النص المفهرس

صفحات 1-20

تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام
لَِخُ الإِسْلَام ◌َتَّخِ الّذِينَ أَبِ عَبْدِ الله مَنْأَ عْمَدِ بْعُثَارِ الذّهَبيّ
المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ
المجدّد الحَادِى عَشر
٥٠١ - ٥٥٠ هـ
حَقّقه، وَضَبَطَ نَّهِ، وَعَلَّقَعَلَّه
الدكتور بشار عواد معروف
دَار الغَرَب الإسلامي

1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص . ب. 5787-113 بيروت
جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في
نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل
إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو
الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام
يُؤَخِ الإِسْلَم ◌َمِ الّذِينِ أَبِ عَبْدِ الله ◌َبِ أَخْفَ بْ عُثَانِ الذّهَ
المتوفى ٧٤٨م - ١٣٧٤هـ
المَجَلّد الحَادِى عَشر
٥٠١ -٥٥٠ هـ

الطبقة الحادية والخمسون
٥٠١ - ٥١٠ هـ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْيِ
(الحوادث)(١)
حوادث سنة إحدى وخمس مئة
كان سيف الدَّولة صَدَقة قد صارَ ملِك العرب في زمانه، وبَنَى الحِلَّةَ
ومَصَّرَها، وقبل ذلك كان صاحب عمود وبيوت شَعَر، فعظُم شأنُه، وارتفعَ
قَدْره، وصار ملجأً لمن يستجيرُ به. وكان مُعِينًا للسُّلطان محمد على أخيه في
حُرُوبه، وناصرًا له، فزاد إقطاعه مدينةَ واسط، وأذن له في أخذ البَصْرة. ثم
أفسدَ ما بينهما العميدُ أبو جعفر محمد بن الحَسَن البَلْخي مع ما كان يَفْعله
صَدَقة من إجارة من يلتجىء إليه من أعداء السُّلطان محمد. وشَغبَ العميدُ
السُّلطان عليه، ثم زاد عليه بأن صَبَغَهُ بأنه من الباطنيَّة، ولم يكن كذلك؛ بل
كان شيعيًّا. وسخط السُّلطان على أبي دُلَفَ سَرْخاب صاحب سَاوة، فهربَ
منه، فأجارَهُ صَدَقة، فطلبه السُّلطان منه، فامتنع، إلى أمور أُخَر. فتوجَّه
السُّلطان إلى العراق. فاستشار صَدَقة أصحابه، فأشار عليه ابنه دُبَيْس بأن ينفّذه
إلى السُّلطان بتقادُم وتُحَف وخَيْل، وأشارَ سعيد بن حُمَيْد صاحب جيش صَدَقة
بالحرب، فأصغى إليه، وجمعَ العَسَاكر، وبذلَ الأموال، فاجتمع له عشرون
ألف فارس، وثلاثون ألف راجل. فأرسل إليه المستظهر بالله ينهاه عن
الخُرُوجِ، ويَعِده بأن يُصْلح أمرَهُ. وأرسل السُّلطان يطمئنه ويُطَيِّب قَلْبه، ويأمره
بالتجهيز معه لقصد غزو الفرنج، فأجاب بأنَّ السُّلطان قد ملؤوا قلبه عليَّ وقال
صاحب جيشه: لم يبق لنا في صُلْحِ السُّلطان مَطْمَع .
ودخل السُّلطان بغداد في ربيع الآخر جريدةً لا يبلغ عسكره ألفَيْ فارس،
فلمّا تيقن ببغداد منابذة صَدَقة له بعث شِحْنة بغداد سُنْقُر البُرْسُقي في عَسْكِرٍ،
فنزل على صَرْصَر، وبعثَ بريدًا يستحث عساكره فأسرعوا إليه. ثم نَشَبت
(١) وقع إلينا هذا المجلد بجميع حوادثه ووفياته إلى أثناء سنة ست وأربعين وخمس مئة بخط
المؤلف .
٧

