَضْل الثقفي، ومكي بن منصور الكرَجي، وغيرهم. حدَّث عنه ((بمُسْنَد الشَّافعي)) أحمد بن محمد الجَنْزِي، ثم الأصبهاني، وروى عنه أبو نِزار ربيعة بن الحسن اليَمَني، ومحمد ابن مَسْعود بن أبي الفَتحِ المَدِيني، والحافظ عبدالقادر الزُّهَاوي، ومحمد بن أبي سعيد بن طاهر الفقيه، ومُعاوية بن محمد بن الفَضْل، وجماعةٌ. وروى عنه بالإجازة مُوفَّق الدِّين بن قُدامة، وكريمة القُرَشيّة. وكان من آخر من روى عن رِزْق الله أو آخرهم، وتُوفي في نصف جُمادى الأولى عن نيٍِّ وتسعين سنة، وَرَّخه ابن نُقْطة(١). وروى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، وقال(٢): كان مُتميِّزًا، حريصًا على طَلَب الحديث، مليحَ الخطِّ سمع وأكثرَ وبالَغَ. روى عن سليمان الحافظ، وجَدِّه لِأُمِّه أبي منصور محمد بن عليّ بن عبدالرَّزَّاق، وطائفةٍ. ٢٦٧- محمد بن أحمد بن الزُّبَير، أبو عبدالله القَيْسيُّ الشَّاطبيُّ، عُرِف بالأغرشي، نِسْبةً إلى بعض أعمال شاطِبة. وَلِيَ خطابةَ شاطِبة، وكان مَوْصوفًا بالزُّهْد والخُشُوعِ والإخبات والبُكاء، مُشارًا إليه بإجابة الدَّعْوة(٣). ٢٦٨- محمد بن أسعد بن محمد بن نَصْر، الفقيه أبو المُظفَّر بن الحَليم البغداديُّ العراقيُّ الحَنَفَيُّ الواعظ، نزیل دمشق. (١) التقييد ٤٣١. (٢) التحبير ٢/ ٤١. (٣) من التكملة لابن الأبار ٢/ ٣٩ - ٤٠. ٣٧٨ وكان يعِظُ بها، ثم دَرَّس بها بالطّرخانية وبالصَّادرية، وبَنَى له الأمير مُعين الدين أَثْر مَدْرسةً. وظَهَرَ له القَبُول في الوَعْظ. وسمع أبا عليّ بن نَبْهان، وأبا غالب محمد بن عبدالواحد القَزَّاز، ونور الهُدى الزَّيْنبي، وغيرَهم. روى عنه أبو المواهب بن صَصْرَى، وأخوه شمس الدين أبو القاسم، والقاضي أبو نَصْر ابن الشِّيرازي، وغيرُهم. قال الحافظ ابن عساكر في ترجمته (١): وذَكَرَ أنَّه سمع «المَقامات)) من الحريري، وألَّف تفسيرًا، وشَرَحَ («المَقامات))، وأنشدني بمارِدين أبياتًا، لَقيتُه بها . قلتُ: أخبرتنا ((بالمقامات)) الكاتبة أمَّةُ العزيز بنت يوسف بن غَنِيمة بمنزلها، قالت: أخبرنا أبو نصر ابن الشِّيرازي، قال: أخبرنا أبو المُظفَّر الحَنَفي، قال: أخبرنا الحَرِيري المُصنِّف. تُوفي عن نيفٍ وثمانين سنة بدمشق . وقد كَتَبَ عنه أبو سَعْد ابن السَّمْعاني(٢). ٢٦٩- محمد بن سَعْد بن مَرْدَنيش، الأمير أبو عبدالله، صاحب الشَّجاعة والإقدام بمُرْسِية ونواحيها . وُلد سنة ثمان عشرة وخمس مئة، وتنقَّلت به الأحوالُ، وتَملَّك مُرْسية وبَلَنْسية، واستعان بالفِرَنْج على حَرْب المُوحِّدين، واستفحل شأنه بعد موت عبدالمُؤمن، فسار إليه أبو يعقوب بن عبدالمُؤمن، وعَبَرَ إلى الأندَلُس في مئة ألف، ودَخَلَ إشبيلية، وجاء إليه أخوه عُمر، وكان نائبَهُ على الأندلس، فاستشعر ابن مردنيش العَجْزَ والقَهْرَ، ومَرِضَ مَرَضًا شديدًا، واحتُضِرَ، فأمر بنيه أن يُبادروا إلى أبي يعقوب، ويُسلِّموا إليه البلاد التي بيده. ومات هو في التاسع والعشرين من رجب، فقيل: إنَّ أُمَّ سَقَته السُّمَّ لأنَّه كان قد أساء إلى أهله وخَواصِّه، فكلَّمَته وأغْلَظت له، فتهددَها حتى خافت منه، فعَمِلَت عليه وسَقته، وبادرَ إخوتُهُ فسلَّموا شَرْق الأندلس إلى أبي يعقوب، (١) تاريخ دمشق ٥٢ / ٤٦ . (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي ١/ ١٧٦. ٣٧٩ وهي مُرْسية وبَلَنْسية وجَيَّان، فأكرمهم وفَرِحَ بمَحَبَّتهم، وتزوَّج بأُختهم، وصاروا من حِزْبه(١). ٢٧٠- محمد بن عبدالله بن مَيْمون بن إدريس، أبو بكر العَبَدريُّ القُرْطبيُّ الأديب. روى عن أبي محمد بن عَتَّاب، وأبي الوليد بن رُشْد، وأبي بَحْر الأسدي، وابن مُغِيث، وجماعةٍ. قال الأبَار(٢): كان مُتقدِّمًا في علم اللِّسان، مُتصرِّفًا في غيره من الفُنون، حافظًا، حافلاً، شاعرًا، مُجوِّدًا. نَزَلَ مَرَّاكُش، وأقرأ بها العربية والآداب، وشَرَحَ ((الجُمَل)) للزَّجَّاجي. حدَّث عنه يعيش بن القديم. وتُوفي بمَرَّاكش عن إقلاع وإنابة . ٢٧١- محمد بن عبدالرحيم بن محمد بن الفَرَج بن خَلَف، الإمام أبو عبدالله ابن الفَرَس الأنصاريُّ الخَّزْرَجِيُّ الغَرْناطِيُّ. سمع أباه أبا القاسم وأخذ عنه القراءات وتفقَّه عليه، وسمع أبا بكر بن عطية، وأبا الحسن بن الباذش. ورَحَلَ إلى قُرْطُبة فسمع أبا محمد بن عَتَّاب، وأبا بَحْر، وابن رُشْد، وابنُ مغيث، وطائفةً. وتفقه ببعضهم، وأخذ القراءات بقُرْطبة. وعَدَدُ شُيوخه خمسةٌ وثمانون . قال الأبَّار(٣): كان عالمًا، حافِلاً، راويةً، مُكثِرًا مُتحقِّقًا بالقِراءات والفِقه، وله مُشاركةٌ في الحديث والأصول مع البَصَر بالفَتْوى. نزل مُرْسية، ووَلِيَ خِطَّة الشُّورِى، ثم وَلِيَ قضاء بَلَنْسية، ثم استعفى منه، وكان في وَقته أحدَ حُفَّاظ الأندلُس في المَسائل مع المَعْرفة بالآداب. وكانت أُصُولُه أعلاقًا نفيسةً لا نظيرَ لها، جَمَعَ منها كثيرًا وكتَبَ بخطُّه أكثرَها. قال التُّجِيبي: ذُكر لي من فَضْله ما أزعجني إليه، فلَقِيتُ عالِمًا كبيرًا، ووجدتُ عنده جماعةً وافرةً من شَرْق الأندلُس وغَرْبها، يأخذون عنه الفِقْه والحديث والقراءات، أفرادًا وجَمْعًا. وحَكَى أنه قرأ عليه بها وبرواية يعقوب، واستظهر عليه ((التَّيْسير)) (١) ينظر تاريخ ابن الأثير ١١/ ٣٧٤. (٢) التكملة ٢ / ٣٩. (٣) التكملة ٢ / ٣٨، والترجمة منه. ٣٨٠