النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفِيات المشاهير وَالأميلام لِؤَخِ الإِسْلَام ◌َشَيْرُ الّذِين ◌َبِ عَبْدِ الله مُحَ بَرَأَخْتَد ◌ْ عُثَاز الذَّهَبِّ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المَجَلّد الثَّانِى عَشَر ٥٥١ - ٦٠٠هـ حَقّقه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَّه الدكتوربشار عواد معروف دَار الغَرَب الإسْلامي 1424 مـ - 2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص. ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام i لَِّرَيخ الإِسْلام ◌َشَمِ الدّينِ أَبِ عَبْدِ الهِ مَبْأَحْتَدِ بْعُثَارِ الذّهَبِّ المتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤هـ المَجَلّد الثَّانِى عَشَر ٥٥١ - ٦٠٠هـ الطبقة السادسة والخمسون ٥٥١ - ٥٦٠ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ (الحوادث) حوادث سنة إحدى وخمسين وخمس مئة قدِم في أواخر سنة خمسين إلى بغداد السُّلطان سُليمان شاه بن محمد بن مَلِكْشاه مُسْتَجيرًا بالخِلافة، فخرج لتلقِّيه ولد الوزير عَوْن الدين، ولم يترجَّل أحدٌ منهما للآخر ولم يحتفل بمجيئه لتمكّن الخليفة وقوَّته، وكثرة جيوشه. فلمّا كان في نصف المحرَّم استُدعي إلى باب الحُجْرة، وحُلَّفَ على النُّصْحِ ولُزُوم طاعة أمير المؤمنين، ثم خُطِب له في آخر الشهر، وذُكر في الخطبة بعد اسم السُّلطان سَنْجَر ولُقِّب بألقاب أبيه. وفي وسط صَفَر أُحضِر وأُلْبس الخِلْعة والتَّاج والسِّوَارَيْن، وقُرِّرَ بأنَّ العراق لأمير المؤمنين، ولا يكون لسُليمان شاه إلا ما يفتحه من بلاد خُراسان. ثم خرج، فقدَّم له الخليفة عشرين ألف دينار ومئتي كرّ، وخلع على أمرائه. ثم سار الخليفة ومعه سليمان شاه إلى أن وصل حُلْوان، ونَفَّذَ معه العسكر . وفيها، في رمضان، هرب السُّلطان سَنْجر بن مَلِكشاه من يد الغُزّ في جماعةٍ من الأمراء، فساروا إلى قلعة تِرْمِذ، فاستظهر بها على الغُزِّ. وكان خوارزم شاه آتْسِز هو والخاقان محمود بن محمد ابن أُخت سَنْجَر يقاتلان الغُزّ، والحرب بينهم سِجال، فذلَّت الغُزّ بموت عليّ بك، وكان أشدَّ شيء، على السُّلطان سَنْجر وعلى غيره. ثم مَضَت الأتراك الفارغلية إلى خدمة سَنْجر، وتَجَمَّع له جيش ورَدَّ إلى دار مُلْكه مَرْو، فكانت مدة أسْره مع الغُزّ إلى أن رجع إلى دَسْت سَلْطَنته ثلاث سنين وأربعة أشهر. وفيها، كما قال أبو يَعْلَى التَّميمي(١)، كانت بالشام زلازل عظيمة، انهدم (١) ذيل تاريخ دمشق ٣٣٤ - ٣٣٦. ٧ كثير من مساكن شَيْزَر على أهلها. وأمّا كَفَرْطاب فهرب أهلُها منها خوفًا على أرواحهم، وأمّا حماة فكانت كذلك. قلت: وقد ذَكَر ابنُ الجَوْزي(١) الزَّلزلة كما يأتي في سنة اثنتين، فبالغ ونَقَل ما لم يَقَع . قال حمزة(٢): وفي رَمَضان وصل الملك نور الدين إلى دمشق من حَلَب بعد أن تَفَقَّد أحوالَها وهَذَّبها. وفي شوال تقرّرت الموادعة بينه وبين ملك الفِرَنج سنة كاملة، وأنَّ المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صُورية. وكُتبت الموادعة بذلك، وأُكِّدت بالأَيْمان، فبعد شهرين غدرت الفِرَنج لوصول نجدةٍ في البَخْر، ونهضوا إلى الشَغراء من ناحية بانياس، وبها جشارات (٣) الخيول، فاستاقوا الجميع، وأسروا خَلْقًا. وفيها كثُر الحريق ببغداد، ودامَ أيامًا ووقعَ في تسعة دُروب سمّاها ابن الجوزي(٤). وفيها سافر أمير المؤمنين إلى ناحية دُجَيل بعد قُدومه من حُلْوان، وخرج يتصید . وانضاف إلى سُليمان شاه ابن أخيه ملكشاه وإِلدَكز