النص المفهرس

صفحات 161-180

السُّلطان قصده، فاستشار أولاده، فقال ابنه دُبَيس: تسلُّم إليَّ مئة ألف دينار،
وتأذن لي أن أنتقي ثلاث مئة فرس من الإصطبلات، وتجرد معي ثلاث مئة
فارس، فإني أقصد باب السُّلطان، وأعتذر عَنْكَ، وأخدمه بالمال والخيْل،
وأقرر معه أن لا يتَعرَّض لأرضك. فقال غيره: الصَّواب أن لا تُصانع من تغيّرت
فيك نِيَّته. فقال: هذا الرأي. وجمعَ عشرينَ ألفَ فارس وثلاثين ألف راجل،
وتَمَّت وقعة هائلة، ثم قُتِل صَدَقة. وقد مَرَّ ذلك.
ونشأ دُبَيْس، ففعل القَبَائح، ولَقِي النَّاسُ منه فنون الأَذَى، وطَغَى وَبَغَى،
فنَفَّذ إليه المُسْتَرشد يُهَدِّده، فتواعد وأوعد، وأرسلَ، وبعث طلائعه، فانزعج
أهل بَغْداد. فلما كان ثالث شَوَّال صَلَبَ البُرسْقُيُّ تسعةً، قيل: إنهم مُجَهَّزون
من دُبَيْس لقَتْل البُرسقي، وعَبَرَ البُرْسُقي في ذي القَعْدة. وضَرَبَ الخليفة
سُرادقه عند رقة ابن دَخْروج، ونصبَ هناك الجَسر. وبعث القاضي أبا بكر
الشَّهْرِزُوري إلى دُبَيْس يُنْذره، وفي الكلام: ﴿ وَمَا كُتَّأُمُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ٢٠َ﴾
[الإسراء].
فاحْتدَّ وغَضِب وجَمَعَ، فكانت فُرسانه تزيدُ على ثمانية آلاف، ورَجالته
عشرة آلاف. ونزلَ المُسْترشد بالله راكبًا من باب الغَرَبة، ثم عَبَرَ في الزَّبْزَب،
وعليه القِباء والعِمامة، وبيده القَضِيب، وعلى كَتفه البُرْدة النَّبوية، وعلى رأسه
طَرْحة، ومعه وزيرُه أحمد ابن نظام المُلْك، وقاضي القُضاة الزَّيْنبي،
والنَّقيبان، والهاشميون، والقُضاة، فنزل بالمُخيَّم، وأقامَ به أيامًا .
وفيها قُتِل الوزير أبو طالب السُّمَيْرمي ببغداد، ووَلِيَ وزارة السُّلطان
محمود بعده شمس المُلْك عثمان ابن نظام المُلْك، فأبطل ما جدده السُّمَيْرمي
من المُگُوس .
وفي رمضان قَتَلَ السُّلطانُ محمود الأميرَ جيوش بك. وكان تُرْكيًّا من
مماليك السُّلطان محمد، وكان مَهِيبًا شُجاعًا. قتلهُ محمود خَوْفًا، من غائِلَته .
وفيها مات إيْلغازي صاحب ماردين، وحَلَب، ومَيَّافارقين .
وفيها أقطعَ السُّلطان محمود قَسِيم الدَّولة البُرْسقي واسطًا وأعمالها،
مُضافًا إلى ولاية المَوْصل، وشِخْنكية العِراق، فسَيَّر إلى واسط عماد الدين
زَنْكي بن آقْسُنْقُر.
تاريخ الإسلام ١١٢/١١
١٦١

وفيها وصل إلى بغداد أبو الحسن الغَزْنَوي، فوعظَ، وأقبلوا عليه، ثم
ورد بعدَه أبو الفتوح الإسفراييني، ونزلَ برباط أبي سَعْد، وتكلّم بمَذْهب
الأشعري، ثم سُلُّم إليه رباط الأرجُوانية.
سنة سبع عشرة وخمس مئة
في أوَّلها رحلَ المُسْتَرشد بالله، ثم نزِلَ بقريةٍ تُعْرف بالحَديثة من نَهْر
المَلِك، وأتاه البُرْسُقي وجماعة الأُمراء، وحَلَفوا على المُناصحة والمُبالغة في
الحَرْب. وقرأ محمد بن عُمر الأهوازي على المسترشد ((جُزء ابن عَرَفة)) وهو
سائر. ثُمّ سارَ إلى النِّيل. ورَّب البُرْسُقي بنفسه الجَيْش صُفُوفًا، فكانوا نحو
الفَرْسخِ عَرْضًا، وجعلَ بين كل صَفَّين مجالاً للخَيْلِ، ووقف الخَليفة في موكبه
من ورائهم، بحيث يراهم: فرقَّب دُبَيْس عَسْكره صَفًّا واحدًا، والرَّجالة بين يدي
الفُرسان بالتِّراس الكِبار، ووقفَ في القَلْب، ومَنّى عَسْكره، ووعدهم نَهْب
بغداد. فلما تراءى الجَمْعان حمَلت رجالة دُبَيْس، وكان قد استصحب معه
القيان والمَخَانيث بالدُّفوف والزَّمْرِ يُحَرِّضون عسكره، ولم يُسمع في عَسْكر
الخليفة إلا القرآن والذِّكر والدُّعاء، فحمل عُنيز الكردي على صفِّ الخليفة،
فتراجعوا وتأخروا، ثم جَرَّد الخليفة سيفهُ وصعِد على تَل، فقال عسكر دُبَيْس
إن عُنيزًا خامَرَ، فلم يصدِّق. فلما رأى المَهْد والعَلَم والمَوْكب قد صعدوا تيقن
غَدْر عُنيز بن أبي العَسْكر، فهرب ووقعت الهَزِيمة. وعَبَر دُبَيْس الفُرات بفَرَسه،
وأدركته الخَيْل، ففاتهم، فقيل: إنَّ عَجُوزًا هناك قالت: دُبَيْس دُبَيْر جيت.
فقال: دُبير من لم يجىء. وقُتِل خَلْقٌ من رَجالته، وأُسِر خَلْق كثير. وقُتل من
عَسْكر الخليفة عشرون فارسًا، وعادَ مَنْصورًا. ودخل بغداد يوم عاشوراء. وأمر
بجباية الأموال ليعمل سُورًا على بغداد، فجُبي شيءٌ كثير، ثم أُعيد ذلك إليهم
فَعَظُم دعاؤهم له، وشَرَعوا في عَمَل السُّور في صَفَر. وكان كُل جُمُعة يعمل
أهل محلة يخرجون بالطُّبول والخَيالات.
وعزم الخليفة على خِتان أولاده وأولاد إخوته، فكانوا اثني عشر صَبِيًّا،
فغلقت بغداد، وعَمِلَ النَّاسِ القِباب، وعَمِلت خاتون قُبَّة باب التُّوبي، وعلّقت
عليها من الدِّيباج والجَوَاهر ما أدهشَ الأبصار، وعَمِلت قُبَّة على باب السَّيِّد
العَلَوي، عليها غَرَائب الخُلي والحُلل، من ذلك سِتران من الدِّيباج الرُّومي،
١٦٢

