النص المفهرس

صفحات 201-220

٤١١- القاسم بن محمد بن مُبارك، أبو محمد ابن الحاجِّ الأُمَويُّ
الزَّقَّاق.
أَخَذَ القراءات بالأَنْدَلُس عن شُرَيْح بن محمد، ومنصور بن الخَيْرِ، وروى
عن أبي عبدالله الخَوْلاني، وجماعةٍ، ونَزَلَ مدينة فاس، وتصدَّرَ للإقراء، وأَخَذَ
الناس عنه؛ أَخَذَ عنه ابنُ خَرُوف، وهُذَيْل بن محمد، وأبو الصَّبْر أيوب بن
عبدالله، وتُوفي بسَلاَ في حدود السِِّينِ وخمس مئة (١).
٤١٢- قُتيبة بن سعيد بن الفَضْل، أبو بكر العِراقي المِفْتَاحِيُّ التَّاجر.
رجلٌ خيٌّ من أهل نَيْسابور، سَمِعَ أبا الحسن عليّ بن أحمد المَدِيني،
وغيرَهُ. روى عنه عبدالرَّحيم السَّمْعاني .
٤١٣- قتيبة بن سعيد الأصبهاني المَغَازِلِيُّ.
سَمِعَ رِزْق الله الثَّميمي، وغيرَهُ. روى عنه شيوخ ابن النَّجَّار: محمد بن
محمد بن أبي بكر، وعُمر بن أبي الجيش القصاب، وأبو بكر شَيْبان بن الحسن
الكيمختي الأصبهانيون، وغپرُهِم.
٤١٤- قراطاس بن طُنْطَاش، أبو صالح الظَّفَرُ البَغْدادُّ.
شيخٌ صُعْلُوكٌ، وهو رأس طبقة البَغْداديين في لَعِب الشِّطْرنج. سَمِعَ أبا
الحُسين ابن الطُّيُوري، وهبة الله المَوْصِلي، وابن بَيَان.
كَتَبَ عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، وقال له: إنَّه وُلد سنة تسع وسبعين وأربع
مئة .
٤١٥- لوط بن عليّ بن محمد بن عُمر، أبو مُطيع الباغْبَان الخَبَّاز.
شيخٌ صالحٌ، سَمِعَ أبا مُطيع، وغيرَهُ، وأجاز من أصبهان لعبدالرَّحيم ابن
(٢)
السَّمْعاني (٢) .
٤١٦- محمد بن أحمد بن عبدالرّحمن، أبو عبدالله ابن الصَّيقَل
الفِهْرِيُّ المُرْسيُّ، المُلقَّب أبا هريرة لعنايته بالآثار.
(١) من تكملة الصلة لابن الأبار ٤/ ٧١ - ٧٢.
(٢) ينظر التحبير ٢/ ٤٧ وفيه أنه توفي بعد سنة ست وأربعين وخمس مئة.
٢٠١

سمِعَ أبا محمد بن أبي جعفر، وأبا الوليد ابن الدَّبَّاغ، وأجاز له جماعةٌ.
روى عنه أبو بكر بن سُفيان، وغيرُهُ(١).
٤١٧- محمد بن إبراهيم ابن المُنَخَّل، أبو بكر المَهْرِيُّ الأديبُ
الشِّلْبيُّ.
أحدُ الشُّعَراء المُجوِّدين، كان يعرفُ عِلْم الكلام، روى عنه من ديوانه
عبد الله بن أحمد الشِّلْبي، فمن شِعره:
مَضَت لي ستُّ بعد سبعين حَجَّةً ولي حَرَكاتٌ بعدها وسُكُونُ
فيا لَيْتَ شِعْري أين أو كيف أو متى يكونُ الذي لابدَّ أن سَيكونُ(٢)
٤١٨- محمد بن الحسن بن محمود، أبو جعفر المَرْوَزِيُّ البَيِّع.
كان صاحبَ أموالٍ كثيرةٍ ذَهَبَت في نَهْبٍ مَرْو وفي المُصادرة. وكان ديِّنًا
خَيِّرًا، سَمِعَ ببغداد من أبي القاسم بن بَيَان. روى عنه عبدالرَّحيم ابن
السَّمْعاني، وقال: قال: وزنتُ لابن بَيَان دينارًا أحمر حتى سمعتُ منه، يعني
(جُزء ابن عرفة)). وُلِد سنة أربع وثمانين.
٤١٩- محمد بن عبدالحَقِّ بن أحمد بن عبدالرَّحمن بن محمد بن
عبدالحَقِّ، أبو عبدالله الخَزْرَجيُّ القُرْطَبِيُّ.
سَمِعَ أبا عبدالله محمد بن الفَرَج مولى ابن الطَّلَّع وأكثر عنه، وعُنِي
بالفِقْه، وطال عُمُره، وعَلاَ سَنَدُهُ، وسَمِعَ في الكُهُولة من أبي محمد بن عَتَّاب،
وغيرِه. روى عنه ابنُهُ القاضي أبو محمد عبدالحقِّ، وغيرُه(٣). وآخر من روى
عنه أبو القاسم أحمد بن بَقِيَ سَمِعَ منه ((المُوطَّأ))، وأجاز له، وتُوفي قريبًا من
سنة ستين وخمس مئة.
وقد أجاز لنا عبدالله بن هارون الطَّائي سنة سبع مئة من المَغْرب، قال:
حدثنا أحمد بن بَقِي ((بالموطأ)) قال: أخبرنا محمد بن عبدالحقِّ، قال: أخبرنا
ابن الطلاَّع. وهذا أعْلى ما يُوجد من الرِّوايات بالمَغْرب.
٤٢٠- محمد بن عبدالحميد بن الحُسين، العَلَّمة أبو الفَتْح
الأُسْمَنْدِيُّ السَمَرْ قَتْديُّ.
(١) من التكملة لابن الأبار ١٨/٢ - ١٩.
(٢) من التكملة لابن الأبار ٢٧/٢ - ٢٨.
(٣) من تكملة الصلة لابن الأبار ٢٧/٢.
٢٠٢