الحرب بين الفريقين شيئًا فشيئًا، وتراسلوا في الصُّلح غير مرة، فلم يَتَّفق،
وجرت لهم أمور طويلة. ثم التقى صَدَقة والسُّلطان في تاسع عشر رَجَب،
فكانت الأتراك ترمي الرَّشْقَة عشرة آلاف سَهْم، فتقع في خيل العرب وأبدانهم.
وبقي أصحاب صَدَقة كُلَّما حملوا منعهم نهرٌ بين الفريقين من الوصول، ومَن
عَبر إليهم لم يرجع. وتقاعدت عُبادة وخَفَاجة شفقةً على خيلها. وبقي صَدَقة
يصيح: يا آل خُزَيْمة، يا آل ناشرة، ووعد الأكراد بكلِّ جميل لما رأى من
شجاعتهم. وكان راكبًا على فرسه المَهْلوب، ولم يكن لأحدٍ مثله، فجُرح
الفَرَس ثلاث جراحات. وكان له فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر، فلما رأى
التُّرْك قد غشوا صَدَقة هرب عليه، فناداه صَدَقة، فلم يرد عليه. وَحَمل صَدَقة
على الأتراك وضَرَبَ غلامًا منهم في وجهه بالسَّيْف، وجعل يفتخر ويقول: أنا
ملك العَرَب، أنا صَدَقة. فجاءه سهْمٌ في ظهره، وأدركه بزغش مملوك أشل،
فجذبه عن فَرَسه فوقع فقال: يا غلام أرفق، فضربه بالسَّيف؛ قَتَلَه، وحمل
رأسه إلى السُّلطان، وقُتل من أصحابه أكثر من ثلاثة آلاف فارس، وأُسِر ابنه
دُبَيْس، وصاحب جيشه سعید بن حُمَیْد.
وكان صَدَقة كثير المحاسن في الجملة، محبًَّا إلى الرَّعية، لم يتزوَّج
على امرأته، ولا تَسَرَّى عليها. وكان عنده أُلُوف مُجَلَّدات من الكُتُب النفيسة .
وكان متواضعًا محتملاً، كثير العطاء.
وأما طرابُلُس، فلمَّا طال حصارها، وقلَّت أقواتُها، وعظُمت بليتُها ولا
قوة إلا بالله، مَنَّ الله عليهم سنة خمس مئة بميرة جاءتهم في البحر، فتقوَّوْا
شيئًا، واستنابَ فخرُ المُلْك أبو عليّ بن عَمَّار على البَلَد ابن عَمِّه، وسَلَّف
المقاتلة رِزْق ستة أشهر. وسارَ منها إلى دمشق ليمضي إلى بغداد فأظهر ابنُ
عَمِّه العصيانَ، ونادَى بشعار المِصْريين، فبعثَ فخرُ المُلْك إلى أصحابه،
يأمرهم بالقَبْض عليه، ففعلوا به ذلك، واستصحبَ فخرُ المُلْك معه تُحَفًا
ونفائس وجواهر وخَيْلاً عربية، فاحترمه أميرُ دمشق وأكرَمَهُ، ثم سار إلى
بغداد، فدخلها في رمضان قاصدًا باب السُّلطان، مستنفرًا على الفِرَنج، فبالغ
السُّلطان محمد في احترامه، وكان يوم دخوله مشهودًا. ورتَب له الخليفة
الرَّواتب العَظِيمة. ثم قَدَّم للسُّلطان التَّقَادم، وحادثه السُّلطان في أمر قتال
الفِرَنج، فطلب النَّجْدة، وضمن الإقامة بكفاية العساكر، فأجابه السلطان .
٨

وقَدَّم للخليفة أيضًا، وحضر دار الخِلافة وخُلِعَ عليه. وجَرَّدَ السُّلطان معه
عسكرًا لم يُغْنِ شيئًا. ثم وصل إلى دمشق في المحرّم سنة اثنتين، وتوجه بعسكر
دمشق إلى جَبَلَة، فدخلها وأطاعه أهلها .
وأمَّا أهلُ طربلُس فراسلوا المصريين يلتمسون واليًا وميرَة في البَحْر،
فجاءهم شرفُ الدَّولة ومعه الميرة الكثيرة، فلمّا دخلها قبضَ على جماعة من
أقارب ابن عَمَّار، وأخذ نعمتهم وذَخائرهم، وحملَ الجميع إلى مصر في
البَحْر .
وفي شعبان أطلق السُّلطان الضَّرائب والمُكُوس ببغداد، وكثُرِ الدُّعاء له،
وشرط على وزير الخليفة العَدْل وحُسْنِ السِّيرة، وأن لا يستعمل أهل الذِّمَّة،
وعادَ إلى أصبهان بعد إقامة نحو السِّتَّة أشهر، فأحسنَ فيها ما شاءَ. وِكَسَا في
يوم أربع مئة فقير. ومضى يومًا إلى مشهد أبي حَنِيفة، فانفردَ وغلَّق عليه
الأبواب يُصَلِّي ويتعبَّد، وكَفَّ غلمانه عن ظُلْم الزَّعِيَّة، وبالغَ في ذلك.
وفيها حاصر بَغْدوين ملك الفِرَنجِ صُور، وبَنَى تلقاءها حِصْنًا، وضيّق
عليهم، فبذل له متوليها سبعة آلاف دينار، فترخَّل عنها. ونازل صَيْدا ونَصَبَ
عليها البُرجِ الخَشَب، وقاتَلَها في المراكب. وجاء أصطول ديار مصر ليكشف
عنها، فقاتلهم أصطول الفِرَنج، وظهر المسلمون، وبلغَ الفِرَنجِ مسيرُ عَسْكر
دمشق نجدةً لأهل صَيْدا، فتركوها ورحلوا.
وأغار أمير دمشق طُغتكين على طبرية، فخرج ملكها جرفاس - لعنه الله -
فالتقوا، فقُتِل خَلْق من عسكره وأُسِر هو، وفرح المسلمون.
سنة اثنتين وخمس مئة
كان السُّلطان قد بعث الأمير مودودًا إلى المَوْصل فحاصرها مدة،
وانتزعها من يد جاولي سَقاوو. وكان جاولي قد سار في سنة خمس مئة في
المحرَّم منها، قد بعثه السُّلطان محمد إلى المَوْصل والأعمال التي بيد
جكرمِش، وكان جَاولي سَقاوو قبل هذا قد استولى على البلاد التي بين
◌ُوزستان وفارس، فأقام بها سنتين، وعَمَّر ◌ِلاَعها، وظلمَ وعَسَف، وقطعَ
وشَنَقَ، ثم خافَ جاولي من السُّلطان، فبعثَ إليه السُّلطان الأمير مودودًا،
فتحصَّن جاولي، وحصره مودود ثمانية أشهر، ثم نزلَ بالأمان ووصلَ إلى
٩

