النص المفهرس

صفحات 741-760

وقال ابن رُطْبة: كان أبو عليّ خشنًا في ذاتِ الله، عظيمَ الخُشوع
والعبادة، معظّمًا عند الخاصة والعامة.
وقال آخر: رأيتُ أبا عليّ رجلاً قد وَهَب نفسَهُ لله، لم يجعل لأحدٍ معه
فيها نَصِيبًا، ولا أشك أنه كان من خَوَاص الأبدال.
قلتُ: وكان مقيمًا بمشهد عليّ بالعراق.
قال العماد الطَّبَري: لو جازت الصلاة على غير النبي والإمام لصَلَّيت
عليه. كان قد جمعَ العلمَ والعَمَل، وصِدْق اللَّهجة.
وقد زار أبو سَعْد السَّمعاني المشهد، وسَمِعَ عليه، وأثنى عليه.
وقال أبو مَنْصور محمد بن الحسن النَّقَّاش: كنا نقرأ على الشيخ أبي عليّ
ابن أبي جعفر، وإن كان إلا كالبحر يتدفق بجواهر الفوائد. وكان أروى الناس
للمَثَلَ، والشَّاهد، وأحفظ النَّاس للأُصول، وأنقلهم للمَذْهب، وأرواهم
للحديث .
قلت: روى عن أبي الغَنَائم النَّرْسي، وغيره.
٥٢٢ - الحسن بن نصر، أبو محمد ابن المُعَبِّي، البَزَّاز.
حدَّث عن أبي القاسم ابن البُسْري، والفقيه نصر المقدسي. كتب عنه ابنُ
عساكر، وابنُ السَّمْعاني، وكان تاجرًا ببغداد(١).
٥٢٣- حَمْد بن الحسن بن الفَرَج بن محمد، أبو الفَرَج الهَمَذَانيُّ،
المعروف بعجيب الزّمان.
ضریٌ، مطبوعٌ.
ذكره ابن السمعاني، فقال(٢): سمع عبدالواحد بن عليّ بن بوغة،
وعَبْدُوس بن عبدالله. سمع منه ابن السمعاني بهَمَذَان في سنة سَبْع وثلاثين.
٥٢٤- حَمْدُ بن عبدالرحمن بن محمد بن شاتيل، القاضي أبو عليّ
الأزجيُّ الحنبليُّ.
(١) ترجمه السمعاني في الذيل (كما في مختصر ابن منظور، الورقة ١٨٠ - ١٨١). وتقدم في
وفيات سنة ٥٣٤ (الترجمة ١٩٣) ووفيات سنة ٥٣٧ (الترجمة ٣٢٨).
(٢) التحبير ٢٤٥/١.
٧٤١

ولي القضاء بسوق الثلاثاء ثم بالمدائن، وحدَّث عن النِّعَالي، وابن
البَطِر، وغيرهما.
٥٢٥- زيد بن سعد بن عليّ بن أحمد بن عليّ، الشريف أبو
إسماعيل الحَسنيُّ العَلَويُّ الهَمَذَانيُّ.
سمع عَبْدُوس بن عبدالله، وأبا العلاء محمد بن طاهر .
قال ابن السَّمْعاني: كتبتُ عنه، وقال لي: وُلدتُ سنة أربع وسبعين
وأربع مئة (١) .
٥٢٦- شُجاع بن عُمر بن بدر الجَوْهريُّ النَّهاونديُّ، أبو البَدْر
التَّاجر، نزيلُ هَمَذَان.
حدَّث عن أبي المظفَّر موسى بن عمران الصُّوفي. روى عنه أبو شجاع
عُمر البِسْطامي؛ وأجاز لأبي سَعْد السَّمْعاني، وقال: تُوفي بعد سنة ثلاثين(٢).
٥٢٧- صالح بن هبة الله بن محمد بن عبدالسلام بن عَفَّان، أبو
محمد الواعظ .
بغداديٌّ، سافرَ إلى الشام، والجزيرة، ووعظَ، وظهر له القبول. سمع
نصر ابن البَطِرِ، وأبا الفضل محمد بن عبدالسلام. روى عنه أبو سَعْد
السمعاني .
٥٢٨- طاهر بن محمد بن طاهر بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن
إسحاق بن سعد بن الحسن بن سُفيان بن عامر، أبو نصر الشَّيْبانيُّ النَّسَائِيُّ،
قاضي شَهْرستانة .
٥٢٩- ظَفرُ بن هارون بن ظَفَر بن نصر، أبو الفتوح الرَّبعيُّ المَوْصليُّ
ثم الهَمَذَانيُّ.
سمع ثابت بن الحُسين التَّمِيمي. كتبَ عنه أبو سَعْد بهَمَذَان، وقال: وُلد
سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة (٣).
(١) هكذا ذكره هنا، ولا أدري من أي كتب السمعاني نقل المصنف، فقد ذكره أبو سعد في
التحبير ٢٨٨/١ - ٢٨٩ وذكر أنه توفي في ليلة الجمعة الرابع والعشرين من محرم سنة
٥٥٤. وسيذكره المصنف في وفيات السنة المذكورة نقلاً منه.
(٢) من التحبير لأبي سعد السمعاني ٣٢٥/١.
(٣) لا أدري من أين جاء بهذه الترجمة، فقد ذكره أبو سعد السمعاني في التحبير ٣٥٧/١ =
٧٤٢