طُول السِّتْر نحو عشرين ذِراعًا، على الواحد اسم المتقي الله، وعلى الآخر اسم
المعتز بالله، وبقوا أسبوعًا.
وجاءَ الخَبْرُ أنَّ دُبَيْسًا ذهبَ إلى غُزَيَّة، فدعاهم إلى الشِّقاق، فقالوا: ما
عادتُنا مُعاداةُ الملوك، فذهبَ إلى بني المُنْتَفق، فخالفوه، وقصَدَ البَصَرة،
وكَبَس مشهد طَلْحة والزُبير، فنهبَ ما هناك، وقتلَ خَلْقًا كثيرًا، وعزمَ على قَطع
النَّخْل، فصالحوه على مالٍ، وجعلوا على كل رأسٍ شيئًا.
وفيها قبض السُّلطان محمود على وزيره شمس المُلْك عثمان ابن نظام
المُلْك، لأن سَنْجَرَ طَلَبَهُ منه، فقال أبو نصر المُسْتوفي له: مَتَى ذهب إلى سَنْجر
لم تأمنه، فاقتله وابعث برأسه، فقتلَهُ وبعث إلى الخليفة ليعزل أخاه، فانقطع
في منزله، ونابَ في الوزارة عليّ بن طِراد. ثم طلب الوزير ابن صَدَقة من
الحديثة، فأُحضِر، واستُوزِرَ في ربيع الآخر.
وفيها استولى الأمير بَلْك بن بَهْرام بن أُرْتُق على حَران، وسارَ منها فنزل
على حَلَب، وضَيَّق عليها، وبها ابن عمه بدر الدِّين سُليمان بن عبدالجَبَّار،
فسلمها إليه بالأمان، فدخلها وتَزَّوج ببنت الملك رُضوان.
وقَدِمَ ابن الباقَرْحيّ ومعه گُتُب محمود وسَنْجر بتدريس نظامية بغداد. ثم
وصلَ في شعبان أسعد المِيْهَني بتدريسها، وصُرِف ابن الباقَرْحي.
وفيها سارَ محمود بن قَرَاجا صاحب حَمَاة إلى حِصْن فامية، ونهبَ
رَبَضها، فأصابَهُ سَهْمٌ، وعادَ فمرض وماتَ، وكان ظالما جائرًا، فاستولى
طُغتكين صاحب دمشق على حَمَاة، ورَتَّب بها واليًا وعَسْكرًا.
سنة ثمان عشرة وخمس مئة
وردت الأخبار بأنَّ الباطنية ظهروا بآمد وكثُرُوا، فَنَفَرَ إليهم أهل آمد،
فقتلوا منهم سبع مئة رجل .
ورُدَّت شِخْنكية بغداد إلى سَعْد الدَّولة برنقش الزَّكوي، وأُمِرِ البُرْسُقي
بالعَوْد إلى المَوْصل.
وفيها التقى صاحب حلب بَلْك بن بهرام هو والفِرَنج، فهزمهم وقتل
منهم خَلْقًا، وعادَ فحاصر مَنْبج، وهي لحَسَّان البَعْلَبَكي، فجاءَهُ سهمٌ غَرَبٌ
١٦٣

قَتَلُهُ، وكان معه ابن عَمِّه تمرتاش بن إيْلغازي، فحمله قَتِيلاً إلى ظاهر حلب،
وتَسَلّمها في ربيع الأوَّل من السَّنة، واستقرَّ بها. ثم رتَّب بها نائبًا له، ورَدَّ إلى
ماردين لأنه رأى الشّام كثيرة الحُروب مع الفِرِنَج، وكان يحبُّ الرَّاحة، فلمَّا رد
أُخذت حَلَب منه.
وفيها أخَذت الفِرنج صُور، وكان بها عَسْكر للعُبَيْديين ونائبٌ إلى سنة
ستِّ وخمس مئة، فحاصرتها الفرنْج، وخَرَّبوا ضِياعها، ثم نَجَدَهُم صاحبُ
دمشق طُغتكين، وأمَدَّهم بما يُصْلِحهم، ولم يَقْطع منها خُطبة المصريين، فبعث
إليه صاحبُ مِصْر يشكره ويُثني عليه، وجَهَّزلها أسطولاً .
واستقام أمرُها عشر سنين بالأمير مَسْعود الطُّغْتكيني، لكنَّ كَثُّرت الشِّكاية
منه، فجاءَ أصطولٌ من مِصْر، ومعهم أمرٌ أن يَقْبضوا على مَسْعود، فخرجَ
مسعود للسَّلامِ على مُقَدَّم الأصطول، وطلعَ إلى المَرْكب، فقبض عليه المُقَدَّم،
ونزل إلى البَلَد، فاستولى عليه، وبعثَ مَسْعوُدًا إلى مِصْر، فأكرموه ورذُوه إلى
دمشق، فرضي طُغْتكين بذلك.
وتَحَرَّكت الفِرَنج، وقويت أطماعهم، فرأى المصريون أن يردوا أمرَها
إلى طُغتكين، وراسلوه بذلك، فمَلَكها، ورَّب بها الجُنْد، فنازلتها الفِرَنج،
وجَدُّوا في الحِصَار، وقَلَّت بها الأقوات. وسارَ طُغتكِين إلى بانياس ليرهب
الفِرَنْج، فما فَكَّروا فيه، واستنجدَ بالمصريين، فما نَجَدُوه، وتمادَت الأيام،
وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل طُغتكين ملك الفِرَنْج، على أن يُسَلمها
إليه، ويُمَكِّن أهلها من حَمْلِ ما يقدرون عليه من الأمتعة، فأجابَهُ إلى ذلك،
ووفى بالعَهْد، وتفرَّقت أهلوها في البلاد، ودخلتها الفِرَنج في الثّالث والعِشْرين
من جمادى الأولى. وكانت من أمنع حُصُون الإسلام، فإنَّا لله وإنّا إليه
راجعون، ودامت في يد الفِرَنح إلى سنة تسعين وست مئة.
وفيها عُزِل عن بَغْداد البُرْسُقي، ووَليَ سَعْد الدَّولة برنقش الزَّكَوي، لأن
المُسْتَرشد نَفَرَ عن البُرْسُقي، وطلب من السُّلطان أن يصرفه، فأجابه .
وسار عمادُ الدِّين زَنْكي من البَصْرة، وكانت إقطاعه، إلى خِدْمة السُّلطان
محمود، فأكرَمَهُ وردّه على إمرة البَصْرة.
وفي ذي الحجة مَلَك البُرْسُقي مدينة حَلَب، وكانت الفِرَنْج لما ملكوا
١٦٤