وُلد سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة، وسَمِعَ الحديث من عليّ بن عثمان
الخَرَّاط. وأُسْمَنْد: من قُرَى سَمَرقَنْد.
روى عنه عبدالرَّحيم ابن السَّمْعاني، وقال: كان إمامًا مناظِرًا، له الباعُ
الطَّيلِ في عِلْم الجَدَل، وصنَّف الثَّصانيف في عِلْم الخِلاف، وشاعت تصانيفُهُ
في البُلْدان.
٤٢١ - محمد بنٍ عليّ بن عبدالله بن أحمد بن حَمْدان، أبو سعيد وأبو
عبدالله الجاوانيُّ الحِلّويُّ العراقيُّ، وجاوان: قبيلةٌ من الأكراد سَكَنوا
الحِلَّة.
قَدِمَ بغدادَ في الصِّبى، وتفقَّه بها على أبي حامد الغَزَّالي، وإلْكِيا الهَرَّاسي
حتى بَرَعَ وتَميَّزَ، وسَمِعَ من الحُمَيْدِي، وأبي سَعْد عبدالواحد ابن القُشَيْرِي،
وأبي بكر محمد بن المُظفَّ الشَّامي القاضي، وجماعةٍ، وقَرَأَ ((المقامات)) على
الحَرِيري، وكان إمامًا مُناظرًا، شَرَحَ كتاب ((المَقامات))، وله كتاب ((عيوب
الشِّغَرِ))، وكتاب ((الفَرْق بين الرَّاء والغَيْن)). وحدَّث بإربل والمَوْصِل، وسَكَنَ
البَوَازِيج. وحدَّث ببغداد قديمًا بكتاب ((إلْجام العوام)) للغَزَّالي.
وحدَّث عنه قاضي أسيوط أبو البَرَكات محمد بن عليّ الأنصاري، وقال:
أخبرنا شيخُنا الإمام رَضِي الدِّين الجاواني بالمَوْصل في رَجَب سنة تسع
وخمسين وخمس مئة، قال: أخبرنا أبو سَعْد القُشَيْري قراءةً علیه ببغداد.
وقال ابن النَّجَّار: أخبرنا شهاب المُزَكِّي، قال: أخبرنا أبو سَعْد ابن
السَّمْعاني، قال: أنشدني أبو الفَوَارس الحسن بن عبدالله بن شافع الدِّمشقي
بمَرْو، قال: أنشدني أبو عبدالله محمد بن عليّ العراقي لنفسه بإربل:
دعَاني من مَلاَمِكُمَا دَعَاني فداعي الخُبِّ للبَلْوَى دعاني
أجاب له الفُؤاد ونَوْمُ عَيْني وسارا في الرِّفاق وودَّعاني
فَطَرْفي ساهِرٌ في طُولٍ ليلي وقَلْبي في يَدِ الأشواق عاني
فكيف يصيخ للعُذَّال سَمْعي ولا عَقْلي لديَّ ولا جَنَاني؟
وقد قَرَأَ عليه أبو سَعْد أحمد بن إبراهيم المُؤدب ((مَقامات الحَرِيري))
بإربل في سنة إحدى وخمسين، وبَقِيَ إلى قريب السِّتِّين، وعاش ثنتين وتسعين
سنة .
٢٠٣

٤٢٢- محمد بن عليّ بن محمد بن أبي العاصِ النَّقْزيُّ، الأستاذ أبو
عبدالله الشَّاطبيُّ، ويُعرفِ بيَلَده بابن اللَّيُه بتَفْخيم اللاَّم وضمّ الياء بعدها ثم
هاء ساكنة، المُقرىء الضَّرير.
أَخَذَ القراءات عن أبي عبدالله محمد ابن غُلام الفَرَس الدَّاني. وتصدّر
للإقراء مذَّة؛ أَخَذَ عنه القراءات أبو القاسم الرُّعَيْنِي الشَّاطبي، وأبو عبدالله
محمد بن عبدالعزيز بن سَعَادة، والقاضي أبو بكر بن مُفَوَّز مع تقدُّمه. وكان
مَوْصوفًا بالإتقان والدِّيانة.
قال شيخُنا أبو حَيَّان: كان حيًّا في سنة خمسٍ وخمسين وخمس مئة،
وهو والد المُقرىء أبي جعفر أحمد بن محمد، وهو الذي خَلَف أباه أبا عبد الله
في الإقراء.
٤٢٣- محمد بن عُمر بن محمد بن العباس بن علي، الأديبُ أبو
الفَضْلِ القُرَشِيُّ المَخْزوميُّ الخالديُّ الإشتيخَنيُّ السُّغْدِيُّ السَّمَرْ قَتْدِيُّ.
كان أديبًا، نَحْويًا بارعًا، صالحًا، خَيِّرًا، سريعَ الدَّمْعة، كَتَب بنفسه أمالي
أئمّة سَمَرْقَنْد، واختصَّ بالإمام مَسْعود بن الحُسين الكُشَاني، وعليه تفقّه،
وسَمِعَ منه، ومن عليّ بن عثمان الخَرَّاط، ومحمود بن مَسْعود الشُّعَيْبِي،
وجماعةٍ كبيرةٍ. وكان مَوْلده بإشتِيخن في سنة ثلاثٍ وتسعين وأربع مئة، ومات
الخَرَّاط في سنة عشر، ومات الشُّعَيبي سنة أربع عشرة.
روى عنه عبدالرَّحيم ابن السَّمْعاني.
٤٢٤- محمد بن أبي القاسم بن محمد الأصبهانيُّ.
روى ((جُزء لُوَيْن)) عن أبي عيسى بن زياد، وعن أبي بكر بن ماجة
الأَبْهَري. روى عنه جامع بن إسماعيل، عُرف ببالَهْ، والأمير أبو المَعالي، وابنُهُ
غانم بن أبي المَعالي بن حَيْدر الحُسَيْنِي، ومحمد بن أبي الفُتوح السُّؤْذَرْجَاني،
ومحمد بن أميرك بن حُسين الصَّيْرفي، والوَجيه محمد بن أبي رشيد بن
عبدالمُطَّلب الضَّرَّاب البَصْري، ومحمد بن محمد بن أبي نَصْرِ البَقَّال، وسُفْيان
ابن إبراهيم بن مَنْدة، وآخرون.
وكان أديبًا نبيلاً، كنيتُهُ أبو بكر الصَّالحاني.
٢٠٤