٥٣٠- ظَفرُ بن عليّ بن حَمْد، أبو سَعْد الهَمَذَانيُّ المُستوفي.
سمع الكثير، ونَسَخَ الأجزاء، وسمع فَيْد بن عبدالرحمن الشَّعْراني،
وعبدالرحمن بن حَمْد الدُّؤلي، وأبا عليّ بن نَبْهان، وابن بيان، وهذه الطّبقة.
وجَمَعَ وخَرَّج. وكان مولده في سنة سبعين وأربع مئة. روى عنه أبو سعد
السَّمْعاني، وابنُ الجَوْزي، حدَّث سنة أربع وثلاثين وخمس مئة.
٥٣١- عبدالمُغيث بن أبي عَدْنان، أبو تَمِيم الأصبهانيُّ.
روى عن أبي القاسم بن مَنْدَة، والمُطَهَّر البُزَاني، وأبي عيسى عبدالرحمن
ابن زياد، وابن ماجة الأبْهري. روى عنه زاهر بن أحمد الثَّقَفي.
٥٣٢- عبدالملك بن أحمد، أبو مروان الأزديُّ الغَرْناطيُّ المالكيُّ،
ويُعرف بابن القَصِير .
فقيه، حافظٌ، بارعٌ في الفِقْه، مشاوَرٌ، نبيل. روى عنه أبو خالد بن
رفاعة، وأبو إسحاق الغَرْناطي، وناظرا عليه في ((المُدَوَّنة))، وأبو تَمَّام العَوْفي،
وابن أخيه عبدالرحمن بن أحمد. وتُوفي قبل الأربعين وخمس مئة(١).
٥٣٣ - عبدالصمد بن عُمر الخَرَزيُّ.
سمع أبا القاسم القُشَيْري، وحدّث في سنة أربع وثلاثین. روى عنه زينب
الشَّعْرية .
٥٣٤- عُمر بن أحمد بن الحُسين، أبو حفص الهَمَذَانِيُّ الوَزَّاق
الصُّوفيُّ.
محدِّثٌ رَخَّالٌ، سمع ابن الطُيُوري، والعَلَّف ببغداد؛ وأبا بكر أحمد بن
محمد بن زَنْجُوية بزَنْجان؛ وأبا الفتح الحَدَّاد بأصبهان. وقرأ بدمشق على أبي
الوَحْش سُبَيْع، وسكنَ السُّمَيْساطية. وكان صالحًا.
روى عنه ابنُ عساكر، وقال(٢): لقيته بهَمَذَان.
٥٣٥- عيسى بن عبدالله الگُرْدُ الزَّاهد.
وذكر أنه توفي في ليلة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وخمس مئة،
ولذلك ترجمه المصنف في وفيات السنة المذكورة من الطبقة الآتية نقلاً منه (٥٥/ الترجمة
٢٠).
(١) من التكملة الأبارية ٧٥/٣.
(٢) تاريخ دمشق ٤٣ / ٥٣٠.
٧٤٣

قال ابن السَّمعاني: كان يسكن المَوْصل، وكان من أهل التَّجْريد
والتَّوكل، وله في قَطْع البادية والمُقام بمكة أحوالٌ ومقامات. وكان كثير
المُجاهدة، صبورًا على الشَّدَائد والجُوع. وكان يستر حاله. وكان أهل المَوْصل
يعتقدون فيه، ويتبرَّكون به. وكان لا يخالطهم، ويَنْزوي في مَوْضعِ خارج
المَوْصل، وإذا اشتد به الجُوعِ غَطَّ وجهه بخِرْقة ودخل فمد يده، فلا يُعرف،
ويُعطى كِسْرة أو كِسْرتين. ولو عَرَفوه لأعطوه مبلغًا من المال. وكان أكثر مُقامه
بالحِجَاز. وورد بَغْداد مَرَّات. اجتمعت به بالمدينة النبوية، تُوفي قرب الأربعين
بطريق الحجاز بذات عِرْق.
٥٣٦- كمال بنت أبي البركات هبة الله بن المُبارك السَّقَطي.
امرأة صالحة، خَيِّرة، ستيرة، سَمَّعها والدها من أبي الحسن بن الأخضر
الأنباري، وغيره. روى عنها أبو سَعْد السَّمْعاني.
٥٣٧- عَمرو بن محمد بن بَدْر، أبو الحسن الهَمْدانِيُّ الغَرْناطِيُّ.
ذكره الأبار، فقال(١): سمع ((الموطأ)) من أبي عبدالله ابن الطَّلاَّع، وتفقه
بأبي الوليد بن رُشْد. وكان من أهل الُهْد والصَّلاح. روى عنه أبو جعفر بن
شَرَاحيل الهَمْداني الغَرْناطي، وغيره، لقيه في سنة ثمانٍ وثلاثين وخمس مئة.
قلت: أبو جعفر هو أحمد بن عبدالله شيخ لابن مَسْدي، يأتي في سنة
ستٍّ وست مئة.
٥٣٨- عَيَّاش بن عبدالملك(٢)، أبو بكر الأزديُّ اليابُريُّ ثم القُرْطُبيُّ.
من أئمة القُرَّاء، أخذ عن خازم بن محمد، وأبي القاسم ابن النَّخَّاس،
وعباس بن الخَلَف. وروى عنهم، وعن طائفة.
وكان عبدًا صالحًا، روى عنه أبو عبدالله بن عبدالرحيم، وأبو عبدالله بن
حفص، وأبو جعفر بن يحيى. تُوفي في نحو الأربعين(٣).
(١) تكملة الصلة ٤/ ٢٧.
(٢) هكذا بخط المصنف، وفي التكملة التي ينقل منها المصنف: ((عياش بن فرج بن
عبدالملك».
(٣) من التكملة لابن الأبار ٣٦/٤ - ٣٧.
٧٤٤

٥٣٩- محمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو سَعْد النَّيَّسابوريُّ العَدْنيُّ،
نسبة إلى عَمَل الأبراد.
روى عن فاطمة بنت الدَّفَّق، ومحمد بن إسماعيل التّفْلِيسي. روى عنه
أبو سَعْد، وقال(١): تُوفي بعد سنة ثلاثين وخمس مئة.
٥٤٠- محمد بن إسماعيل بن محمد، أبو بكر العُذْريُّ السَّرَقُسْطِيُّ،
ابن نُورتش .
سمع من عمه عبدالله بن محمد القاضي ((مُسْند البَزَّار))؛ وأجاز له طِرَاد
الزَّيْنبي، وجماعة، وشووِرَ في الأحكام، ثم وَليَ قضاءَ بَلَده. سمع منه أبو
جعفر ابن البانش، وأبو عبدالله النُّمَيْري. وتُوفي بعد الثلاثين(٢) .
٥٤١- محمد بن الحسن بن نَدِيمة، أبو بكر المَرْوَزيُّ الطَّبيب.
قرأ عليه السَّمْعاني ((صحيح البخاري)) بسماعه من أبي الخَيْرِ بن أبي
عِمْران، وقال(٣): تُوفي سنة نيٍِّ وثلاثين.
٥٤٢- محمد بن عبدالرحمن المَذْحِجِيُّ الغَرْناطيُّ.
سمع أبا الحسن العَبْسي، والغَسَّاني. وكان فقيهًا مُشاورًا. روى عنه أبو
عبدالله بن حَمِید.
توفي قبل الأربعين (٤).
٥٤٣- محمد بن عليّ بن عَطية البَلَنْسيُّ.
كان في حدود الأربعين وخمس مئة بالأندلس. انفرد في زمانه ببراعة
خَطه الفائق على وَضْع المغاربة(٥) .
٥٤٤- محمد بن عليّ بن محمد، القاضي أبو عبدالله الجَيانيُّ
النَّفْزيُّ.
تفقه بقرْطُبة عند أبي الوليد ابن العَوَّاد، وأبي الوليد بن رُشْد. وحدَّث
(١)
التحبير ٤٩/٢.
من التكملة لابن الأبار ٣٥٢/١ - ٣٥٣.
(٢)
(٣)
التحبير ٢ /١١٣.
(٤)
من التكملة لابن الأبار ١/ ٣٦٢.
من التكملة ١/ ٣٦٣ .
(٥)
٧٤٥