السُّلطان فأكرمه، وأمرَهُ بالمسير لغزو الفِرَنج، وأقطعه المَوْصل ونواحيها .
وكان جكرمش لما عادَ من عند السُّلطان قد التزمَ بحمل المال وبالخِدْمة،
فلما حَصَل ببلاده لم يفِ بما قال، فسارَ جاولي إلى بغداد ثم إلى المَوْصل،
ونهبَ في طريقه البَوَازيج بعد أن آمن أهلها، ثم قَصَدَ إِربل، فَتَجمَّع جكر مش
في ألْفَين، وكان جاولي في ألفٍ، فحمل جاولي على قَلْب جكرمش فانهزم من
فيه، وبقي جكرمش وحده لا يقدر على الهزيمة، لفالج به فأسروه. ونازل
جاولي المَوْصل يحاصرها وبها زَنْكي بن جكرمش، ومات جكرمش في أيام
الحصار عن نحو ستين سنة .
وأرسل غِلْمان جكرمش إلى الأمير صَدَقة بن مَزْيَدٍ وإلى قَسِيم الدَّولة
البُرْسُقي وإلى صاحب الرُّومِ قِلِج أرسلان بن سُليمان بن قُتُلْمش يستدعون كُلّ
منهم ليكشف عنهم، ويُسَلَّمون إليه المَوْصل، فبادر قلِج أرسلان، وخاف
جاولي فترخَّل. وأما البُرْسُقي شِخنة بغداد فسار فنزل تجاه المَوْصل بعد رحيل
جاولي بيوم، فما نزلوا إليه، فَغَضِبَ ورجع، وتمِلَّكَها قِلِج أرسلان، وحَلَفوا له
في رَجَب، وأسقط خطبة السُّلطان محمد، وتألَّف الناسَ بالعَدْل، وقال: مَن
سعی إليَّ في أحدٍ قتلتُه.
وأما جاولي فنازل الرَّحْبة يحاصرها، ثم افتتحها بمخامرة وأنهبها إلى
الظُهْر، وسار في خدمته صاحبها محمد بن سَبَّاق الشَّيْباني.
ثم سار قِلج أرسلان ليحارب جاولي، فالتقوا في ذي القَعْدة فحمل قِلج
أرسلان بنفسه، وضرب يد صاحب العَلَم فأبانها، ووصل إلى جاولي فضربه
بالسَّيف، فقطعَ الكُزَاغَنْد فقط. وحمل أصحاب جاولي على الآخرين
فهزموهم، فعلم قلج أرسلان أنه مأسور، فألقى نفسه في الخابور، وحمى نفسه
من أصحاب جاولي، فدخل به فَرَسُه في ماءٍ عميق، فغرق، وظهر بعد أيام،
فُفِن ببعض قُری الخابور.
وساقَ جاولي إلى المَوْصل، ففتح أهلها له وتَملَّكها، وكثُر رجاله
وأمواله، ولم يحمل شيئًا من الأموال إلى السُّلطان. فلما قَدِمَ السُّلطان بغداد
لحرب صَدَقة طلب جاولي فلم يحضر وراوغ فلما فرغ من أمر صَدَقة جَهَّز
عَسْكرًا لحرب جاولي، وتَحَصَّن هو بالمَوْصل وعَسفَ وظلم، وأهلك الرعية .
١٠

ونازل العَسْكر المَوْصل في رمضان سنة إحدى وخمس مئة وافتتحوه بمعاملة
من بعض أهله، ودخله الأمير مودود، وآمنَ النَّاسَ، وعَصَت زوجة جاولي
بالقَلْعة ثمانية أيام، ثم نزلت بأموالها .
وأما جاولي فإنه كان في عسكره بنواحي نَصِيبين. وجَرَت له أمور
طويلة، وأخذ بالِس وغيرها، وفتك ونهب المسلمين. ثم فارقه الأمير زنكي بن
آقسُنْقُر، وبكتاش النَّهاونْدي، وبقي في ألف فارس، فخرج لحربه صاحب
أنطاكية تنكري في ألف وخمس مئة من الفرنج، وست مئة من عسكر حلب،
فانهزم جاولي لما رأى تَقَلل عسكره، وسار نحو الرَّحْبة، وقُتِل خلْقٌ من
الفريقين. ثم سار جاولي إلى باب السُّلطان، وهو بقرب أصبهان، فدخل وكَفَنُه
تحت إبْطه، فعفا عنه. وكان السُّلطان محمد كثيرَ الحِلْم والصَّفْح.
وفيها سار طُغْتِكين مُتَولِّي دمشق غازيًا إلى طَبَرية، فالتقى هو وابن أخت
صاحب القُدْس بَغْدوين. وكان المسلمون ألفي فارس سوى الرَّجالة، وكانت
الفرنج أربع مئة فارس وألفَيْ راجل. فاشتد القِتَال، وانهزمَ المُسلمون فترجَّل
طُغتِكين، فتشجَّع العَسْكر وتراجعوا، وأسروا ابن أخت بَغْدوين، ورجعوا
منصورين، وبذلَ في نفسه ثلاثين ألف دينار، وإطلاق خمس مئة أسير فلم يقنع
منه ◌ُغتِكين بغير الإسلام، ثم ذبحه بيده، وبعثَ بالأسرى إلى بغداد.
ثم تهادن ◌ُغتِكين وبَغْدوين على وَضْعِ الحَرْب أربع سنين. ثم سار
طُغتِكين ليتسلم حصن عِرقة، أطلقه له ابن عَمَّار لعَجْزه عن حِفْظه، فقصده
السَّرْدانيُّ بالفِرَنج، فتقهقر عسكر طُغتِكين ووصلوا إلى حمص كالمنهزمين،
وأخذ السَّرْداني عِرْقة بالأمان من غير كُلْفة.
وفيها عزل وزير الخليفة هبة الله بن المطلِب بأبي القاسم عليّ بن أبي نصر
ابن جھیر .
وفيها تزوَّج المستظهر بالله بأخت السُّلطان محمد على مئة ألف دينار،
وعقدَ العَقْد القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد النَّيْسابوريُّ الحَنَفيُّ، وقبل العقد
الوزير ابن نظام المُلْك، وذلك بأصبهان.
وفيها ولي شِحنکیة بغداد مُجاهد الدِّين بهروز.
وفيها قتلت الباطنية قاضي أصبهان عُبَيْدالله بن عليّ الخَطِيبي بهَمَذان،
١١

