النص المفهرس
صفحات 821-840
ولما خرج أرسلان البَسَاسيري في سنة خمسين وأربع مئة على الخليفة القائم، انحاز الخليفة، فأوى إلى مُهَارش هذا كما تقدَّم، فكان يخدم الخليفة بنفسه تلك السنة، ورد القائم شاكرًا له. وقد مدحه مُهارش بقصيدةٍ، وبعث بها إليه، أولها : لولا الخليفةُ ذو الإفضال والمِنَن نجْلُ الخلائف آل الفَرْضِ والسُّنَنِ ما بِعْتُ قومي وهُمْ خيرُ الأنام ولا أصبحتُ أعرفُ بغدادًا وتعرفُني حاربتُ فيه ذوي القُرْبَى، وبِعْتُ به ما كنتُ أهواهُ من دارٍ ومن سَكَّنِ ما يستحق سِوَاي مثْلَ مَنْزلتي ما دام عَدْلُكَ هذا اليوم يُنْصِفُني تُوفي عن سِنِّ عالية(١). (١) ينظر وفيات الأعيان ٢٦٩/٥. ٨٢١ سنة خمس مئة ٣٥٥- أحمد بن الحُسين بن عليّ بن عَمْرُوية، أبو منصور النَّيْسابوريُّ. سمع أباه، وأبا سعيد النَّصْرُوبي، وعبدالغافر الفارسي، والكَنْجَرُوني. وتُوفي في سادس شعبان وله أربعٌ وثمانون سنة(١). ٣٥٦- أحمد بن عبدالله بن محمد، الشَّيخ أبو منصور بن الذَّبْح الهاشميُّ المُوسَويُّ الکوفيُّ الخطيب. وُلد سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وحدَّث ببغداد عن العَلَوي، وابن فَدُّوية. وعنه أبو الوفاء أحمد بن محمد بن الخُصَيْن، والسِّلَفي. لم أجد وفاته(٢). ٣٥٧- أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد، أبو الفتح الحَدَّاد المقرىء الأصبهانيُّ التَّاجر، ◌ِبْط الحافظ أبي عبدالله بن مَنْدة. كان شيخًا جليلَ القَدْر، ورعًا، خَيِّرًا، كثير الصَّدقات، تفرد بالإجازة من إسماعيل بن يَنال المَحْبوبي الذي يروي عن ابن مَحْبوب ((جامع التِّرْمذي)). وأجاز له أبو سعيد الصَّيْرفي، وعليّ بن محمد الطِّرازي. وسمع أبا سعيد محمد ابن عليّ النَّقَّاش، وعليّ بن عَبْدكُوية، وأحمد بن إبراهيم بن يَزْداد غلام مُحسن، وأبا سَهْل عُمر بن أحمد بن عُمر الفقيه، وأبا بكر محمد بن الحُسين الدَّشْتي، وأبا سعيد الحسن بن محمد بن عبدالله بن حَسْنُوية، وعبد الواحد بن أحمد الباطِرْقاني، وأبا الفَرَج محمد بن عبدالله بن شَهْريار، وطائفة كبيرة. روى عنه أبو طاهر السِّلَفي، وأبو الفتح عبدالله الخِرَقي، وجماعة بأصبهان، وشاكر بن علي الأسواري، وعبدالوهاب الأنماطي، وصَدَقة بن محمد ببغداد. وقد قرأ القراءات على أبي عُمر الخِرَقي، وبمكة على أبي عبدالله الكارَزِيني، وهو آخر أصحابه وفاةً، قرأ عليه السِّلَفي لعاصم إلى ﴿حمّ عَسَقّ﴾. وكان مولده في سنة ثمانٍ وأربع مئة . (١) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (٢٥٧). (٢) تقدم في وفيات سنة ٤٩٨ وذكر هناك أنه توفي في ذي الحجة (الترجمة ٢٩٩). ٨٢٢ وتُوفي في ذي القَعْدة. ٣٥٨- أحمد بن محمد بن مُظَفَّر، الإمام أبو المظفَّر الخَوَافِيُّ الفقيه الشافعيُّ، عالم أهل طُوس مع الغَزَّالي. كان من أنظر أهل زمانِه، وهو رفيقُ الغَزَّالي في الاشتغال على إمام الحَرَمَیْن. وخَوَاف: قرية من أعمال نَیْسابور. وكما رُزُقِ الغَزَّالي السعادةَ في تصانيفه، رُرُق الخَوَافي السَّعادةَ في مناظرته، تُوفي بطُوس(١). وله العبارة الرَّشيقة المهذبة والتضييق في المناظرة على الخصم والإرهاق إلى الانقطاع. تفقه على أبي إبراهيم الضرير ثم انتقل إلى إمام الحرمين أبي المعالي ولزمه وبرع عنده حتى صار من أعيان أصحابه وكان من جملة منادميه بالليل، وكان معجبًا به وبكلامه. ثم دَرَّسَ في حياة أبي المعالي، وولي قضاء طوس ونواحيها، ثم صُرف لا عن تقصيرٍ من جهته . وكان حسن العقيدة، ورع النفس ما عهد منه هنات قط. وقد سمع من أبي صالح المؤذن، وغيره. ٣٥٩- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن زَنْجُوية، الفقيه أبو بكر الزَّنْجانيُّ. وُلد سنة ثلاثٍ وأربع مئة، وتُوفي في عَشْر المئة. سمع ببغداد من أبي عليّ بن شاذان، وغيره. وسمع من القاضي أبي عبدالله الحُسين بن محمد الفَلَّكي، وأبي طالب الدَّسْكَري، وأبي القاسم عبدالله بن عمر الساوي، وعبدالقاهر بن طاهر البغدادي، والحسن بن عليّ بن معروف الزَّنْجاني، وجماعة . قال شِيرُوية: كان فقيهًا متقنًا، رحلتُ إليه مع ابني شَهْردار، وسمعنا منه بزَنْجان . قلت: وروى عنه شعبة بن أبي شكر بأصبهان، والحافظ محمد بن طاهر، وأبو طاهر السِّلَفي. ولا أعلم متى تُوفي، لكنه حدَّث في هذا العام. وكان شيخ ناحيته ومُسْندها ومُفْتيها. تفقَّه بأبي الطَّيِّب الطَّبَري، وسمع (١) ينظر منتخب السياق (٢٦٣). ٨٢٣ ((مُسْنَد الإمام أحمد)) من الفلاكي سنة نيٍِّ وعشرين، بسماعه من القَطِيعي. وسمع ((مُسْند أبي يَعْلَى)) من أبي عليّ المعروفي صاحب ابن المقرىء، وسمع ((غريب أبي عُبيد))، من ابن هارون التَّغْلبي، عن عليّ بن عبدالعزيز، عنه. وقرأ لأبي عَمرو، على ابن الصَّقْر صاحب زيد بن أبي بلال. وكان الرِّحلة