النص المفهرس
صفحات 661-680
تُوفِي بنُوقان سنة نيٍِّ وثمانين وأربع مئة . ٣٨٩ - محمد بن إبراهيم بن إلياس، أبو عبدالله اللَّحْميُّ الأندلسيُّ، ويُعرف بابن شُعیب، وهو جده لأمه. روى عنه، وعن مكي بن أبي طالب القَيْسي، وأبي العباس المَهْدوي، وأبي عَمْرو الداني. قال الأبار(١): تصدَّر بجامع المَرية لإقراء القُرآن والعربيَّة والآداب. روى عنه أبو الحسن بن مَوْهب، وأبو الحسن بن نافع، وأبو عبدالله بن مَعْمَر. وقفت على السماع منه في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة. ٣٩٠ - محمد بن عبدالسلام بن شانْدُه، أبو المعالي الأصبهانيُّ ثم الواسطيُّ الشيعيُّ. روى عن عليّ بن محمد بن عليّ الصَّيْدلاني ابن خَزَفة، وأبي القاسم عليّ ابن كُزْدان النَّخوي، وغيرهما. قال السِّلَفي(٢): سألتُ خَمِيسًا الحَوْزي وقد قال لي: آخر من روى عن ابن كُرْدان أبو المعالي بن شاندُه. فقلت: مَن ابن شانده؟ قال: كان أصبهانيًّا رئيسًا مُحْتَشمًا ثقةً، وُلد سنة ستٍّ وتسعين وثلاث مئة. سمع من ابن خَزفة (تاريخ أحمد بن أبي خَيْثَمة)»، وكان عنده عن عمه أبي محمد التلْعُكبري، من مصنفي الرافضة، كتبٌ من عِلْمهم لا يُسْمِعها أحدًا، وَمَدَدتُ يدي إليها يومًا، فاستلبها من يدي وقال: هذا لا يصلح لك، وكان يتظاهر بالسُّنّة. قلت: وممن روى عنه عليّ بن محمد الجُلَّبي في ((تاريخه))، وبقي إلى بعد الثمانين، والحافظ أبو عليّ بن سُكَّرة، وقال: هو محمد بن عبدالسلام بن محمد بن عُبَيْدالله بن أحمولة نزيل واسط. سمع سنة سبع وأربع مئة من ابن خَزَفة . ٣٩١ - محمد بن يوسف بن عليّ بن خَلَصة، أبو عبدالله الشاطبيُّ. سمع ابن عبدالبر، وبمكة هَياج بن عُبَيْد. روى عنه طاهر بن مُفَوَّز، وأبو إسحاق بن جماعة، وجماعة. تُوفي في نحو التسعين وأربع مئة(٣). (١) التكملة ٣٢٣/١. (٢) سؤالاته لخميس الحوزي (١٢). (٣) من التكملة لابن الأبار ٣٢٧/١. ٦٦١ ٣٩٢ - المغيرة بن محمد بن محمد بن حسن، أبو الغيث الثَّقْفيُ الجُرْجانيُّ. ثقةٌ، خيِّرٌ، من ذُرية المُغيرة بن شُعبة. كان من بقايا أصحاب حمزة بن يوسف السَّهْمي. قال السمعاني: حدثنا عنه أبو عامر سعد بن عليّ الجُرْجاني بمرو. قال: وتُوفي بمرْو سنة نيٍّ وتسعين وأربع مئة، وكان من أبناء تسعين سنة. (آخر الطبقة والحمد لله) ٦٦٢ الطبقة الخمسون ٤٩١ - ٥٠٠ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ ا (الحوادث) سنة إحدى وتسعين وأربع مئة قال ابنُ الأثير(١): ابتداء دولة الفرنج، لعنهم الله، في سنة ثمانٍ وسبعين فَمَلِكُوا ◌ُلَيْطُلَة وغيرها من الأندلس، ثم قصدوا صِقِلَية في سنة أربع وثمانين فمَلَكُوها، وأخذوا بعضَ أطراف إفريقية. وخرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشام، فجمعَ ملكهم بَرْدويل جَمْعًا كثيرًا، وبعثَ إلى الملك رُجَار صاحب صِقِلية يقول: أنا واصل إليك وسائرٌ من عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكونُ مجاورًا لكَ. فاستشار رُجَار أكابر دولته، فقالوا: هذا جيد لنا وله، وتصبح البلاد بلاد النَّصرانية، فضرطَ ضرطةً، وقال: وحق ديني هذه خيرٌ من كلامكم! قالوا: ولِمَ ؟ قال: إذا وصل احتاج إلى كُلْفة كبيرة ومراكب وعَسَاكر من عندي، فإن فتحوا إفريقية كانت لهم ويأخذون أكثر مُغَل بلادي، وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذَّيْت بهم، ويقول تَمِيم، يعني ابن باديس: غَدَرتَ ونقضتَ العهد، ونحنُ إنْ وجدنا قوةً أخذنا إفريقية. ثم أحضر الرسول، وقال: إذا عزمتم على حَرْب المُسلمين فالأفضل فتح بيت المَقْدس، تُخَلَّصونه من أيديهم، ويكون لكم الفَخْرِ، وأما إفريقية فبيني وبين صاحبها عُهُود وأيْمان، فتركوه وقصدوا الشام . وقيل: إنَّ صاحب مصر لما رأى قوة الشُّلْجُوقية واستيلاءهم على الشَّام ودخول آتْسِز إلى القاهرة وحصارها، كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه(٢). (١) الكامل ٢٧٢/١٠ فما بعد. (٢) يعني: ليكونوا حاجزًا بينهم وبين المسلمين، كما في الكامل ٢٧٣/١٠ . ٦٦٥ وقيل: إنهم عبروا خليج القُسْطنطينية وقَدِموا بلاد قِلِيْج أرسلان بن سُليمان بن قُتُلْمش السُّلْجوقي، فالتقاهم، فهزموه في رجب سنة تسعين، واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فَسَلكوها، وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها، فخاف ياغي سِيان من النَّصارى الذي هم رعيته، فأخرج المسلمين خاصة لعمل الخندق، فأصلحوه، ثم أخرج النصارى كلهم من الغد لعمل الخندق أيضًا، فعملوا فيه إلى العصر، ومنعهم من الدخول، وأغلق الأبواب، وأمن