وكان يُحَرِّض عليهم، وصارَ يلبس دِرْعًا تحت ثيابه حَذَرًا منهم، قَتَلهُ أعجمي
يوم الجُمُعة في صَفَر.
وقتلوا يوم الفِطْر أبا العلاء صاعد بن محمد قاضي نَيْسابور وقُتِل قاتله،
واستشهد کھلاً.
وفيها تجمع قَفْلٌ كبير، وسار من دمشق طالبين مصر، فأخذتهم الفِرَنج.
وفيها ثار جماعة من الباطنية لعنهم الله في شَيْزَر على حين غَفْلةٍ من
أهلها، فملكوها وأغلقوا الباب، وملكوا القَلْعة، وكان أصحابها أولاد مُنْقذ قد
نزلوا يَتَفرَّجون على عيد النَّصارى، فبادر أهل شَيْزَر إلى الباشورة، فأصعدهم
النِّساء في حبالٍ من طاقات، ثم صعِد أمراء الحِصْن، واقتتلوا بالسَّكاكين،
فخُذِل الباطنية في الوَقْت، وأَخَذَتْهُم السُّيوف، وكانوا مئة فلم ينْجُ منهم أحد.
وفيها قتلت الباطنية شيخ الشافعية أبا المحاسن عبدالواحد الرُّوياني.
وفيها على ما ذكر أبو يَعْلَى حمزة(١) أُخِذَت طرابُلُس.
سنة ثلاث وخمس مئة
قال ابن الأثير(٢): في حادي عشر ذي الحجة تملَّكَ الفِرَنج طرابُلُس،
وكانت قد صارت في حُكم صاحب مِصْر من سنتين، وبها نائبه، والمدَدُ يأتي
إليها، فلمّا كان في شعبان وصلَ أصطول كبيرٌ من الفِرَنج في البحر، عليهم
رِيْمُند بن صَنْجِيل، ومراكبه مشحونة بالرِّجال والمِيرة، فنزل على طرابُلُس مع
السَّرْداني ابن أَخت صَنْجيل الذي قام بعد موت صَنْجيل، وهو مُنازلٌ لها، فوقع
بينهما خُلْفٌ وقتال، فجاء تَنْكري صاحب أنطاكية نجدةً للسَّرْداني، وجاء
بَغْدوين صاحب القدس، فأصلح بينهم، ونزلوا جميعهم على طرابُلُس، وجدُوا
في الحِصَار في أول رَمَضان، وعملوا أبراجًا وألصقوها بالسُّور، فخارت قوى
أهلها وذلوا، وزادهم ضعفًا تأخر الأصطول المصري بالنَّجدة والمِيرة، وزحفت
الفرنج عليها، فأخذوها عَنْوةً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونجا واليها وجماعة
(١) ذيل تاريخ دمشق ١٦٣ .
(٢) الكامل ١٠ / ٤٧٥ - ٤٧٦ .
١٢

من الجُنْد التمسوا الأمان قُبيل فتْحها، فوصلوا إلى دمشق. وسار تنكري إلى
بانياس فأخذها بالأمان .
ونزل بعض الفِرَنج على جُبَيْل وبها فخر المُلْك بن عَمَّار الذي كان
صاحب طرابُلُس، فحاصروها أيامًا، وسُلِّمت بالأمان لقلة الأقوات بها، وقصد
ابن عمار شَيْزَر، فأكرمهُ سلطان بن عليّ بن مُنْقذ الكِنَاني، فاحترمه وسأله أن
يقيم عنده، فسار إلى دمشق فأكرمه طُغْتِكين وأقطعه الزَّبَداني .
وذكر سِبط الجَوْزي أخذ طرابُلُس في سنة اثنتين وخمس مئة، وذكر
الخلاف فيه(١).
وفيها سار وزير السُّلطان محمد، وهو أحمد ابن نظام المُلْك فحاصر
الألَمُوت، وبها الحَسَن بن الصَّبَّاح، ثم رَحَل عنها لشدة البَرْد.
وفي ربيع الآخر قدِم السُّلطان بغدادَ، فأقام بها أشهرًا .
وفي شعبان طَفِرَ باطني على الوزير ابن نظام المُلْك فجرحَهُ، فتعلل أيامًا
وعُوفي، وسُقِي الباطنيُّ خَمْرًا وقُرِّرَ، فأقر على جماعة بمسجد المأمونية،
فأخذوا وقُتِلوا.
وفيها مات إبراهيم بن ينال صاحب آمِد، وكان ظَلُومًا غَشومًا، نزحَ كثيرٌ
من أهل آمِد عنها لجوره، وتملك بعده ابنه.
وفيها عزم محمد بن ملكشاه على غزو الفِرَنْج، وتهيأ ثم عرضت له
عوائق.
وفيها أخذَ تَنْكري صاحب أنطاكية طَرَسُوس وقرَّرَ على شَيْزَر ضريبةً في
السَّنة وهي عشرة آلاف دينار، وتَسَلَّم حِصْنًا للأكراد.
وفي سنة أربع وخمس مئة
نزلَ بَغْدوين وابن صَنْجيل على بَيْروت، وجاءت الفِرَنْجِ الجَنَويَّة في
أربعين مركبًا، وأحاطوا بها، ثم أخذوها بالسَّيْف، ثم نازلوا صَيْدا في ثالث
ربيع الآخر، فأخذوها في نَيٍِّ وأربعين يومًا، وآمنوا أهلها، فتحوَّ خَلْقٌ من
(١) مرآة الزمان ٨/ ٢٧.
١٣