صُور طَمِعوا، وقويت نُفُوسهم، ثم وَصَلَ إليهم دُبَيْس بن صَدَقة، قَبّحه الله،
فطَمَّعهم أيضًا في المُسلمين، وقال: إن أهلَ حَلَب شيعة، ويميلون إليَّ، ومَتَى
رأوني سَلَّموها إليَّ، فأكون نائبًا لكم. فسارُوا معه، وحاصَرُوا حَلَب حِصارًا
شديدًا، فاستنجدَ أهلها بالبُرسُقي، فسارَ إليها بجيوشه، فتَرَخَّلَ الفِرَنج عنها
وهو يراهم، فلم يهجمهم، ودخلَ حَلَب ورَّب أمورها.
وورد الخَبَر بأن دُبَيْس بن صَدَقة التجأ إلى المَلِك طُغْرُلْبَك أخي السُّلطان
محمود بعد عَوده من الشَّام، وأنهما على قَصْد بغداد، فتأهَّب الخَلِيفةُ، وجمع
الجُيوشَ من كل ناحية.
وجاء الوباء ببغداد وإلى البصرة في ربيع الأول.
وتَزَوَّج الخليفة ببنت السلطان سَنْجَر.
وفيها أُخِذ جماعة من الباطنية كانوا قَدِموا في قافلة، فقُتلُوا ببغداد. قيل:
جاءوا لقَتْل الوزير ابن صَدَقة والأمير نَظَر، وأُخِذَ في الجملة ابن أيوب قاضي
عُكْبرا و نُهِبت داره، فقيل: كانت عنده مَدَارج من كُتُب الباطنية، وأُخِذ آخر
کان یُعینھم بالمال.
وفيها قُبِض على ناصح الدَّولة أستاذ الدَّار وصُودر، وقُرِّر عليه أربعون
ألف دينار.
سنة تسع عشرة وخمس مئة
في صَفَر برزَ الخليفةُ إلى صَحْراء الشَّمَّاسية بجيوشه، ثم رحلَ فنزل
الدَّسْكَرَة. وجاءَ دُبَيْس وطُغْرُلْبَك فدَبَّروا أن يَكْبسوا بغدادَ ليلاً، ويحفظ دُبَيْس
المَخَائض، ويَنْهب طُغْرُلْبَك بغداد، فمرض طُغْرُلْبَك تلك اللَّيلة، وجاءَ
المَطَر، وزاد الماءُ، وضَجَّ النَّاس بالابتهال إلى الله، وأُرْجِفَ عند الخليفة بأن
دُبَيْسًا دخلَ بَغْداد، فرحلَ مُجِدًّا إلى النَّهروان، فلم يشعر دُبَيْس إلا برايات
الخَليفة، فلما رآها دُهِش، وقَبَّل الأرضَ، وقال: أنا العَبْد المَطرود، أما آن أن
يُعْفَى عن العَبْد المُذْنِب، فلم يُجبْه أحد، فأعادَ القَوْل والتَّضَرُّع، فرقَ له
الخَلِيفة، وهَمَّ بالعفو عنه، فصرَفَهُ عن ذلك الوزير أبو علي بن صَدَقة، وبعثَ
الخليفة نظرًا الخَادم إلى بغداد بالبِشارة، ونُودي في البَلَد بأن يخرج العَسْكر
لطلب دُبَيْس، والإسراع مع الوزير ابن صَدَقة. ودخل الخليفة، وسارَ دُبَيْس
١٦٥

وطُغْرُلْبَك إلى سَنْجر مُستجيرين به، هذا من أخيه محمود، وهذا من الخليفة،
فاجارَهُما، ولبّسا عليه فقالا: قد طَرَدَنا الخليفة وقال: هذه البلاد لي. فقبض
سَنْجَر علی دُبَيْس وسجنه خدمةً للخليفة .
وفي رَجَب راحَ سَعْد الدَّولة برنقش، فاجتمعَ بالسُّلطان خاليًا وأكثر
الشَّكْوَى من الخليفة، وحَقَّق عنده أنه يطلب المُلْك، وأنَّه خرج من بيته نَوْبَتين
وكَسَر من قَصَدَه، وإن لم يفكر في حَسم ذلك اتَّسع الخَرْق، وسترى حقيقة
ذلك إذا دخلتَ بغداد، والذي يحمله على ذلك وزيره، وقد كاتب أمراءَ
الأطراف، وجمعَ الأكراد والعَرَب. فحصلَ في نفس محمود ما دعاه إلى
المجيء إلى بغداد.
وفيها قتلت الباطنية بالمَوْصل آقْسُنْقُر البُرْسُقي في مَقْصورة الجامع، فيما
ذكر ابن الجَوزي(١)، والصَّحيح سنة عشرين.
وفيها قَدِمِ البُرْسُقي فنازلَ كَفْرطاب، وأخذها من الفِرَنج، ثم عَمِل مَصَافًّا
مع الفِرَنْج، وكانوا خَلْقًا، فكَسَرُوه، وقتلوا نحو الألف من المسلمين، وأسروا
خَلْقًا .
وفيها جمع بَغْدوين الصَّغير صاحب القُدس وحَشَد، وأغارَ على حَوْران،
فخرج لحربه طغتكين في خَلْقٍ كثير وتُزْكمان قَدموا للجهاد، وخَلْقٌ من أحداث
دِمشق، ومن المَرْج، والغُوطة بالعُدد التَّامَّة، فالتقوا بمَرْج الصُّفَّر، فحملت
المَلَاعين على المُسلمين، فهزموهم إلى عَقَبة سحوراء، وقتلوا أكثر الرَّجَّالة، وما
نجا إلا من له فَرَسُ جَوَاد. وجاء طُغتكين وقد أُسرت أبطالُه، وما شَكَّ النَّاسُ
أن الفَرِنجِ يُصَبِّحون البَلَد، فحازوا الغَنَائم والأسرى ورجعوا، فلا قوة إلا بالله .
وفيها عَسْكَر اللعين ابن رُذْمير الذي استولى على شَرْق الأندلس بجَيْش
في أربعة آلاف فارس بفاوة، فسارَ من سَرَقُسْطَةِ، ثم على بَلَنْسِيَة، ثم مُرْسِية،
ومر على جزيرة شَقْر، فنازلهم أيامًا. وكان على الأندلس تَمِيم بن يوسف بن
تاشفين، ومُقامه بغرناطة، فجمع الجُيوش. والتفَّ على ابن رُذمير سوادٌ عظيمٌ
من نَصَارى البلاد، فوطىء بلاد الإسلام يغِيرُ ويَنْهَب. وقَصَدَهُ المُسلمون،
(١) المنتظم ٩/ ٢٥٤.
١٦٦