وتحالفوا، فسار لقتالهم محمد شاه، فعملوا مصافًّا فانتصر محمد شاه، ووصل إلى بغداد من عسكرها خمسون فارسًا بعد أن خرجوا ثلاثة آلاف، ولم يُقتل منهم أحدٌ، إنما نُهبوا، وأُخذت خيولهم، وتشتتوا. وِردّ سُليمان شاه في حالة نَحْسةٍ، فخرج عليه أمير المَوْصِل، فقبض عليه وطَلَّعهُ إلى القَلْعة. وسار محمد شاه يقصد بغداد، فوصل إلى ناحية بَعْقُوبا، وبعث إلى كُوْجُك، فتأخّر عنه، فانزعجت بغداد، وأُحضِرت العساكر، واستعرضهم الوزير. وفيها تسلّم نور الدين بَعْلَبك. (١) المنتظم ١٧٦/١٠ - ١٧٧. (٢) تاريخه، وهو ذيل تاريخ دمشق ٣٣٦ - ٣٣٧. (٣) مكان الرعي. (٤) المنتظم ١٦٥/١٠. ٨ سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة ثم قَرُب محمد شاه بن محمود من بغداد وجاءه زين الدِّين عليّ كُوْجُك صاحب إربل نَجْدَةً، فحاصرا بغداد، واختلفَ عَسْكر الخليفة عليه، وفرَّق الخَليفة سبعة آلاف جَوْشَن، وعُمِلت الأترسة الكبار، والمجانيق الكثيرة، وأذِنَ للوُعمَّاظ في الجلوس، بعد مَنْعهم من سنةٍ وخمسة أشهر. ثم ركب محمد شاه وعليّ كُوْجُك، وجاءوا في ثلاثين ألفًا، ورموا بالنُشَّاب إلى ناحية التَّاج، وقاتلت العامَّة، ونُهِبَ الجانب الغربي، وأحرقوا مئتين وسبعين دولابًا. وقاتل عسكر الخليفة في السُّفُن، كل ذلك في المحرَّم. فلما كان ثالث صَفَر جاء عَسْكر محمد في جَمْع عظيم، وانتشروا على دجلة، وخرجَ عَسْكر الخليفة في السُفُن يقاتلون. وكان يومًا مشهودًا. فلما كان يوم سادس عشر صَفَر، وصلت سُفُنٌ للقوم، فخرجت سُفُن الخليفة تمنعها من الإصعاد، وجَرَى قتالٌ عظيم، وقاتَل سائر أهل البلد. وجاء الحاج سالمين فدخلوا بغداد من هذا الجانب. فلما كان يوم سادس وعشرين جاء بريدي يخبر بدخول ملكشاه ابن السُّلطان مسعود هَمَذان، وكبس بيوت المخالفين ونهبها؛ ففرح النَّاسُ بذلك. فلما كان يومٍ سَلْخ صَفر عبر في السُّفُن ألف فارس، وصعدوا فدخلوا دار السَّلطنة فنزل مَنْكُورس الشِّخنة، وكان أحد الأبطال المذكورين، فأحاط بهم وقَتَلَ منهم جماعة، ورَمَى الباقون أنفسَهُم في الماء. واتَّصل القتال، وكان الخليفة يفرّق كلَّ يوم نحوًّا من مئة كرّ، وفي بعض الأيام فرَّق على الجُنْد خمسةً وعشرين ألف نشّابة، والكل من عنده، لم يُكَلِّف أحدًا ولا استقرضَ. وحكى الزَّجّاج الحَلَبي أنه عمل في هذه النَّوبة ثمانية عشر ألف قارورة للنِّفْط . وفي خامس ربيع الأول خرج منكورس، وقَيْماز السُّلْطاني، والخَيَّالة، والرَّجّالة، فحملوا اثنتي عشرة حملة، واقتتلوا. وفي العشرين من ربيع الأول جاءوا بالسَّلالم التي عملوها، وكانت أربع مئة سُلَّم، لينصبوها على السُّور فلم يقدروا، وأصبحوا يوم الجُمُعة، فلم يجرِ ٩ يومئذٍ كبيرُ قتال، وهي الجمعة الثالثة التي لم تُصَلَّ بها الجمعةُ ببغداد في غير جامع القَصْر. ثم قَدِمَتْ بنتُ خُوارزم شاه زوجة سُليمان شاه، وكانت قد أصلحت بين ملكشاه وبين الأمراء جميعهم في هَمَذان، وجاءت في زي الحاج الصُّوفية إلى المَوْصل وعليها مُرَفَّعَة، ومعها ركابي في زِيّ شَخَاذ. ثم جاءت حتى صارت في عَسْكر محمد شاه، وتَوَصَّلت وعَبَرت إلى الخَلِيفة، فأُكرمت وأُفْرِدت لها دار. وأَخْبَرت بدخول ملِكشاه هَمَذان، وبأنَّه نهب دُور المخالفين. وفي الخامس والعشرين منه صعد أهلُ بغدادَ السُّور بالسِّلاح، وجاء العدو ومعهم السَّلالم، وهَقُّوا بطم الخَنْدق، فخرجَ الناس واقتتلوا. وفي التاسع والعشرين منه نادوا: اليوم يوم الحرب العَظِيم، فلا يتأخرنَّ أحدٌ، فخرجَ النَّاسُ ولم يجر قتال. وبعث محمد شاه إلى علي كُوْجُك يعاتبه ويقول: أنت وعدتني بأخذ بغداد، فبغداد ما حَصَلَت، وخَرَجت من يدي هَمَذان، وأخربت بيوتي وبيوت أُمرائي. فأنا عازم على المُضِي، فَشَجَّعه ونَخاه وقال: نمد الجَسْر، ونعبر، ونَطُمُّ الخَنْدق، وكانوا قد صنعوا غرائر وملأوها تُرابًا، وننصب هذه السلالم الطِّوال، ونحمل حملةً واحدة، ونأخذ البَلَد. ثم أخذوا يتسللون، وقَلَّت عليهم الميرة، وهلكَ منهم خَلْقٌ، ثم استأمن خلقٌ كثير منهم وخامروا، ودخلوا، وأخبروا بأنَّ القوم على رَحِيل. وفي العشرين من ربيع الآخر جرى قتالٌ، وعُطِّلت الجُمُعة إلا من جامع القَصْر، وهي الجُمُعة السابعة، ووقع الواقع بين محمد شاه وبين كُوْجُك. وهو ◌ُطْمِعهُ ویھوِّن علیه أخذَ بغداد. ثم نَصَبُوا الجَسْر، وعبر أكثر عَسَكر محمد شاه، وعبر محمد شاه من الغَد في أصحابه إلى عَشِيَّةٍ، فلما كان العشاء قطع كُوْجُك الجَسْر، وقلع الخِيَم، وبعثَ ثَقلَهُ طول اللَّيل. ثم أصبح وضربَ النَّار في زواريق الجَسْرِ، وأخذ خزانة محمد شاه وخزانة وزيره، ورحل. وبقي محمد شاه وأصحابه بقية يوم الثلاثاء. ثم ركب هو وعسكره، فمنع الخليفة العَسْكر من أن يلحقوه، ونهب أصحاب محمد شاه بعض الأعمال، ثم قال الخليفة: اذهبوا إلى هَمَذان فكونوا مع ملِكشاه، وخلعَ عليهم، وفرَح النَّاس بالسَّلامة. ثم ركب الخليفة ١٠ وافتقد السُّور من أوله إلى آخره، وكثُرت الأمراض وغَلَت الأسعار. ثم جاء الخبر بوفاة السُّلطان سَنْجَر، فقُطِعت خطبته . وفيها غزا رُسْتُم بن عليّ بن شهريار ملك مازَنْدَران بلاد الألموت، وأوطأ الإسماعيلية ذُلاً، وخَرَّبَ بلادهم، وسَبَى النِّساءَ والأولادَ، وَغَنِمَ، وخُذِلَ الإسماعيلية، وخربت عامة قراهم. وفيها خرجت الإسماعيلية على حُجَّاج خُراسان، فاقتتلوا وثبت الفريقان إلى أن قُتلِ أمير الحاج، فذلُّوا وألقوا بأيديهم، وقتلتهم الإسماعيلية قَتْلاً ذريعًا، وعَظُم المُصاب فإنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون. وصَبَّحهم من الغد شيخٌ في المَقْتَلة ينادي: يا مُسلمين، ياحُجاج، ذهبت الملاحدة، وأنا مُسلم، فمن أراد الماء سقيته، فكان كل من كَلَّمه أجهزَ عليه، فهلكوا أجمعين إلا القليل. وأمّا خُراسان فتخربت على يد الغُزّ، وماتَ سلطانها سَنْجَر، واختلفَت أمراؤه بعده، وغلب كُلُّ مُقَدَّم على ناحية واقتتلوا، وجَرَت أمورٌ طويلةٌ بخُراسان، أجحفت بخراسان فَالأمر لله. واشتد بخُراسان القَحْط، وأُكِلت الجيف؛ قال ابن الأثير(١): فكان بنَيْسابور طباخ، فذبح إنسانًا علويًّا وطبخه، ثم ظهر ذلك فقتل الطَّبَاخ. وسافر الخليفةُ إلى أوانا ودُجَيْل، ثم رجع، ثم راح يتصيَّد، ورجعَ بعد عشرة أيام. وفيها كانت وقعة عظيمة بين نُور الدين وبين الفِرَنج على صَفَد، ونُصِر عليهم. ثم جاء إلى الخليفة رسولُهُ برؤوس الفِرَنْج وبتُحَفٍ وهدايا. وفيها وفي سنة إحدى وخمسين، كان بالشام زلازل عظيمة هدّمت في ثلاثة عشر بَلَدًا، منها خمسة للفرنج، وبدَّعت في شَيْزَر، وحماة، والمَعَرَّة وحصن الأكراد، وطرابلس، وأنطاكية، وحلب. فأمّا حلب فهلك فيها تحت الرَّدْم خمس مئة نفس؛ وأمَّا حماة فهلكت جميعُها إلا اليسير، وأمَّا شَيْزَر فما سلِم منها إلا امرأة وخادم، وهلك جميع من فيها وتسلمها نور الدين، فجدَّد عمارتها وحَصَّنها، وهي على جبل منيع بقي في يدي بني مُنْقِذ نحو مئة وعشرين سنة أو أكثر. وأمَّا كَفَرْطاب فما سلِم منها أحد؛ وأمّا فامية فهلكت (١) الكامل ٢٢٨/١١. ١١ وساخَت قلعتها. وأمَّا حِمْص فهلك بها عالمٌ عظيم، وأمَّا المَعَرَّة