إليه، ومَدَار الفُتْيا عليه . ورأيت له ترجمةً بخط الحافظ عبدالغَنِي(١) سمعها من أبي طاهر السّلَفي، فيها بعض ما قدَّمناه، وأنه تلا بحرف أبي عمرو على الحسن بن عليّ ابن الصَّقْر الكاتب، وقرأ كتاب ((المرشد)) على مؤلفه أبي يَعْلَى ابن السَّرَّاج. وتلا عليه بما في ((المُرْشد)) من الرِّوايات. وكتب بنَيْسابور ((تفسير إسماعيل الضَّرير))، عنه. وسمع من أبي عبدالله بن باكُوية الشيرازي. وكانت الرحلة إليه لفضله وعُلُوِّ إسناده، سمعته يقول: أُفْتي من سنة تسع وعشرين. وقيل لي عنه أنه لم يُفْتِ خطأ قط، وأهل بلده يبالغون في الثََّاء عليه، الخواص والعَوَام، ويذكرون ورعه، وقِلة طَمَعِهِ. ٣٦٠- أسعد بن أحمد بن محمد بن حَيَّان، أبو عبدالله النَّسَويُّ الصُّوفيُّ، من خواص أبي القاسم القُشَيْري. سمع عُمر بن مَسْرور، وغيرَه. روى عنه أبو طاهر السِّنْجي، ومات في صَفَر . ٣٦١- جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو محمد البَغْداديُّ السَّرَّاج القارىء. سمع أبا عليّ بن شاذان، وأبا محمد الخَلَّل، وعُبيدالله بن عُمر بن شاهين، ومحمد بن إسماعيل بن عُمر بن سَبَتْك، وأحمد بن عليّ التَّوَّزي، وعليّ بن عمر القَزْويني، وابن غَيْلان، والبَرْمَكي، والتَّنُّوخي، وأبا الفتح عبدالواحد بن شيطا، وغيرهم ببغداد؛ والحافظ أبا نصر عُبيد الله السِّجْزي، وأبا بكر محمد بن إبراهيم الأرْدَسْتاني بمكة، وأبا القاسم الحِنائي، وأبا بكر الخَطِيب بدمشق، وعبدالعزيز بن الحسن الضَّرَّاب، وجماعة بمصر. (١) هو عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ هـ والآتية ترجمته في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ٨٢٤ وخرج له الحافظ أبو بكر الخطيب خمسة أجزاء مَشْهورة مَرْوية . روى عنه ابنه ثعلب، وإسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي، وعبدالوهّاب الأنماطي، ومحمد بن ناصر، ومحمد ابن البَطِّي، وأبو طاهر السِّلَفي، وسَلْمان ابن مسعود الشَّخَام، وأبو الحسن بن الخَل الفقيه، وعبدالحق بن يوسف، وشُهْدَة الكاتبة، وأبو الفضل خَطِيب المَوْصل، وخَلْقٌ كثير. وكتب بخطه الكثير. وصنَّف كتاب ((مَصَارع العُشَّاق))، وكتاب ((حكم الصِّبْيان))، وكتاب ((مَنَاقب السُّودان)). ونظمَ الكثير في الفِقْه، واللُّغة، والمواعظ، وشِعْرُهُ حُلْوٌ سَهْلٌ في سائر فنون الشِّعْر. وكان له اعتناء بالحديث. انتخب السِّلَفي من كُتُبه أجزاءَ عديدة. وحدَّث ببغداد، ودمشق، ومصر . قال شُجاع الذُّهْلي: كان صدوقًا، أَلَّفَ في فنون شَتَّى. وقال أبو عليّ الصَّدَفي: هوشيخٌ فاضل، جميلٌ وسيمٌ، مشهورٌ، يفهم. عنده لغة وقراءات. وكان الغالب عليه الشِّعْر، ونظم ((التنبيه)) لأبي إسحاق الشِّيرازي، ونظم مناسك الحج. وذكره الفقيه أبو بكر ابن العربي، فقال: ثقةٌ، عالمٌ، مقرىءٌ، له أدب ظاهر، واختصاص بالخطيب. وقال السَّلَفي: سألته عن مولده، فقال: إما في آخر سنة سَبْع عشرة، وإما في أول سنة ثمان عشرة وأربع مئة ببغداد. وقال السَّلَفي: وكان ممن يُفتخر برؤيته ورواياته لديانته ودِرَايته، وله تواليف مفيدة، وفي شيوخه گَثْرَة، وأعلاهم إسنادًا ابن شاذان. وقال حَمَّاد الحَرَّاني: سُئل السِّلَفي عن جعفر السَّرَّاج، فقال: كان عالمًا بالقراءات، والنَّحْو، واللغة، وله تصانيف وأشعار كثيرة. وكان ثقةً، ثَبْتًا. وقال ابنُ ناصر: كان ثقةً، مأمونًا، عالمًا، فَهِمَّا، صالحًا، نَظَمَ كُنُبًا كثيرةً، منها (المبتدأ)) لوَهْب بن مُنَبِّه، وكان قديمًا يَسْتملي على القَزْويني، وأبي محمد الخَلَاَّل، تُوفي في صفر رحمه الله(١). (١) ينظر المستفاد من ذيل ابن النجار للدمياطي (٦١). ٨٢٥ ٣٦٢- خَلَفَ بن محمد، أبو القاسم الأنصاريُّ القُرْطَبِيُّ، المعروف بابن السَّرَّاج. مُكْثرٌ عن حاتم بن محمد. وكان رجلاً صالحًا ورعًا، يشارُ إليه بإجابة الدَّعوة، وكان النَّاسُ يقصدونه ويتبركون بلقائه ودُعائه، وسمعوا منه. تُوفي ليلة سَبْع وعشرين من رمضان(١). ٣٦٣- عباس بن محمد بن أحمد البَرَدَانيُّ، أبو الفضل. سمع محمد بن محمد بن غَيْلان، وغيرَهُ. تُوفي في ربيع الأول. ٣٦٤- عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله، أبو الحسن التُّجِيبِيُّ الطَّلَيْطُليُّ، ابن المَشَّاط . روى عن أحمد بن مغيث، وجُماهر بن عبدالرحمن، وأبي محمد الفارقي. قال ابن بشْكُوال(٢): كان من أهل العِلْم، مُقَدَّمًا في الفَهْم، حافظًا، ذَكِيًّا، لُغَويًّا، أديبًا، شاعرًا متيقِّظًا. جَمَعَ كُتُبًا في غير ما فن. أخبرني عنه أبو الحسن بن مُغيث، وقال: تردّد في الأحكام بناحية إشبيلية، ثم صُرف عنها، وقصدَ مالقة فسكنَها، وبها تُوفي في سابع رمضان، وشهده جَمْعٌ عظيمٌ. ٣٦٥- عبدالوهاب بن محمد بن عبدالوهّاب بن محمد الفاميُّ الفارسيُّ، أبو محمد الفقيه الشافعيُّ. قَدِمَ بغداد سنة ثلاثٍ وثمانين وأربع مئة على تدريس النِّظامية، وكان مدرِّسها يومئذٍ الحُسين بن محمد الطَّبَري، فتقرَّر أن يُدَرِّس كلُّ واحد منهما يومًا. فبقيا على ذلك سنةً وعُزلا، فأملَى أبو محمد بجامع القَصْر عن أبي بكر أحمد بن الحسن بن الليث الشيرازي الحافظ، ومحمد بن أحمد بن حَمْدَان بن عَبْدَك، وعليّ بن بُنْدار الحَنَفي، وجماعة من شيراز. قال أبو عليّ بن سُكَّرَة: قدم عبدالوَهَّابِ الفامي وأنا ببغداد، وخَرَجَ كافة العلماء والقُضاة لتلقِيه. وكان يوم قُرىء مَنْشُوره يومًا مشهودًا؛ سمعت عليه كثيرًا، وسمعته يقول: صَنَّفْتُ سبعين تأليفًا في ثمانية عشر عامًا، ولي كتاب في (١) من الصلة لابن بشكوال (٣٩٧). (٢) الصلة (٧٤٠). ٨٢٦ التَّفسير ضمنْتُه مئة ألف بيت شاهدًا. أملى بجامع القَصْر، وحُفظ عليه تَصْحيفٌ شَنِيعٌ، ثم أُجْلب عليه وطُولب، ثم رُمي بالاعتزال حتى فرَّ بنفسه. وقال السَّمْعاني: حدثنا أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ، قال: سمعت أحمد بن ثابت الطَّرْقي الحافظ يقول: سمعت غير واحدٍ ممن أثق به يقول: إنَّ عبدالوَهَّاب الشيرازي أملى ببغداد حديثًا مَثْنُه: ((صلاةٌ في إثْر صلاةٍ كتابٌ في عِلِّيين))، فصحَّف وقال: ((كنارِ في عِلَّيين)). وكان الإمام محمد بن ثابت الخُجَنْدي حاضرًا، فقال: ما معناه؟ فقال: النَّارُ في الغَلَس تكون أضْوأ. وبه، قال الطَّرْقي: وسأله بعض أصدقائي عن ((جامع)) أبي عيسى التِّرْمذي: هل لك به سَمَاعٍ؟ فقال: ما ((الجَامِع))، ومن أبو عيسى؟ ما سمعتُ بهذا قط! ثم رأيته بعد ذلك يَعُدُّه في مسموعاته. قال الطَّرْقي: ولما أراد أن يُملي بجامع القَصْر قلت له: لو استعنْتَ يحافظٍ ما، ينتقي الأحاديثَ، ويُرَتِّبها على ما جَرَتْ به عادتُهم؛ فقال: إنما يفعل ذلك من قَلَّت معرفتُه بالحديث، أنا حِفْظي يُغنيني، فأملى وامتُحِنْت بالاستملاء. فأول ما حدَّث رأيتُهُ يُسْقط من الإسناد رجلاً، ويبدِّل رَجُلاً بِرَجل، ويجعل الواحد رجُلَين، وفضائح أعجز عن ذكرها، ففي غير موضع: ((حدثنا الحسن بن سُفيان، عن يزيد بن زُرَيْع))، فأمسكَ أهلُ المَجْلس، وأشاروا إلي، فقلتُ: سقط إما محمد بن مِنْهال، أو أُمية بن بِسْطام. فقال: اكتبوا كما في أصْلي. وأورد: ((أخبرنا سهل بن بَحْر))، أنا سألته، فقال: ((إننا سَالبَة))، وأما تبديل عَمرو بعُمَر فكثير، وكذا جَمِيل بِحُمَّيْل. وقال في سعيد بن عَمرو الأشعثي: ((سعيد بن عُمر، والأشعثي))، فجعل واو عَمروٍ واو العطف، فقلت: إنما هو نسبه، فقال: لا. فقلت: فمن الأشعثي؟ قال: فُضُولٌ منك. وقال في العُوْر: الطَّوْد. وقال السَّمْعاني: كانت له يد في المَذْهب، وحدَّث عن عبدالواحد بن يوسف الخَرَّاز وأبي زُرْعة أحمد بن يحيى الخَطِيب، والحسن بن محمد بن عثمان بن كَرَامة، وجماعة من الفارسيين. روى لنا عنه عبدالوهاب الأنماطي، والحُسين بن عبدالملك الخلال، ومحمود بن ماشاذة . وقال يحيى بن مَنْدَة: أبو محمد الفامي أحفظ من رأيناه لمذْهَب ٨٢٧ الشافعي؛ صنّف كتاب ((تاريخ الفقهاء))، وقال فيه: مات جدي أبو الفَرَج عبدالوهاب سنة أربع عشرة وأربع مئة، وفيها وُلدت. وقال غيره: تُوفي في السابع والعشرين من رَمَضان بشيراز(١). ٣٦٦- عليّ بن طاهر بن جعفر، أبو الحسن السلميُّ الدمشقيُّ النَّحْويُّ. سمع أبا عبدالله بن سَلْوان، وأبا نصر الكَفَرْطابي، وعليّ بن الخَضِر السُّلَمي، وأبا القاسم الحِنائي، وأبا القاسم السُّمَيْساطي. روى عنه جمال الإسلام أبو الحسن، وأبو المعالي محمد بن يحيى القُرَشي، وجميل بن تَمَّام، وحَفاظ بن الحسن، والخَضِر بن هبة الله بن طاوس، وأبو المعالي بن صابر. قال ابن عساكر(٢): كان ثقةً. وكان له حَلْقة في الجامع وقف عندها كُتُبَه، وتُوفي في ربيع الأول. وقد ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة . ٣٦٧- عليّ بن محمد بن محمد بن المُحَسِّن بن يحيى بن جعفر بن عليّ بن محمد بن عليّ الرِّضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد بن عليّ ابن الحُسين رضي الله عنه، السيد أبو طالب الموسويُّ نقيبُ مَشْهد عليّ بالعراق . وكان شيخًا مُعَمَّرًا له قُعْدُدٌ في النَّسَب. ولد سنة ثلاث وأربع مئة. روى عنه السِّلفي شيئًا عن أبي الحُسين ابن المهتدي بالله . ٣٦٨- محمد بن إبراهيم بن أنوش، العلامة أبو بكر بن أبي إسحاق البُخاريُّ الخُصْريُّ الحافظ. أحد كبار الحَنَفية، تفقه على الإمام محمد بن أبي سَهْل السَّرخسي، وسمع الكثيرَ بنفسه ببخارى وخراسان، والعراق، والحجاز. ورجع إلى بَلَده وأملَى. روى عن عُمر بن منصور البخاري الحافظ، وعبدالكريم بن أبي حنيفة، وعبدالواحد الزُّبيري المُعَمَّر، والأمير ابن ماكولا . مات ببخاری