٤٢٥- محمد بن الفَضْل بن محمد بن منصور، العَلاَّمة أبو طاهر
البُرْجيُّ الأصبهانيُّ العَرُوضيُّ.
إمامٌ مُنَاظِرٌ فَحْلٌ صاحبُ فُنون، سَمِعَ أبا المُطيعِ المِصْري، ومكِّي بن
منصور الكَرَجي، وجماعةً.
عَظَّمه السَّمْعاني وأَخَذَ عنه ببَلْخ وببُخَارى في سنة إحدى وخمسين، ثم
دَخَل بلاد التُّرْك(١).
٤٢٦- محمد بن المُجَلَّى ابن الصَّائغ، أبو المُؤْيَّد الجَزَرِيُّ الطّبيب
المَعْروف بالعَنْتَرِيِّ.
عُرِف بذلك لأنَّه كان في أوَّل أَمْره يكتبُ سيرةَ عَنْتَرة العَبْسيِ.
قال ابن أبي أُصَيْبعة(٢): كان طبيبًا مَشْهورًا، وعالمًا مَذْكورًا، حَسَنَ
المُعالجة والتَّدْبير، فَيْلسوفًا، مُتميِّزًا في عِلْم الأَدَب، شاعرًا. روى السَّديد
محمود بن عُمر بن زُقَيْقة (٣) الطَّبيب، عن الحكيم مُؤيَّد الدِّين ابن العَنْتري، عن
أبيه، له هذه الأبيات:
احفظ بُنيَّ وصِيَّتَي واعمل بها فالطِّبُّ مَجْموعٌ بنص كلامي
قدِّمْ على طِبِّ المَريض عنايةً في حِفْظِ قُوَّته مع الأيَّامِ
والضِّدُّ فيه شِفاءُ كلِّ سقامَ
بالشبه تحفظ صِحَّة موجودة
أَقْلِلْ نِكَاحَكَ ما استطعت فإنَّه ماءُ الحياةِ يُراقُ في الأَرْحَامَ
واحْذَرْ طعامًا قبل هَضْم طعامَ
واجعلْ طعامَكَ كلَّ يوم مرةً
لا تَحْقرِ المَرَضَ اليسيرَ فإِنَّه كالنَّار تُصبحُ وهي ذاتُ ضِرامَ
لا تَهْجُزَّن القَيء واهْجُر كلَّما كَيْمُوسه سَببٌ إلى الأسقامَ
إن الحِمى عَوْنُ الطَّبيعة مسعد شاف من الأمراضِ والآلامِ
لا تَشْرِبَنَّ بعقبٍ أَكْلِ عاجِلاً أو تأكُلَنَّ بعقب شُربِ هُدامَ
إياكَ تَلْزم أكْلِّ شيءٍ واحدٍ فيقود طبعك للأذى بزِمامَ
(١) اقتبسه من الأنساب في مادة ((العروضي)).
(٢)
عيون الأنباء ٣٨٩ - ٣٩١.
(٣) قيده المصنف في المشتبه، فقال بعد أن ذكر ((رقيقة)) (ص٣٢٢): ((وبزاي، ابن زُقيقة
الطبيب سديد الدين محمود بن عمر الشيباني ... )).
٢٠٥

في أبياتٍ أُخَر؛ وهي تُنْسب أيضًا إلى الرّئيس ابن سينا، وتُنْسب إلى
المُختار بن بُطْلان.
قال ابن أبي أُصَيْبعة(١): والصَّحيح أنَّها للعَنْتَري.
وله :
مَن لزِمِ الصَّمْت أكْتَسَى هَيْبَةً تُخْفي عن النَّاسِ مساويهِ
لسانُ مَن يعقِلُ في قَلْبهِ وقَلْبُ مَن يجهلُ في فِيهِ
وله :
وأَرَتْني منِه الذي كان قَصْدي
جَرَّدَتْه الحَمَّامِ من كل ثَوْبٍ
بَدَنّا كالصَّباحِ من تحت ليلِ حالِكِ اللَّوْن أسوَدَ غِير جَعْدٍ
سكَبَ الماءَ فوق جسمٍ حَكَىّ الفضَّةَ حتى اكتسى غُلالةَ وَرْدِ
وله من المُصنَّفاتَ كتاب ((الحماية)) في الطّبيعي والإلهي، وكتاب
((الأقراباذين)) وهو كبيرٌ مُفيدٌ، وكتاب «رسالة الشِّعْرى اليَمَانية إلى الشِّعْرى
الشمالية))، كَتَبها إلى عَرَفة النَّحْوي بدمشق، ورسالة يُهنِّىء بها الوزير مَرْوان
الذي وَزَرَ بعده أتابَك زَنْكي بن آقْسُنْقُر، ورسالة ((الفَرْق ما بين الدَّهْرِ والزّمان
والكُفْر والإيمان))، ورسالة ((العِشْقِ الإلهي والطَّبيعي))، وكتاب ((النُّور المُجْتَنِى
في المُحاضرة)).
٤٢٧- محمد بن الفَضْل بن إسماعيل بن الفَضْل، أبو الفَضْل بن
كاهوية التَّميميُّ الأصبهانيُّ الكاتب.
وُلد سنة أربع وثمانينٍ وأربع مئة، وسَمِعَ أبا القاسم بن بَيَان، وأبا عليّ
ابن نَبْهان، وابن مَلَّة، وخَلْقًا كثيرًا بأصبهان وبغداد وخُراسان، وخرَّج لنفسه
مُعْجمًا. وكان كاتبًا بَليغًا، ناظمًا، نائرًا، مَرْضِيَّ الأخلاق. روى اليسير،
وخرج من بغداد سنة تسع وأربعين، وأحسبه توفي بعد الخمسين.
٤٢٨- السجاونديُّ، أحدُ القُرَّاء، هو أبو عبدالله محمد بن طَيْقور
الغَزْنَويُّ السَّجَاونديُّ المُقرىء المُفسِّرِ النَّحْويُّ.
له (تفسيرٌ)) حسنٌ للقرآن، وكتاب ((عِلَل القراءات)) في عدَّة مُجلَّدات،
(١) عيون الأنباء ٣٩١ فما بعده.
٢٠٦