فهلك بعضُها. وأمَّا تل حَرَّان فإنَّه انقسم نصفين، وظهر من وسطه نواويس وبيوت كثيرة. وأمَّا حصن الأكراد وعِرْقة فهلكا جميعًا، وسلِم من اللاذقية نَفَر. وأمَّا طرابُلُس فهلك أكثرها، وأمَّا أنطاكية فسلِم نصفُها. قال ابن الجوزي في ((المنتظم)»(١): وصلَ الخَبرُ في رمضان بزلازل كانت بالشام عظيمة في رجب، ثم ذكر هذا الفصل. قلت : الله أعلم بصحة ذلك وبحقيقة تفاصيله. قال(٢): وفي رمضان أنفقَ الوزير ابن هُبَيْرة للإفطار طول الشَّهْر ثلاثة آلاف دينار، وكان يحضر عنده الأماثل وخلع على المُفْطِرِين عنده الخِلَعِ السنية . وفيها افتتح عَسْكر المسلمين غزّة واستعيدت من الفِرَنج، وتسلَّم نور الدين بانياس من الفِرَنج. وفيها انقرضت دولة المُلَثَّمين بالأندلس وتَمَلَّك عبدالمؤمن مدينة المَرِيَّة، واستعملَ أولاده على الأندلس، ولم يبق للملثمين إلا جزيرة مَيُورقَة. وكانت المَرِية بيد الفِرَنج من عشر سنين، فنازلها أبو سعيد بن عبدالمؤمن، وحاصرها برًّا وبحرًا ثلاثة أشهر، وبَنَى بإزائها سورًا، وجاع أهلها فسلّموها بالأمان . وفي صَفَر ورد على نور الدين كتاب السُّلطان أبي الحارث سَنْجَر بن مَلِكْشاه بالتشوُّق إليه، وما ينتهي إليه من جميل أفعاله، وإعلامه بما منَّ الله عليه من خلاصه من الشدَّة، والخلاص من أيدي الغُزّ بحيلةٍ دَبَّرها بحيث عادَ إلى منصبه من السَّلْطنة، ووعدَهُ بنَصْرِهِ على الفِرَنجِ، فأمر نورُ الدين بزينة دمشق، وفعلٍ في ذلك ما لم تَجْرِ به عادةٌ فيما تقدَّم في أيام مُلُوكها. وأمر بزينة قَلْعتها، فجُلِّلت أسوارُها بالجَوَاشن، والدُّروع، والتِّراس، والسيوف، والأعلام، وأنواع المَلاهي، وهرعت الخلائق والغَرباء لمشاهدة هذا فأعجبهم وبقي أسبوعًا . ثم جاءته الأخبار بإغارة الفرنج على أعمال حِمْص وحَمَاة، ثم سارت (١) المنتظم ١٠ / ١٧٦ - ١٧٧. (٢) المنتظم ١٠/ ١٧٧ . ١٢ الفِرَنج في سبع مئة فارس، سوى الرَّجالة إلى ناحية بانياس، فوقعَ عليهم عَسْكر الإسلام، ونزلَ النَّصرُ، فلم ينْجُ من الملاعين إلا القليل، وصاروا بين أسيرٍ وجريح وقتيل، وذلك في ربيع الأول. وجاءت الرؤوس والأسرى، وكان يوما مشهوداً. ثم تهيَّأ نور الدين للجهاد، وجاءته الأمداد، ونُودي في دمشق بالتَّأهب والحَثِّ على الجهاد، فتبِعَه خَلْقٌ كثير من الأحداث والفُقهاء والصُّلحاء، ونازل بانياس، وجَدَّ في حصارها، فافتتحها بالسَّيف. ثم إن الفرنج تحزبوا وأقبلوا لينصروا هنفري صاحب بانياس وهو بالقَلْعة، فوصل ملك الفرنج بجموعه على حین غَفْلة، فاندفع جيش الإسلام، ووصلوا هم إلى بانياس، فحین شاهدوا ما عَمَّها من خرابِ سورها ودُورها يئسوا منها. ثم إن الملك نور الدين عرفَ أنَّ الفِرَنج على المَلَّحة بقرب طبرية، فنهض بجيوشه، وجَدّ في السَّيْرِ، فشارفهم وهم غارُّون، وأظَلَّتْهم عصائبه، فبادروا الخَيْل، وافترقوا أربع فِرَق، وحملوا على المُسلمين، فترجَّل نور الدين، وترجَّلت معه الأبطال، ورموا بالسِّهام، ونزل النَّصْر، ووقع القَتْل والأسر في الكَفَرةِ. قال أبو يَعْلَى(١): فلم يفلت منهم، على ما حكاه الخَبِير الصادق، غيرُ عشرة نَفَر، قيل: إنَّ ملكهم فيهم، وقيل قُتِل. ولم يُفْقَد من المسلمين الأجناد سوى رجلين، أحدهما من الأبطال قتل أربعةً من شُجعان الفرنج واستُشِهدَ. وفرح المسلمون بهذا النَّصر العزيز، وجيء بالرؤوس والأسرى إلى دمشق، والخَيَّالة على الجمال، والمقدَّمون على الخيل بالزَّرَدِيات والخوَذ، وفي أيديهم أعلامهم. وضجَّ الخَلْقِ بالدُّعاء لنور الدين. وفيها جاءت عدة زلازل