فالتقوا، فأُصيب خَلْقٌ من المُسلمين. وعاثَ ابن رُذمير في بلاد الإسلام أكثر
من سنة، ورجعَ بغنائم لا تُحصى.
سنة عشرين وخمس مئة
لما عَلِمَ السُّلطان محمود بقتال الخَلِيفة لطُغْرُلْبَك فَرِحَ، وكاتب الخليفة
وقال: قد عَلِمتُ ما فعلتَ لأجلي، وأنا خادِمُكَ. وتراسلا بالأيمان والعُهُود
على أنهما يَنْقَضَّانَ على سَنْجَر ويمضيان إلى قتاله ويكون محمود في السَّلْطنة
التي لسنجر، فعلم سَنْجَر، وبعث إلى محمود يقول: أنت صبي، والخليفة قد
عزم على أن يمكر بكَ وبي، فإذا اتَّفقتما عليَّ ففرغ منِّي، عاد إليك، فلا تُصغ
إليه، وأنا فما لي ولدٌ ذَكَر، وأنتَ لما ضربْتَ معي مَصافًّا وظفرتُ بكَ، لَم
أُسيء إليكَ وقَتَلْتُ من كان سببًا لقتالنا، وأعَدْتُك إلى السَّلطنة، وجعلتك وليَّ
عَهْدي، وزوَّجتك ابنتي، فلما تُوقِيتْ زَوَّجتُك الأُخرى، فسِر إلى بغدادَ
بالعَسَاكر، وأمسك الوزيرَ ابنَ صَدَقة، واقتل رؤوس الأكراد وخُذ آلة السَّفر التي
عَملها، وتقول للخليفة: ما تَحْتَاج إلى هذا، أنا سَيْفك وخادمك، فإن فعل وإلا
أخذته بالشِّدَّة، وإلا لم يبق لي ولا لك معه أمرٌ. وبعثَ إليه رَجُلاً، وقال: هذا
یکون وزیرك، فثنی عزمه.
فكتب صاحب الخَبَر إلى الخليفة بذلك، فنفَّذ الخليفة إليه سديدَ الدَّولة
ابن الأنباري يقول له: يَنْبغي أن تتأخر في هذه السَّنَة لقلة المِيرة. فقال: لا بُدَّ
لي من المَجِيء وتوجه. فلما سَمِعَ الخليفة نَفَّذ رسولاً وكتابًا إلى وزير
السُّلطان، يأمره بردِّ السُّلطان عن المَجِيء، فأَبَى، وأجابَ بجوابٍ ثَقُل سماعُه
على الخَليفة، وشَرَع في عمل آلة القِتال، وجمعَ الجَيْش، ونُودي ببغداد في
ذي القَعْدة بعبور النَّاسِ إلى الجانب الغَرْبي، وازدحم الخَلْقِ، ثم بعد أيام بدا
للخليفة، وقال: أنا أُخَلِّي البلد له، وأحقن دماء المسلمين؛ ونودي بالعبور
إلى الجانب الشرقي، واشتدت الأمطار حتَّى كادت الدُّور أن تَغْرِق وانتقل
الخليفة إلى مُخَيَّمه بالجانب الغربي تَحت الرَّقة، فعرفَ السُّلطان، وقَرُب من
بغداد، فبعثَ برنقش الزَّكوي، وأسعد الطُّغْرائي، فذهبا إلى الخَلِيفة، وأدَّيا
رسالة السُّلطان وتألَّمه من انزعاج الخَلِيفة. ثم حَشيا في آخر الرِّسالة، فقال
المُسْتَرشد: أنا أقول له يجب أن تتأخر في هذه السنة، ولا يقبل، ما بيني وبينه
١٦٧

إلا السَّيف. وقال لبرنقش: أنتَ كُنتَ السَّبب في مجيئه وأنتَ أفسَدتَهُ. وهمَّ
بقتله، فمنعه الوزير، وقال: هو رسولٌ. فرجعا بكتاب الخَلِيفة وبالرِّسالة،
فاستشاط غَضَبًا، وأمر بالرّحيل إلى بغداد.
وفي يوم الأضحى نُصِبت خيمةٌ عظيمةٌ، وصَلَّى المُسْتَرشد الخليفة
بالنَّاس، وكان المُكَبِّرون خُطباء الجَوَامع ابن الغريق، وابن المُهْتدي، وابن
البَرْمكي. وصَعِدَ المنبر، ووقفَ وليُّ عهده الرَّاشد بالله دُونه، بيده سيفٌ
مَشْهورٌ، فقال: الله أكبر، ما سَخَّت الأنواء، وأشرقَ الضَّياء، وطلعت ذُكاء،
وعَلَت على الأرض السَّماء، الله أكبر، ما هَمَع سَحَاب، ولمع سَرَاب، وأنجح
طلاب، وسَر قادمًا إياب. وذكر خطبةً بليغةً، ثم جلسَ، ثم قامَ فخطب،
وقال: اللهم أصْلِحْني في ذُريتي، وأعني على ما وَلَيتني، وأوزِعْني شُكر
نِعمتك، ووَفقني وانصُرني. فلمّا أنهاها وتهيأ للنزول بدَره أبو المظفر محمد بن
أحمد بن عبدالعزيز الهاشمي فأنشده:
عليكَ سلامُ الله يا خَيْرَ من عَلا على مِنْبرِ قد حَفَّ أعلامه النَّصرُ
وأفضل من أمَّ الأنام وعَمَّهم بسيرته الحُسنى وكانَ له الأمرُ
وأفضل أهل الأرْض شَرْقًا ومغربًا ومَن جده من أجلِه نَزَل القَطْرُ
وموعظة فَصْل يلين لها الصَّخْرُ
فقد رجَفَتْ من خَوفِ تخويفها مِصْرُ
فأضحى لها من الأنام بك الفخْرُ
لقد شَرَّفَتْ أسماعنا منك خُطْبةٌ
ملأتَ بها كُلَّ القُلُوب مَهَابَةً
وزُدتَ بها عدنانَ مَجْدًا مؤثلاً
وسُدْتَ بني العباس حتى لقد غَدَا تباهي بك السجاد والعلم البَحْرُ
فللَّهِ عَصْرٌ أنت فيه إمامُهُ ولله دِينٌ أنتَ فيه لنا الصَّدْرُ
بقيتَ على الأيام والمُلْك كلَّما تقَادَم عَصْرٌ أنتَ فيه أتى عصرُ
وأصبحتَ بالعِيد السَّعيد مُهناً تشرفنا فيه صلاتُك والنَّخْرُ
ونزل، فنحَر البَدَنَة بيده، وكانَ يومًا لم يُرَ مثله من دهرٍ. ثم دخل
السُّرادِق، ووقعَ البُكاء على النَّاس، ودعوا له بالنَّصْر، وجُمعت الشُّفن جميعها
إلى الجانب الغربي، فانقطع عُبور النَّاس بالكُلية.
وبلغ الشُّلطان حُلْوان، فأرسلَ من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح
عنها عفيفًا الخادم، فلَحِق بالخليفة، ولم يبق بالجانب الشَّرقي سوى الحاجب
١٦٨

لحِفْظ دار الخلافة. وسُدّت أبوابها كُلُّها سوى باب النُّوبي، ونزلَ السُّلطان
بالشَّمَّاسية في ثامن عشرِ ذي الحِجَّة، ونَزَل عَسْكره في دُور النَّاس. وترددت
الرُّسل إلى الخليفة تتلطّف به، وتطلب الصُّلْح وهو يَمْتَنع ثم وقف عَسْكر
للسُّلطان بالجانب الشرقي، والعامة بالجانب الغربي يسبُّون الأتراك، ويقولون:
يا باطنية، يا مَلاحدة. عصيتم أميرَ المؤمنين، فعُقُودكم باطلة وأنكحتكم
فاسدة، وتراموا بالتُّشَّاب.
وفيها عاثَ مَلِك الفِرَنج ابن رُذْمير، لعنهُ الله، بالأندلس، وشَقَّ بلاد
المُسلمين جميعها، وسَبَى ونَهَبَ، حتى انتهى إلى قريب قرْطُبة، فحشدَ
المسلمون وقَصَدُوه، فبيَّنَهم وقتل منهم مَقْتلةً، ثم عاد نحو بلاده، وهو الذي
كسَرَ المسلمين أيضًا سنة أربع عشرة وخمس مئة. ثم حاصرَ سنة ثمانٍ وعشرين
مدينة أفراغه، وأهلكه الله .
وفيها هاجت الإسماعيلية بخُراسان، ونُصِر عليهم عَسْكر سَنجَر، وقتلوا
منهم مقتلة كبيرة.
وفيها قُتل البُرْسُقي.
وفيها كثُرت الإسماعيلية بالشَّام، وكان النَّاسُ والكِبَار يخافونهم، فرأى
الوزير أبو طاهر بن سعد المَزْدقاني من المَصْلَحة أن يسلم إلى رئيسهم بهرام
حِصْنَا، فأعطاه طُغتكين بانياس وتألم الناس لذلك.
وفي سنة عشرين وقعة مَرْج الصُّفَّر؛ ساقها ابن الأثير، فقال(١): التقوا
في أواخر ذي الحجة واشتد القِتالُ فسَقَط طُغتكين فظنَّ الجُنْد أنه قُتِلَ فانهزموا
إلى دمشق وركب فَرَسَهُ ولحقهم، فساقت الفِرَنج وراءهم وبقي رجَّالة التُّركمان
قد عجزوا عن الهَزِيمة فحملوا على رَجَّالة الفِرَنج فقتلوا عامتهم ونهبوا عَسْكر
الفِرَنج وخِيامهم ثم عادوا سالمين غانمين إلى دِمَشق. ولما رَدَّت خيالة الفِرَنج
من وراء طغتكين رأوا رجالتهم صَرْعى وأموالهم قد راحت فتَمُّوا منهزمين،
قال: وهذا من الغريب أن طائفتين ينهزمان .
وفيها استفحل أمر بَهْرام داعي الباطنية بحَلَب والشَّام، وعظُم الخَطْب
وهو على غاية الاختفاء، يغير الزِّي، ويطوفُ البلادَ والقِلاعَ، ولا يُعرف، إلى
(١) الكامل ١٠ / ٦٣٩.
١٦٩