وكتاب ((الوَقْف والابتداء)) في مُجلَّدٍ كبيرٍ يدلُّ على تبخُره، ولم يبلُغْني على مَن
قَرَأَ، ولا مَن أَخَذَ عنه.
ذَكَره القِقْطي مُخْتصرًا، وقال(١): كان في وسط المئة السَّادسة، رحمه
الله .
٤٢٩- المبارك بن هبة الله بن عليّ، أبو المَعالي ابن العَقَّاد البغداديُّ
المُؤدِّب.
سَمِعَ أبا الحَسَن الأنباري الخطيب، وأبا عبدالله النِّعالي، وعنه
السَّمْعاني، والمَسْعودي، وغيرهما.
قال أبو سَعْد السَّمْعاني: كان صالحًا، خَيِّرًا من أَولاد المُحدِّثين، وُلد
سنة ثمانٍ أو تسع وستين وأربع مئة .
قلتُ: وبَقِيَ إلى سنة أربع وخمسين.
٤٣٠- محمود بن أحمد بن الفَرَج بن عبدالعزيز، أبو المَحَامد
السَّاغَرْجِيُّ السُّغْدِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ، المَعْروف بشيخ الإسلام.
قال ابن السَّمْعاني(٢): إمامٌ، فاضلٌ، بارعٌ، مُبرِّزٌ في أنواع الفَضْل
والتَّفْسير والحديث والأُصُول والخِلاَف والوَعْظ. ومع اجتماع هذه الفَضَائل هو
حَسَنُ السِّيرة، سليمُ الباطن كثيرُ الخَيْرِ والعبادة، تاركٌ لما لا يَعْنيه. وُلِد سنة
ثمانين وأربع مئة، وقال لي: أوَّل ما كتبتُ الحديث عن شيخ والدي الإمام
يوسف بن صالح الخَطِيبي سنة إحدى وتسعين. وسَمِعَ بسَمَرْقَند من الحَسَن بن
عَطاء السُّغْدي وأبي إبراهيم إسحاق بن محمد النُّوحي، وببُخارَى أبا المَعِين
مَيْمون المَكْحولي وعليّ بن أحمد الكَلابَادِي والبُرْهان عبد العزيز بن عُمر ابن
مازة. قرأتُ عليه (تَنْبيه الغافلين)) لأبي اللَّيث السَّمَرْقندي، عن النُّوْحِي، عن
سِبْط التِّرْمذي، عنه، من أوَّله إلى باب الوَرَع. كتبتُ عنه بسَمَرْقَنْد، وحجَّ سنة
إحدى وعشرين وخمس مئة.
قلتُ: روى عنه عبدالرَّحيم ابن السَّمْعاني.
(١) إنباه الرواة ٣/ ١٥٣.
(٢) جله فى التحبير ٢٧٢/٢ - ٢٧٤. وينظر ((الساغرجى)) من الأنساب.
٢٠٧

٤٣١- محمود بن عليّ بن نَصْر بن أبي يَعْمر، الأديبُ أبو القاسم
النَّسَفيُّ، نزيلُ سَمَرقَنْد.
نحويٌّ لُغويٌّ فاضلٌ، كان يُعلِّم أولاد الخاقان، وكان خَيِّرًا، صالحًا،
صَدُوقًا. سَمِعَ أبا بكر محمد بن أحمد البَلَدي، وعبد الله بن أبي جعفر النَّسَفي،
وعليّ بن عثمان الخَرَّاط، وغيرهم.
قال عبدالرَّحيم ابن السَّمْعاني: سمعتُ منه ((أخبار مكَّة)) للأزْرَقي؛ قال:
أخبرنا البَلَدي، قال: أخبرنا معتمد بن محمد بن محمد النَّسَفي، قال: أخبرنا
هارون بن أحمد الإسْتَرَاباذي، عن إسحاق بن أحمد الخُزَاعي، عن أبي الوليد
محمد بن عبدالله الأَزْرقي. وُلِد سنة سَبْعٍ وسبعين وأربع مئة، وتُوفي سنة نِيٍِّ
وخمسين(١).
٤٣٢- محمود بن محمد بن عبدالرَّحمن، أبو القاسم المَرْوَزِيُّ
التَّاجرِ السَّفَّار.
سَمِعَ أبا المُظفَّر منصورًا السَّمْعاني، وعبدالغفَّار الشِّيرُوبي.
قال عبدالرَّحيم ابن السَّمعاني: سمعتُ منه بمَرْو وسَمَرقَنْد، ووُلِد سنة
تسع وسبعين وأربع مئة .
٤٣٣- مسعود بن محمد بن سعيد بن مَسْعود بن عبدالله بن مَسْعود،
أبو الفَتْحِ المَسْعودِيُّ المَرْوَزيُّ، الخطيب بجامع مَرْو القديم.
وُلِد في ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاثٍ وثمانين، وسَمِعَ الإمام أبا
المُظفَّر السَّمْعاني، ومحمد بن الحُسين الخُزاعي، وأبا المُظفَّر سُليمان بن
محمد الصَّيْدلاني.
روى عنه عبدالرَّحيم ابن السمعاني(٢).
٤٣٤- مُصعب بن محمد بن أحمد بن القاسم، أبو الفَرَج البَغْداديُّ
الخَشَّاب.
(١) ينظر التحبير ٢٨٦/٢ وفيه أنه توفي سنة خمس وخمسين وخمس مئة.
(٢) سيعيده المصنف في الطبقة الآتية، وفيات سنة ٥٦٨ الترجمة (٣٠٦).
٢٠٨

سَمِعَ أبا عبدالله ابن البُسْري، وأبا القاسم الرَّبَعي. روى عنه عبدالعزيز
ابن الأخضر (١).
٤٣٥- نَصْر بن عليّ بن عيسى بن مُخْتار، أبو عُمر الغافقيُّ الأَنْدَلُسيُّ
الشَّقُوريُّ.
سَمِعَ ((جامع التِّرْمذي))، من أبي علي بن سُكَّرة، وأجاز له من خُراسان
أبو عبدالله الفُرَاوي، وغيرُه. وَلِيَ قضاء شَقُورة. روى عنه ابن أخيه محمد بن
عبدالعزيز، وسِبْطه نَصْر بن عبدالله (٢)؛ بَقِيَ سِبْطه إلى بعد العشرين وست مئة.
·- هبة الله، هو أَوْحد الزَّمان الطّبيب، قد تقدَّم ذِكْره(٣).
٤٣٦- الوليد بن الموفق، مولى ابن جديع الأزديُّ الجَيَّانِيُّ، أبو
الحسن، من أهل وادي آش.
حج وسمع من أبي عبدالله الرازي، وأبي بكر الطَّرْطوشي. وسمع
(تجريد الصحاح)) من رَزين العَبْدري وأدخله الأندلس. روى عنه أبو خالد
المَرْواني، وأبو عبدالله المكناسي، وأبو خالد بن رفاعة.
وكان صالحًا ذا مشاركة في الفقه والأصول، ونَيَّف على الثمانين. أجاز
لأبي محمد بن سفيان في سنة خمسين وخمس مئة (٤).
٤٣٧- يحيى بن عبدالرّحمن بن محمد بن رافع، أبو اليُمْن ابن تاج
القُرَّاء الطَّوسيُّ أخو أبي الحسن عليّ.
سَمِعَ من مالك البانياسي، ورِزْق الله بن عبدالوهّاب، وكان مَوْلده في
سنة سَبْع وسبعين .
٤٣٨- يحيى بن عبدالمَلِك بن أحمد بن شُعَيب، أبو زكريا السّدْريُّ
الكافُورُّ .
وُلد بحَلَب سنة ستّ وسبعين وأربع مئة، ونَشَأَ ببغداد، وصَحِبَ الشَّيخ
حمَّادًا الدَّبَّاس، وجَمَعَ كلامَهُ بعد وفاته. وسَمِعَ الحديث من أبي الحُسين ابن
الطُّوري، والحَسَن بن محمد بن عبدالعزيز التِّككي.
(١) من تاريخ ابن الدبيثي كما في مختصره ٢٠٠/٣.
(٢) من تكملة الصلة لابن الأبار ٢١٢/٢ - ٢١٣.
(٣) تقدم برقم (٣٨٢).
(٤) من التكملة لابن الأبار ٤/ ١٥٢ - ١٥٣.
تاريخ الإسلام ١٢ / م ١٤
٢٠٩