کھلاً . (١) من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ٣٩٠/١ - ٣٩٩. (٢) تاريخ دمشق ٤/٤٣ . ٨٢٨ ٣٦٩- محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن خداداذ، أبو غالب الباقلانيُ الفاميُّ. شيخٌ صالحٌ بغداديٌّ من بيت الحديث، سمع أبا عليّ بن شاذان، وأحمد ابن عبدالله المَحَاملي، والبَرْقاني، وعبدالملك بن بشران. روى عنه أبو بكر ابن السَّمْعاني، وإسماعيل بن الفَضْل، وابن ناصر، والسِّلَفي، وشُهْدَة، وخطيب المَوْصل، وآخرون. أثنى عليه عبدالوهاب الأنماطي، وقال ابن ناصر: كان كثير البُكاء من خَشْية الله. توفي في شهر ربيع الآخر، وله ثمانون سنة. ٣٧٠- محمد بن الحسن بن الحُسين، أبو العلاء الشِّيرازيُّ الوزير. تَنَقَّل في البلاد، ووزَرَ لصاحب خُوزستان هزارسب بن عياض، وقدمَ بغداد بعد الأربعين وأربع مئة وتزوج بابنة عميد الرُّؤساء، ثم سكنَ واسطًا، و کان صالحًا عابدًا. ٣٧١- محمد بن سُليمان بن خليفة، أبو عبدالله المالقيُّ. روى عن أبي عبدالله محمد بن عَتَّاب، والقاضي أبي الوليد الباجي، وكان مُعْتَنيًا بالعلم، ذكيًّا فهمًا، اسْتُفْضي ببلده، وسمع الناسُ منه كثيرًا، ومولده سنة سبع عشرة. ٣٧٢- محمد بن عبدالله بن محمد الأمويُّ، أبو عبدالله ابن الصَّرَّاف الشَّرَقُسْطئُّ. روى عنِ عَمِّه أبي زيد ابن الصَّراف، وأبي عبدالله بن فُورتش. حَدَّث عنه أبو عليّ بن سُگّرة، وقال: كان رجلاً صالحًا، فاضلاً. وقال غيره: تُوفي في سَلْخ صفر . ٣٧٣- محمد بن عليّ بن محمد بن عُثمان، أبو الفتح ابن الحَلْواني البَغْداديُّ المَرَّاق الحَنْليُّ الفقیه . تَفَقه في صِغَره على القاضي أبي يَعْلَى، ثم لَزِمَ بعده الشَّريف أبا جعفر بن أبي موسى، والقاضي يعقوب، وبَرَعَ في المَذْهب، ودَرَّسَ وأفتى وناظر، وكان صالحًا مُتعبدًا. روى عن أبي يَعْلى، وابن المُسْلمة، والصَّرِيفيني، وصَنَّف في ٨٢٩ المَذْهب. روى عنه السِّلفي، وقال: مات في ذي الحجة. ٣٧٤- محمد بن محمد بن إبراهيم، الزَّاهد أبو طاهر ابن مَحْموية العَبْدِيُّ البَصْرِيُّ الثَّقة . ممن أجاز للسِّلفي من البَصْرة، ومات قبل رحلة السِّلَفي إلى البصرة بشهر، وهو أحد الربيعين من سنة خمس مئة، وله إحدى وسبعون سنة. وكان صاحب أصول صحيحة، يروي عن ابن غسان نحو مئة جزء، وعن محمد بن محمد البازكُلِي(١) كذلك. وأعلى ماله حديث أبي خليفة الجُمَحي. ٣٧٥- المبارك بن عبدالجَيَّار بن أحمد بن القاسم بن أحمد، أبو الحُسين البَغْدادِيُّ الصَّيْرفيُّ المعروف بابن الطَّيُوريّ. قال السَّمْعاني: كان مُحَدِّثًا مكثرًا صالحًا أمينًا، صدوقًا، صحيحَ الأصول، صَيِّنَا، ورعًا، حسن السَّمْتِ، وقورًا، كثيرَ الكتابة، كثير الخَيْرِ. سَمِعَ النَّاسُ بإفادتِهِ من الشيوخ، ومَتَّعَهُ اللهُ بما سمع حتى انتشرت عنه الرواية وصار أعلى البَغْداديين سماعًا. سمع أبا عليّ بن شاذان، وأبا القاسم الحُرْفي، وأبا الفَرَجِ الطَّنَاجيري، وأبا الحسن العَتِيقيَّ، وأبا محمد الخَلَّل، وعليّ بن أحمد الفالي، ومحمد بن عليّ الصُّوري، والعُشاري، وخَلْقًا. ورحل فسمع بالبصرة أبا عليٍّ الشَّامُوخي وغيره. قال السَّمْعاني: أكثر عنه والدي، وحدثنا عنه أبو طاهر السِّنْجي، وأبو المعالي الحَلْواني بمَرْو، وإسماعيل بن محمد بأصبهان، وخَلْقٌ يطول ذكرهم. وكان المؤتَمَن الساجي سَيِّىء الرأي فيه، وكان يَرْميه بالكَذِب ويُصَرِّح بذلك. وما رأيت أحدًا من مشايخنا الثّقات يوافقه، فإني سألتُ جماعةً مثل عبدالوهّاب الأنماطي، وابن ناصر، وغيرهما، فأثنوا عليه ثناءً حَسنًا، وشهدوا له بالطَّلب والصِّدْق والأمانة، وكثرة السَّماع. وسمعت سَلْمان بن مسعود الشَّخَام يقول: قدم علينا أبو الغنائم ابن النَّرْسي، فانقطعنا عن مَجْلس ابن الطُُّوري أيامًا واشتغلنا بالسَّماع منه. فلما مضينا إلى ابن الطُُّوري قال لنا: لِمَ انقطعتم عني هذه الأيام؟ قلنا: قَدِمَ شيخٌ من الكوفة كُنَّا نسمع منه. قال: فأيش (١) منسوب إلى ((بازكل)) بلدة أسفل أرض البصرة. ٨٣٠ أعلى ما عنده؟ قلنا: حديث عليّ بن عبدالرحمن البكائي. فقام الشيخ أبو الحُسين، وأخرج لنا شَدةً من حديث البكائي، وقال: هذا من حديثه، سماعي من أبي الفَرَج ابن الطَّنَاجِيري. قال السمعاني: وأظن أنَّ هذه الحكاية سمعها من الحافظ ابن ناصر. وُلد ابنِ الطَّيُوري في سنة إحدى عشرة وأربع مئة. وقد روى عنه السِّلَفي، وشُهْدَة، وعبدالحق اليُّوسُفي، وخطيب المَوْصل، وأبو السَّعادات القَزَّاز . وذكره أبو عليّ بن سُكَّرة، فقال: الشَّيخُ الصَّالِحُ الثَّقْة. كان ثَبْتًا فِهْمًا، عَفِيفًا، متقنًا، صحبَ الخُفاظ ودُرِّب معهم. وسمعت أبا بكر ابن الخَاضِبة يقول: شيخنا أبو الحُسين ممن يُسْتَشْفَى بحديثه. وقال ابن ناصر في ((أماليه)): حدثنا الثقةُ الثَّبَتُ الصَّدُوق أبو الحُسين. وقال السِّلَفي: ابن الطُّيُوري مُحَدِّثٌ كبير، مفيدٌ، ورعٌ، لم يشتغل قط بغير الحديث، وحَصَّل ما لم يحصله أحدٌ من التَّفاسير، والقراءات، وعلوم القُرآن، والمَسَانيد، والتَّواريخ، والعِلَل، والكُتُب المصنَّفة، والأدبيات والشِّعْر، كلُّها مسموعة له. رافق الصُّوري، واستفادَ منه، والنَّخْشَبي، وطاهر النَّيْسابوري. وكتب عنه مسعود السِّجْزي، والحُميدي، وجعفر ابن الحكاك، فأكثروا عنه. ثم طول السَّلَفي الثناء عليه. وذكره أبو نصر بن ماكولا، فقال(١): صديقنا أبو الحُسين يُعرف بابن الحَمَامي مخفَّفًا سمع أبا عليّ بن شاذان، وخَلْقًا كثيرًا بعده؛ وهو من أهل الخَيْرِ والعَفَاف والصَّلاحِ. قال ابن سُكَّرَة: ذكر لي شَيْخُنا أبو الحُسين أنَّ عنده نحو ألف جزءٍ بخط الدَّارَقُطْني، أو أُخْبِرتُ عنه بمثل ذلك. وأخبرني أنَّ عنده لابن أبي الدُّنيا أربعة وثمانين مصنَّفًا . وقال عليّ بن أحمد النَّهْرَواني: تُوفي في نصف ذي القَعْدة. ٣٧٦ - المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب، أبو الكَرَم ابن الدَّبَّاس، النَّحْويُّ. (١) الإكمال ٢٨٧/٣. ٨٣١ من كبار أئمة العربية واللغة، له فيهما باعٌ طويل. وُلد سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة. وقيل: سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وهو أصُّ، والأول غلط. أخذ عن أبي القاسم عبدالواحد بن بَرْهان الأسدي. وسمع الحديث من أبي الطَّيِّب الطَّبَري، وأبي محمد الجَوْهري. أخذ عنه الشيخ أبو محمد سِبْط الخَياط. وروى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وجماعة. وله كتاب ((المُعلم)) في النَّحو، وكتاب (نَحْو العُرْف))، وكتاب ((شرح خُطْبة أدب الكاتب)». وكان ابن ناصر يرميه بالكَذِب، ويقول: كان يدَّعي سماع ما لم يسمعه . وقال أبو منصور بن خَيْرُون: كانوا يقولون إنه كذاب. تُوفي في ذِي القَعْدة(١). ٣٧٧- مُطَهَّرُ بن أحمد بن عُمر بن صالح، أبو الفَرَج الهَمَذَانِيُّ. روى عن أبي طالب بن الصَّبَّاح، وهارون بن طاهر، وأبي الفتح ابن الضَّرَّاب، وابن غَزْو، وعامة مشايخ هَمَذَان الذين أدركهم. قال شِيرُوية: كان صَدُوقًا، حسنَ السيرة، ليِّنَ الجانب، فاضلاً، مات في جمادى الآخرة. ٣٧٨- يحيى بن سعيد بن حبيب، أبو زكريا المحاربيُّ الجَيَّانيُّ. قرأ بالسَّبْع على أبي عبدالله محمد بن أحمد الفَرَّاء الزَّاهد. وسمع من محمد بن عَتاب الفقيه، وسِراج القاضي . وأقرأ الناسَ بقُرْطُبة، ثم استُقْضي بجَيان، وخَطَب بها(٢). ٣٧٩- يوسف بن تاشَفين، السُّلطان أبو يعقوب اللَّمْتُونيُّ المَغْربيُّ البَرْبَرَيُّ، الملقَّب بأمير المُسلمين، وبأمير المُرَابطين، وبأمير المُلَثَّمين، والأول هو الذي استقرَّ. كان أحد من ملك البلادَ، ودانت بطاعته العباد، واتَّسَعت ممالِكُهُ، وطال عُمُره، وقلَّ أنْ عُمِّرَ أحدٌ من ملوك الإسلام ما عُمِّر. وهو الذي بنى مدينة مراكش، وهو الذي أخذَ الأندلس من المعتمد بن عباد وأسره. (١) ينظر معجم الأدباء ٢٢٦٠/٥ - ٢٢٦١. (٢) من صلة ابن بشكوال (١٤٨٠). ٨٣٢ فمن أخباره أنَّ بَر البَرْبَر الجَنْوبي كان لزَنَاتَة، فخرجَ عليهم من جنوبي المَغْرب من البلاد التي تتاخم أرضَ السُّودان الملثَّمون عليهم أبو بكر بن عُمر، وكان رجلاً خَيِّرًا ساذجًا، فأخذت المُلَئِّمة البلادَ من زنَاتَة من تِلِمْسان إلى البَحْر الأكبر. فسمعَ أبو بكر أن امرأةً ذهبت ناقتُها في غارةٍ فبكت وقالت: ضيَّعَنَا أبو بكر بدخوله إلى المَغْرب فتألَّم واستعمل على المَغْرِب يوسُف بن تاشَفِين هذا، ورجع أبو بكر إلى بلاد الجَنُوب. وكان ابن تاشَفِين بطلاً شجاعًا، عادلاً، اختط مَرَّاكُش، وكانت مَكْمَنَا للصوص وكان ذلك المكان مأوى للحَرَامية، فكان المارون به يقول بعضُهم لبعض: مَراكُش(١). وكان بناء مدينة مَرَّاكش في سنة خمسٍ وستين وأربع مئة، اشتراها يوسف بماله الذي خرج به من الصَّحْراء. وكان في موضعها غابة من الشَّجَر وقرية فيها جماعة من البربر، فاختطها، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة. وهي في مَرْج فسيح، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقُرب منها جبل عليه الثّلج، وهو الذي يُعَدِّل مِزَاجَها وقيل: كانت مُلْكًا لعجوزٍ مَصْمُودية . فأسكن مَرَاكُش الخَلْق، وكَثُرت جيوشُه وبَعُدَ صِيتُه، وخافَتْه ملوك الأندلس، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنها علمت أنه ينجد الأندلسيين عليهم. وكان قد ظهر للمُلَثَّمين في الحروب ضَرَبات بالسُّيوف تقد الفارس، وطَعَنَات تنظم الكُلَى، فكتب إليه المعتمد يَتَلَّطف به، ويسأله أن يُعرض عن بلاده لما رأى هِمَّتَه على قَصْد الأندلس، وأنه تحت طاعته. فيقال: كان