أن حَصَل بدمشق بتقريرِ قَرَّره إيلغازي بن أُرْتُق مع طُغْتكين، فأُكرِم اتقاء شَرِّه،
وتأكدت العناية به، فتبِعَه جَهَلَةٌ وسُفهاء من العامة وأهل البَرِّ وتَحَزَّبوا معه.
ووافقه الوزير طاهر بن سعد المزدقاني، وإن لم يكن على عقيدته، وأعانه على
بث شره، وخَفَّى سره ليكون عونًا له. ثم التمسَ من طُغتکین حِصْنًا یحتمي به،
فأعطاه بانياس سنة عشرين هذه، فصار إليها وتجمع إليه أوباش استغواهم
مُحَالهُ وخداعُهُ، فعظُمت البَلية بهم، وتألَّم العُلماء وأهل الدِّين، وأحجموا عن
الكَلَام فيهم والتَّعَرُّض لهم، خَوْفًا من شَرِّهم، لأنهم قتلوا جماعةً من الأعيان،
وصاروا بحيث لا يُنكر عليهم ملك ولا وزير، فلا حول ولا قوة إلا بالله(١)،
وسيأتي باقي أمرهم سنة ثلاث.
(١) هذا النص كله من تاريخ القلانسي ٢١٥.
١٧٠

◌ِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَـ
(الوفيات)
سنة إحدى عشرة وخمس مئة
١- أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو جعفر بن سُفيان القُرْطُبيُّ.
أخذ عن أبي جعفر أحمد بن رزق، وسمع الكثير من حاتم بن محمد .
وشُوور في الأحكام، وولي خطابة قُرْطَبة، وتُوفي في جمادى الآخرة، وله أربعٌ
وستون سنة(١).
٢- أحمد بن عبدالرحمن بن عبدالحَقِّ، أبو جعفر الخَزْرَجيُّ
القُرْطُبيُّ المقرىء.
روى عن أبي القاسم الخَزْرجي، وأبي عبدالله الطَّرَفي المُقْرِئين
ونظرائهما. وقرأ على الأستاذ مكي بن أبي طالب أحزابًا من القُرآن. وأقرأ
النَّاسِ دَهْرًا، وعُمِّر وعاش تسعين سنة، وتُوفي في ربيع الأول.
قال ابن بَشْكوال(٢): جالَسْتُه وأنا صَغِيرٌ.
٣- أحمد بن محمد بن عبدالله، أبو الوفاء ابن الحُصين الكاتب
المُحدِّث.
سمع الكثير بنَفْسه، وكَتَبَ وعَلَّق؛ روى عن أبي نصر الزَّينبي، وعاصم
ابن الحَسَن فمَن بعدهما؛ بحيث أنه أكثر عن أصحاب الجَوْهري. روى عنه
الحُسين بن خُسْرو، والسِّلَفي، وله شِعر جَيِّد.
٤- أحمد العُرَيبيُّ، الرَّجلُ الصَّالح.
رأى أبا الحسن القَزْويني، وقرأ عليه شيئًا من القرآن.
ذكره أحمد بن صالح، فقال: وَلِيُّ الله، حُزِرَ الجَمْعُ في جنازته بمئة
ألف. وصَلَّى عليه أبو الحُسين ابن الفَرَّاء بوصيةٍ منه، ودُفِن بقرب قبر مَعْروف.
(١) من صلة ابن بشكوال (١٦٣).
(٢) الصلة (١٦٢) ومنه نقل الترجمة.
١٧١

وكان من المُنْطَقِينِ المُلْهَمين رحمه الله، وكان من بقايا العُبَّاد ببغداد، تُوفي في
رمضان .
قال المبارك بن كامل أُحْصي: من حَضَره فنَّف على سَبْعين ألفًا .
٤ مكرر - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن نوح
ابن النُّعمان النُّوحِيُّ السَّمَرْقندُّ.
روى عن أبيه أبي بكر عن علي بن أحمد الخُزاعي، وقد توفي أبو بكر
سنة تسع وخمسين وأربع مئة (١).
٥- أسعد ابن طبيب خُراسان عبدالرحمن بن عليّ بن أبي صادق، أبو
الفضل النَّيْسابوريُّ الطّبيبُ.
كان أبوه جالينوس زمانه. سمع أسعد من أبي عثمان البَحِيري، وأبي
سعد الگنْجژُوني .
قال أبو سَعْد السَّمْعانيُّ(٢): أسمَعني منه والدي حُضُورًا، وعاش نحوًا من
ثمانين سنة .
٦- بختيار السّلار، نائب طُغتکین علی دمشق .
كان ورِعًا نَزِهَا، ديََّا حَسَن السِّيرة، وافرَ الحُرْمة، أمَّارًا بالمعروف نَهَّاءً
عن المُنْكر، كثيرَ المحاسن، تُوفي في شعبان، وحَزَن عليه النَّاسُ، وولي
شحنكية دمشق بعده ابنه عُمر السَّلار(٣).
٧- بَغْدُوين، هو بَرْدويل الفِرَنْجي الطَّاغية الذي افتتح القُدس
وغيرها من مُدُن الشام.
وكان شُجاعًا مَهيبًا جَبَّارًا خَبِيثًا. قد استفحلَ شَرُّه، وكَثُرْ جُنْدُه، فجمعَ
العساكر وسار ليأخذ الَدِّيار المصرية من بني عُبَيْد، إلى أن قارب تِنِيس، فسبحَ
في النِّيل، فانتقضَ عليهِ جُرح كان به، فرجعَ ونزَلَ به الموتُ بالصبخة
المعروفة به، فمات، فشَقُوا بطنَهُ، ورموا بحشوته هناك، فهي تُرْجَم إلی الیوم،
وحَمَلُوه فدفنوه بالقُمامة بالقُدس في ذي الحجة سنة إحدى عشرة. وكان قد
(١) ينظر ((النوحي)) من أنساب السمعاني.
(٢) التحبير ١/ ١١٩.
(٣) ينظر ذيل تاريخ دمشق ١٩٨.
١٧٢

جاء القُمْص صاحب الرُّها إلى القُدس زائرًا، فوَصَّى بَغْدوين له بالمُلْك من
بعده. فبعث يطلب عَقْد الهُدنة من طُغتكين، فسارَ طُغتكِين إلى طَبَرية، فنهبها
وما حولها، وسار إلى عَسْقلان، وكاتب المِصْريين، فجاءته سبعة آلاف فارس،
فأقاموا بعَسْقلان شهرين، ولم يُؤْثِّروا في الفِرَنجِ أثرًا، ورجع طُغتكين(١).
٨- تَمِيم بن عليّ الواعظ، أبو سعد البَقَّال القَصَّار.
سمع أبا بكر بن زيذة. وعنه أبو موسى، تُوفي في تاسع المحرَّم.
٩- الحسن بن عبدالله بن الحُسين، أبو محمد البَصِيدائيُّ الجُنديُّ،
من أهل باب الأزَج.
سمع أبا محمد الجَوْهري. روى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري(٢).
١٠ - الحُسين بن أحمد، أبو عبدالله ابن الشَّقَّاق البَغْداديُّ.
لم يكن له نَظِيرٌ في الفَرَائض ببغداد، ولا في الحِسَاب. روى عنه خَطِيب
المَوصل من شِعره وعليه تفقه أبو حَكيم الخَبْري، وغیرُه. وممَّن روى عنه ابنُ
ناصر، وأبو طالب ابن العَجَمي الحَلَبي، والسِّلَفي، وقال(٣): كان آية من آيات
الزَّمان، ونادرة من نوادر الدَّهر.
قال ابن النَّجَّار: وسَمِعَ من أبي الحُسين ابن المُهتدي بالله، وكان شَقَّاقًا
للقرون للقَسي، قرأ الفرائض والحِساب على الخَبْري، وعبدالملك بن إبراهيم
الهَمَذاني، ومات في ذي الحجة عن إحدى وسبعين سنة (٤).
١١- الحُسين بن الحَسَن بن محمد بن عليّ بن يُمن، أبو القاسم
العَصَّار، عرف بابن بَعْصِين الكَرْخي.
سمع أبا محمد الجَوْهري، وأبا يَعْلى القاضي. توفي في رجب.
١٢- الحُسين بن الحسن بن إسماعيل بن صاعد، القاضي أبو
الفضل، ولَد قاضي القضاة أبي علي، ووالد صاعد أبي العلاء.
سمع من أبي بكر محمد بن عبدالعزيز الحِيري الحافظ ((تاريخ نَّيْسابور))
(١) ينظر الكامل لابن الأثير ١٠/ ٥٤٣.
(٢) ينظر ((البصيدائي)) من أنساب السمعاني.
(٣) معجم السفر (١٠١).
(٤) ينظر المختصر من تاريخ ابن الدبيثي ٢/ ٣١.
١٧٣

كُلَّه، بِسَماعه من مؤلفه الحاكم. وسمع من أبي سَعْد الكَنْجَروِذِي. أخذَ عنه
جماعة، وأجاز لأبي سعد الحافظ، وقال(١): ماتَ في جمادى الأولى.
١٣ - الحُسين بن محمد الطُّهْرانيُّ الزّاهد.
أصبهانيٌّ جليلٌ، تُوفي في شوال.
١٤ - الحُسين بن محمد بن الحُسين، الوزير أبو منصور ابن الوزير
الكبير أبي شُجاع، الرُّوذْراوَرِيُّ ثم البَغْداديُّ.
وَزَرَ أبوه للمُقتدي، ووَزرَ هو للمُسْتظهر سنة ثمانٍ وخمس مئة. ثم خرج
إلى أصبهان، فماتَ بها .
ذكره ابن الدُّبيثيُ(٢).
١٥- خَلف بن إبراهيم بن خَلَف بن سَعِيد، الخطيب أبو القاسم ابن
النَّخَاس وابن الحَضَّار القُرْطبيُّ المُقرىء، خطيب قُرْطبة.
روى عن صِهْره أبي القاسم بن عبدالوَهَّاب المُقرىء، ومحمد بن عابد،
وحاتم بن محمد، وجماعة. وحجَّ فقرأ القراءات بمكة على أبي مَعْشر الطَّبري،
وسمع من كَرِيمة، وأخذَ بمصر عن أبي الحُسين نَصْر بن عبدالعزيز الفارسي،
وأبي الحسن طاهر بن بابشاذ، وطالَ عُمُره وكانت الرِّحْلة إليه في وَقْته، ومَدَار
الإقراء عليه .
قال اليَسَع بن حَزْم: له يدٌ في عِلم الحديث والقرآن واللغات والآداب مع
سَمْتٍ وسَكينةٍ ومكانةٍ في الخَيْرِ مَكِينة تَفخَرُ به جُمُعُ قُرطبة وأعيادها .
قال ابن بَشْكوال(٣): كان ثقةً صَدُوقًا، بليغَ المَوْعظة، فصيحَ الِّسان،
حَسَنَ البَيان، جميلَ المَنْظر والمَلْبس فَكِه المَجْلس، سمعتُ خُطَبه في الجُمع
والأعياد. ولد سنة سبع وعشرين وأربع مئة، وتُوفي في صَفَر.
قلتُ: قرأ عليه القراءات أبو عبدالمُنْعم يحيى ابن الخَلُوف الغَرْناطي،
وخَلْقٌ كثيرٌ لا يَحْضرني ذِكْرهم، منهم يحيى بن سَعْدون. وسمع منه ابن
الدَّبَّاغْ، وذكرَ له ترجمةً في ((التَّقیید)) له.
(١) التحبير ١/ ٢٣٠ ومنه نقل الترجمة .
(٢) ينظر المختصر من تاريخ ابن الدبيثي ٢/ ٤٢ .
(٣) الصلة (٣٩٦).
١٧٤

٠
١٦-عباد بن محمد بن المحَسِّن، أبو القاسم الجعفريُّ الأصبهانيُّ.
7ے
من بيت شرف وتقدُّم. سمع تفسير أبي الشيخ من أبي أحمد محمد بن
عليّ ابن المكفوف، عن مؤلفه.
وسمع أبا سعد عبدالرحمن بن عُمر الصَّفَّار، وعليّ بن مهران.
قال السمعاني(١): أجاز لنا في ذي القعدة سنة عشر.
قلت: لعل السّلَفي سمع منه.
١٧ - عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالقادر بن محمد بن يوسف بن
محمد بن يوسف، أبو طاهر البَغْداديُّ البَزَّاز.
من بيت مَشْهور بالحديث. سمع أبا علي ابن المُذْهب، وأبا إسحاق
البَرْمكي، وأبا محمد الجَوْهري، وجماعة، وحَدَّث بالكُتُب الكبار كـ((سُنَن
الدَّارقُطْني)) وغيره. روى عنه أخوه عبدالخالق، وابنا أخيه عبدالحق
وعبدالرّحيم، وأبو المُعَمَّر الأنصاري وأبو طاهر السِّلَفي.
قال السِّلِفي: وكان من أعيان رؤساء بَغْداد وممن روى عنه المُبارك بن
خُضَير. ولد سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مئة وتُوفي في شَوَّال هو وابن نَيْهان في
ليلةٍ، وكان من أهل الثَُّة والأمانة والسُّنة. سَمِعَ ((السُّنن)) من أبي بكر بن بِشْران
عن الدَّارِقُطني، وسمع أيضًا من عبدالعزيز بن علي الأزَجي، وعبدالوَهَّاب بن
محمد الغَنْدَجاني(٢) .
١٨- عبدالرحمن بن أحمد بن عليّ بن صابر بن عُمر، المحدِّث أبو
محمد السُّلَميُّ الدِّمشقيُّ، ويُعرف بابن سيِّدة.
سمع أبا القاسم بن أبي العلاء، وأبا عبدالله بن أبي الحديد، وأبا الفتح
نصرًا المقدسي، وخلقًا بعدهم.
قال ابن عساكر(٣): سمعنا بقراءته الكثير، وكان ثقةً مُتَحرِّزًا. وُلِد سنة
إحدى وستين وأربع مئة .
(١) التحبير ١/ ٥١١ - ٥١٢ ومنه نقل الترجمة.
(٢) وينظر المنتظم ٩ / ١٩٤.
(٣) تاريخ دمشق ٣٤ / ١٥٨.
١٧٥