عنهما، وعن ابن عَتاب. وشووِرَ في الأحكام، ونوظر عليه في ((المُدوَّنة)).
وكان عارفًا، إمامًا(١) .
٥٤٥- محمد بن أبي سعيد الفَرَج بن عبدالله السَّرَقُسْطِيُّ البَزَّاز.
حج، وسمع ببغداد من ابن خَيْرُون، وابن البَطِر، وأبي عبدالله
الحُميدي، وأقام بالإسكندرية، فرَوى عنه أبو محمد العُثماني، وأبو عبدالله
الحَضْرمي، ومَخْلوف بن حازة، و کان یشهد.
مات بعد الثلاثين(٢).
٥٤٦- محمد بن محمد بن الحُسين بن خميس، أبو البَرَكات
المَوْصليُّ الفقیه.
من بيت عِلْم وتقدُّم، حدَّث ببغداد والمَوْصل عن أبي نَصْر بن طَوْق.
روی عنه جماعة.
قال ابن السَّمْعاني: تُوفي قبل رِحْلتي إلى المَوْصل.
قلت: فتكون وفاته بعد الثَّلاثين وخمس مئة.
٥٤٧- المبارك بن الحُسين بن عبدالوهّاب بن نَغُوبا الواسطيُّ، أبو
السَّعادات الشاهد .
قال ابن السَّمْعاني: شيخٌ كبيرٌ، كثيرُ المحفوظ مليحُ المُحاورة، سالمُ
الحَوَاس، رأيتُه بواسط، وصعد معي إلى بَغْداد، وسمعتُ منه بأماكن. سمع أبا
القاسم ابن البُسْري، وأبا إسحاق الشِّيرازي، وأبا الفَتْح نصر بن محمد
الشَّاشي، وسألته عن مولده، فقال: في سنة خمسين وأربع مئة، وقال: نَغُوبا
اسم قرية لجدي، كان يعبر إليها كثيرًا، فنُسِب إليها، يعني لُقِّب بها.
قلت: روى عنه أبو اليُمْن الكِنْدي الجزء الثالث من ((المُخَلِّصيات))
بانتقاء ابن أبي الفَوَارس، وابن ابنه عليّ بن عليّ، وأبو الفَتْح المندائي. وله
ذرية رَوَوا الحديث.
٥٤٨- محمود بن حامد بن محمد، أبو المظفَّر الكاغَديُّ الدَّهَّان
البنّاء، من شيوخ أصبهان.
(١) من التكملة أيضًا ٣٦٢/١.
(٢) من التكملة أيضًا ١/ ٣٥٤.
٧٤٦

قال ابن السَّمْعاني: كان شيخًا، صالحًا، مُكْثرًا من الحديث، غير أنه كان
من العبدالرَّحمانية الغَلاة. سمع شيخه أبا القاسم عبدالرحمن بن مَنْدَة،
وسمعتُ منه بأصبهان. ووُلد بعد الستين وأربع مئة .
٥٤٩- محمود بن سَعْد بن أحمد بن محمود، أبو رَجَاء بن أبي
الفَرَج بن أبي طاهرِ الثَّقَفيُّ الأصبهانيُّ، والد يحيى الثّقْفي، وزوج بنت
الحافظ إسماعيل التَّيْمي .
قال ابن السَّمْعاني: كان حَرِيصًا على طَلَب الحديث، وقراءته، وجَمْعه،
وتَحْصيل النُّسَخِ. وَرَد بغداد، وسَمِعَ بها الكثير، وحَصَّل ((تاريخ الخَطِيب))،
وغيره من الكُتُب الكبار. غير أنه ليس له معرفة بالحديث. سمع ابن عم جده
القاسم بن الفضل الثقفي، وأبا نصر السِّمْسار، وأبا مطيع المِصْري، وأبا
القاسم بن بيان، وابن نبهان. وخرَّج له حَموهُ إسماعيل الحافظ ثلاثة أجزاء،
فقرأتُها عليه .
٥٥٠- مَسَرَّة الزعِيْميُّ، أبو الخَيْرِ، مولى بني المُعَوِّج.
شيخ، صالح، خَيِّر، صُعْلُوك، روى عن أبي نَصْر الزَّيْنبي. كتب عنه ابن
السَّمْعاني ببغداد، وروى عنه عبدالوهاب بن سُكَيْنة .
٥٥١- مَعْدان بن كَثِير بن الحسن، أبو المَجْد البالسيُّ الفقيه.
قدم بغداد، وتفقه على أبي بكر الشاشي حتى برع وصار من أعيان
الشَّافعية. وكان ذا معرفة تامة باللّغة، والأدب، ورجع إلى بالس. وسمع أبا
نصر الزَّيْنبي، وأخاه الكامل أبا الفوارس، وأبا بكر الطُّرَيْثيثي.
وقد مَر أبو سَعْد السَّمْعاني بالبلد، وما اعتقد أنَّ بها من يروي شيئًا، ثم
لمَّا وصل إلى بغداد ذكروه له، فَنَدمَ على فَوَاته .
٥٥٢- هبة الله بن أبي غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانيُّ،
أبو القاسم.
شيخٌ صالحٌ، من أولاد مُحَدِّثي بغداد، كان منقطعًا في بيته. سمع أباه،
وعَمَّه أبا طاهر، وأبا عبدالله النِّعالي، وجماعة. روى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني.
٥٥٣- هبة الله بن محمد بن أبي الأصابع، أبو القاسم الحَرْبيُّ
المقرىء الضَّرير.
٧٤٧