أهلها إلى دمشق، وأقامَ أكثر النَّاس رعية للفِرَنْج، وقُرر عليهم في السنة قطيعة
عشرين ألف دينار.
وكان نائبُ المِصْريين بعَسْقلان شمسُ الخلافة، فراسل بَغْدوين صاحب
القدس وهادَنهُ وهادَاهُ، وخرجَ عن طاعة صاحب مِصْر، فتحيلوا على القَبْض
عليه فعجزوا. ثم إنه أخرج الذين عنده من عَسْكر مصر خَوْفًا منهم، وأحضرَ
جماعة من الأرمن واستخدمَهُم، فمقته أهلُ عَسْقلان وقتلوه، ونهبوا دارَهُ، فسُرَّ
بذلك أمير الجيوش الأفضل، وبعث إليها أمیرًا.
وفيها نازل صاحبُ أنطاكية حصن الأثارب، وهو على بريدٍ من حَلَب،
فأخذوه عَنْوة، وقَتلَ ألفَي رجل، وأسرَ الباقين. ثم نازل حِصْن زَرْدَنا، وأخذَهُ
بالسَّيف. وجَفَل أهل مَنْبِج، وأهل بالِسَ، فقصدت الفِرَنج البلدين، فلم يروا
بها أنيسًا .
وعظُم بلاء المسلمين، وبلغت القُلُوب الحَنَاجر، وأيقنوا باستيلاء الفرنج
على سائر الشَّام، وطلبوا الهُدْنة، فامتنعت الفِرَنج إلا على قطيعة يأخذونها .
فصالحهم الملك رضوان الشُّلْجوقي صاحب حَلَب على اثنين وثلاثين ألف
دينار، وغيرها من الخيل والثّاب، وصالحهم أمير صُور على شيءٍ، وكذا
صاحب شَيْزَر، وكذا صاحب حَمَاة عليّ الكُرْدي، صالحهم هذا على ألفي
دينار، وكانت حماة صغيرة جدًّا.
وسار طائفة من الشَّام إلى بَغْداد يستنفرون النَّاسَ، واجتمع عليهم خَلْقٌ
من الفُقهاء والمطَّوِّعة، واستغاثوا وكَسروا منبر جامع السُّلطان، فوعدهم
السُّلطان بالجهاد. ثم كثُرُوا وفعلوا أبلغ من ذلك بكثير في جامع القَصْر، وكثُر
الضَّحِيج، وبُطِّلت الجُمُعة، فأخذَ السُّلطان في أُهبة الجهاد.
وفيها عُزِل وزير السُّلطان محمد نظام الملك أحمد بن نظام المُلْك ووزَر
الخطير محمد بن حُسين المَيبُذي .
وفي رمضان دخلَ الخليفةُ ببنت السُّلطان مَلِكشاه، وزُينت بغداد وعُملت
القِباب، وكان وَقْتًا مشهودًا .
وفيها هَبَّت بمصرَ ريحٌ سوداء مُظْلمة أخذت بالأنفاس، حتى لا يبصر
الرجل يدَهُ، ونزلَ على النَّاسِ رملٌ، وأيقنوا بالهَلاك، ثم تَجَلَّى قليلاً وعاد إلى
١٤