عظيمة بالشام. ثم جاءت الأخبار بوصول ولد السُّلطان مسعود للنزول على أنطاكية، فاضطر نور الدین إلى مهادنة الفِرَنْج، ثم توجه إلى حَلَب . وجاءت الأخبار من الشمال بما يُرعب النفوس من شأن الزلزلة، بحيث انهدمت حماة وقلعتها ودُورها على أهلها ولم ينج إلا اليسير. وأما شَيْزَر (١) ذيل تاريخ دمشق ٣٤١ وكذلك الذي قبله. ١٣ فانهدم حِصْنُها على واليها تاج الدولة ابن مُنْقِذ. وأمَّا حِمْص فهرب أهلُها منها وتلفت قلعتُها. وأمَّا حَلَب فهُدِّمت بعض دُورها، وتلفت سَلَمية وغيرها. ثم جاءت عدة زلازل في أشهرٍ مختلفة، ورّخها حمزة الثَّمِيمي(١). وفي رمضان مرض الملك نورِ الدينِ مَرَضًا صَعْبًا، فاستَدْعى أخاه نُصْرة الدِّين أمير ميران، وأسد الدين شِيْرَكُوه والأمراء، فقرّر معهم أنَّ الأمر من بعده لأخيه لاشتهاره بالشَّجاعة، فيكون بحَلَب، وينوب عنه بدمشق شيركوه، وحَلَفُوا له وتَوَّجه في المِحَقَّة إلى حَلَب، فتمرَّض بالقَلْعة، وهاج النِّفاق والكُفْر، وشَنَّعوا بموت نور الدين، وذَهَب نُصْرة الدِّين إلى حلب، فأُغلق مجد الدين والي القلعة بابها وعَصَى، فثارت أحداث حَلَب وقالوا: هذا ملكنا بعد أخيه، وحَملُوا السِّلاح، وكَسَروا باب البَلَد، ودخله نصرة الدين، واقترحوا عليه أشياءَ منها إعادة التأذين بحيٍّ على خَيْرِ العمل، محمد وعليّ خير البَشَر، فأجابهم ونزَلَ في داره. ثم عوفي نور الدين وتوجَّه المُسمَّى بنصرة الدين إلى حَرَّان، وكان قد ولیها، وقدم نور الدین دمشق. سنة ثلاث وخمسین وخمس مئة وقع الاتفاق بين ملكشاه وأخيه محمد شاه، وأمَدَّهُ بعَسْكر ففتحَ خُوزستان، ودفع عنها شَمْلة التُّزكماني. وفي ربيع الآخر زار المقتفي مشهد الحُسين، ومضى إلى واسط، وعبر في سُوقها . وكان الوزير مريضًا، فأنفق في مرضته نحو خمسة آلاف دينار منها لابن التلميذ الطبيب جُمْلةٌ. وخرج الخليفة إلى المدائن، ثم خرج مرة أخرى إلى المدائن، وخرجَ يوم الفِطْر. وكان موكبه بتجمُّلٍ وحِشْمة لم يُعهد مثلها من الأعمار. ووقع في شوال مَطَر وبَرَّد أكبر من البَيْض . وأمَّا خُراسان فكانت الغُزّ قد شبعوا، وسكنت سَوْرَتُهم، واستوطنوا بَلْخ، وتركوا النَّهْب، واتفقوا على طاعة الخاقان محمود بن محمد ابن أخت (١) ذيل تاريخ دمشق ٣٤٣ - ٣٤٧. ١٤ سَنْجَر، وأتابكه الأمير أي أبَه، فلما دخل شعبان سارت الغُزّ إلى مَرْو، فنهض الحربهم الأمير المُؤَّيَّد، فظفر بهم، وقتلَ بعضَهُم، فدخلوا مَرْو، فجاء الخاقان من سَرْخَس، وانضم إليه المؤيّد، فالتقوا في شَوَّال، فكان بينهم مصاف لم يُسْمَع بمثله، وبقي القتال يومين، وتواقعوا مرّات عديدة وانهزمَ الغزّ ثلاث مرّات، ثم يعودون للقتال، فلمّا طَلَع الضَّوء من اللَّيلة الثانية انجلت الحرب عن هزيمة الخُراسانية، وظفر الغُزّ بهم قَتْلاً وأسرًا، وعادوا إلى مَرْو، وقد استغنوا عن الظُّلْم المُفْرِط فشرعوا في العَدْل وإكرام العلماء. ثم أغاروا على سَرْخَس وأخربوا رساتيقها، وعملوا كُلَّ شر، وقُتِل من أهل سَرْخَس نحوٌ من عشرة آلاف نَفْس، وعادوا إلى مَرْوٍ، وتقهقر الخاقان بعساكره إلى جُرْجان. فلمَّا دخلت سنة أربع بعث إليه الغُزّ يسألونه القُدوم ليُمَلِّكوه كما كان، فلم يركن إليهم، فأرسلواَ يطلبون ابنه جلال الدين محمد، وترددت الرُّسُل، فبعث إليهم ابنَهُ، ولما اطمأنَّ هو سار إليهم؛ وكان مُسْتَضْعفًا معهم في السَّلطنة . قال ابن الجوزي(١): وحججتُ فيها، وتكلَّمت بالحَرَم مرَّتين. وفيها مصرع الإسماعيلية الخُراسانيين؛ وذلك أنَّهم نزلوا في ألف وسبع مئة رجل على روق(٢) كبير للتُّركمان، فلم يجدوا به الرِّجال، فسبُوا الذُّرية، وحازوا الروق، وقَتَلوا الرجال وأحرقوا الأشياء الثَّقيلة. وبلغ الخبر عَسْكر التُّرْكمان، فأسرعوا فأدركوا الإسماعيلية لعنَهُم الله، وهم يقتسمون الغَنيمة، فأحاطوا بهم، ووضعوا فيهم السَّيْف، وألقى الله الذل على الإسماعيلية، واستولَى عليهم القَتْل والأسر، فلم ينج منهم إلاّ تسعة أنفُس؛ قاله ابن الأثير(٣). وفي صَفَر خرج جيش من مصر فأغاروا على غَزَّة وعَسْقلان، ونواحيها، فالتقاهم الفِرَنْج، فانتصر المِصْريون، ووضعوا في الفِرَنج السيف بحيث لم يسلم منهم إلّ الشَّريد، ورجعوا بالغنائم. وخرجَ نور الدين من دمشق بآلات الحَرْب مُجِدًّا في جهاد الفِرَنج، وأغار عسكرُه على أعمال صَيْدا، فقتلوا خَلْقًا. (١) المنتظم ١٠/ ١٨٢. (٢) الروق: الخيام التي بها المتاع والذراري، ووقع في د: ((زوق)) بالزاي. (٣) الكامل ٢٣٨/١١. ١٥ وفي أوّل تموز جاء سَيْلٌ أحمر بِبَرد كما يجيء في الشِّتاء، وكثُر التَّعجب منه . ثم التقى نور الدين الفِرَنج، فانهزم عَسْكره، وثبت هو ساعة، ثم ولّى العدو خَوْفًا من كمينٍ يكون للمُسلمين، ونَجَّى الله نورَ الدین وسَلَّمه. وفي رجب تجمّع قومٌ من الظَّلمة وعزموا على تحريض نور الدين على إعادة ما كان أبطلَهُ إذ تَمَلَّك دمشق من رسوم دار البِطِّيخ والأنهار، وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء حتى أُجيبوا إلى ما راموه، وعَسَفُوا الناس، ثم أبطل نور الدين ذلك كله بعد أربعين يومًا . وفيها بَرَزَ ملك الروم من القُسطنطينية بجيوشه، وقصدَ ممالك الإسلام، ووصلَت خيلُه غائرة على أعمال أنطاكية، فتأهَّب المُسلمون للجهاد. سنة أربع وخمسين وخمس مئة فيها وَصَل ترشك فلم يُشْعَر به إلا وقد ألقى نفسَهُ تحت التّاج ومعه كَفَن، فوقعَ الرِّضا عنه. وفيها عاد الغُزّ ونهبوا نَيْسابور، وكان بها ابن أخت سَنْجَر، فهرب إلى جُزْجان . وفيها سافر الخليفة إلى واسط، فرماه فَرَسهُ، وشُجَّ جبينه بقبيعة السَّيف. ووقع بَرد كبار أهلك أماكن، وذُكِرَ أنَّه كان في البَرَد ما وَزْنه خمسة أرطال ونحو ذلك، وقيل: إنَّهم رأوا بَرَدَة فيها تسعة أرطال. وفيها كان الغرق ببغداد، ووقع بعض سورها، وسقطت الدُّور، قال ابن الجوزي(١): لم نعرف درْبَنَا إلّ بمنارة المسجد، فإنَّها لم تقع. وغرقت مقبرة الإمام أحمد، وخرجت الموتى على وجه الماء، وكانت آية عجيبة. وفيها سار عبدالمؤمن في نحو مئة ألف فنازل المَهْدية، فحاصرها برًّا وبَحْرًا سبعة أشهر، وأخذَها بالأمان. وركب الفِرَنج في البحر قاصدين صِقلَّية في الشتاء، فغرق أكثرهم. وكان ملك الفِرَنج قال: إن قتل عبدالمؤمن نَصَارى المهدية فلأقتلن من عندي من المسلمين بصِقلّية، ولعل أكثر رعيته بصِقِلِّية (١) المنتظم ١٩٠/١٠. ١٦ مسلمون، فأهلك الله النَّصَارى بالغَرَق، وكان مدة ملكهم للمهدية اثنتي عشرة سنة، ودخلها عبدالمؤمن يوم عاشوراء سنة خمس فبقي بها أيامًا. وكان قد افتتح قبلها تونس، فنازلها أسطولُه في البحر ستون شينيًّا، وأخذها بالأمان على مشاطرة أهلها أموالهم، لكونه عرض عليهم أولاً التَّوكيد والأمان، فأبوا عليه. وبعدها افتتح المهدية . وكان رئيس نَّيْسابور هو نقيب العلويين ذُخْر الدين زيد بن الحسين الحُسيني، فقتل بعض أصحابه أبو الفتوح الفُسْتقاني الشافعي، فبعث إلى رئيس الشَّافعية مؤيد الدين المُوَفَّقي يطلب منه القتال ليقتصَّ منه، فامتنع المؤيَّد، وقال: إنما حكمك على العَلَوية. فخرج النقيب وقصد الشافعية، فاقتتلوا وقُتِل جماعة، وأحرقَ النَّقيب سوقَ العَطارين، وسكة مُعاذ، وعظُم البلاء. ثم جمع المؤيّد جموعًا وجَيَّش، والتقى هو والعلوية في شوال سنة أربع، واشتد الحرب، وأُحرِقت المدارس والأسواق. واستحرَّ القتل بالشَّافعية، فالتجأ المؤيّد إلى قَلْعَة فرخك، وخربت نَيْسابور بسبب هذه المُصيبة الكُبْرِى. وأمَّا المؤيَّد أي أبه الأمير فإنَّه جَرَت له فُصول وأُسِر، ثم هرب، وقدِم نَیْسابور، فنزل إليه المؤيّد رئيس الشافعية، وتحصن العَلَوي بنَيْسابور، واشتد الخَطب على المُعترين الرَّعية، وتمنوا الموت، وسُفِكت الدماء، وهُتِكت الأستار، وخَرَّبوا ما بقي من البَلَد، وبالغَ الشافعية في الانتقام، وخربوا مدرسة الحَنَفِية، واستؤصلت نَيْسابور، فلا حول ولا قوة إلا بالله . هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في ((كامله))(١). ومرض نور الدِّين في آخر الماضية وأول سنة أربع وضَعُفَ، فعهد بالأمر من بعده لأخيه قُطْب الدين مودود صاحب المَوْصل، وقال: ابن أخي أمير ميران لا أرتضيه لمصالح المسلمين لسوء أفعاله وأخلاقه. فحلفت الأمراء وكاتب جماعة من الكبار أمير ميران يحثُّونه على المَجِيء ليستولي على الشام، فبادَر وقطعَ الفُرات، فبعثَ أسد الدين عَسْكَرًا فَرَدُّوه. وبلغ صاحبَ المَوْصل الخبرُ، فبعث وزيرَهُ كمال الدين محمد بن عليّ الجَوَاد، فدخل دمشق في (١) الكامل ٢٣٦/١١ و٢٥٠. تاريخ الإسلام ١٢ / م ٢ ١٧ أحسن زِيّ، وأبهى تَجَمُّل، وهو حميد الخِلال، كثيرُ الإنفاق في وجوه البرِّ، فصادف نور الدین قد عُوفي . وجاءت بدمشق زلازلُ مَهْولة صَعْبة، فسبحان من حَرَّكها وسبحان من سگَّنها. وصالح نور الدين ملك الروم القادم من القُسطنطينية وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مُقَدَّمي الفِرَنج، فأطلقهم نُور الدين، فبعث لنور الدين عدة أثواب مثمنة وجواهر، وخَيْمة من الدِّيباج، وخَيْلاً، وردّ إلى بلاده، ولم يؤذِ أحدًا، واطمأنَّ المُسْلمون. وجاء الخبر إلى دمشق بأن المَلِك نور الدين صَنَعَ لأخيه قُطْب الدين ولجيشه الذين قدموا للجهاد في يوم جُمُعة سِماطًا عظيمًا هائلاً، تناهى فيه بالاستكثار من ذَبْحِ الخَيْلِ والبقر والأغنام، بحيث لم يُشاهَد مثلُه، وقام ذلك بجملةٍ كثيرة. وفَرَّق من الخيل العربية جملةً، ومن الخِلَع شيئًا كثيرًا. وكان يومًا مشهودًا. ثم توجه إلى حرّان وانتزعها من يد أخيه أمير ميران، وسَلَّمها إلى الأمير زين الدين عليّ إقطاعًا له. إلى هنا زذْتُه من (تاريخ)) ابن القَلانِسي(١). وفيها جمعَ ملك الروم جَمْعًا عظيمًا، وقصدَ الشام، فضاقَ بالمسلمين الأمر، فنَصَر الله تعالى، وأُسر ابن أخت ملكهم، وغنمهم المسلمون، وعادوا خائبین . وفيها مات محمد شاه ابن السُّلطان محمود الذي حاصر بغداد، مات بھَمَذان. قال عبدالمنعم بن عُمر المَغْربي في أخبار ابن تُومَرْت: وفي سنة أربع وخمسين توجه أمير المؤمنين عبدالمؤمن إلى بلاد إفريقية، فتجهّز في مئة ألف فارس مُحصاةٍ في ديوانه، ومعهم من السُّوقة والصُّناع والأتباع أضعافهم مِرارًا . قال: وكان هذا الجمع الحَفل يمشون بين الزَّرُوع في الطُّرُقِ الضَّيِّقة، فلا يكسرون سُنْبلة، ولا يطؤونها من هيبة الأمير، وكان خيامهم وأسواقهم مسافة فرسخين، وكلُّهم يصلّون الخَمْس وراء إمام واحد بتكبيرةٍ واحدة، ولا يتخلّف (١) ذيل تاريخ دمشق ٣٥٥ - ٣٥٦. ١٨ أحدٌ عن الصَّلاة إذا قامت، كائناً من كان من أصناف الجَيْش والسُّوقة وغيرهم. وكان عبدالمؤمن يسير وحده منفردًا أمام الجيوش ليس معه فارس إلاّ ابنه وليّ عهده وراءه. وحوله من عَبِيده