شيخٌ خَيِّر، صالحٌ، كتب عنه ابن السمعاني، عن عبدالواحد بن علوان
الشَّيْباني .
٥٥٤- يحيى بن عطاف بن إبراهيم بن الربيع، أبو الفضل المَوْصليُّ
الزاهد .
قال ابن السَّمْعاني: شيخٌ، صالحٌ، زاهدٌ، مُتَنَسِّكٌ، كثيرُ العبادة، دائم
التِّلاوة، صحب الصَّالحين، وخَدمهم، وانتفع بهم. سمع أبا نَصْر محمد بن
عليّ بن وَدْعان، وأبا الحسن عليّ بن أحمد بن يوسف الهَكاري. وجاوَرَ بمكة
مدةً، ثم قَدِمَ المَوْصل. وحج لما حججتُ أيضًا، وانتفعنا بصحبته وآخر عهدي
به في شَوَّال سنة خمسٍ وثلاثين بالمَوصل، وقد كان ناطح الثمانين.
٥٥٥- يحيى بن عليّ بن محمد بن محمد الأنباريُّ الخَطيبُ، أبو
نصر ابن الخطيب أبي الحسن ابن الأخضر.
شيخٌ صالحٌ، متوددٌ، سمعَ بالأنبار من أبيه، ومن أبي بكر أحمد بن عليّ
الخطيب، وأبي طاهر بن أبي الصَّقْر.
قال ابن السَّمْعاني: كتبتُ عنه ببغداد، وبالأنبار، وبها ولد في سنة خمسٍ
وخمسين وأربع مئة في صَفَر .
٥٥٦- يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم ابن
المَحَامليِّ، الفقيه أبو طاهر .
جاور بمكة أزْيَد من خمسين سنة؛ وكان مولده سنة ثلاثٍ وخمسين.
وقد روى عن والده، عن أبي الحُسين بن بِشْران. سمع منه أبو موسى المَدِيني،
وغيره بمكة .
٧٤٨

٠
الطبقة الخامسة والخمسون
٥٤١ - ٥٥٠ هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ آَ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعين وخمس مئة
في ربيع الآخر وَثَب ثلاثةٌ من غِلْمان زَنْكِي بن اقْسُنْقُر عليه، فقتلُوه وهو
يحاصِرِ جَعْبَر، فقامَ بأمر المَوْصل ابنُه غازي، وبحلب نُور الدِّين محمود.
وفيها احترقَ قَصْر المُسْتَرشد الذي بناه في البُسْتان، وكان فيه الخَلِیفة،
فسَلِم، وتَصَدَّق بأموالٍ .
وفي رَجَب قَدم السُّلطان مسعود، وعَمِلَ دار ضَرْب، فقبضَ الخليفة على
الضَّرَّاب الذي تَسَبَّبَ في إقامة دار الضَّرْب، فَنَفَّذَ الشِّخْنة وقبضَ على حاجب
الخليفة، وأربعةٍ من الخَوَاص، فغَضِبَ الخليفة، وغَلَّق الجامع والمَسَاجد ثلاثة
أيام، ثم أُطلق الضَّرَّاب، فأطلقوا الحاجب، وسكنَ الأمرُ.
ووقع حائطٌ بالدَّار على ابنةِ الخَليفة، وكانت تصلح للزَّوْج، واشتد
حُزنهم عليها، وجلسوا للعَزَاء ثلاثة أيام.
وفي ذي القَعْدة جلسَ ابن العُبَادي الواعظ، فحضَر السُّلطان مسعود،
فعرَّض بذِكر حَق البيع، وما جَرَى على النَّاس، ثم قال: يا سُلطان العالم: أنت
تَهَبُ في ليلةٍ لمُطْربٍ بقَدْر هذا الذي يؤخذ من المُسلمين، فاحسُبني ذلك
المُطْرب، وهَبْه لي، واجعله شُكرًا لله بما أنعم عليك! فأشارَ بيده أني قد
فعلتُ، فارتفعت الضجة بالدُّعاء له، ونُودي في البَلَد بإسقاطه، وطِيف
بالألواح التي نُقِش عليها تَرْك المُكُوس في الأسواق، وبين يديها الدَّادب
والبُوقات، ولم تَزَل إلى أن أمرَ النَّاصر لدين الله بقَلْع الألواح، وقال: ما لنا
حاجة بآثار الأعاجم.
وحجَّ الوزير نظام الدين ابن جَهِير؛ قال ابن الجوزي(١): وحججتُ أنا
(١) المنتظم ١٢٠/١٠.
٧٥١

بالزوجة والأطفال.
قال ابن الأثير(١): وفيها مَلَكَت الفِرَنْج طرابُلُس المَغْرِب، جَهَّز الملك
رُجار صاحب صِقِلّية في البَحْر أسطولاً كبيرًا، فنازلوها في ثالث المحرَّم،
فخرجَ أهلها، ودام الحرب ثلاثة أيام، فاتفق أنَّ أهلَها اختلفوا، وخَلَت
الأسوار، فَنَصَبت الفِرَنجِ السَّلالم، وطلعوا وأخذوا البَلَد بالسَّيْف واستباحوه،
ثم نادوا بالأمان، فظهر من سَلِم، وعَمَّرتها الفِرَنج وحَصَّنوها.
وفيها لما قُتِل زَنْكي قصدَ صاحبُ دمشقٍ بَعْلَبَك وحاصرَها، وبها نائبُ
زَنْكي الأميرِ نجم الدين أيوب بن شاذي، فسلَّمها صُلْحًا له، وأقطعه خُبْزًا
بدمشق، ومَلَّكه عِدَّة قُرى، فانتقلَ إلى دمشق وسكنَها .
وفيها في أولها سار عبدالمؤمن بجيوشه بعد أن افتتح فاس إلى مدينة سَلا
فأخذها، ووَخَّدَتْ(٢) مدينةُ سَبْتَة، فآمنهم، ثم سار إلى مَراكُش، فنزل على
جبلٍ قريبٍ منها، وبها إسحاق بن عليّ بن يوسف بن تاشفين، فحاصرها أحد
عشر شهرًا، ثم أخذها عَنْوةً بالسَّيْف في أوائل سنة اثنتين وأربعينٍ، واستوسَقَ
له الأمرُ ونزلها. وجاءه جماعةٌ من وجوه الأندلسيين وهو على مَراكُش باذِلين له
الطّاعة والبَيْعة، ومعهم مكتوبٌ كبيرٌ فيه أسماء جَمِيع الذين بايعوه من الأعيان.
وقد شَهِدَ من حَضَر على من غابَ. فأعجبَهُ ذلك، وشَكَرَ هجرتهم، وجَهَّز
معهم جَيْشًا مع أبي حَفْص عُمر بن صالح الصِّنْهاجي من كبار قُواده، فبادرَ إلى
إشبيلية فنازلها، ثم افتتحها بالسَّيف.
وذكر الْيَسَع بن حَزْم أنَّ أهل مَراكُش ماتَ منهم بالجُوع أيام الحصار نيٌّ
على عشرين ومئة ألف، حدَّثنيه الدَّافنُ لهم. ولما أراد فتحها، داخلت جيوش
الرُّوم الذين بها عبدالمؤمن فكتب لهم أمانًا، فأدخلوه من باب أغْمات، فدخلها
بالسَّيف، وضربَ عُنُق إسحاق المذكور، في عدةٍ من القُواد.
قال الْيَسَعِ: قُتِل ذلك اليوم فيما صَح عندي نيٌّ على السَّبعين ألف
رجل .
(١) الكامل ١٠٨/١١.
(٢) أي: قالت بشعار الموحدين.
٧٥٢

سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة
فيها ولي أبو المظفَّر يحيى بن هُبَيرة ديوان الزِّمام.
وفيها سار الأمير بُزَبَة (١) واستمال شِخنة أصبهان، وانضاف معه محمد
شاه، فأرسلَ السُّلطان مسعود عساكر أذربيجان، وكان بُزَبَة في خمسة آلاف،
فالتقوا، فكسرهم بُزَبَة، واشتغل جَيْشُه بالنَّهْب، فجاءَ في الحال مَسْعود بعد
المَصاف في ألف فارس، فحمل عليهم، فَتَقَنْطَرِ الفَرَسُ بِبُزَبَة، فوقعَ وجيء به
إلى مسعود، فوسَّطه، وجيء برأسه فعُلِّق ببغدادَ.
وعُزل أبو نصر بن جَهِير عن الوزارة بأبي القاسم عليّ بن صَدَقَة، شافهه
بالولاية المُقْتفي، وقرأ ابن الأنباري كاتبُ الإنشاء عهده.
وقدم سلاركُرْد على شِخْنكية بغداد، وخرجَ بالعَسْكر لحرب عليّ بن
دُبَيْس، فالتقوا، ثم اندفعَ عليّ إلى ناحية واسط، ثم عادَ وملك الحِلة.
وباشر قضاءَ بغداد أبو الوفاء يحيى بن سعيد بن المُرَخم في الدَّسْت
الكامل، على عادة القاضي الهَرَوي. وكان أبو الوفاء بئس الحاكم، يَرْتَشي
ويُبْطِلِ الحُقُوق .
وفي رمضان بَرَزَ إسماعيل ابن المستظهر أخو الخليفة من داره إلى ظاهر
بغداد، فبقي يومين، وخرجَ مُتَنَكِّرًا، على رأسه سَلَّة، وبيده قَدَحٌ، على وجه
الثَُّّه، فانزعجَ البَلَد، وخافوا أن يعود ويخرج عليهم، وخافَ هو أن يرجع إلى
الدَّار، فاختفى عند قوم، فآذنوا به، فجاء أستاذ دار والحاجب وخَدَموه وردُّوه.
وفيها سار نور الَّذِّين محمود بن زَنْكي صاحب حَلَب يومئذٍ ففتح أرتاح،
وهي بقرب حَلَب، استولت عليها الفِرَنْج، فأخذها عَنْوَةً. وأخذ ثلاثة حُصون
صِغَار للفِرَنْجِ، فهابَتْه الفِرَنْج، وعرفوا أنه كَبْشٌ نَطَّاح مثل أبيه وأكثر.
وفيها سار أخوه غازي صاحب المَوصل إلى ديار بكر، فأخذ دارًا وخَرَّبها
ونَهَبها، ثم حاصر ماردين، فصالحه حُسام الدِّين تمرْتاش بن إيْلغازي، وزَوَّجه
بابنته، فلم يدخل بها، ومرض ومات، فتزوجها أخوه قُطْبُ الدِّين.
وفيها، وفي السِّنين الخَمْس التي قبلها، كان الغلاء المُفْرط بإفريقية،
(١) قيده المصنف وجَوَّد ضبطه بالحركات كما قيدناه.
تاريخ الإسلام ٤٨٣/١١
٧٥٣

وعَظُم البلاء بهم في هذا العام حتى أكل بعضُهم بعضًا.
وفيها تزوج الملك نور الدِّين بالخاتون ابنة الأتابك مُعين الدين أُثُر،
وأُرسلت إليه إلى حَلَب.
سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة
فيها جاءت من الفِرَنْج ثلاثة مُلُوك إلى بَيْت المَقْدس، وصَلَّوا صلاةَ
المَوْت، ورَدُّوا إلى عَكا، وفَرَّقوا في العَسَاكر سبع مئة ألف دينار، وعَزَمُوا على
قَصْد الإسلام. وظَنَّ أهلُ دمشق أنهم يَقْصدون قَلْعتين بقُرب دمشق، فلم
يَشْعروا بهم في سادس ربيع الأول إلا وقد صَبَّحوا دمشق في عَشْرة آلاف
فارس، وستين ألف راجل، فخرجَ المُسْلمون فقاتلوا، فكانت الرَّجالة الذين
بَرَزوا لقتالهم مئةً وثلاثين ألفًا، والخَيَّالة طائفةً كبيرة، فقُتلَ في سبيل الله نحو
المئتين، منهم الفقيه يوسف الفندلاوي، والزَّاهد عبدالرحمن الحَلْحُولي. فلما
كان في اليوم الثّاني، خرجوا أيضًا، واستُشْهد جماعة وقَتَلُوا من الفِرَنْج ما لا
يُحصى. فلما كان في اليوم الخامس، وصل غازي بن أتابك زَنْكي في عشرين
ألف فارس، ووصل أخوهِ نور الدين محمود إلى حماه رَدِيفًا له. وكان في
دمشق البكاء والتَّضرُّع، وفُرش الرَّماد أيامًا، وأُخرج مُصْحفُ عثمان إلى وسط
الجامع. وضَجَّ النِّساء والأطفال مكشِّفين الرُّؤوس، فأغاثَهُم الله .
وكان مع الفِرَنْج قسيس ذو لحية بيضاء، فركب حِمَارًا، وعَلَّق في حَلْقه
الصَّلِيب، وفي يديه صَلِيبين، وقال للفِرَنْج: أنا قد وَعَدني المَسيح أن آخذ
دمشق، ولا يردني أحد. فاجتمعوا حوله، وأقبل يريد البَلَد، فلما رآه
المسلمون صدقت نيتُهم، وحَمَلُوا عليه، فقتلوه، وقَتَلُوا الحِمار، وأحرقوا
الصُّلْبان، وجاءت النَّجْدة المذكورة، فهزمَ اللهُ الفِرَنج، وقُتل منهم خَلْق.
قال ابن الأثير(١): سار ملك الألمان من بلاده في خَلْقٍ كثير، عازمًا على
قَصْد الإسلام، واجتمعت معه فِرَنج الشام، وسارَ إلى دمشق، وبها مجير الدين
أبَق بن محمد بن بُوري، وأتابكه معين الدين أَثُر، وهو الكُل؛ وكان عادلاً،
عاقلاً، خَيِّرًا، استنجد بأولاد زَنْكي فنجدوه، ورتَّبَ أمورَ البَلَد، وخرجَ بالنَّاس
(١) الكامل ١٢٩/١١ - ١٣١.
٧٥٤

إلى قتال الفِرَنْج، فقويت الفِرَنج، وتقهقر المُسلمون إلى البَلَد. ونزل ملك
الألمان بالمَيْدان الأخضر، وأيقنَ النَّاسُ بأنه يملك البَلَد، وجاءت عَسَاكر سيف
الدين غازي، ونزلوا حِمْص، ففرح الناس وأرسل معين الدين يقول للفِرَنْج
الغُرباء: إنَّ ملك الشرق قد حَضَر، فإنْ رَحَلْتُم، وإلا سَلَّمتُ دمشق إليه،
وحينئذٍ تندمون. وأرسلَ إلى فِرَنْج الشام يقول لهم: بأي عَقْلِ تساعدون هؤلاء
الغُرباء علينا، وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد
السَّاحلية؟ وأنا إذا رأيتُ الضَّعْفَ عن حِفْظ البَلَد سلمته إلى ابن زَنُكي، وأنتم
تعلمون أنه إن مَلَك لا يبقى لكم معه مُقَامٌ بالشام. فأجابوه إلى التَّخَلَّي عن مَلِكِ
الألمان، وبَذلَ لهم حِصْنَ بانياس. فاجتمعوا بملك الألمان، وخَوَّفوه من
عساكر الشَّرْق وكَثْرتها، فرحل وعاد إلى بلاده، وهي وراء القُسطنطينية .
قلت: إنما كان جلُ قدومه لزيارة القُدس، فلما تَرَخَّلوا سار نور الدين
محمود إلى حِصْن العزيمة(١)، وهو للفِرَنْج، فملكَهُ. وكان في خدمته معين
الدين أُنُر بعسكر دمشق.
وفيها كان أول ظهور الدَّولة الغورية قصد سُوري بن الحُسين مدينة غَزْنة
وملكها، ثم حاربه بهرام شاه وأسره وقتله، ثم غَضِبَت لقَتْله الغورية، وحشدوا
وجمعوا. وكان خروجهم في سنة سَبْع وأربعين.
وفيها نَقَب الحَبْس رضوان، الذي كان وزير الحافظ صاحب مصر،
وهرب على خَيْلِ أُعِدَّت له، وعبرَ إلى الجيزة. وكان له في الحَبْس تسعُ سنين.
وقد كُنَّا ذكرنا أنه هرب إلى الشام، ثم قَدِمَ مصر في جَمْع كثير، فقاتل
المصريين على باب القاهرة وهزمهم، وقتل خَلْقًا منهم، ودخلٌ البلد، فتفرَّق
جَمْعُه، وحَبَسَهُ الحافظ عنده في القَصْرِ، وجمع بينه وبين أهله، وبقي إلى أن
نقب الحبس، فأتى من الصعيد بجموع كثيرة، وقاتل عَسكر مصر عند جامع ابن
طولون فهزمهم، ودخل القاهرة، وأرسلَ إلى الحافظ يطلب منه رَسْم الوزارة
عشرين ألف دينار، فبعَثَها إليه، ففرَّقها، وطلبَ زيادةً، فأرسلَ إليه عشرين ألفًا
أخرى، ثم عشرين ألفًا أخرى، وأخذَ الناس منه العَطاء وتفرقوا. وهيأ الحافظ
(١) هكذا بخط المصنف بالزاي، وفي المطبوع من الكامل ١٣١/١١: ((العُرَيْمة)) بالراء
مصغرًا .
٧٥٥

جَمْعًا كبيرًا من العَبِيد وبعثهم، فأحاطوا به، فقاتلهم مماليكه ساعةً. وجاءته
ضربةٌ فقُتِلَ. ولم يستوزر الحافظ أحدًا من سنة ثلاثٍ وثلاثين إلى أن مات.
قال سِبْط الجوزي(١): فيها ظهر بمصر رجلٌ من وَلَد نِزار ابن المُسْتَنصر
يطلب الخلافة، واجتمعَ معه خَلْق، فَجَهَّز إليه الحافظ العَسَاكر، والتقوا
بالصَّعيد، فقُتل جماعة، ثم انهزمَ النِّزاري، وقُتل ولدُه.
وفيها أمر نُور الدين بإبطال ((حيَّ على خَيْرِ العَمَل)» من الأذان بحَلَب،
فعَظُم ذلك على الإسماعيلية والرَّافضة الذين بها .
وكان السلطان مسعود قد مكن خاصْبَك من المملكة، فأخذَ يقبض على
الأُمراء، فَتَغيروا على مَسْعود وقالوا له: إما نحنُ، وإما خاصْبَك، فإنه يحملك
على قَتْلنا. وساروا يَطْلبون بغداد، ومعهم محمد شاه ابن السُّلطان محمود،
فانجفل النَّاسُ واختبطوا، وهربَ الشِّخْنة إلى تَكْريت، وقُطِعَ الجَسْر، وبعثَ
المقتفي ابن العُبَادي الواعظ رَسُولاً إليهم، فأجابوا: نحنُ عَبِيد الخليفة وعَبِيد
السُّلطان، وما فارقناه إلا خَوْفًا من خاصْبَك، فإنَّه قد أفْنَى الأمراءَ، فقتل
عبدالرحمن بن طُوَيْرك، وعباسًا، وبُزَبَة، وتَتَر، وصلاح الدِّين، وما عن النَّفْس
عِوَض. وما نحن خوارج ولا عُصاة، وجئنا لتُصْلح أمرنا مع السُّلطان. وكانوا
ألْبقش، وألْدُكز، وقَيْصر، وقرقُوب، وأخو طُوَيْرك، وطُرنطاي، وعليّ بن
دُبَيْس. ثم دخلوا بغداد، فمدوا أيديهم، وأخذوا خاص السُّلْطان، وأخذوا
الغَلات، فثار عليهم أهل باب الأزج وقاتلوهم، فكتبَ الخليفة إلى مَسْعود،
فأجابه: قد برِئَت ذمة أمير المؤمنين من العَهْد الذي بيننا، بأنه لا يجنِّد،
فيحتاط للمُسلمين. فجنَّد وأخرج السُّرَادقات، وخَنْدَق، وسَدَّ العُقود، وأولئك
ينهبون في أطراف بغداد، وقَسَّطُوا الأموال على مَحَال الجانب الغربي وراحوا
إلى دُجَيْل وأخذوا الحَرِيم والبَنَات، وجاؤوا بهن إلى الخِيَم.
ثم وقعَ القتال، وقاتلت العَامةُ بالمَقَاليع، وقُتل جماعة، فطلعَ إليهم
الواعظ الغَزْنَوي فذَمَّهُم وقال: لو جاء الفِرَنْج لم يفعلوا هذا. واستنقذ منهم
المواشي، وساقها إلى البَلَد، وقَبَضَ الخليفة على ابن صَدَقَة، وبقي الحِصَار
أيامًا، وخرج خَلْقٌ من العوام بالسِّلاح الوافر، وقاتلوا العَسْكر، فاستجرَّهم
(١) مرآة الزمان ١٩٩/٨ .
٧٥٦