الصُّفْرة. وكان ذلك من العَصْر إلى بعد المغرب.
وفيها غَدَر بَغْدوين ونازل طبرية، وبرَّز طُغتِكين إلى رأس الماء، ثم
وقعت هُدْنة فيها حَيْفٌ على المسلمين وإذلال، ولم ينجدهم لا جَيْش الشَّرْق
ولا جيش مصر، واستنصرت الفِرَنج بالشام.
سنة خمس وخمس مئة
وفيها سارت عساكر العراق والجزيرة لقتال الفِرَنج، فحاصروا الرُّها،
ولم يقدروا عليها، واجتمعت جُموع الفِرَنج، فلم تكن وقعة. ثم سار
المُسلمون وقطعوا الفُرات إلى الشَّام ونازلوا تل باشِر خمسةً وأربعين يومًا،
ورحلوا فجاءوا إلى حَلَب، فأغلق في وجوههم صاحبها رضوان بابها، ومات
مُقَدَّمهم سُقْمان القُطْبي، واختلفوا ورجعوا، وما فعلوا شيئًا، إلا أنهم طَمَّعوا
في المُسلمين عساكرَ الفِرَنج. فتجمعت الملاعين، وساروا مع بَغْدوين
فحاصروا صُور.
١
قال ابن الأثير(١): عَمِلوا عليها ثلاثة أبراج خَشَب، عُلو البُرْج سبعون
ذراعًا، وفيه ألف رجل، فألصقوها بالشُّور. وكان نائب المِصْريين بها عز
المُلْك، فأخذَ المُسلمون حزَم حطب كثيرة، وكشفت الحُماة بين أيديهم إلى أن
وصلوا إلى البُرْج، فألقوا الحَطَب حوله، وأوقدوا فيه النّار، وأشغلوا الفِرَنج
عن النُّزول من البُرْج بالتُّشاب، وطَرَشُوهم بجِرار ملأى عَذِرة في وجوههم،
فَخْبَّلوهم، وتمكَّنت النَّار، فهلك من في البرج إلا القليل. ثم رموا البُرْجين
الآخرين بالنِّقْط فاحترقا. وطلبوا النَّجْدة من صاحب دمشق، فسار إلى ناحية
بانياس، واشتدَّ الحِصَار.
قلت: وجَرَت فصول طويلة. وكان تلك الأيام يُغير طُغتِكين على الفِرَنج
وينالُ منهم؛ وأخذَ لهم حِصْنًا في السَّواد، وقتل أهله، وما أمكنه مناجزة
الفِرَنج لكثرتهم. ثم جمعَ وسارَ إلى صُور، فخندقوا على نفوسهم ولم يخرجوا
إليه، فسار إلى صَيْدا وأغارَ على ضياعها، وأحرِقَ نحو عشرين مركبًا على
السَّاحل. وبقي الحِصَار على صُور مدةً، وقاتلَ أهلُها قتال من آيس من الحياة،
قدام القتال إلى المُغل، فخافت الفِرَنج أن يستولي طُغتِكين على غَلات
(١) الكامل ٤٨٨/١٠.
١٥

بلادهم، وبَذَل لهم أهل صور مالاً ورحلوا عنهم.
وفيها كانت مَلْحمة كبيرة بالأندلس بين عليّ بن يوسف بن تاشفين وبين
الأَذْفُونش لعنَهُ الله، نُصِر فيها المُسْلمون، وقتلوا وأسروا وغَنِموا ما لا يعبّر
عنه. فخافَ الفِرَنج منها، وامتنعوا من قَصْد بلاد ابن تاشفين، وذَل الأذفُونش
حينئذٍ وخافَ فإنها وقعةٌ عظيمة أبادت شُجْعان الفِرَنْج. وانصرف ابن الأَذْفُونش
جريحًا، فهلكَ في الطريق، وكان أبوه قد شاخَ وارتعشَ.
سنة ست وخمس مئة
فيها ماتَ الملك بَسيل الأَرْمنيُّ صاحب الدُّروب، فسارٍ تَنْكري صاحب
أنطاكية الفِرَنجي ليملكها فمرض، فعادَ ومات بعد أيام. وتَمَلَّك أنطاكية بعده
سرجال ابن أخيه .
وفيها مات قَرَاجا صاحب حِمْص، وقامَ بعده ولده خَيْرِخان وكلاهما
ظالم .
وفي أواخر السنة، خاضَ الفُراتَ صاحبُ المَوْصل مودود بن ألتُون
تِكين، وصاحب سنجار تُميرك، والأمير إياز بن إيلغازي بنِيَّة الجِهاد، فتلقاهم
صاحب دمشق طُغتِكين إلى سَلَمية، وكان كثير المَوَدة لمودود. وكانت الفِرَنْج
قد تابعت الغارات على حَوْران، وغلت الأسعار بدمشق، فاستنجدَ طُغْتِكين
بصديقه مودود، فبادرَ إليه، فاتفقَ على قَصْد بَغْدوين صاحب القُدْس، فساروا
حتى نزلوا على الأردن، ونزل بغَدْوين على الصَّنْبَرة وبينهما الشَّريعَة.
سنة سبع وخمس ومئة
في ثالث عشر المحرَّم التقى عَسْكر دمشق والجزيرة وعَسْكر الفِرَنج بقرب
طبرية، وصَبَرَ الفريقان، واشتدَّ الحَرْب، وكانت وقعة مشهودة، ثم انكسرت
الفِرَنج ووضعَ المُسلمون فيهم السَّيف، وأسروا خَلْقًا، وأُسِر ملكهم بَغْدوين،
لكن لم يُعرف، فأخذَ الذي أسرَه سلاحه وأطلَقَهُ، فنجا جريحًا، ثم مات بعد
أشْهُر، وغرقَ منهم في الشَّريعة طائفة، وحاز المسلمون الغنيمة. ثم جاء عسكر
أنطاكية وعَسْكر طرابُلُس، فقويت نفوس المُنْهَزمين وعاودوا الحرب، فثبت
لهم المُسلمون فانحاز الملاعين إلى جَبَل، ورابط المسلمون بإزائهم يرمونهم
١٦