قلت: روى عنه الحافظان السَّلَفي، وابنُ عساكر، وتُوفي في رمضان وهو
والد أبي المعالي عبدالله.
قال السِّلَفي(١): كان قارىء الحديث بدمشق، وكان ثقةً، سيء الخُلُق،
بَخِيلاً بالإفادة، جَسَدًا مُلىء حَسَدًا .
١٩- عبدالرحمن بن يحيى بن إسماعيل، أبو الفضائل الأمويُّ
العُثمانيُّ الدّيباجيُّ.
روى عن جده لأمه أبي حفص البُوصيري. وعنه وَلَدهُ أبو محمد عبدالله
العُثماني.
وَرَّخِه ابنُ المُفَضَّل، وقال: تُكَلِّم في سماعه(٢).
٢٠- عُزيز بن عبدالرحمن بن جامع، أبو القاسم النَّيْسابوريُّ الكاتب
المُزکيُّ.
سمع أبا سعد الكَنْجروذي، ورحل به أبوه إلى أصبهان، فسمَّعه بها من
أحمد بن محمود الثَّقْفي صاحب ابن المُقرىء. توفي أواخر رَمَضان(٣).
٢١- عليّ بن أحمد بن عبدالله، أبو الحسن السَّرَويُّ الطبر ستانيُّ
المُطَوِّعيُّ الصُّوفيُّ.
سافر الكثير، وصَحِبَ المشايخ، وسمعَ أبا جعفر ابن المُسْلمة وغيره.
روى عنه أبو الفَضْل بن عطاف، والسِّلفي. وولد بسارية سنة أربع وعشرين.
٢٢- عليّ بن أحمد بن كُرْز، أبو الحسن الأنصاريُّ الغَرْناطِيُّ
المقرىء .
روى عن أبي القاسم بن عبدالوهّاب المقرىء، وغانم بن وليد، وأبي
عبدالله بن عتاب، وجماعة.
وعُني بالإقراء وسماع العِلم. وكان ثقة فاضلاً(٤).
(١) معجم السفر (٢٩٤).
(٢) سيعيده المصنف في وفيات السنة الآتية (الترجمة ٦١).
(٣) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (١٣٧١).
(٤) من الصلة لابن بشكوال (٩١١).
١٧٦

٢٣- علي بن رافع بن المُحَسِّن الرَّقَّاء.
سَمِعَ أبا إسحاق البَرْمكي. وعنه أبو نَصْر اليونارتي والسِّلَفي. عاش تسعًا
وثمانين سنة .
٢٤- غانم بن محمد بن عُبيدالله بن عُمر بن أيوب بن زياد، أبو
القاسم بن أبي نصر الأصبهانيُّ البُرْجيُّ، وبُرْج: قرية من قرى أصبهان.
سمع أبا نُعَيْم، من ذلك ((مُسند الحارث بن أبي أسامة))؛ أخبرنا ابن خلاد
النَّصِيبِي، ولأبي نُعَيْم فَوْت مَعْروفٍ. وسمع من ابن فاذشاه، وأجاز له أبو عليّ
ابن شاذان، وأبو القاسم بن بشران، والحُسين بن شُجاع المَوْصلي - أجازوا له
في سنة تسع عشرة وأربع مئة- والحُسين بن إبراهيم الجَمَّال. وعاش تسعين
سنة أو نحوها.
روى عنه السِّلَفي، وأبو بكر محمد بن منصور السَّمعاني، وأبو العلاء
الحسن بن أحمد العَطَّار، ومَعْمَر بن الفاخر، وأبو طاهر محمد بن محمد
السُّنجي، وأبو موسى المَدِيني، وأبو سعد محمد بن عبدالواحد الصَّائغ؛
الحُفَّاظ، والفضل بن القاسم الصَّيدلاني، ومسعود بن أبي منصور الجَمَّال،
ومحمد بنِ عُبيد الله ابن الشَّيخ أبي عليّ الحَدّاد. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو
المكارم اللََّّان.
قال السَّمْعاني(١): أجاز لي، وهو شيخٌ صالحٌ، سديدٌ، ثقةٌ، مُكثرٌ. عُمِّر
العُمر الطَّويل، وكان من تلاميذ محمد الخَابُوطي. سمع أبا نُعيم، وابن
فاذشاه، والفَضْل بن محمد القاساني، ومحمد بن عبدالله بن شهريار، وعُمر بن
محمد بن عبدالله بن الهيثم، وأبا الفتح محمد بن عبدالرَّزَّاق بن أبي الشيخ.
ومن مسموعه ((مُسْند الطَّيالسي))، من أبي نُعَيْم، وسمع ((الحِلية)) سوى أجزاء
من موضعين، و((جزء محمد بن عاصم))، و((جزء الجَابري)). ثم سمى
السَّمعاني عدة مَرْوِیات.
قال أبو موسى: وفاته في سابع وعشرين ذي القَعْدة، وسأله أبي عن
مولده فقال: في ذي القَعْدة سنة سبع عشرة وأربع مئة.
(١) التحبير ٢/ ١٠ - ١٦.
تاريخ الإسلام ١٢/١١
١٧٧