قال ابن السَّمعاني: شيخٌ صالحٌ، دَيِّنٌ، مَشْتغلٌ بما يَعْنيه، له سُكونٌ
وحَياءٌ ووَقارٌ، كتبتُ عنه أحاديث(١).
٤٣٩- يوسف بن آدم بن محمد بن آدم، أبو يعقوب المَراغيُّ ثم
الدِّمشقيُّ المُحدِّث.
شيخٌ سُنِّيٍّ خَيٌِّ، له مَعْرفة قليلة، رَحَلَ وسَمِعَ من أبي الفَضْل محمد بن
ناصر، وجماعةٍ، وحدَّث ((بصحيح مُسلم)) عن أبي عبدالله محمد بن الفَضْل
الفُراوي. وحدَّث بدمشق وبغداد ونَصِيبين، ونَسَخَ الكثير. وكان مَوْلده في سنة
إحدى عشرة وخمس مئة (٢).
روى عنه عبدالرَّزاق ابن الشَّيْخ عبدالقادر، والشَّيْخ أحمد والد الشَّيْخ
المُوقَّق، وأبو الخَيْرِ سَلَامة الحَدَّاد، والفقيه هلال بن مَحْفوظ الرَّسْعَني،
وغيرهم.
وفي سنة نَّفٍ وخمسين ضَرَبَ السَّيْفِ البَلْخي الواعظ أَنْفَ يوسف بن آدم
بدمشق فأَدْماه، فَأَخْرج المَلِك نور الدِّين يوسف مَنْفيًا من دمشق ونفي إلى
حدود الستين، وانقطع خَبَرهُ.
قال ابن النَّجَّار: حدَّث ((بصحيح مسلم))، سَمِعَه منه شيخُنا عبدالرَّزاق
الجِيلي، ومحمد بن مَشِّق، وكان كثيرَ الشغب، مُثيرًا للفِتَن بين الطَّوائف.
وقال أبو الحسن القَطِيعي: كان إذا بَلَغْه أن قاضيًا أَشْعريًّا عَقَد نِكاحًا فَسَخَ
نِكَاحَهُ، وأَفْتَى أنَّ الطَّلاق لا يَقَعُ في ذلك النكاح، فأثار بذلك فتنا، فأَخْرجه
صاحبُ دمشق منها، فسَكَنَ حَرَّان، ثم مَلَكها نور الدين، فطَلَب منه أن يعودَ
ليَرَى أُقَّه بدمشق، فأَذِنَ له بِشْرط أن لا يدخل البَلَد، فجاء ونَزَلَ كَهْف آدم،
فخَرَجت أُمُّه إليه، ثم دَخَلَ دمشق يوم جُمُعة، فخاف الوالي من فتنهِ، فَأَمَره
بالعَوْد إلى حَرَّان، فعاد إليها، لَقِيتُه بها وكتبت عنه، وبها مات في قرب ربيع
الأول سنة تسع وستين (٣).
(آخر الطبقة والحمد لله)
(١) ينظر ((السدري)) من الأنساب.
(٢) ينظر المختصر من تاريخ ابن الدبيثي ٣/ ٢٣٢.
(٣) سيشير إليه في وفيات سنة تسع وستين من الطبقة الآتية (الترجمة ٣٤٦).
٢١٠

الطبقة السابعة والخمسون
٥٦١ - ٥٧٠ هـ

1

٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّ
(الحوادث)
سنة إحدى وستين وخمس مئة
ظهر في أيام عاشوراء من الرَّفْض ببغداد أمرٌ عظيم حتى سَبُّوا الصَّحابة،
وكانوا في الكَرْخِ إذا رأوا مُكَتَّلاً ضَرَبوه .
ووقع الرُّخْص حتى أبيعت كارة الدَّقيق بعشرة قراريط، قال ابن
الجوزي(١): وقد اشتريتها في زمن المسترشد باثني عشر دينارًا.
وفيها هاجت الكُرْج على بلاد الإسلام، وقتلوا وسَبَوا، وغَنِموا ما لا
يُحصى .
وفيها افتتح نور الدين حصن المُنَيْطرة.
سنة اثنتين وستين وخمس مئة
وقعَ الإرجافُ بمجيءٍ شَمْلَة التُّزكماني إلى قَلْعة الماهكي، وبعثَ يطلب
ويتنطَّع، فامتنعَ الخَلِيفة أن يعطيه ما طَلَبَ من البلاد، وبعثَ لحربه أكثر عَسْكر
بغداد .
وقَدِمَ الرَّكْبُ، وأخبروا بالأمن والرُّخْص والمياه، وأنهم نَقَضُوا القُبَّة التي
يُنيت بمكة للمصريين.
وفيها قَدِمَ قُطْب الدين من المَوْصل للغزو مع عَمِّه نور الدين، فاجتمعا
على حِمْص، وسارا بالجُيوش، فأغاروا على بلاد حِصْن الأكراد، وحاصروا
عِرْقَة، وحاصروا حَلْبَة وأخذوها، وأخذوا العُرَيْمة، وصافيتا، ثم صاموا
رمضان بحِمْص، وساروا إلى بانياس، فنازلوا حصن هُونين وأحرقوه. وعزم
نور الدين على مُنازلة بيروت، فوقع خُلْفٌ في العَسْكر، فعاد قُطُب الدين إلى
المَوْصِل، وأعطاه أخوه بلد الرَّقَّة .
(١) المنتظم ١٠/ ٢١٨.
٢١٣