في الكتاب: «فإنك إنْ أعرضت عَنا نُسبْتَ إلى كَرَم، ولم تُنْسَب إلى عَجْز، وإنْ أجَبْنا داعيك نُسِبنا إلى عَقْلِ، ولم نُنْسَب إلى وَهَّن، وقد اخترنا لأنْفُسنا أجمل نسبتَيْنا. وإن في استبقائك ذوي البيوت دوامًا لأمرك وثُبوت)). وأرسل إليه تُحَفًّا وهدايا. وكان بربريًّا لا يكاد يفهم، ففسَّرَ له كاتبه تلك الكلمات، وأحسن في المَشورة عليه، فأجاب إلى السَّلْم. وكتب كاتبه، على لسانه: ((من يوسف ابنِ تاشَفِين، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من سالمكم، وسلم إليكم، حَكَّمَهُ التأييد والنَّصْر فيما حكم عليكم، وإنكم في أوسع إباحة مما بأيديكم من المُلْك، وإنكم مَخْصوصون منا بأكرم إيثار، فاسْتَديموا وفاءنا بوفائكم، (١) وهو في اللغة البربرية: أسرع المشي، كما في معجم البلدان. تاريخ الإسلام ١٠/ م٥٣ ٨٣٣ واستصْلِحُوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله وليُّ التوفيق لنا ولكم، والسلام)). ففرح بكتابه ابنُ عَباد وملوك الأندلس، وقَوِيَت نفوسُهم على دَفْع الفرنج، ونَوَوْا إنْ رأوا من مَلِك الفرنج ما يريبُهُم أن يستنجدوا بابن تاشفين. وصارت لابن تاشفين بفعله محبةٌ في نفوس أهل الأندلس. ثم إن الأذفُونْش ألحّ على بلاد ابن عَبَّاد فقال ابن عباد في نَفْسه: إنْ دُهينا من مُداخلة الأضْداد لنا، فأهْوَن الأمرَيْن أمر المُلَثَّمين، ورعاية أولادنا جِمالَهم أَهْوَنُ من أن يَرْعَوْا خنازير الفِرَنج. وبقي هذا الرَّأي نُصْب عينيه، فقصده الأذفونش في جيشٍ عَرَمْرَم، وجفل النَّاس، فطلب من ابن تاشفين النَّجْدةَ، والجهادَ. وكان ابن تاشفينَ على أتم أُهْبةٍ، فشرع في عُبور جَيْشه. فلما رأى ملوكُ الأندلس عبورَ البَرْبر للجهاد، استعدوا أيضًا للنَّجْدة، وبلغ ذلك الأذفونش، فاستنفر دينَ النَّصرانية، واجتمعَ له جنودٌ لا يُخْصيهم إلا الله . ودخل مع ابن تاشفين شيءٌ عظيمٌ من الجِمَال، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجِمَالَ، ولا تعَوَّدتها خَيْلُهُم، فتجافلت منها ومن رُغائها وأصواتها. وكان ابن تاشفين يُحْدق بها عَسْكَرَهُ، ويحضرها الحُروب، فتنفر خَيْل الفرنج عنها. وكان الأذفونش نازلاً بالزَّلاَقة بالقرب من بَطَلْيَوس، فَقَصَدَهُ حزبُ الله، وقَدَّم ابنُ تاشفين بين يديه كتابًا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام، أو الحَرْب، أو الجزية. ثم أقبلت الجيوش، ونزلت تجاه الفِرَنج، فاختار ابن عباد أنْ يكون هو المُصَادم للفِرَنْج أولاً، وأن يكون ابن تاشفين رِدْفًا له. ففعلوا ذلك، فخُذل الفِرَنج، واسْتَحَرَّ القَتْلُ فيهم، فيقال: إنه لم يُفْلِت منهم إلا الأذفونش في دون الثلاثين، وغَنِمَ المسلمون غنيمةً عظيمة، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربع مئة. وعَفَّ يوسف عن الغنائم، وآثرَ بها ملوكَ الأندلس ليتمّ له الأجْر، فأحبُّوه وشكروا له. وكانت ملحمةً عظيمةً قَلَّ أنْ وقع في الإسلام مثلُها. وجُرح فيها ملك الفرنج، وجُمِعت رؤوس الفِرَنج، فكانت كالتل العظيم. ثم عزمَ ابنُ عَبَّاد على أمير المُسْلمين يوسف، ورامَ أن ينزل في ضيافته، فأجابه، فأنزله في قصوره على نهر إشبيلية، فرأى أماكن نَزِهة، كثيرةَ الخَيْرِ والحُسن والرِّزْق وبالغَ المعتمد بن عباد وأولادُه في خدمةِ أميرِ المُسْلمين، وكان رجلاً بَرْبَرِيًّا، قليل التنقُم والتلذُّذ والرَّفاهية، فرأى ما هالَهُ من الحِشْمة ٨٣٤ والفَرْش والأطعمة الفاخرة، فأقبل خواصُّه عليه يُنَبهونه على تلك الهيئة ويُحَسِّنونها، ويقولون: ينبغي أن تتخذ لك ببلادك نحو هذا، فأنكر عليهم، وكان قد دخل في الشيخوخة، وفنيت إرادته، وأدمن على عَيْش بلاده. ثم أخذ يعيب طريقة المُعْتَمد وتنقُّمه المُفْرط، وقال: من يتعانى هذه اللَّذات لا يمكن أن يعدل كما ينبغي أبدًا، ومن كان هذا همته متى تشحذ في حِفْظ بلاده ورعيته! ثم سأل يوسف: هل يفعل المعتمد هذا التنقُّم في كل أوقاته؟ فقيل له: بل كل زمانه على هذا. فسكت، وأقام عنده أيامًا، فأتى المعتمد رجلٌ عاقلٌ ناصحٌ، فخوفه من غائلة ابن تاشفين، وأشارَ عليه بأن يقبض عليه، وأن لا يُطْلقه حتى يأمر كلَّ مِن بالأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء: ثم تتفق أنت وملوك الأندلس على حراسة البَحْر من سفينةٍ تجري له، ثم تتوثَّق منه بالأيمان أن لا يغدر، ثم تُطْلِقه، وتأخذ منه على ذلك رهائن. فأصغى المعتمد إلى مَقَالته واستصوبَهَا، وبقي يُفَكِّر في انتهاز الفرصة، وكان له نُدَماء قد انهمكوا معه في اللذَّات، فقال أحدهم لهذا الرجل: ما كان أمير المؤمنين، وهو إمامُ أهل المَكْرُمات ممن يُعامل بالحَيْف ويغدر بالضَّيْف. قال: إنما الغَدْر أخْذُ الحق ممن هو له، لا دَفْع المرء عن نفسه. قال النديم: بل كَظْمٌ مع وفاءٍ، خيرٌ من حَزْمٍ مع جفاء. ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه، وشكر له المُعْتَمد، وأجازه، فبلغ الخبرُ ابن تاشفين، فأصبح غاديًا . فَقَدَّم له المعتمد هدايا عظيمة، فقبِلَها وعَبَر إلى سَبْتَة، وبقي جُلُّ عسكره بالجزيرة يستريحون . وأما الأذفونش، فقدم إلى بلده في أسوأ حال، فسأل عن أبطاله وبطارقته، فوجد أكثرهم قد قُتِلوا، وسمع نَوْحِ النُّكَالِى عليهم، فلم يأكل ولا الْتَذْ بعَيْشِ حتى مات غَمَّا، وخلّف بنتًا، فتحصَّنت بطُلَيْطُلَة. ثم أخذَ عسكرُ ابن تاشفين يغيرون، حتى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحَدَّ، وبعثوا بالمغانم إلى مَرَّاكش، واستأذن مُقَدَّمهم سِير بن أبي بكر ابن تاشفين في المُقام بالأندلس، وأعلَمَهُ أنه قد افتتحَ حُصُونًا، ورَتَّب فيها، وأنه لا يستقيم الأمر إلا بإقامته. فكتب إليه ابنُ تاشفين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدْوَة، فإنْ أَبَوْا عليه حاربهم، وليبدأ بالثُّغُور، ولا يَتعرَّض للمُعْتَمد. ٨٣٥ فابتدأ سير بملوك بني هُود يستنزلهم من قَلْعة روطة، وهي منيعة إلى الغاية، وماؤها يُنْبُوعٌ في أعلاها، وبها من الذَّخائر المختلفة ما لا يُوصف، فلم يقدر عليها، فرحل عنها. ثم جَنَّد أجنادًا على زِي الفِرَنج، وأمرهم أن يقصدوها كالمُغيرين، وكمن هو والعَسْكر، ففعلوا ذلك. فرأى ابن هُود قلتهم، فاستضعفهم، ونزلَ في طلبهم، فخرج عليه سير، فأسره وتَسَلَّم القلعة. ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فسلموا إليه، ولحِقُوا بالعَدْوَة. ثم نازل بني صُمَادح بالمَرِية، فماتَ ملكهم في الحِصَار، فَسَلَّمُوا المدينة. ثم نازلوا المتوكل عمر بن الأفطس ببَطَلْيَوس، فخامَرَ عليه أصحابُه، فقبضوا عليه، ثم قُتل صَبْرًا. ثم إنَّ سِير كتب إلى ابن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة غير المُعْتَمِد فأمره أن يعرض عليه التَّحول إلى العدْوَة بأهله وماله، فإنْ أبى فنازله. فلما عرض عليه سير ذلك لم يجبه فسار وحاصره أشْهُرًا، ثم دخل عليه البَلَدَ قَهْرًا، وظفر به، وبعثه إلى العدْوَة مُقَيِّدًا، فحُبِس بأغْمات إلى أن مات، وتَسَلم سير الجزيرة كلَّها . وقال ابن دِحْيَة أو غيرُه: نزل يوسف على مدينة فاس في سنة أربع وستين وأربع مئة وحاصرها. ثم أخذها، فأقرَّ العامة، ونَفَى البربر والجُنْد عنهاً بعد أن حبس رؤوسهم، وقتل منهم. وكان مُؤثرًا لأهل العِلْم والدِّين، كثير المَشُورَة لهم. وكان معتدل القامة، أسمر، نحيفًا، خفيف العارضَيْن، دقيق الصَّوْت، حازمًا، سائسًا. وكان يخطب لبني العباس. وهو أول من تَسَمَّى بأمير المسلمين. وكان يحب العفو والصَّفْح، وفيه خيرٌ وعدل. وقال أبو الحجاج يوسف البَيَّاسيُّ في كتاب ((تذكير الغافل)): إن يوسف ابن تاشفين جازَ البحرَ مرةً ثالثة، وقَصَدَ قُرْطُبَة، وهي لابن عباد، فوصلَهَا سنة ثلاثٍ وثمانين، فخرج إليه المُعْتَمِد بالضيافة، وجَرَى معه على عادته. ثم إن ابن تاشفين أخذ غَرْناطة من عبدالله بن بلقين بن باديس، وحبسه، فطمع ابن عباد في غَرْناطة، وأن يُعطِيَه ابنُ تاشفين إياها، فَعَرَّض له بذلك، فأعرض عنه ابن تاشفين وخاف ابن عَبَّاد منه، وعَمِلَ علی الانفصال عنه لا یمسکه، ورد ابن ٨٣٦ تاشفين إلى مراكش في رمضان من السنة. فلما دخلت سنة أربع عزم على العُبور إلى الأندلس لمنازلة المُعْتَمد بن عباد، فاستعد له ابن عباد، ونازلته البربر، فاستغاث بالأذفونش، فلم يلتفت إليه(١). وكانت إمرة يوسف بن تاشفين عند موت أبي بكر بن عُمر أمير المسلمين سنة اثنتين وستين وأربع مئة. وكانت الدولة قبلهما لزَنَاتَة، وكانت دولةً ظالمةً فاجرةً. وكان ابن تاشفين وعسكره فيهم يَبس وديانة وجهادٌ، فافتتح البلادَ، وأحبته الرَّعِية. وضَيَّقَ لِثامَه هو وجماعتُه. فقيل: إنهم كانوا يَتَلَثَّمون في الصَّحْراء كعادة العرب، فلما تَمَلَّك ضَيَّق ذلك اللِّثَام. قال عَزِيز: ومما رأيته عَيَانًا أنه كان لي صديقٌ منهم بدمشق، وبيننا مَوَدَّة، فأتيتُهُ، فدخلت وقد غَسَل عِمامته، وشد سِرْواله على رأسه، وتلثَّم به. هذا بعد أن انقضَتْ دولتُهم، وتفرّقوا في البلاد. وحكى لي ثقةٌ أنه رأى شيخًا من المُلثمة بالمغرب منزويًا في نهرٍ يغسل ثيابه وهو عُزْيان، وعورته بادية، ويده اليُّمْنى يغسل بها، ويده اليُسْرى يَسْتر بها وجهه! وقد(٢) جعل هؤلاء اللثام لوجوههم جُنَّةً، فلا يُعرف الشَّيخ منهم من الشَّاب، فلا يزيلونه ليلاً ولا نهارًا، حتى أن المَفْتول منهم في المَعْركة لا يكاد يعرفه أهله، حتى يجعلوا على وجهه لثامًا، ولبعضهم: قومٌ لهم دَرْكُ العُلَى في حِمْيَرٍ وإن انْتَمَوا صِنْهاجةً فَهُمُ هُمُ لما حَوَوْا إحرازَ كلِّ فضيلةٍ غَلَبَ الحياءُ عليهمُو فتلثَّموا وتَزَوَّج ابنُ تاشفين بزينب زوجة أبي بكر بن عُمر، وكانت حاكمة عليه، وكذلك جميع الملثَّمين يُكْبرون نساءَهُم، وينقادونَ لأمرهنَّ، وما يُسَمُّون الرَّجل منهم إلا بأمِّه . وهنا حكاية، وهي أن ابن خلوف القاضي الأديب كان له شِعْرٌ، فبلغ زينبَ هذه أنه مدح حَوَّاء امرأة سِير بن أبي بكر، وفَضَّلها على جميع النِّساء بالجَمَال، فأمرت بعَزْله عن القضاء، فسارَ إلى أغْمات، واستأذن عليها، فدخل (١). إلى هنا من وفيات الأعيان ٧/ ١١٢ - ١٢٨. (٢) من هنا إلى نهاية الشعر من وفيات الأعيان أيضًا ١٢٩/٧ - ١٣٠ وقد نقلها ابن خلكان عن شيخه عز الدين ابن الأثير . ٨٣٧ البَوَّاب فأعلمَهَا به، فقالت: يمضي إلى التي مَدَحها ترده إلى القَضَاء. فأبلغه، فَعَزَّ عليه، وبقي بالحَضْرة أيامًا حتى فنيت نَفَقَتُه، فأتى خادمَها فقال: قد أردت بيعَ هذا المهر، فأعطني مِثْقَالين أتزوَّد بهما إلى أهلي، وخُذْه فأنت أوْلَى به، فَسُرَّ الخادم وأعطاه، ودخل مَسْرورًا بالمهر، وأخبر الست، فرقَّت عليه وندمت، وقالت: ائتني به. فأسرعَ وأدخله عليها، فقالت: تمدح حواء وتُسرف، وزعمتَ أنه ليس في النِّساء أحسن منها، وما هذه منزلة القُضاة، فقال في الحال: أنتِ بالشمس لاحِقَه وهي بالأرض لاصقه فمتى ما مَدَحْتُها فهي من سيرَ طالقه فقالت: يا قاضي طَلقْتَها؟! قال: نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة. فضحكت حتى افتضحت، وكتبت إلى يوسف يرده إلى القضاء. قلت: ولا رَيْب أن يوسف ملكٌ من الملوك، بَدَت منه هَنَات وزلات، ودخل في دهاء الملوك وغَدْرهم. ولما أخذ إشبيلية من المُعْتَمد شن عَسْكر ابن تاشفين الغارة بإشبيلية، وخلوا أهلها على بَرْد الديار، وخرجَ الناسُ من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم، واقتُضَّت الأبكار. وتتابعت الفتوحات لابن تاشفين. وكانت فُقهاء الأندلس قالوا له: لا تَجِبْ طاعتُك حتى يكون لك عهد من الخَلِيفة. فأرسل إلى العراق قومًا من أهله بهدايا، وكتابًا، يذكر فيه ما فعل بالفِرَنج. فجاءَهُ من المستظهر بالله أحمد رسول بهدية، وتقليد وخِلْعة، وراية. وكان يقتدي بآراء العلماء، ويُعَظِّم أهلَ الدِّين. ونشأ ولده عليّ في العَفَاف والدِّين والعِلْم، فولاه العَهْدَ في سنة تسع وتسعين وأربع مئة . وتُوفي يوسف في يوم الاثنين ثالث المحرَّم سنة خمس مئة. وَرَّخه ابن خَلِّكان(١)، وقبله عز الدين ابن الأثير(٢)، وغيرُهما، وعاش تسعين سنة . قال الْيَسَعُ بنُ حَزْم: فمن فضله أنه لما أراد بناء مَرَّاكُش ادعى قومٌ مَصَامِدَةٌ فيها أرضًا، فأرضاهم بمالٍ عظيم. وكان يلبس العَباء، ويُؤثر الحَياءَ، ويقصد مقاصد العِزِّ في طُرُق المعالي، ويكره السَّفساف، ويحب الأشرف (١) وفيات الأعيان ٧/ ١٢٥ ومنه نقل جل الترجمة. (٢) الكامل ١٠/ ٤١٧. ٨٣٨ المتعالي، ويُقَلِّد العلماء، ويُؤْثر الحُكَمَاء، يَتَدَيَّن بمَرْضَاتهم، وإذا دخل عليه من طَوَّل ثيابَهُ وجَرها كَرَّه إليه وجهَهُ وأعرض عنه، فإنْ كان ذا ولايةٍ عَزَلَهُ. وكان كثير الصَّدَقَة عظيم البر والصلة للمساكين، رحمه الله تعالى. ٣٨٠- يوسف بن عليّ الزَّنْجانيُّ، أبو القاسم الشافعيُّ . من كبار أصحاب أبي إسحاق الشِّيرازي. مات في صفر (١). (١) ينظر المنتظم لابن الجوزي ٩/ ١٥٤ - ١٥٥. ٨٣٩ وممن توفي تقريبًا ٣٨١- أحمد بن الحسن بن أحمد بن عليّ بن الخصيب، الفقيه أبو سعد الجَرْبَاذْقانيُ الخانساريُّ. سمع أبا طاهر بن عبدالرحيم الكاتب، وأحمد بن الفضل الباطِرْقاني. روى عنه السِّلَفي جزءًا من حديثه سَمِعناه. ٣٨٢- أحمد بن محمد بن عبدالرحمن، أبو العباس الأنصاريُّ الشارَقيُّ الواعظ. حج وسَمِعَ من كريمة، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، ودخل العراق وفارس، وسكن سَبْتَة، وفاس. وكان صالحًا، ديّنًا، ذاكرًا، بكاءً، واعظًا، تُوفي بشرق الأندلس في نحو الخمس مئة؛ قاله ابن بَشْكُوال(١) . ٣٨٣- أحمد بن محمد بن الفضل بن شَهْريار، أبو عليّ الأصبهانيُّ. سمع أبا الفَرَج محمد بن عبدالله بن شَهْرَيار، وغيرَهُ. وكان من أبناء التِّسعين. روى عنه السِّلَفي، وأبو طاهر السِّنْجي. مات قبل الخمس مئة بقليل. ٣٨٤- أحمد بن أبي هاشم، أبو طالب القُرشيُّ الأصبهانيُّ. سمع أبا سعيد محمد بن عليّ النَّقَّاش، وأبا سعيد الحسن بن محمد بن حَسْنُوية الكاتب، ومحمد بن عبدالله بن شاذان الأعرج. روى عنه السِّلَفي عنهم وعن أبي بكر بن أبي عليّ. ٣٨٥- إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أسود، أبو إسحاق الغَسَّانِيُّ المَرييُّ، من عُلماء أهل المَرِية من الأندلس. روى عن أبيه، وحاتم بن محمد، وأبي عُمر بن عبدالبر، وأبي الأصبغ عيسى بن محمد، وطائفة. وكان شديد العناية بالرواية . (١) الصلة (١٥٩). ٨٤٠