السُّودان ألوف بالرِّماح والدّرَق. قال: ولم يكن في دولته أحدٌ يُسمى بالأمير ولا بالوالي، وإنَّما يسمّون الطَّلبة لأن دولته مَبْنية على العِلْم، ومَن دون الطَّلَبة يُسمّون الحُفاظ. وأمَّا أولاد أمير المؤمنين فيُسَمَّوْن السَّادة. ولا يجتمع الناس عنده فينصرفون إلاّ عن دعاءٍ منه، ويؤمِّن الحاضرون، وما لبس إلا ثياب الصوف طول عُمُره. سنة خمس وخمسين وخمس مئة فيها أفرج عليّ كُوْجُك عن سُليمان شاه بن محمد وسَلْطَنهُ وخطب له، وبعثه إلى هَمَذان، وذهب ابن أخيه ملكشاه بن محمود إلى أصبهان طالبًا للمُلْكِ، فمات بها. وفيها منع المُحَدِّثُون من السَّماع في جامع القَصْر؛ لأن بعض الأحداث قرأوا شيئًا من الصِّفات وأَتْبَعوه بذَمِّ المتأولين، فمُنِعوا. وفي ثاني ربيع الأول تُوفي المقتفي لأمر الله، وطُلِبت النَّاس نصف النهار لبيعة المُسْتَنْجد بالله، فأوّل من بايعه عَمُّه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر، وكان أسنّ من أخيه المُسْتَنجد بالله، ثم بايعه ابن هُبيْرة، وقاضي القضاة. وفي شوال اتّفق الأمراء بهَمَذان على القَبْض على سُليمان شاه وخطبوا لرسلان شاه ابن طُغْرل. وفيه ورد عليّ كُوْجُك إلى بغداد قاصدًا للحج، فخُلِعَ عليه وعُفي عنه ما أسلف من حِصَار بغداد مع محمد شاه. ووَلِيَ قضاءَ القُّضاة أبو جعفر الثَّقَفي، وعُزِل أبو الحَسَن عليّ بن أحمد الدَّامَغاني فلم يَبْقَ الثقفي إلا أشهُرًا وماتَ، فوَلِيَ مكانه ولده جعفر . وفيها مات الفائز خليفة مِصْر، وعاشَ عشر سِنين أو أكثر، وكان يُصْرَع، وقامَ بعده العاضد آخر خُلفاء الباطنية . وأما نَيْسابور فَشَرَعَ في عمارتها المؤيد أي أَبَه، واستقل بمملكتها، وأحسنَ إلى الناس، فتراجعت بعض الشيء. ١٩ سنة ستٍّ وخمسین وخمس مئة في المحرَّم قُطِعت خُطبة سُليمان شاه من المنابر، ثم خُطِب لأرسلان شاه . قال ابن الأثير(١): لما قتِلِ سُليمان شاه أرسلوا إلى إيلدَكْز صاحب أَرَّان وأكثر أَذْرَ بِيجان، فطلبه الأمير كُردباز ليخطب لأرسلان الذي معه. وكان إيلْدَكز قد تَّوج بأُمّ أرسلان، وولدت له البَهْلَوان بن إيلدَكز. وكان إيْدَكز أتابَكَه وأخوه لأمه البَهْلوان حاجبه. وكان إيلْدَكر مملوكًا للسُّلطان مسعود، فأقطعه أرَّان وبعض أَذْرَبِيجان، ووقع الاختلاف، فلم يحضر إيلدَكْز عند فُرقتهم أصلاً، وعَظُم شأنه، وجاءته الأولاد من أمّ السُّلطان أرسلان، فسار إيلْدَكز في العساكر، وهم أكثر من عشرين ألفًا، ومعه أرسلان بن طُغرل بن محمد بن ملكشاه فتلقَّاهم كُردباز، فأنزله بهَمَذان في دار السَّلْطنة، وخطب لأرسلان. ثم بعثوا إلى بغداد يطلبون له السَّلْطنة، فأُهين رسولُهم. وكان قد تغلب على الرَّي الأمير إينانج، وقوي حاله، فصالحه، إيلدَكْز، وزوَّج ولده البَهْلوان بابنة إينانج وزُقَّت إليه بهَمَذان. ثم التقى البهْلَوان وصاحب مَرَاغَة آقْسُنْقُر، فانهزم البَهْلوان فجاء إلى هَمَذان على أسوأ حال . وفيها كثُر اللُّصوص والحَرَامَّة بنَيْسابور، ونَھَبوا دُور الناس نهارًا جھَارًا، فقبض المؤيّد على نقيب العلويين أبي القاسم زيد الحُسيني وعلى جماعةٍ، وقتلَ جماعةً، وخُرِّبتِ نَيْسابور، وممّا خُرب سبع عشرة مدرسة للحنفية، وأُحرقت خمسُ خزائن للكُتُب، ونُهِبَت سَبْعُ خزائن، وبيعت بأبخس الأثمان، وخُرِّب مسجد عَقِيل. وانتشر في هذه الأيام، وقت عاشوراء الرَّفْض والتَّسَنُّن حتى خيف من فتنةٍ تقع . وفيه ركب المستنجد بالله وراح إلى الصَّيد، ثم بعد أيام خرجَ أيضًا إلى الصَّید. (١) الكامل ٢٦٦/١١ - ٢٦٩. ٢٠