وفيها، قال أبو المُظَفَّر الجوزي(١): احترقت اللَّبَّادين، وباب السَّاعات
بدمشق حريقًا عظيمًا صار تاريخًا؛ رقدَ طّاخ هَرِيسة على القِدْر ونام، فاحترقت
دُكَّانه، ولعبت النَّار في اللَّبَّادين، وتَعدَّت إلَى دُورٍ كثيرة، ونُهبت أموالٌ
عظيمة، وأقامت النَّار تَلْعب أيّامًا .
وفيها كان مسير أسد الدين شيركوه المسير الثاني إلى مِصْر، جَهَّزه
السُّلطان نور الدين بمُعْظم جيوشه، وقيل: بل جهز معه ألفي فارس، فنزل
بالجِيزة محاصرًا لمِصْر مدة نيٍّ وخمسين يومًا، فاستنجد شاور بالفِرَنج
فدخلوا مصر من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين منٍ بين أيديهم، وتَقَدَّم عن
منزلته، ثم وقع بينه وبين المصريين حربٌ على قِلَّة عَسْكره وكَثْرة عدوه،
فانتصر فيها أسدُ الدين، وقتل من الفِرَنج ألوفًا وأسر منهم سبعين فارسًا.
قال ابن الأثير(٢): كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرّخ أن ألفي فارس
تهزم عساكر مصر والفرنج السَّاحلية.
قلت: صدقَ والله ابن الأثير، وهذه تُسمى وقعة البابين، وهو موضع
بالصَّعيد، أدْركَتْه فيه الفِرَنجُ والمصريون في جُمَادَى الآخرة من السنة، فعمل
مشورةً، فأشاروا بالتَّعْدِية إلى الجانب الشَّرْقي والرجوع إِلى الشَّام، وقالوا: إن
انهزمنا إلى أين نلتجىء؟ فقال بُزْغُش النُّوري صاحب الشَّقيف: من خاف القَتْل
والأسر فلا يخدم الملوك، والله لئن عُدْنا إلى نُور الدين من غير غَلَبَةٍ ليأخذن
إقطاعنا ويطردنا. فقال أسدُ الدين: هذا رأيي. وقال صلاح الدين كذلك،
فوافق الأمراء، وتعبوا للملتقى، وجعلوا الثَّقُل في القَلْب حِفْظًا له وتكثيرًا
للسَّواد، وأقيم صلاح الدين في القَلْب، وقال له عمه أسد الدين: إذا حَمَلوا
على القَلْب فلا تُصْدِقوهم القِتَال، وتقهقروا، فإن ردوا عنكم فارجعوا في
أعقابهم. ثم اختار هو جماعة يثق بشجاعتهم، ووقف في الميمنة فحملت
الفِرَنج على القَلْب، فناوشوهم القتال، واندفعوا بين أيديهم على بغيتهم،
فتبِعَتْهم الفرنج، فحمل أسد الدين على باقي الفِرَنج والمصريين، فهزمهم،
(١) هكذا يسميه المصنف وهو سبط ابن الجوزي، والخبر في المرآة ٨/ ٢٧٠ .
(٢) الكامل ١١/ ٣٢٦.
٢١٤

ووضعَ فيهم السَّيف، فلما عادَ الفرنج من حَمْلتهم على القَلْب رأوا عَسْكرهم
مهزومًا، فولوا وانهزموا، ونزلَ النَّصر .
ثم سار أسدُ الدين إلى الصَّعيد، فجَبَى خراجَها، وأقامَ الفِرَنج بالقاهرة
حتى استراشوا، وقَصَدُوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسُف ابن أخي
أسد الدِّين، فحاصروها أربعة أشهر، وقاتل أهلُها مع صلاح الدين أشد قتال،
وكانوا باغضين في دولة بني عُبيد لسوء عقائدهم، ثم أقبل أسد الدين بجموعه،
فترحل الفِرَنج عن الإسكندرية .
ثم وقعت مهادنة بين أسد الدين وشاور على أن ينصرف أسد الدين إلى
الشَّام، ويُعْطَى خمسين ألف دينار، فأخذها ورجع. واستقرَّ بالقاهرة شِحْنةً
للفرنج، وقطيعة مئة ألف دينار في السنة .
سنة ثلاث وستين وخمس مئة
لم يحج المصريون لِما فيه مُلْكهم من الوَيْل والاشتغال بحرب أسد
الدین .
ورخص الوَرْد ببغداد إلى أن أبيع كل ثمانين رِطْلاً بقِيراط .
وفيها أنعم السُّلطان نور الدين على أسد الدين شيركو بحِمْص وأعمالها،
فتملكها، وصارت لذريته إلى دولة الملك الظاهر .
وفيها وَلِيَ الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد ابن
البَلَدي وزارة المستنجد بالله، وكان ناظرًا بواسط.
وفيها كان حَرْب ومحاصرة من البَهْلوان لصاحب مَرَاغة آقْسُنْقُر
الأحمديلي. ثم وَقَعَ الصُّلْحِ بعد مَصَافٍّ كبير.
وفيها وَلِيَ مشيخة الشيوخ والأوقاف بدمشق، وحمص، وحماة: أبو
الفتح عُمر بن عليّ بن حَمُّوية .
٢١٥

سنة أربع وستين وخمس مئة
فيها واقع غِلْمان الخليفة العيَّارين بالدُّجَيل، وقُتِلَ كثيرٌ منهم، وجاءوا
برؤوسهم، وأُخِذَ قائدهم. وصُلِب ببغداد تسعة من اللُّصُوص(١).
وفيها صُودِرَ الأمير قايماز ببغداد. وأُخِذَ منه ثلاثون ألف دينار، وانكسر
بذلك(٢).
وفيها كان مسير أسد الدين إلى مصر المسير الثالث، وذلك أن الفِرَنج
قصدت الدِّيار المصرية في جَمْع عظيم، وكان السُّلطان نور الدين في جهة
الشمال ونواحي الفُرات، فطلعوا من عَسْقلان، وأتوا بِلْبِيس فحاصروها،
وملوكها، واستباحوها، ثم نزلوا على القاهرة، فحاصروها، فأحرق شاوَر مصرَ
خوفًا من الفِرَنج، فلما ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصُّلح على ألف
ألف دينار، يعجِّل له بعضها. فأجابه ملك الفرنج مُرّي إلى ذلك، وحَلَف له،
فحمل إليه شاور مئة ألف دينار وماطَلَه بالباقي. وكاتب في غُضُون ذلك الملك
العادل نور الدين يستنجد به، وسوَّد كتابه، وجعل في طِيِّه ذوائب النِّساء،
وواصل كُتُبه يستحثُّه، فكان بحلب، فساقَ أسد الدين من حِمْص إلى حلب في
ليلة .
قال القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد(٣): قال لي السُّلطان صلاح
الدين: كنت أكرَهَ النَّاس في الخروج إلى مصر هذه المرة، وهذا معنى قوله:
﴿أَنْ تَكْرَهُوْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًافَ﴾ [النساء].
وقال ابن الأثير(٤): حُكي عن صلاح الدين، قال: لمَّا وردت الكُتُب من
مصر إلى نور الدين أحضرني وأعلمَني الحالَ، وقال: تمضي إلى عَمِّك أسد
الدين بحِمْص معَ رسولي تحثُّوه على الحضور. ففعلتُ، فلما سرنا عن حَلَب،
ميلاً لقيناه قادمًا، فقال له نور الدين: تجهّز. فامتنعَ خوفًا من غَدْرهم أولاً،
وعدم ما ينفقه في العَسْكر آخرًا، فأعطاه نور الدين الأموال والرِّجال، وقال: إن
(١) من المنتظم ١٠/ ٢٢٦.
(٢) كذلك ١٠/ ٢٢٧.
(٣) النوادر السلطانية ٣٩.
(٤) الكامل ١١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
٢١٦
٠