العَسْكر، وانهزموا لهم، ثم خرج عليهم كمين فهربوا، وقُتل من العامة نحو
الخمس مئة. ثم جاءت الأمراء، فرموا نفوسهم تحت التَّاج وقالوا: لم يقع هذا
بعِلْمنا، وإنما فعله أوباشٌ لم نأمرهم. فلم يَقْبل عُذْرهم. فأقاموا إلى اللَّيل
وقالوا: نحن قيامٌ على رؤوسنا، لا نبرح حتى يُعْفى عن جُرْمنا. فجاءهم الخادم
يقول: قد عَفَا عنكم أمير المؤمنين فامْضوا. ثم سار العَسْكر، وذهب بعضهم
إلى الحِلة، وبعضهم طَلَب بلادَهُ.
ووقع الغَلاء، ومات بالجوع والعُرِي أهلُ القرى، ودَخَلُوا بغداد
يستعْطُون.
ومات قاضي القُضاة الزَّيْنَبِي، فقُلِّد مكانه أبو الحسن عليّ بن أحمد بن
عليّ ابن الدَّامَغَاني.
وفيها الغَلاء مستمرٌّ بإفريقية، وجَلا أكثر النَّاس ودخلَ خَلْق إلى جزيرة
صِقِلِّية، وعَظُم الوَبَاء. فاغتنم الملعون رُجار صاحب صِقِلَّية هذه الشِّذَّة، وجاء
في مئتين وخمسين مَرْكبًا، ونزلَ على المَهْدية، فأرسلَ إلى صاحبها الحسن بن
عليّ بن يحيى بن تَمِيم بن باديس: إنما جئتُ طالبًا بثأر محمد بن رشيد صاحب
قابس، ورده إلى قابس. وأنت فَبيننا وبينك عُهُود إلى مدةٍ، فنريد منك عَسْكرًا
يكون معنا. فجمع الحسن الفُقهاء والكبار وشاورهم، فقالوا: نُقَاتل عدونا،
فإن بلدنا حَصِين. قال: أخاف أن ينزل إلى البرِّ ويحصرنا برًّا وبَحْرًا ويمنعنا
المِيرة، ولا يحل لي أن أُعطيه عَسْكّرًا يقاتل به المُسْلمين، وإن امتنعتُ قال:
نقضْتَ، والرأي أن نخرج بالأهلِ والوَلَد، ونترك البَلَد، فمن أراد أن ينزح
فَلْيَتْزَحِ. وخرج لوقته، فخرجَ الخَلْق على وجوههم، وبقي من احتمى بالكَنَائس
عند أهلها، وأخذت الفِرَنْج المهدية بلا ضَرْبة ولا طَعْنة، فإنا لله وإنا إليه
راجعون. فوقع الثَّهْب نحو ساعتين، ونادوا بالأمان. وسار الحسن إلى عند
أمير عَرَب تلك الناحية، فأكرمه، وصار للفِرَنْج من طرابُلُس المَغْرب إلى قريب
تُونس .
وأما الحسن، فعزم على المَسِير إلى مِصْرَ، ثم عزم على المَصِير إلى
عبدالمؤمن هو وأولاده، وهو التّاسع من ملوك بني زِيري. وكانت دولتهم
بإفريقية مئتين وثمان سنين .
٧٥٧

سنة أربع وأربعين وخمس مئة
في المحرَّم ارتفعَ عن النَّاس ببغداد الغَلاء، وخرجَ أهل القُرى .
وغزا نور الدِّين محمود بن زَنْكي فَكَسَر الفِرَنْجِ، وقَتَلَ صاحب أنطاكية .
وكانت وَقْعة عظيمة، قُتل فيها ألفٌ وخمس مئة من الفِرَنْج، وأُسر مثلُهم، وذل
دين الصَّلِيبِ. ثم افتتح نور الدِّين حصن فامية، وكان على أهل حَمَاة وحِمْص
منه غاية الضرَر.
وكان جوسلين، لعنه الله، قد ألَهَبَ الخَلْق بالأذية والغارات، وهو
صاحب تل باشر، وعزاز، وعَيْنتاب، والرَّاوندان، وبَهَسْنا والبيرة، ومَرْعَش،
وغير ذلك، فسار لَحْربه سِلَحْدار نور الدِّين، فأسرَهُ جوسلين، فَدسَّ نور الدين
جماعةً من الثُّركمان وقال: من جاءني بجوسلين أعطيتُه مهما طَلَب. فنزلوا
بأرض عَيْنتاب، فأغار عليهم جوسلين، وأخذ امرأةً مليحةً فأعجبته، وخَلا بها
تحت شَجَرة، فكمن له التُّركمان وأخذوه أسِيرًا، وأحضروه إلى نُور الدين،
فأعطى الذي أسره عشرة آلاف دينار. وكان أسْرُه فَتْحًا عَظِيمًا، واستولى نور
الدین علی أکثر بلاده.
وفي ربيع الآخر استوزَرَ الخَلِيفة أبا المُظَفَّر بن هُبَيرة، ولَقَبُه: عون
الدِّین.
وفي رجب جَمَع ألْبقش وقَصَدَ العراقِ، وانضمَّ إليه مَلِكْشاه ابن السُّلطان
محمود، وعليّ بن دُبَيْس، وطرنطاي، وخَلْق من الثُّركمان. فلما صارُوا على
بريدٍ من بغداد، بعثوا يطلبون أن يُسَلْطِنَ ملكشاه، فلم يُجِبْهم الخليفة، وجمع
العَسْكر وتهيأ وبعثَ البريد إلى السُّلطان مسعود يستحثُّه، فلم يتحرك، فبعث
إليه عمَّه سَنْجَر يقول له: قد أخربتَ البلاد في هَوَى ابن البلنكري، فنفذه هو ،
والوزير والجاولي، وإلا ما يكون جوابك غيري. فلم يلتفت لسَنْجَر، فأقبل
سَنْجَر حتى نزل الرَّي، فعلم مَسْعود، فسار إليه جريدةً، فترضاه وعادَ. ثم قَدِمَ
بغداد في ذي الحجة واطمأن الناس .
وفيها حج بالعراقيين نَظَر الخادم، فمرض من الكوفة فرد، واستعمل
مكانه قَيْماز الأُرْجُواني، ومات نَظَر بعد أيام.
وفي ذي الحجة جاءت زلْزَلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات،
٧٥٨