بالُّشاب، فأقاموا كذلك ستةً وعشرين يومًا، وهذا شيء لم يُسمع بمثله قط،
وعَدِموا الأقوات.
ثم سار المسلمون إلى بَيْسان، فنهبوا بلاد الفِرَنْج وضياعهم من القدس
إلى عكا، ورجعوا فنزلوا بمرج الصُّفَّر، وسافرت عَسَاكر المَوْصل. ودخل
مودود في خَوَاصِّه دمشق، وأقامَ عند صاحبه طُغتِكين، وأمر عساكره بالمجيء
في الربيع ونزل هو وطُغتِكين يوم الجمعة في ربيع الأول للصَّلاة، ومشى ويده
في يد طَغتِكين في صَحْن الجامع، فوثب على مودود باطنيٌّ جرحه في مواضع،
وقُتِل الباطني وأُحرِقَ.
قال أبو يَعْلَى حمزة(١): ولما قُضِيَت الجمعة تَنَفَّل بعدها مودود، وعاد
هو والأتابك وحولهما من الأتراك والدَّيلم والأحداث بأنواع السِّلاح من
الصَّوارم والصَّمْصامات والخَنَاجر المجرّدة ما شاكل الأَجَمَة المُشْتبكة، فلما
حصلا في صَحْن الجامع وثب رجلٌ لا يُؤبه له، فقرب من مودود كأنه يدعو له
ويَتَصَدَّق عليه، فقبضَ بيَنْد قِبائه، وضَرَبه بخنجر أسفل سُرَّته ضربتين، هذا
والسُّيوف تنزل عليه. ومات مودود ليومه صائمًا، وكان فيه عدْل وخَيْرِ.
فقيل: إن الإسماعيلية قتلته.
وقيل: بل خافه طُغتِكين، فجهز عليه الباطني، وذلك بعيد.
قال ابن الأثير(٢): حدَّثني والدي - رحمه الله - أنَّ ملِك الفِرَنْج كتب إلى
◌ُغْتِكِين كتابًا فيه: وإن أمةً قَتَلت عميدَها، يوم عيدها، في بيت معبودها،
لَحقیق على الله أن يُبيدها .
ودُفن مودود في تربة دُقَاق بخانكاه الطَّوَاويس، ثم حُمِل بعد ذلك إلى
بغداد، فدُفن في جوار الإمام أبي حنيفة، ثم نُقل إلى أصبهان . وتسلَّم صاحب
سِنْجار حواصله وحَمَلها إلى السُّلطان محمد، فأقطعَ السُّلطانِ المَوْصل
والجزيرة لاَفْسُنْقُر البُرْسُقي، وأمره أن يتوافق هو والأمير عماد الدِّين زَنْكي ابن
آقسُنْقُر، يتَشاورا في المَصْلحة لنهضته وشهامته .
(١) ذيل تاريخ دمشق ١٨٧ .
(٢) الكامل ١٠ / ٤٩٧.
تاريخ الإسلام ٢٣/١١
١٧

وكان بطبرية مُصْحف، قال أبو يَعْلَى القلانسي(١): كان قد أرسله عثمان
رضي الله عنه إلى طبرية، فحمله أتابك طُغتِكين منها إلى جامع دمشق.
وفيها مات الوزير أبو القاسم عليّ بن جَهِير، ووَلِيَ وزارةَ الخليفة بعده
ربيب الدِّين أبو منصور الحُسين بن الوزير أبي شُجاع.
وفيها تُوفي الملك رضوان صاحب حَلَب، وولي بعده ولده ألْب أرسلان
الأخرس فقتل أخوين له: مباركًا وملكشاه، وقتل رأس الباطنية أبا طاهر الصَّائغ
في جماعةٍ من أعيانهم، فنزحوا عن حَلَب، وكان لهم بها مَنْعة وشوكة قوية.
وكان رضوان قد عمل لهم دار دعوةٍ بحلب لقلَّة دينه، وكان ظالمًا فاتكًا
يُقَرِّب الباطنية، ويستعينُ بهم، وقتلَ أخويه بهرام وأبا طالب، وكان غير محمود
السيرة .
وفيها، ذكر سبط الجوزي ثورة الباطنية بشَيْزر(٢)، وقد مر لنا ذلك قبل
هذه السنة .
وفيها هادن بغدوين أهل صُور، وأَتَتْهم النَّجْدة والإقامات من مصر في
البحر .
سنة ثمان وخمس مئة
في أوائلها قَدِمَ اقْسُنْقُر البُرْسُقي على مملكة المَوْصل، وسَيَّر معه
السُّلطان محمد ولدَه مَسْعودًا في جَيْشٍ كبير لحرب الفِرَنْجِ. فنازل البُرْسُقيُّ
الرُّها في خمسة عشر ألف راكب، فحاصرها شهرين، ثم رحل لقلة المِيرة،
وعاد إلى شنجتان(٣)، فقبض على إياز بن إيلغازي، ونهبَ أعمال ماردِين. ثم
تسلَّم حصن مَرْعَش من الفرنج صُلْحًا.
وأما صاحب ماردين فَغَضِبَ لخراب بلاده ولأسْر ولده، فنزلَ وحَشَد،
ونزل معه ابنُ أخيه صاحب حِصْن كيفا رُكْن الدَّولة داود بن سُقْمان، فالتقى هو
(١) ذيل تاريخ دمشق ١٨٧ .
(٢) مرآة الزمان ٤٥/٨ .
(٣) هكذا بخط المصنف، وفي المطبوع من كامل ابن الأثير ٥٠٢/١٠: ((شحنان))، ولم أقف
عليها .
١٨

والبُرْسُقي في أواخر السَّنة، فانهزمَ البُرْسُقي وخلص إياز، ولكن خافَ إيلغازي
من السُّلطان، فسارَ إلى دمشق، وكان صاحبُها خائفًا من السُّلطان أيضًا لأنه
نَسَبَ قَتْل مودود صاحب المَوْصل إليه، فاتَّفقا على الامتناع والاعتضاد
بالفِرَنج، فأجابهما إلى المعاونة صاحبُ أنطاكية وجاء، فاجتمعوا به على بُحَيْرة
حِمْص، وتحالفوا وافترقوا.
وسار إيلغازي إلى ديار بكر، فنزل بالرَّسْتَن ليستريح، وشرب فَسكرَ،
فتبعه صاحبُ حِمْص، فأسرَهُ ودخل به حِمْص، ثم طلب أن يصاهره ويُطْلقه،
ويأخذ ولده إياز رَهِينة، فأطلقَهُ خوفًا من طُغْتِكين.
وفيها مات سلطان الهند وغزنة علاء الدولة مسعود، وجرت بعده أمور
سُقْتُها في ترجمته.
وفيها جاءت زلْزلة مهولة بالجزيرة والشام، هلكَ خَلْق كثير تحت الهَدْم.
وفيها مات الشَّريف النَّسِيب بدمشق.
وفيها قُتِل صاحب حَلَب تاج الدَّولة ألْب أرسلان ابن الملك رضوان بن
تُتُش، قَتَله غِلْمانه. وكان المُسْتولي عليه الخادم لؤلؤ. ومَلِّكوا بعدَهُ سُلطان
شاه أخاه بإشارة الخادم.
وفيها هلك بَغْدوين الفِرَنجي صاحب القُدْس من جراحةٍ أصابته في
مَصَاف طبريَّة .
وفيها مات الأمير أحمديل صاحب مَرَاغة، وكان شُجاعًا جوادًا، أقطاعه
تغل في العام أربع مئة ألف دينار، وعَسْكره خمسة آلاف فارس، وثب عليه
ثلاثة من الباطنية، فقتلوه. وقيل: بل قُتل بعد ذلك بقليل، وكذا بغدوين تأخر
موته فيُحَرَّر ذلك.
سنة تسع وخمس مئة
لَمَّا بلغَ الشُّلطانِ عِصْيان صاحب ماردين وصاحب دِمَشق غَضِبَ، وبعث
الجُيوش لحربهما، فساروا وعليهم بُرْسُق صاحب هَمَذان في رَمَضان من السَّنة
الماضية، وعَدَّوا الفُراتَ في آخر العام، فأخذوا حَمَاة عَنْوةً ونهبوها، وهي
لطُغْتِكِين، فاستعان بالفِرَنج فأعانوه.
١٩

وسار عسكر السُّلطان وهم خلْقٌ كثير، فأخذوا كَفْرَطاب من الفِرَنْج
واستباحوها. ثم ساروا إلى المَعَرَّة، فجاء صاحب أنطاكية في خمس مئة فارس
وألفي راجل، فوقعَ على أثقال العَسَاكر، وقد تقَدَّمتهم على العادة، فنهبوها
وقتلوا السُّوقية والغِلْمان، وأقبلت العَسَاكر مُتَفرِّقة، لم يشعروا بشيءٍ، فكان
الفِرَنْج يقتلون كُلَّ من وَصَل. وأقبل بُرْسُق مُقَدَّم العَسَاكر في مئة فارس، فرأى
الحال، فصعِد تلاَّ هناك، والتجأ إليه النَّاسُ وعليهم ذُل وانكسارٌ، فأشارَ على
بُرْسُق أخوه بأننا ننزل ونَنْجُو، فنزلَ بهم على حَمِيَّةٍ ، وساقَ وراءهم الفرنج نحو
فرسخ. ثم رَدُّوا، فَتَمَّموا الغنيمةَ والأسْر، وأحرقوا كثيرًا من النَّاس، واشتد
البَلاء، وتَبَدَّل فرح المُسلمين خَوْفًا وحُزْنًا، لأنَّهم رجوا النَّصر من عساكرِ
السُّلطان، فجاءَ ما لم يكن في الحساب، وعادت العساكر بأسوأ حال، نعوذُ
بالله من الخِذلان. ومات بُرْسُق، وأخوه زنكي بعد سنة ﴿قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن
فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ [الأحزاب].
وجالت الفِرَنْجِ بالشَّام، وأخذوا رَفَنية، فساقَ إليهم طُغتِكين على غرة،
واسترد رَفَنية، وأسرَ وقتل.
ثم رأى المَصْلَحة أن يتلافى أمر السُّلطان، فسارَ بنفسه إلى بغداد بتقادم
وتُحَف للسُّلطان وللخليفة، فرأى من الإكرام والتَّجيل ما لا مَزِيد عليه،
وشُرِّف بالخِلَع. وكتب السلطان له منشورًا بإمرة الشَّام جميعه. وكان السُّلطان
هذه السَّنة قد قَدِمَ بغدادَ واجتمعَ به طُغْتكين في ذي القَعْدة.
قال سِبْط الجوزي(١): وفيها صالح بَغْدوين صاحب القُدْس الأفضل
متولي الدِّيار المِصْرية. وكان بَغْدوين صاحب القدس قد سار إلى السَّبخة
المعروفة به مما يلي العَرِيش، فأخذَ قافلةً عظيمةً جاءت من مصر، فهادَنَهُ
الأفضل، وأمن النَّاسُ قليلاً.
سنة عشر وخمس مئة
الأصح أن أحمديل صاحب مَرَاغة قُتل في أول سنة عشر ببغداد بدار
السُّلطان، وكان جالسًا إلى جانب طُغتِكين صاحب دمشق أتاه رجلٌ يَبْكي وبيده
(١) مرآة الزمان ٨/ ٥٦ .
٢٠