تأخرت عن مصر سِرْتُ أنا بنفسي، فإن ملكها الفرنجُ لا يبقى معهم بالشام
مُقام. فالتفت إليَّ عمي، وقال: تجهّز يا يوسف. فكأنما ضرب قلبي بسكين!
فقلت: والله لو أُعْطِيتُ مُلْك مصرَ ما سِرْتُ إليها، فلقد قاسيتُ بالإسكندرية من
المَشاق ما لا أنساه. فقال عمي لنور الدين: لا بُدَّ من مسيره معي، فتَرْسُمَ له.
فأمرني نور الدين وأنا أستقيله، وانقضى المجلس. ثم قال نور الدين: لا بُدَّ
من مسيرك مع عَمِّك. فشكوتُ الضَّائقة، فأعطاني ما تجهَّزت به، وكأنَّما أُساقُ
إلى الموت. وكان نور الدين مَهِيبًا، مَخُوفًا، مع لِينه ورحمته، فسِرْت معه.
فلما تُوفي أعطاني الله من المُلْك مَا كنت أتوقّعه(١) .
رجعنا إلى ذِكر مسير أسد الدين: فجمع الجيوش، وسار إلى دمشق،
وعرض الجَيْش، ثم سار إلى مِصْر في جَيْش عَرَمْرَم، فقيل: كانوا سبعين ألف
فارس وراجل. فتقهقر الفِرَنج لمجيئه، ودخل القاهرة في ربيع الآخر، وجلس
في الدَّسْت، وخلعَ عليه العاضد خِلَع السَّلْطنة، وولاَه وزارتَهُ، وهذه نسخة
العهد .
((من عبدالله أبي محمد عبدالله بن يوسف العاضد لدين الله أمير المؤمنين،
إلى السيد الأجل، الملك المنصور، سلطان الجيوش، وليّ الأئمة، مجير
الأمة، أسد الدين، هادي دُعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضدي،
عَضَّدَ الله به الدين، وأمتعَ ببقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته،
سلامٌ عليك؛ فإنَّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ونسأله أن يُصلي على
محمدٍ سيد المرسلين، وعلى آله الطَّاهرين، والأئمة المَهْدِيّين ... )) ثم أتبع
ذلك بخطبتين بليغتين، وأنه ولّه الوزارة، وفوّض إليه تدبير الدَّولة. وكتب هو
في أعلى المنشور بخطه: ((هذا عهدٌ لم يُعهد لوزيرٍ بمثله، فتقلد أمانةً رآك أميرُ
المؤمنين أهلاً لحملها، والحجَّة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد
سُبُله، فخُذْ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذَيْل الفَخَار بأن اعتَّت بك بنو
النُّبوّة، واتخذ للفوز سبيلاً ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ نَّوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ
عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل ٩١].
وكان هذا قبل مقتل شاوَر؛ وهو أنَّ أسد الدين لما دخل القاهرة قام شاور
(١) العبارة في الكامل: ((ما لم أكن أطمع في بعضه)).
٢١٧

بضيافته وضبافة عسكره، وتردّد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدّين مالاً يُنْفقه
على جَيْشه، فماطَلَه. فبعث إليه الفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهَكَّاري
يقول: إنَّ الجَيْش طلبوا نفقاتهم، وقد مَطَلْتُهم بها، وتغيّرتْ قلوبُهم، فإذا أَبَيْتَ
فكُن على حَذَرٍ منهم. فلم يؤثِّر هذا عند شاور، وركب على عادته، وأتى أسد
الدين مسترسلاً، وقيل: إنَّه تمارضَ، فجاء شاور يعودُه، فاعترضه صلاح
الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء التُّورية، فقبضوا عليه، فجاءهم
رسولُ العاضد يطلب رأس شاور، فذُبِح وحُمل رأسُه إليه.
ثم لم يلبث أسد الدين أنْ حَضَرَته المَنِيَّة بعد خمسة وستين يومًا من
ولايته. وقلد العاضدُ الملكَ الناصر صلاح الدين يوسف الأمور، وهو لَقَّبه
الملك النَّاصر، وكتب تقليده القاضي الفاضلُ، فقامَ بالسَّلْطنة أتم قيام.
قال العماد في ((البرق الشامي)) بعد أن ذكر استباحة الفرنج بِلْبيس:
فأناخوا على القاهرة معولين على المحاصرة في عاشر صَفَر، فخاف النَّاس من
نَوْبةٍ بِلْبيس، فلو أنَّ الفِرَنج لم يعمدوا بالسُّوء إلى بلبيس لوثقت منهم القاهرة،
ولم تَدُم المحاصرة. وأحرق شاور مصرَ، وخافَ عليها منهم، فبقيت النار
تعمل فيها أربعة وخمسين يومًا. وكان غرضه أن يأمن عليها من العدو الكافر ثم
عرف العجز، فشرع في الحِيَل ومداواة الغيل، فأرسل إلى ملك الفِرَنج يبذل له
المَودّة، وأنه يراه لدهره العُمدة، فأحسن له العدة، ووَفَّر لرجائه الجدة، وقال:
أمْهِلني حتى أجمع لك الدَّنانير، وأنفذ لك منها قَنَاطير، وأطمعه في ألف ألف
دينار معجَّة ومؤجلة، وتوثَّق منه بمواثيق مستحكمة، ثم قال له: تَرْحل عنَّا،
وتوسع الخناق، وتترك الشقاق، وعَجَّلَ له مئة ألف دينار حيلة وخداعًا،
وواصل بكُتُبه نور الدين مستصرخًا مستنفرًا، وفي طيها ذوائب مجزوزة
وعصائب محزوزة، وبقي يُنَفِّذ للفرنج في كل حين مالاً، ويطلب منهم إمهالاً،
حتى أتى الغَوْث، فسلب أسد الدين القرار، وساق في ليلة إلى حَلَب، وقال:
إن الفرنج قد استحكم في البلاد المصرية طمعُهم، وليس في الوجود غيرك من
يُرغمهم، ومتى تجمع العسكر وكيف تدفعهم؟ فقال له: خزانتي لك، فخُذ
منها ما تريد، ويَصْحَبُك أجنادي. وعَجَّل له بمئتي ألف دينار، وأمر خازنه ولي
الدين إسماعيل بأن يُعطيه ما يطلب، فقال: أمضي إلى الرَّحْبة لجمع التُّرْكُمان.
وذهب نور الدين ليتسلم قلعة جَعْبَر، وحَشَدَ أسد الدين وحَشَرَ، وأسرع نور
٢١٨