وتَقَطَّع بحُلْوان جَبلٌ من الزلزلة، وهلك عالمٌ من التُّزْكمان .
وفيها مات صاحب المَوْصل سيف الدين غازي بن زَنْكي، ومَلَك بعده
أخوه مَوْدُود، وعاش غازي أربعًا وأربعين سنة. وكان مليح الصُّورة والشَّكْل،
وخلف ولدًا تُوفي شابًّا، لم يعقب.
وفيها وقع الخُلْف بين رُجار الإفرنجي صاحب صِقِلَّية، وبين صاحب
القُسطنطينية. ودامت الحروب بينهم سنين، فاشتغلَ رُجار عن إفريقية.
وفيها، قال أبو يَعْلَى الثَّمِيمِيُّ في ((تاريخه))(١): كان قد كَثُر فَسَاد الفِرَنْج
المقيمين بعَكا، وصُور، والسَّوَاحل، بعد رحيلهم عن حصار دِمَشْق، وفساد
شُروط الهُدْنة التي بين أُنُر وبينهم. فَشَرَعُوا في العَبَث في الأعمال الدِّمشقية،
فنهضَ مُعين الدِّين أَثُر بالعَسْكر مُغيرًا على ضِياعِهم، وخَيَّم بحَوْران؛ وكاتَبَ
العَرَب، وشَنَّ الغارات على أطراف الفِرَنْج، وأطلق أيدي الُّرْكمان في نَهْب
أعمال الفِرَنْج، حتى طلبوا تجديد عَقْد الهُدْنة والمُسامحة ببعض المُقَاطعة،
وترددت الرُّسُل، ثم تقرَّرت الموادعة مدة سنتين، وتحالَفُوا على ذلك.
ثم بعث أُثُر الأميرَ مجاهد الدِّين بُزان بن مامين في جَيْشٍ نجدةً لنور
الدين على حَرْب صاحب أنطاكية، فكانت تلك الوَقْعة المشهودة التي انتصر
فيها نور الدين على الفِرَنْج، فلله الحمدُ والمنة. وكان جمعه نحوًا من ستة
آلاف فارس سوى الأتباع، والفِرَنْج في أربع مئة فارس، وألف راجل، فلم ینجُ
منهم إلا اليسير، وقُتل ملكهم البَلَنْس، فحُمِل رأسه إلى نُور الدين. وكان هذا
الكَلْب أحد الأبطال والفُرسان المشهورين بشدة البأس، وعظمِ الخِلْقة والتَّنَاهي
في الشَّرِّ.
ثم نازلَ نورُ الدِّين أنطاكية وحاصرَها إلى أن ذَلوا وسَلَّموها بالأمان.
فرتَّب فيها من يحفظها، فجاءتها أمداد الفِرَنج، ثم اقتضت الحال مهادنة من في
أنطاكية وموادعتهم.
وأما معين الدين أُنُّر فإنه مرض، وجيءَ به من حَوْران في مِحَفةٍ، ومات
بدُوسنطاريا في ربيع الآخر، ودُفن بمدرسته.
ثم جَرَت واقعة عجيبة؛ استوحش الرئيس مؤيّد الدين من الملك مُجِير
(١) ذيل تاريخ دمشق ٣٠٤ - ٣٠٥.
٧٥٩

الدِّين استيحاشًا أوجبَ جَمْع من أمكنه من أحداث دمشق والجَهَلة، ورَتَّبَهُم
حول داره، ودار أخيه زين الدَّولة حَيْدرة للاحتماء بهم، وذلك في رَجَب. فنفذ
مجيرُ الدِّين يطيب نفوسَهُمَا، فما وثقا، بل جدًّا في الجَمْع والاحتشاد من
العوام والجُنْد، وكسروا الحَبْس وأطلقوا من فيه، واستنفروا جماعة من
الشَّوَاغرة(١) وغيرهم، وحَصَلُوا في جَمْعِ كثيرٍ امتلأت بهم الطُّرُق. فاجتمعت
الدَّولة في القَلْعة بالعُدد، وأُخْرجت الأسلحة، وفُرِّقت على الجند، وعزموا
على الزَّحف إلى جَمْع الأوباش، ثم تَمَهَّلوا حَقْنًا للدِّماء، وخوفًا من نَهْب
البلد، وألَخُوا على الرئيس وتلطفوا إلى أن أجابَ، واشترط شُرُوطًا أُجيب إلى
بعضها، بحيث يكون ملازمًا لداره، ويكون ولده وولد أخيه في الدِّيوان، ولا
يركب إلى القلعة إلا مُسْتَدعَى إليها. ثم حدثَ بعد ذلك عَوْد الحال إلى ما
كانت عليه، وجمع الجمع الكثير من الأجناد، والمُقدَّمين، والفَلَّحين،
واتفقوا على الزَّحف إلى القَلْعة وحَصْرها، وطلب من عيَّنَة من أعدائه، فنشبت
الحَرْب، وجُرح وقُتل جماعة. ثم عاد كل فريقٍ إلى مكانه. ووافق ذلك هُروب
السَّلار زين الدين إسماعيل شِحْنة البَلَد وأخوه إلى ناحية بَعْلَبَك. ولم تزل
الفتنة هائجةً، والمُحَاربة متصلةً، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التُّمِسَ إبعادُه من
خواص مُجِير الدين. ونُهِبَت دار السَّلار وأخيه، وخُلِعَ على الرئيس وأخيه،
وحلف لهما مجير الدين، وأعاد الرئيس إلى الوزارة، بحيث لا يكون له في
الأمر معترض ولا مشارك.
وأما مصر، فماتَ بها الحافظ لدين الله عبدالمَجِيد العُبَيدي، وأقيم بعده
ابنه الظَّافر إسماعيل. ووَزَرَ له أميرُ الجيوش ابن مصال المغربي، فأحسن
السيرة والسياسة. ثم اضطربت الأمور واختلفت العساكر، بحيث قُتل خَلْقٌ
منهم.
وأما أعمال دمشق كَحوران، وغيرها، فعائَت بها الفِرَنْج، وأجدبت،
الأرض ونزَحِ الفَلَّحون، فجاءَ نور الدين بجيشه إلى بَعْلَبَك ليوقع بالفِرَنْجِ،
ففتح الله بنزول غيثٍ عظيم، فعظُم الدُّعاء لنور الدين، وأحبه أهلُ دِمَشْق
وقالوا: هذا ببركته وحُسن سيرته. ثم نزل على جَسْر الخَشَب في آخر سنة
(١) يعني: أهل الشاغور.
٧٦٠