غائلة النَّصارى. وحاصرته الفرنج تسعة أشهر، وهلك أكثر الفرنج قَتْلاً وموتًا بالوَبَاء وظهر من شجاعة ياغي سيان وحَزْمه ورأيه ما لم يُشْهَد من غيره، وحفظ بيوت رعيته النَّصارى بما فيها. ثم إن الفرنج راسلوا الزَّرَّاد أحد المقدَّمين، وكان مُتَسَلِّمًا برجًا من السُّور، فبذلوا له مالاً، فعامَلَ على المُسلمين وطَلَعوا إلى أن تكاملوا خمس مئة، فضربوا البُوق وقت السَّحَر، ففتح ياغي سِيَان الباب، وهرب في ثلاثين فارسًا، ثم هرب نائبه في جماعة. واستُبيحت أنطاكية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك في جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين، وأُسْقِط في يَد ياغي سيان صاحبها، وأكل يديه ندمًا حيث لم يقف ويقاتل عن حُرَمه حتى يُقْتل، فلِشِدة ما لحِقه سقط مَغْشِيًّا عليه، وأراد أصحابه أن يُرْكِبُوه، فلم يكن فيه حَيْلٌ يتماسك به، بل قد خارت قوته، فتركوه ونجوا. فاجتاز به أرمني حَطَّاب، فرآه بآخر رَمَق، فقطعَ رأسَهُ، وحمله إلى الفرنج. وقال صاحب ((المرآة)): وكَثُر النفير على الفرنج، وبعث السُّلطان بَرْكيارُوق إلى العَسَاكر يأمرهم بالمسير مع عميد الدولة للجهاد. وتجهز سيف الدَّولة صَدَقة بن مَزْيَد. فجاءت الأخبار إلى بغداد بأن أنطاكية أُخذت، وأن الفرنج صاروا إلى المَعَرَّة، وكانوا في ألف ألف إنسان، فنصبوا عليها السَّلالم، ودخلوها، وقتلوا بها مئة ألف نفس، وسَبَوا مثل ذلك، وفعلوا بكَفَرْطَاب كذلك(١) . قلت: دافعَ أهلُ المَعَرة عنها، وقاتلوا قتال الموت حتى خُذلوا، فقُتل بها عشرون ألفًا، فهذا أصح. (١) هذه من مبالغات السبط، ومجازفاته. ٦٦٦ وقال أبو يَعْلَى ابن القلانسي(١): وأما أنطاكية فقُتل بها وسُبي من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حَصْر، وهرب إلى القَلْعة تقديرُ ثلاثة آلاف تحصنوا بها . قال أبو يَعْلَى: وبعد ذلك أخذوا المَعَرَّة في ذي الحجة. قال ابن الأثير (٢): ولما سمع قوام الدولة كَرْبوقا صاحب المَوْصل بذلك، جمع الجيوش، وسار إلى الشام، ونزل بمرج دابق، فاجتمعت معه عساكر الشام، تُرْكُها وعَرَبُها، سوى جُنْد حَلَب. فاجتمع معه دُفَاق وطُغْتِكين أتابَك، وجَنَاح الدَّولة صاحب حِمْص، وأرسلان صاحب سِنْجار، وسُقمان بن أُرْتُق وغيرهم، فعظُمَت المُصيبة على الفرنج، وكانوا في وَهْن وقَحْط. وسارت الجيوش فنازلتهم. ولكن أساء كربوقا السيرةَ في المُسلمين، وأغضبَ الأُمراء وتحامق، فأضمروا له الشر، وأقامت الفرنج في أنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة عشر يومًا، ليس لهم ما يأكلونه، وأكَلَ ضعفاؤهم الميتة وورق الشَّجَر، فبذلوا البلد بشرط الأمان، فلم يُعطھم کرْبوقا . وكان بَرْدويل، وصَنْجِيل، وكُنْدِفْري، والقُمص صاحب الرُّها وبَيْمُنْت صاحب أنطاكية، ومعهم راهب يرجعون إليه، فقال: إن المسيح كانت له حَرْبَةٌ مدفونة بأنطاكية، فإنْ وجدتموها نُصِرْتُم، ودفَنَ حَرْبةً في مكانٍ عَفاه، وأمرهم بالصَّوم والتوبة ثلاثة أيام، ثم أدخلهم إلى مكانٍ، وأمر بحفره، فإذا بالحَرْبة، فبشرهم بالظّفَر. وخرجوا للقاء، وعملوا مَصَافًا، فولى بعض العساكر حربَ كربوقا، لما في قلبهم منه. وما كان ذا وقت ذا، فاشتغل بعضهم ببعض، ومالت عليهم الفرنج، فهزمتهم، وهربوا من غير أن يقاتلوا، فظنت الفرنج أنها مَكِيدة، إذ لم يجر قتال يوجب الهزيمة، وثبتَ جماعةٌ من المجاهدين، وقاتلوا خشية، فحطمتهم الفرنج، واستُشْهِد يومئذٍ أُلوف، وغنمت الفرنج من المسلمين مُعظم تَقْلهم ورَخْتهم(٣). ثم ساروا إلى المَعَرَّة، فحاصروها أيامًا، ثم داخل المسلمين فشلٌ وهَلَعٌ، وظنوا أنهم إذا تحصَّنُوا بالدُّور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السُّور إلى (١) ذيل تاريخ دمشق ١٣٥ . (٢) الكامل ٢٧٦/١٠. (٣) الرخت: الأثاث والمتاع، فارسية (دوزي ١١٣/٥). ٦٦٧ الدُّور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كَفِعْلهم، فخلا مكانهم من السُّور، فصعدت الفرنج على السَّلالم، ووضعوا فيهم السَّيف ثلاثة أيام، وقتلوا ما يزيد على مئة ألف، وملكوا جميع ما فيها . وساروا إلى عِرْقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا أماكن، ثم صالحهم عليها صاحب شَيْزر ابن مُنْقِذ. فساروا ونازلوا حِمْص، ثم صالحهم جَناح الدولة على طريقٍ إلى عَكا . وفيها شَغَبَ الجُنْد على السُّلطان بَرْكْيَارُوق وقالوا: لا نسكت لكَ حتى تُسَلِّم إلينا مجد المُلْك القُمي المُسْتوفي - وكان قد أساء السيرة، وضيق أرزاقهم، فقال القمي: نفسي فداؤك دعهم يقتلوني ويبقى عليك ملكك، فقال: والله لا مَكَّنْتهم منك. وعزم على إخفائه، فقيل له: متى خرجَ عنك قتلوه، ولكن اشفع فيه. فبعثه وقال للأمراء: السُّلطان يشفع إليكم فيه، فثاروا به وقتلوه. ثم جاؤوا وقبلوا الأرض بين يدي بَرْكْيَارُوق، فسكت . وقال أبو يَعْلَى (١): وفيها سار أمير الجيوش أحمد حتى نازل بيت المقدس وحاصره، وأخذه من سُفْمان بن أُرْتُق . سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة لما سار السُّلطان بَرْكْيَاروق إلى خُراسان، استعمل أُنَر على فارس وبلادها، وكان قد غَلَب عليها خَوارج الأعراب، واعتضدوا بصاحب كِرْمان ابن قاروت، فالتقاهم أُنَر، فهزموه وجاءَ مَفْلُولاً. ثم وَلِيَ إمارة العراق، يعني من قبل بركياروق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين له، وعَسْكر بأصبهان، ثم سار منها إلى إقطاعه بأذْرَبِيْجان، وقد عاد، وانتشرت دعوة الباطنية بأصبهان، فانتدب لقتالهم، وحاصر قلعةً لهم بأرض أصبهان، واتصل به مُؤَيد المُلْك ابن نظام المُلْك، وجَرَت له أمور. ثم كاتبَ غياث الدين محمد بن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكَنْجَة، ثم سار إلى الرَّي في نحو عشرة آلاف، وهَمَّ بالخروج على بركياروق، فوثب عليه ثلاثة فقتلوه في رمضان بعد الإفطار. فوقعت الصَّيْحة، ونُهِبت خزائنُه، وتفرَّق جَمْعُه. ثم نُقِل إلى أصبهان، فدُفن في داره. (١) ذيل تاريخ دمشق ١٣٥. ٦٦٨ وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس؛ لما كَسَرَت الفرنج، خذلهم الله، المسلمين على أنطاكية في العام الماضي، قووا وطغوا، وكان تاج الدَّولة تُش قد استولى على فلسطين وغيرها، وانتزع البلاد من نُواب بني عُبَيد، فأقطعَ الأمير سُقمان بن أُرْتُقَ الثُّركماني بيتَ المَقْدس، فرتبه وحَصَّنه، فسار الأفضل ابن بَدْر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سُقمان وأخاه إيلغازي، ونصبوا على القدس نيِّفًا وأربعين منجنيقًا، فهدموا في سوره. ودام الحصار نيِّقًا وأربعين يومًا، وأخذوه بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين. وأنعم الأفضل على سُقمان وأخيه، وأجزل لهم الصِّلات. فساَرَ سُقمان واستولى على الرُّها، وذهب أخوه إلى العراق. ووَلَّى على القدس افتخار الدولة المِصْري، فدام فيه إلى هذا الوقت. وسارت جيوش النصرانية من حِمْص، فنازلت عكا أيامًا، ثم تَرَخَّلوا وأتوا القُدس، فحاصروه شهرًا ونِصْفًا، ودخلوه من الجانب الشمالي ضَحْوَة نهار الجمعة لسَبْع بقين من شعبان، واستباحوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون . واحتمى جماعةٌ ببرج داود، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان، وذهبوا إلى عَسْقَلان . قال ابن الأثير(١): قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا، منهم جماعة من العُلماء والعُباد والزُّهاد؛ ومما أخذوا أربعين قِنْديلاً من الفضة، وزن القِنْديل ثلاثةُ آلاف وست مئة درهم، وأخذوا تَنُّورًا من فِضة، وزنه أربعون رِطْلاً بالشَّامي، وغَنِموا ما لا يُحْصَى. وورد المستنفرون من الشام إلى بغداد صُحْبةِ القاضي أبي سَعْد الهَرَوي، فأوردوا في الدِّيوان كلامًا أبكى العيون وجرحَ القُلوب. وبعث الخَليفة رُسُلاً، فساروا إلى حُلْوان، فبلغهم قَتْل مجد المُلْك الباسلاني، فردوا من غير بُلُوغ أرَبٍ، ولا قضاءِ حاجةٍ. واختلفَ السَّلاطین، وتمكنت الفرنج من الشام، وللأپیوردي: مزجنا دماءً بالدُّموعِ السَّوَاجِمِ فلم يبق منا عُرضةٌ للَمَراجم وشَرُّ سلاح المَرْء دَمْعٌ يُفيضُهُ إذا الحَرْبُ شَبتْ نَارُها بالصَّوارِمِ فَإِيهَا بَنِي الإسلام، إن وراءكم وقائعُ يُلْحِقْنَ الرَّدَى بالمناسِمِ (١) الكامل ٢٨٣/١٠ - ٢٨٥. ٦٦٩ أَتَهْويمةٌ في ظِلِّ أمْنِ وغِبْطَةٍ وعَيْشٍ كَنُوارِ الخَمِيلة ناعمِ على هفوات أيقظت كل نائم؟ وكيفَ تَنَامِ العينُ مِلْء جفُونها وإخوانكم بالشام يُضْحي مَقيلُهم تسومُهُمُ الزُّومُ الهَوانَ وأنتم فكم من دماءٍ قد أُبیحت، ومن دُمِّی بحيث السيوفُ البيضُ مُحْمَرَّةُ الظُبا ظهورَ المَذَاكي أو بُطُونَ القَشَاعم تجُُونَ ذَيْلِ الخَفْضِ فِعْلَ المُسالم توارَى حياءً حُسْنُها بالمَعاصمِ وسُمْرُ العَوالي دامياتُ اللَّهَاذمَ يكاد لهن المُسْتَجِن بطِيبةٍ ينادي بأعلى الصَّوت: يا آل هاشم أرى أُمَّتي لا يَشْرَعُون إلى العِدَى رماحَهُم، والدِّينُ واهي الدَّعائم ويجتنبون النَّارَ خَوْفًا من الرَّدَى ولا يَحْسَبُون العارَ ضَرْبَةَ لازِم أَتَرْضَى صناديدُ الأعاريب بالأذَى، وتُغْضي على ذُلِّ كُماةُ الأعاجم فَلَيْتَهُمُ إذ لم يردوا حَمِيةً عن الدين، ضنوا غَيْرةً بالمحارم قال أبو المظفر سِبْط ابن الجوزي: سارت الفرنج ومقدمهم كُنْدُهري(١) في ألف ألف، منهم خمس مئة ألف مقاتل، وعملوا بُرْجين من خشب مُطِلَّين على السُّور، فأحرقَ المسلمون البُرج الذي كان بباب صهْيُون، وقتلوا من فيه، وأما الآخر فزحفوا به حتى ألْصَقُوه بالُّور وحكموا به على البَلَد، وكشفوا من كان بإزائهم، ورموا بالمجانيق والسِّهام رميةَ رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون من السُّور. قلت: هذه مجازفة بيِّة، بل حكى ابن مُنْقِذ: أنَّ ما جرى كان بجُبَيْل، وأن قومًا وقفوا على سورها بأمر الوالي في مَضيقٍ لا يكاد يعبُرُ منه إلا واحدٌ بعد واحد. قال: فكان عدد خَيْلهم ستة آلاف ومئة فارس، والرَّجالة ثمانية وأربعون ألفًا. ولم تزل دارَ الإسلام منذ فتحها عمر رضي الله عنه. قال ابن الأثير (٢): وكان الأفضل لما بَلَغه نزولُهم على القُدس تجهَّزَ وسارَ من مصرَ في عشرين ألف فارس، فوصل إلى عَسْقلان ثاني يوم الفتح، ولم يعلم، وراسل الفرنج. فأعادوا الرسول بالجواب ورَحَلُوا في أثره وطلعوا على المصريين عَقِيب وصول الرسول، ولم يعلم المصريون بشيء، فبادروا (١) هكذا في النسخ کافة، وهو کودفري دي بویون. (٢) الكامل ٢٨٦/١٠. ٦٧٠ السِّلاح والخيلَ، وأعجلتهم الفرنج فهزموهم، وقتلوا منهم من قُتِل، وغنموا خيامهم بما فيها. ودخل الأفضل عَسْقلان، وتَمَزَّق أصحابه. فحاصرته الفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذَهَبًا كثيرًا، فردوا إلى القُدس. قال أبو يَعْلَى ابن القلانِسِي(١): قتلوا بالقدس خَلْقًا كثيرًا، وجمعوا اليهود في كنيسةٍ وأحرقوها عليهم، وهَدَمُوا المشاهد. وفيها ابتداء دولة محمد بن ملكشاه. لمَّا ماتَ أبوه ببغداد سار مع أخيه محمود والخاتون تُزْكان إلى أصبهان. ثم إن أخاه بركياروق أقطعه كَنْجة، وجعلَ له أتابكًا، فلما قوي محمد قتل أتابكه قتلغ تكين، واستولى على مملكة أَرَّان، وطلَعَ شَهْمًا شُجاعًا مَهِيبًا، قطعَ خُطبة أخيه، واستوزر مؤيّد المُلْك عبد الله بن نظام المُلْك، فإنه التّجأ إليه بعد قتل مخدومه أُثَر. واتفق قَتْل مَجْد المُلْك الباسلاني، واستيحاش العَسْكر من بركياروق، ففارقوه وقدموا على محمد، وكَثُر عَسْكره، فطلب الرّيَّ، وعرج أخوه إلى أصبهان، فَعَصوا عليه، ولم يفتحوا له، فسار إلى خُوزِسْتان. وأما محمد فاستولى على الزَّي وبها زُبَيْدة والدة السُّلطان بركياروق، فسجنها مؤيد المُلْك الوزير، وصادَرَها وأمر بخنقها، ولكن أظفرَ اللهُ بركياروقَ بالمؤيَّد فقتَلَهُ. وسار سَعْد الدَّولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السُّلطان محمد، فخلع عليه، ورده إلى بغداد نائبًا له، وأقيمت لمحمد الخُطبة ببغداد، ولُقِّب ((غياث الدُّنيا والدِّين)) في آخر السنة . وفيها، وفي العام الماضي، كان بخُراسان الغلاء المُفْرط، والوَبَاء، حتى عجزوا عن الدَّفْن، وعظم البلاء. وفيها نقل الأتابك طُغْتِكِين المُصْحَف العُثماني من طبرية خوفًا عليه إلى دمشق، وخرجَ النَّاس لتَلَقِّيه، فأقره في خزانةٍ بمقصورة الجامع . سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة لما سار بَرْكيارُوق إلى خُوزستان دخلها بجميع من معه وهم في حالٍ سيئة. ثم سار عَسْكره إلى واسط، فظلموا النَّاسَ، ونهبوا البلادَ وسار إلى خدمته الأمير صَدَقَةُ بن مَزْيَد صاحب الحِلَّة. ثم سار فدَخل بغداد في أثناء صَفَر، وأعيدت خُطبتُه، وتراجع إليه بعض الأمراء، ولم يؤاخذ كوهرائين، (١) ذيل تاريخ دمشق ١٣٧ . ٦٧١ وخلعَ عليه، وقبض على وزير بغداد عميد الدَّولة ابن جَهِير، والتزم بحمل مئة وستين ألف دينار. ثم سار بالعساكر على شَهْرَزُور، وانضم إليه عسكرٌ لَجب، فالتقى الأخوان فكان محمد في عشرين ألفًا، وكان على مَيْمنته أميرُ آخُر، وعلى ميسرته مؤيد المُلْك، والنِّظامية. وكان علی میمنة بركْیَارُوق کُوهرائین، والأمير صَدَقة، وعلى ميسرته كَرْبوقا صاحب المَوْصل. فهزم كُوهرائين ميسرة محمد، وهزم أميرٌ آخُر بميمنة محمد ميسرة بركياروق، وعاد كوهرائين فكبا به الفرس، فأتاه فارس فقتله، وانهزمت عساكر بركياروق وذل، وبقي في خمسين فارسًا. وأُسر وزيره الجديد الأعز أبو المحاسن، فبالغ مؤيد المُلْك وزير محمد في احترامه، وكَفَّله عمارة بغداد، وإعادة الخُطْبة لمحمد، فساق إلى بغداد، وخطب لمحمد ثاني مرة في نصف رجب. وكان سَعْد الدولة كُوهرائين خادمًا كبيرًا محتشمًا، وَلَيَ بَغْداد وخدم ملوكها، ورأى ما لم يره أميرٌ من نفوذ الكَلِمة والعِز. وكان حليمًا كريمًا حسنَ السِّيرة. وكان خادمًا تُركيًّا للملك أبي كاليْجَار ابن سُلْطان الدَّولة ابن بهاء الدولة ابن عَضُد الدولة ابن بُويه؛ بعث به أبوه مع ابنه أبي نصر إلى بغداد، فلم يزل معه حتى قدم السلطانُ طُغْرُلْبَك بغداد، فحبسه مع مولاه. ثم خدم السُّلطان ألب أرسلان، وفداه بنفسه يوم وثب عليه يوسف الخُوارزمي. وكان صاحب صلاةٍ، وتَهَجُّدٍ، وصيام، ومعروف، رحمه الله. وأمَّا السُّلطان بَزْكْيارُوق، فسار بعد الوقعة إلى إسْفَرَايين، ثم دخل نَيْسابور، وضَيَّق على رؤسائها. وعَمِلَ مصافًّا مع أخيه سَنْجَر، فانهزمت الفتيان. وسار بركياروق إلى جُرْجان، ثم دخل البرية في عسكرٍ يسير، وطلب أصبهان، فسبقه أخوه محمد إليها . وفيها فتح تميم بن المُعز بن باديس مدينة سَفَاقُس، وغيرها، واتَّسعَ سلطانه. وفيها لقي كُمُشْتِكِين ابنُ الدَّانشمَنْد صاحب مَلَطْية وسيواس، بَيْمُنْد الفرنجيَّ صاحب أنطاكية، بقرب مَلَطْية، فأُسِر بَيْمُند. ووصل في البحر سَبْعة قوامص، فأخذوا قلعة أنكورية(١)، وقتلوا أهلها. (١) هي المعروفة اليوم بأنقرة. ٦٧٢ ثم التقاهم ابن الدانشْمَنْد. قال ابنُ الأثير(١): فلم يفلت أحدٌ من الفرنج، وكانوا ثلاث مئة ألف، غير ثلاثة آلافٍ هربوا ليلاً. كذا قال، والعُھْدة علیه. قال: ثم سار إليه الفرنج من أنطاكية، فالتقاهم وكسرهم. وفيها وَزَرَ للخليفة أبو المحاسن جلال الدَّولة عبدالجليل الدِّهِسْتانيُّ، فجاءه كتاب بركياروق يحثه على اللِّحاق به. فاستوزرَ الخليفةُ المستظهر بالله سديدَ المُلْك أبا المعالي الفَضْل بن عبدالرزاق الأصفهاني أحد كتاب ديوان الجيش للسلطان ملكشاه. قال صاحب ((المرآة)): وفيها خرج سعد الدَّولة القُرَاسي(٢) من مصر، فالتقى الفرنج على عَسْقلان، وقاتل بنفسه حتى قُتل، وحمل المسلمون على النصارى فهزموهم إلى قَيْسارية. قال: فيقال إنهم قتلوا من الفرنج ثلاث مئة ألف . قلت: هذه مُجازفة عظيمة من نوع المذكورة آنفًا . وفيها كان القَخْط شديدًا بالشام، والخوف من الفرنج. سنة أربع وتسعين وأربع مئة في وسطها كان مصافٍّ كبيرٌ بين السُّلطانين: محمد، وبركياروق. كان مع بركياروق خمسون ألفًا، فانهزم محمد، وأُسر وزيره مؤيد المُلْك، فذبحه بركياروق بيده. وكان بخيلاً ظالمًا، سَيِّىءَ الخُلُق، مذموم السِّيرة، إلا أنه كان من دُهاة العالم، عاش خمسين سنة. ودخل بَرْكْيارُوق إلى الرَّي وسجدَ لله، وجاء إلى خدمته صاحب المَوْصل كَرْبوقا، ونور الدولة دُبَيْس ولد صَدَقَة . وانهزم محمد إلى خُراسان، فأقام بجُرْجان، وراسل أخاه لأبَوَيْه الملك سنجر يطلب منه مالاً وكِسْوة، فسيّر إليه ما طلب. ثم تحالفا وتعاهدا واتفقا. (١) الكامل ٣٠٠/١٠. (٢) هكذا في النسخ كافة ومنها نسخة أوالأحمدية بحلب، وهما نسختان متقنتان، ووقع في النجوم الزاهرة ١٥٢/٥: ((القواسي)) بالواو، وما أظنه إلا تحريفًا، ولعله منسوب إلى قراس اسم موضع، كما في معجم البلدان ٣١٦/٤ (بيروت). تاريخ الإسلام ١٠/م٤٣ ٦٧٣ ولم يكن بقي مع محمد غير ثلاث مئة فارس، فقدم إليه أخوه سَنْجَر وانضم إليهما عسكرٌ كثير، وتضرر بالعسكر أهل خُراسان. وأما السُّلطان بَرْكْيارُوق، فصار جيشه قريبًا من مئة ألف، فغلت الأسعار، واستأذنته الأمراء في التَّفَرق للغلاء، فبقي في عَسْكرٍ قليل، فبلغ ذلك أَخَوَيْه، فقصداه وطَوَيا المراحل، فتقهقر ونَقَصت هيبته، وقصّد هَمَذَان، فبلغه أن إياز متوليها قد راسلَ محمدًا ليكون معه، فسار إلى خُورِسْتان، ثم خرج إلى حُلْوان. وأما إياز فلم يقبله محمد، فخاف وهرب إلى عند بَرْكْيارُوق، فدخلت أصحاب محمد، ونهبوا حواصله، فيقال إنهم أخذوا له خمس مئة فرس عربية وتكامل مع بَرْكْياروق خمسة آلاف ضعفاء، قد ذهبت خيامهم وثقلهم، فقدم بهم بغداد، وتمرض، وبعث يشكو قلة المال إلى الدِّيوان، فتقرَّر الأمر على خمسين ألف دينار حُمِلت إليه، ومَدَّ أصحابه أيديهم إلى أموال الرَّعية وظلموهم. وخرج عن طاعته صاحب الحلة، وخطب لأخيه محمد. وفي آخر العام وصل محمد وسَنْجَر إلى بغداد، وجاء إلى خدمته إيلغازي بن أُرْتُقْ. وتأخر بَرْكيارُوق وهو مريض إلى واسط، وأصحابه ينهبون القُرى ويأكلون. وفرح الخليفة والناس بالسلطان محمد. وفيها أو في حدودها ظهرت الباطنية بالعراق ونواحيها، وكَثُّرُوا؛ قال أبو الفَرَج ابن الجوزي في ((المنتظم))(١): أول ما عُرِف من أخبار الباطنية، في أيام ملك شاه، أنهم اجتمعوا فَصَلَّوا العيد في ساوَةَ، ففطِن بهم الشِّخْنة، فأخذهم وحبسهم، ثم أطلقهم، فسألوا مؤذِّنًا من أهل ساوة أن يدخل في مذهبهم، فامتنع، فخافوا