الدين بالعَوْد إلى دمشق، وخَرَجنا إلى الفوَّار، وأسد الدين هناك في العَسْكر
الجَزَّار، وأطلق لكل فارس عشرين دينارًا، ورحلوا على قصد مصر.
وخيَّم نور الدين بمن أقام معه على رأس الماء، فجاء البَشِير برحيل
الفرنج عن القاهرة عند وصول خَبَر العَسْكر، فدخلوا مصر في سابع ربيع
الآخر، وتودّد شاور إلى أسد الدين وتَردّد، وتجدد بينهما من الود ما تأكد. ثم
ساق العماد نحوَ ما تَقدم، وأنه قُتل في سابع عشر ربيع الآخر.
ثم قال: ولما فرغ العَسْكر بمصر بعد ثلاثة أيام من التَّعزية بأسد الدين
اختلفت آراؤهم، واختلطت أهواؤهم، وكادَ الشَّمْل لا ينتظم، فاجتمعَ الأمراء
الثُّوريّة على كلمةٍ واحدةٍ، وأَيْدٍ مُتَسَاعدة وعقدوا لصلاح الدين الرأي والرَّاية،
وأخلَصُوا له الولاء والولاية، وقالوا: هذا مقام عمه، ونحن بحكمه، وألزموا
صاحب القَصْر بتوليته، ونادت السعادة بتلبيته، وشرع في ترتيب المُلك
وتربيته، وسَلَّط الجود على الموجود، وبسط الوفور للوفود.
قال القاضي بهاء الدين بن شداد(١): كانت الوَصِيَّة إلى صلاح الدين من
عمِّه، ولما فُوِّض إليه تابَ من الخَمْر، وأعرضَ عن اللَّهو. ولقد سمعته يقول
لما يسر الله ديارَ مصر: علمتُ أنه أراد فتح الساحل، لأنه أوقع ذلك في نفسي .
وقال ابن واصل(٢): لما مات أسد الدين كان ثَمَّ جماعة، منهم عين
الدَّولة الياروقي، وقُطب الدين خُسرُو الهَذَبَاني، وسيف الدين علي
المَشْطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين، وكلٌّ منهم
تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاحَ الدين ليوليه الأمر، حَمَله على ذلك
ضَعْفُ صلاح الدين، وأنه لا يَجْسر على مُخالفة، فامتنع وجَبُن، فألزِم وأُحضِر
إلى القَصْر، وخُلِع عليه، ولُقِّب بالملك النَّاصر صلاح الدين، وعاد إلى دار
الوزارة، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء
الدين عيسى الهكاري، وأمال إليه المَشْطوبِ، ثم قال لشهاب الدين: هذا هو
ابن أختك، وملكه لك، ولم يزل به حتى حلَّفه له، ثم أتى قُطْب الدين، وقال:
إنَّ صلاحَ الدين قد أطاعَهُ النَّاس، ولم يَبْقَ غيرك وغير عين الدَّولة، وعلى كل
. (١) النوادر السلطانية ٤٠ - ٤١ .
(٢) مفرج الكروب ١ / ١٦٨.
٢١٩

حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر
عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلانَ وحَلَف. ثم ذهب ضياء الدين
واجتمع بعين الدَّولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة، وأكثرهم جَمْعًا، فلم تنفع
رُقاه، وقال: لا أخدم يوسف أبدًا. وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر
علیهم فِراقهم له.
قال العماد: وكان بالقصر أستاذ خَصِي يُلَقَّب بمؤتمن الخِلافة، لأمره
نفاذ، وبه في الشِّدَّة عياذ، وله بتمحل الحِيل لِياذ، وعلى القَصْر استحواذ،
فشمَّر وتنمَّر، وقال: مَن كِسْرى، ومن كَيْقباذ. وتآمر هو ومن شايَعَه وبايَعه
على مكاتبة الفِرَنج، فكاتبوهم خُفْية، فاتفق أن تُرْكُمانيًا عَبَر بالبير البيضاء(١)،
فرأى نَعْلَين جديدين مع إنسانٍ، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدين، فوجد
في البطانة خِرَفًا مكتوبةً مكتومة مَخْتومة بالشرِّ محتومة، وإذا هي إلى الفِرَنج من
القَصْر، يرجون بالفرنج النَّصْر، فقال: دلُّوني على كاتب هذا الخط. فدلوه
على يهودي من الرَّهْط، فلما أحضروه تَلَفَّظُ بالشَّهادتين، واعترف أنه بأمر
مُؤتَمَن الخِلافة كَتَبه، واستشعر الخصِي العصِي، وخشي أن تسقه على شق
العصا العصي، فلزِمَ القَصْر، وأعرضَ عنه صلاح الدين، ثم خرجَ إلى قريةٍ له،
فأنهضَ له السُّلطان صلاحُ الدين من أخذَ رأسَهُ في ذي القَعْدة.
ولما قُتِلَ هذا الخادم غار السُّودان وثاروا، ومن إسعار السَّعير استعاروا،
وقاموا ثاني يوم قَتْله وجَيَّشوا، وكانوا أكثرَ من خمسين ألفًا، من كلِّ أَعْبَسٍ
أغبش، أحمر أحمش، أجرى أجرش، ألسع ألْيَش أسود وأسحم حُسامه
يحسم، فحسِبُوا أَنَّ كلَّ بيضاء شَحْمَة، وأنَّ كلَّ سوداء فَحْمة، وحَمْراء لحمة،
وأنّ كل ما أسدوه من العجاج ماله لُحْمَة، فأقبلوا ونُصَرائهم زحمة، وما في
قلوبهم رَحْمة، فقال أصحابنا: إنْ فشلنا عنهم سَلونا البقاء وما في عادتهم
العادية شيء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، وكان المُقَدَّم الأمير أبو الهَيْجا،
واتَّصلت الحرب بين القَصْرين، ودام الشَّرُّ يومين، وأخرجوا عن منازلهم
العزيزة إلى الجيزة، وكانت لهم محلة تُسمى المنصورة، فأخرِبت وحُرثت.
(١) قرية من بلبيس.
٢٢٠