٢٥- محمد بن أحمد بن عبدالله بن فاذُوية، أبو الفضل ابن
العَجَميِّ، الواسطيُّ البَزَّاز.
سمع أبا الحسن بن مَخْلَد، والحسن بن أحمد الغَنْدَجاني، وببغداد من
ابن المُسْلِمة، وابن التَّقُّور. وروى الكثير. روى عنه أبو طالب الكَتَّاني
المُحْتَسب، وهبة الله بن نصر الله بن الجَلَخْت، وأحمد بن سالم
البَرْجُوني، وعدة. وأملى بجامع واسط.
وَثَّقه أبو الكرم الحَوْزي، وأثنى على فهمه(١).
تُوفي في صَفر بواسط(٢) .
٢٦- محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد بن عبدالله، أبو بكر
الأصبهانيُّ البَقَّال، المعروف بالصَّغِير وبابن تُرْكة.
توفي في ذي القَعْدة أيضًا. روى عن أبي بكر بن رِيذة، وعنه أبو مُوسى
حضورًا.
٢٧ - محمد بن أغلب بن أبي الدَّوْس، أبو بكر المُرْسِيُّ.
روى عن أبي الحجاج الأعلم، والمُبارك بن سعيد الخَشَّاب، وعبدالدائم
القَيْروانيِّ، وأبي عليّ الغَساني.
وكان عالمًا بالعربية والآداب، فائقَ الخَطِّ، عَلَّم وَلَدي المُعتمد محمد بن
عَبَّاد، ثم سكنَ فاس ثم أغمات. وصَنَّفَ في شرح ((الأمثال)) لأبي عُبيد. يروي
عنه أبو عبد الله بن أبي الخصال، وأبو بكر بن الخَلُوف، وأبو عبد الله بن أبي زيد.
وتُوفي بمَرَّاكش (٣).
٢٨- محمد بن الحسن بن عبدالله بن باكيرا، أبو جعفر الكاتب.
شيعيٌّ، تَوَلَى في الأعمال السُّلطانية، وسمع الحسن بن عليّ الشَّامُوخِي
بالبَصْرة، وعبدالسَّلام بن سالبة الصُّوفي بفارس، سمع منه ((تَفْسير النَّقَّاش))،
بروايته عن أبي القاسم عليّ بن محمد الزَّيْدي الحَرَّاني، عنه. روى عنه أبو
المُعَمَّر الأنصاري، وهبة الله بن محمد بن مميل الشِّيرازي.
(١) سؤالات السِّلفي له (٤٨).
(٢) من تاريخ ابن الدُّبيني، كما في مختصره ١/ ٢-٣.
(٣) من تكملة ابن الأبار ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
۵
١٧٨

قال ابنُ ناصر: حاله أشهر من أن يُذكر، صاحب المظالم، لا تحل
الرِّواية عنه، تُوفي في ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة.
٢٩- محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعيد بن نَبْهان، أبو علي
الكاتب، من أهل الكرخ.
سمع أبا عليّ بن شاذان، وبُشْرى الفاتني، وابن دُوما النِّعالي، وجده
لأَمه أبا الحُسين الصَّابىء، وطال عُمُره، وألْحَقَ الصِّغار بالكِبَار. روى عنه
حفيده محمد بن أحمد، ومحمد بن جعفر بن عَقِيل، وأبو طاهر بن سِلَفَة،
ودَهْبَلِ بن كَارِهِ، وعيسى بن محمد الكَلْوَذَاني. وآخر من روى عنه عبدالمنعم
ابن كُلَيْب.
ذكره ابن السَّمعاني، فقال: شيخٌ عالمٌ فاضلٌ مُسِن، من ذوي الهيئات.
وهو آخر من حَدَّث عن ابن شاذان، ولي منه إجازة.
وقال ابنُ ناصر: كان فيه تشتُّع، وكان سماعه صحيحًا، وبقي قبل موته
بسنة مُلَقى على ظهره لا يَعْقِل، فمن قرأ عليه في تلك الحالة فقد أخطأ وكَذَبَ
عليه، فإنَّه لم يكن يَفْهم ولا يَعْقل ما يُقرأ عليه من أول سنة إحدى عشرة.
وسمعته يقول: مولدي سنة إحدى عشرة وأربع مئة. ثم سمعته مرةً أخرى
يقول: سنة خمس عشرة. فقلتُ له في ذلك، فقال: أردت أن أدفع عني العَيْن،
وإلا فمولدي سنة إحدى عشرة.
وقال ابنُ السَّمعاني: سمعتُ أبا العلاء بن عَقِيل يقول: كان شيخنا ابن
نَبْهان إذا مكث عنده أصحاب الحديث وطَوَّلوا قال: قوموا، فإن عندي مريضًا.
بقي على هذا سنين، فكانوا يقولون: مريضُ ابن نَبْهان لا يبرأ. تُوفي ابن نَبْهان
ليلة الأحد السَّابع عشر من شوّال، وقد استكمل مئة سنة .
قال ابن النَّجار(١): قرأت بخط ابن ناصر: كان ابن نَبْهان قد بلغ ستًّا
وتسعين سنة، وسَمَّعه جَدُّه هلال بن المُحَسِّن من ابن شاذان في سنة ثلاث
وعشرين ولم يكن من أهل الحديث وكان في أول أمره على معاملة الظَّلَمَة،
وكان رافضيًّا، وقد تَغَيّر في سنة إحدى عشرة. قال: والصحيح أنَّ مولده سنة
(١) في التاريخ المجدد، كما في المستفاد منه (٨).
١٧٩

خمس عشرة، وكذلك وجد بخط الحُمَيْدي. وذكر أنه وجده بخط جده ابن
الصَّابیء.
٣٠- محمد بن عليّ بن طالب، أبو الفَضْلِ البَغْداديُّ الخِرَقيُّ،
ويُعرف بابن زَبِبْيًا(١).
حدَّث عن أبي عليّ ابن المُذْهِب، وأبي بكر بن بِشْران، وأبي حفص بن
أبي طالب المكي، وأبي محمد الجَوْهري، وتُوفي في شوَّال.
قال ابن ناصر: كان كثيرَ السَّماع، ولم يكن في دينه مَرْضِيًّا، كان يذهب
إلى أنَّ النُّجوم هي المُدَبِّرة للعالم، لا تجوز الرواية عنه.
قلت: وكان بَزَّازًا، أجاز لابن كُلَيْب. وروى عنه الصَّائن ابن عساكر،
وأبو المُعْمَّر المبارك بن أحمد.
٣١٠- محمد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن مَسْلَمة، أبو عامر
القُرْطبيُّ الأديب.
روى عن أبي الحَجَّاجِ الأعلم، وحاتِم بن محمد الطَّرابُلُسي، وأبي محمد
ابن حَزْم الحافظ. وكان ذا عنايةٍ بالعلم وجَمْعه، وله معرفةٌ باللغة والأخبار
والشِّعْر. تُوفي في صَفَر، وكان مولده في سنة أربع وثلاثين وأربع مئة. دُفن
بإشبيلة(٢).
٣٢- محمد بن مَلِكشاه بن ألب رسلان أبي شُجاع محمد بن داود بن
ميكائيل بن سُلْجوق بن دُقاق، السُّلطان غياثُ الدين أبو شجاع.
لما تُوفي أبوه اقتَسَمَ الأولاد الثَّلاثةُ المملكة وهم؛ غياثُ الدين هذا،
وبَركياروق، وسَنْجَر، وذلك في سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة، فلم يكن
للأخوين مع بَرْكياروق أمر، بل كانا كالأتباع له. ثم قَدِما بَغْداد والتمسا من
المُسْتَظهر بالله أن يَجْلس لهما، فجلسَ لهما، وحَضَر الأعيان ووقفَ سيفُ
الدولة صدَقة بن مَزيد صاحب الحِلَّة عن يمين الشُّدَّة، وعلى كتف أمير
المؤمنين البُرْدة النَّبوية وعلى رأسِه العِمَامة وبين يديه القَضِيب، فأُفيضَ على
محمد سَبْعْ خِلَع وأُلْبِس التَّاجِ والطَّوْق والسِّوار، وعَقد له أميرُ المؤمنين اللواءَ
(١) انظر في ضبطها توضيح ابن ناصر الدين ٣٣٣/٤.
(٢) من صلة ابن بشكوال (١٢٥٩).
١٨٠