أن ينم عليهم، فقتلوه. فرُفِع ذلك إلى نظام المُلْك، فأخذ رجلاً نَجَّارًا اتهمه بقتله فقتله، فتحيلوا حتى قتلوا نظام الملك، وهو أول من فتكوا به. وكانوا يقولون: قتلتم منا نَجَّارًا، فقتلنا به نِظَام المُلْك. ثم استفحل أمرهم بأصبهان. ولما مات السلطان ملكشاه، آل أمرهم إلى أنهم كانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويُلْقُونهم في الآبار. فكان الإنسان إذا دنا وقتُ العَصْر ولم يَعُدْ إلى منزله يئسوا منه. وبلغ من حِيلهم أنهم أجلسوا امرأة على حَصِير لا تَبْرح منه، فدخلوا الدَّار، يعني الأعوان، فأزالوها، فوجدوا تحت الحَصِير بئرًا فيها (١) المنتظم ٩/ ١٢٠. ٦٧٤ أربعون قتيلاً. فقتلوا المرأة، وهَدَموا الدَّار. وكانوا يُجلسون ضريرًا على باب زُقاقهم، فإذا مر به إنسان سأله أن يقوده إلى رأس(١) الزُّقاق، فإذا فعل جذبه من في الدار إليها فقتلوه. فجدَّ أهلُ أصبهان فيهم، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا. وأول قلعة ملكوها قلعة الرُّوذَبار بناحية أصبهان، كانت لقماج صاحب ملكشاه، وكان متَّهَمًا بمذهبهم. فلما مات ملكشاه أعطوه ألفًا ومئتي دينار، فسلَّمها إليهم في سنة ثلاثٍ وثمانين، وقيل: لم يكن ملكشاه مات بعدُ. وكان مقدَّمهم يقال له الحسن بن الصَّبَّاح، وأصله من مَرْو، وكان كاتبًا لبعض الرؤساء، ثم صار إلى مصر وتلقَّى من دُعاتهم، وعادَ داعيةً للقوم، وحَصَّل هذه القلعة، وكان لا يدعو إلا غبيًّا، ثم يذكر له ما تم على أهل البيت من الظُّلْم، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أُمية، فما سبب تخلُّفك بنفسك عن إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طَعْمةً للسِّباع. وكان ملكشاه نفَّذ إليه يتهدده ويأمره بالطاعة، ويأمره أن يكف أصحابه عن قَتْل العُلماء والأمراء، فقال للرسول: الجواب ما تراه. ثم قال الجماعةٍ بين يديه: أريد أن أُنْفذكم إلى مولاكم في حاجةٍ، فمن ينهض بها؟ فاشرأب كلُّ واحدٍ منهم، وظن الرسول أنها حاجة، فأومى إلى شاب فقال: اقتُلْ نفسَك. فجذب سكينًا، فقال بها في غَلْصمته(٢)، فخرَّ ميتًا. وقال الآخر: ارم نفسَك من القَلْعة. فألقى نفسه فَتَقَطَّع. ثم قال للرسول: قل له عندي من هؤلاء عشرون ألفًا، هذا حد طاعتهم. فعاد الرسول وأخبر ملكشاه، فعجب، وأعرض عن كلامهم. وصار بأيديهم قلاعٌ كثيرة، منها قلعةٌ على خمسة فراسخ من أصبهان، وكان حافظُها رجلاً تركيًّا، فصادقه نَجَّارٌ منهم، وأهدى له جاريةً، وقَوْسًا، فوثق به، وكان يستنيبه في حِفْظ القَلْعة. فاستدعى النَّجَّار ثلاثين رجلاً من أصحاب ابن غطاس(٣)، وعمل دَعْوةً، ودعا التُّركي وأصحابه، وسقاهم الخَمْر، فلما سكروا استقى الثلاثين بحبالٍ إليه، فقتلوا أصحاب التركي، وسلم (١) في أ: ((آخر)). (٢) الغلصمة: ما بين العنق والرأس، وهو موضع الذبح. (٣) هكذا في النسخ بالغين المعجمة وآخره سين مهملة، وفي المنتظم ١٢٢/٩: ((عطاس)) بالعين المهملة، وفي الكامل لابن الأثير ٣١٦/١٠: ((عطاش)) آخره شين معجمة. ٦٧٥ التركي وحده، فهرب. وملكوا القَلْعة. وقطعوا الطُّرُقات ما بين فارس وخُوزستان. وانصرف جماعة من أصحاب جاولي إليهم، وصاروا منهم؛ ثم ظفر جاولي بثلاث مئة منهم، فأحاط هوٍ وجُنْده بهم فقتلوهم. وكان جماعة منهم في عسكر بركياروق، فاستغووا خَلْقًا منهم، فوافقوهم، فاستشعر أصحاب السُّلطان منهم، ولبسوا السِّلاح، ثم قتلوا منهم نحو مئة رجل . وكان بنواحي المشان رجل منهم يَتَزَهَّد ويَدَّعي الكرامات. أحضر مرةً جَدْيَا مَشْوِيًّا لأصحابه فأكلوا منه، وأمر برد عظامه إلى التنور، فرُدت، وجعل على التنورَ طَبَقًّا. ثم رفع الطَبَق فوجدوا جَدْيًا يرعى حشيشًا، ولم يروا نارًا ولا رمادًا. فتلطف بعض أصحابه حتى عرف بأن التنور كان يُفْضي إلى سِرْداب، وبينهما طبق من حديد يدور بلَوْلَب، فيفرك اللَّوْلَب، فتدور النار، ويجيء بَدَلها الجدْيُ والمَرْعَى. وقال الغَزَّالي في كتاب ((سر العالمين)): شاهدتُ قِصة الحسن بن الصَّبَّاح لما تزهد تحت حصن ألَمُوت، فكان أهل الحِصْن يتمنون صعوده إليهم، ويمتنع ويقول: أما تَرَوْن المُنكر كيف فشا؟ وفسد الناس. فصار إليه خلقٌ. فخرج أمير الحصن يتصيد، وكان أكثر تلامذته في الحِصْن، فأصعدوه إليهم ومَلَّكوه، وبعث إلى الأمير من قتله. ولما كثُرت قلاعهم، واشتغلَ عنهم أولاد مَلِكشاه باختلافهم اغتالوا جماعةً من الأمراء والأعيان. وللغزالي رحمه الله كتاب ((فضائح الباطنية))(١)، ولابن الباقلاني، والقاضي عبدالجبار، وجماعة: الرد على الباطنية. وهم طائفة خَبِيثة، يُظْهِرون الزُّهْد، والمُرَاقبة، والكَشْف، فيضل بهم كلُّ سَليمِ الباطن . قال ابن الأثير (٢): وفي شعبان من سنة أربع وتسعين أمر السُّلطان بركياروق بقتل الباطنية، وهم الإسماعيلية، وهم القَرَامطة. قال: وتَجَرَّد بأصبهان للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخُجَنْدي الفقيه الشافعي، وجمع الجَمَّ الغَفير بالأسلحة، وأمر بحفر أخاديد أوقدوا فيها النيران، وجعل (١) وهو مطبوع لكنه يحتاج إلى مزيد تحقيق وضبط وتعليق. (٢) الكامل ٣١٣/١٠. ٦٧٦ عليها رجلاً لقبوه مالكًا، وجعلت العامة يأتون ويُلْقُونهم في النَّار، إلى أن قتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا. إلى أن قال(١): وكان الحسن بن الصباح رجلاً شهمًا، كافيًا، عالمًا بالهندسة، والحساب، والنجوم، والسِّخْر، وغير ذلك. وكان رئيس الرَّي أبو مسلم، فاتَّهم ابنَ صَبَّاح بدخول جماعةٍ من دُعاة المصريين عليه، فخافَهُ ابنُ صَبَّاح وهرب، فلم يُدركه أبو مسلم. وكان ابن صَبَّاح من جملة تلامذة أحمد بن غطاس الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان، وسافر ابن صَبَّاح فطافَ البلاد، ودخل على المستنصر صاحب مصر، فأكرمه وأعطاه مالاً، وأمره أن يدعو النَّاسَ إلى إمامته، فقال له الحسن بن الصباح: فَمَن الإمام بعدك؟ فاشار إلى ابنه نِزَار. ولما هلك المُسْتَنصر واستخلف ولده المُسْتعلي صار نزار هذا إلى الإسكندرية، ودَعَى إلى نفسه، فاستجاب له خَلْقٌ، ولُقِّب بالمصطفى لدين الله. وقامَ بأمر دولته ناصر الدَّولة أفتكين مَوْلَى أمير الجيوش بدر. وهذا في سنة سَبْعِ وثمانين وأربع مئة. فسار عسكر مِصْرَ لحصارِ الإسكندرية في سنة ثمانٍ وثمّانين، فخرج ناصر الدَّولة وطردهم، فردوا خائبين. ثم سارَ الأفضل فحاصرَ الإسكندرية وأخذها، وأسر نِزارًا، وأفتكين وعدة. وجَرَت أمور. ودخل الحسن بنُ صَبَّح خُراسان، وكَاشْغَرَ، والنَّواحي، يطوف على قومٍ يُضِلُّهُمِ. فَلَمَّا رأى قلعة ألمُوت بناحية قَزْوين أقام هناك، وطمع في إغوائهم، ودعاهم في السِّرِّ، وأظهرَ الزُّهد، ولَبِسَ المُسُوح، فتبِعَه أكثرُهُم . وكان نائب ألمُوت رجلاً أعجميًّا عَلَويًّا، فيه بَلهٌ وسلامةُ صَدْرٍ، وكان حسن الظَّنِّ بالحسن، يجلس إليه، ويتبرَّك به. فلما أحكم الحسن أمره دخل يومًا على العلوي، فقال له: اخْرُجْ من هذه القلعة. فتبسَّمَ، وظنَّه يمزح، فأمر الحسنُ بعض أصحاب العلوي فأخرجوه، وأعطاه ماله. فبعث نظام المُلْك لما بلغه الخبرُ عسكرًا، فنازلوه وضايقوه، فبعث من قتل نظام المُلْك، وتَرَخَّل العسكر عن ألمُوت. ثم بعث السُّلطان محمد بن ملكشاه إليها العسكر وحاصروها. ومن جملة ما استولوا عليه من القلاع: قلعة طَبَس، وزُوزَن، وقاين، (١) نفسه ٣١٦/١٠ فما بعد. ٦٧٧ وسيمكوه. وتأذى بهم أهلُ أبْهَر، واستغاثوا بالسُّلْطان، فبعث عسكرًا حاصروها ثمانية أشهر، وفُتحت، وقُتِل كُل من بها. ولهم عدة قلاع سوى ما ذكرنا . قال: وكان تيرانشاه ابن تورانشاه بن قاروت بك السُّلْجُوقي بكِرْمان قد قتلَ الإسماعيلية الأتراك أصحاب الأمير إسماعيل، وكانوا قومًا سُنة، قتلَ منهم ألفي رجل صَبْرًا، وقطع أيدي ألفَيْن، ونفق عليه أبو زُرْعة الكاتب، فَحَسَّن له مذهب الباطنية فأجاب. وكان عنده الفقيه أحمد بن الحُسين البَلْخِي الحَنَفي، وكان مُطاعًا في النَّاس، فأحضرَهُ عنده ليلةً، وأطالَ الجُلُوسَ، فلمَّا خرِج أتْبَعه من قَتَلَه فلما أصبحَ دخل عليه النَّاس، وفيهم صاحبُ جَيْشه، فقال: أيُّها الملك، من قتل هذا الفقيه؟ فقال: أنت شِحْنةُ البَلَد، تسألني من قتل هذا؟ أنا أعرف قاتله!، ونهض. ففارقه الشِّخنة في ثلاث مئة فارس، وسار من كِرْمان إلى ناحية أصبهان. فَجَهَّزَ الملك خلفه ألفي فارس فقاتلهم وهزمهم. وقَدِمَ أصبهان وبها السُّلطان محمد، فأكرمه. وأمَّا عَسْكر كِزْمان، فخرجوا على تيرانشاه، وحاربوه وطردوه عن مدينة بَرْدَسِير التي هي قَصَبَة كِرْمان، وأقاموا عليهم ابنَ عَمِّه أرسلان شاه. وأمَّا تيرانشاه فالتجأ إلى مدينةٍ صغيرةٍ، فمنعه أهلُها وحاربوه، وأخذوا خزائنه، ثم تبعه عَسْكرٌ، فأخذوه، وأخذوا أبا زُرْعة، فقتلهما أرسلان شاه. واستفحل أمرُ الباطنية وكثُرُوا، وصاروا يتهدَّدون من لا يوافقهم بالقَتْل، حتى صارت الأمراء يلبسون الدُّروع تحت ثيابهم. وكان الوزير الأعز أبو المحاسن يلبس زَرَديةً تحت ثَوْبه. وأشارت الأمراء على بركياروق السُّلطان بقَصْدهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم. فأذن في قَتْلهم، وركب هو والعسكر وطلبوهم، وأخذوا جماعة من خيامهم. وممن قُتِلَ واتُّهم بأنه مقدَّمُهم الأمير محمد بن كاكُوية صاحب يَزْد ونُهِبت خيامه، وقُتِل جماعة بُرَءاء سَعَى بهم أعداؤهم. وقد كان أهل عَانَة نُسِبوا إلى هذا المَذْهب قديمًا في أيام المقتدي بالله، فأُنْهيَ حالُهُم إلى الوزير أبي و شجاع فطلبهم، فأنكروا وجَحَدوا فأطلقهم. واتُّهم إلكيا الهَرَّاسي مدرس ٦٧٨ النظامية بأنه باطني فأمرَ السُّلطان محمد بالقَبْض عليه، ثم شهدوا له ببراءة السَّاحة، فأُطْلِقِ. وفيها حاصر الأمين بزغش، وهو أكبر أُمراء الملك سَنْجر، حصنَ طَبَس الذي فيه الإِسماعيلية، وضَيَّقَ عليهم، وخَرَّب كثيرًا من سورها بالمَنجنيق، ولم يبق إلا أخْذُها، فرحلَ عنهم وتركهم، فبنوا السُّور، وملؤوا القَلْعة ذخائرَ. ثم عاودهم بزغش سنة سَبْع وتسعين . وفيها سار كُنْدُفْرَي صاحب القدس إلى عكّا فحاصرها، فأصابه سَهْمٌ فقتله. فسار أخوه بَغْدَوين، ويُقال: بردويل، إلى القُدس في خمس مئة، فبلغ الملك دُقَاق صاحب دمشق، فنهضَ إليه هو وجَنَاحِ الدَّولة صاحب حِمْص، فانكسرت الفرنج. وفيها ملكت الفرنج سَرُوج، من بلاد الجزيرة، لأنَّهم كانوا قد مَلَكوا الُّها بمكاتبةٍ من أهلها النَّصارى، وليسَ بها من المُسلمين إلاَّ قليل، فحاربهم سُقمان، فهزموه في هذه السنة. وساروا إلى سَرُوج، فأخذوها بالسَّيف، وقتلوا وسَبَوا . وفيها ملكوا مدينة حَيْفا، وهي بقرب عَكَّا على البَحْر، أخذوها بالأمان. وأخذوا أرْسُوف بالأمان. وفي رجب أخذوا قَيْسارية بالسَّيف، وقتلوا أهلها. وفي رمضان أمر المستظهر بالله بفتح جامع القَصْر، وأن تُصلَّى فيه التَّراويح، وأن يُجْهَر بالبَسْمَلة، ولم تَجْرِ بهذا عادة، وإنما تركوا الجَهْر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفةً للشِّيعة أصحاب مصر. وأمرَ أيضًا بالقُنُوت على مذهب الشافعي. قصة ابن قاضي جَبَلَة أبي محمد عُبيدالله بن صُلَيْحَة: كانت جَبَلَة تحت حكم ابن عَمَّار صاحب طرابُلُس، فتعانى ابن صُلَيْحة الجُنْدِيَّة، وكان أبوه قاضيًا، فطلعَ هو فارسًا شُجاعًا، فأراد ابنُ عَمَّار أن يُمسكه، فعَصَى عليه، وأقام الخطبة العَبَّاسية، وحُوصر، فلم يقدروا عليه ثم لما غلبت الفرنج حاصروهُ، فشنَّعَ أن بركیاروق وعساكره قد توجهوا إلى الشام، فرحلت الفرنج. ثم عاودوه، فأرجفهم بمجيء المصريين، فرحلوا عنه. ثم عادوا لحصاره، فقرّرَ مع رعيَّته النصارى أن يراسلوا الفرنج، ويواعدوهم إلى ٦٧٩ بُرْج ليطْلُعوا منه، فبادروا وندبوا ثلاث مئة من شجعانهم، فلم يزالوا يطلعون في الحِبال واحدًا واحدًا، وكُلَّما طَلَع واحدٌ قتله ابن صُلَيْحة، إلى أن قتلهم أجمعين، فلمَّا طَلَع الضَّوْءِ صَفَّف الرُّؤوس على السُّور. ثم إنهم هدموا بُرجًا، فأصبح وقد عَمِله. وكان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل. فحملوا مرةً عليه، فانهزم فتبعه الفرنج، فخرج أهل البَلَد، وركبوا أكتافهم فانهزموا، وجاء النَّصر، وأسر مُقَدَّم الفرنج ثم علم ابنُ صُلَيْحة أن الفرنج لا ينامون عنه، فَسَلَّم البلد إلى صاحب دمشق، وسار إلى بغداد بأمواله وخزائنه، وأخذ له السُّلطان برکیاروق شيئًا کثیرًا. وفيها أقبل جيش للفرنج، نحو خمسين ألفًا، فمروا ببلاد قِلِج أرسلان، فحشد وجمع وعَرَض ستة آلاف فارس نقاوةً، وعمل له كمينًا، فكسر الفرنج كَسْرةً مشهورة، وغنم ما لا يوصف. قال ابن مُنْقِذ: حَدَّثني محمد المُستوفي رسول جَنَاحِ الدَّولة إلى ملك الروم، أنهم اعتبروا عدَّتهم، فكانوا ثلاث مئة ألف وخمسة وأربعين ألف إنسان، ومعهم خمسون حِمْل ذهب وفضة وديباج، فانضاف إليهم الذين انهزموا من الوقعة المذكورة، فجمع قلج أرسلان التُّرْك ببلاده، فزادوا على خمسينَ ألفًا. وَغوَّر الماء الذي في طريقهم، وأحرقَ العُشْبَ، وأخْلَى القُرى، فأقبلوا في أرضٍ بلا ماء ولا مَرْعَى. قال: وحدثني رسول رضوان إلى ملك الفرنج طنكلي أنه اجتمع مع الملك تبنين صاحب هذا الجَمْع، فقال: خرجتُ من بلادي في أربع مئة ألف، منهم ألفا شرابي، وألف طَبَّاخِ، وألف فَرَّاش، وسبع مئة بَغْل ديباج، ومال، والخَيَّالة تزيد على خمسين ألفًا، ولما سرتُ عن القسطنطينية أيامًا لم أجد مرفقًا، ولا قبلت من صَنْجيل في غير هذه الطريق، ولا أتمكن من العودة لضعف النَّاس والعَطَش والجُوع، فعند الإياس خرجت في ثلاثة نفر، معنا كلاب وبزاة، أوهمتُ الناس أني أتصيد، وسرتُ إلى البحر، فنزلتُ في مركب، وتركت العَسْكر. وبَلَغَني أن الثُّرْك دخلوه، فلم يمنع أحدٌ عن نفسه، وهلكوا بالمَوْت والقَتْل. وغنم التُّرْكمان ما لا يوصف. ثم سار تبنين وحج القدس، ورجع إلى بلاده في البحر. ٦٨٠