النص المفهرس
صفحات 601-620
يملك أحدٌ مثلها، فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدة الغلاء. وحدثني أبو منصور عبدالمحسن بن محمد أنه ابتاعها بالأثمان الغالية. وكان يحضر بيع گُتُب السِّیرافي، وهو شاهدٌ معروف بمصر، وبيعت گُتبه في سنتین، وزادت على أربعين ألف مجلَّدَة . قال: وكان أبو يوسف يبتاع في كُل أسبوع بمئة دينار، ويقول: قد بعتُ رَحْلي وجميعَ ما في بيتي. وكان الرؤساء هناك يواصلونه بالذَّهب. وقيل: إنه قدِم بغدادَ معه عشرة أحمال كُتُب، وأكثرها بالخطوط المَنْسوبة . وعنه، قال: ملكتُ ستين تفسيرًا، منها ((تفسير ابن جرير))، و((تفسير الجُبائي))، و(تفسير ابنه أبي هاشم))، و((تفسير أبي مسلم بن بحر))، و((تفسير البلخي». قال محمد بن عبدالملك: وأهدى أبو يوسف لنظام المُلْك أربعة أشياء ما لأحدٍ مثلها: ((غريب الحديث)) لإبراهيم الحربي في عشر مجلّدات بخط أبي عمر بن حَيُّوية، و((شِعْر الكُمَيْت)) في ثلاث عشرة مجلّدة بخط أبي منصور، و((عهد القاضي عبدالجبار بن أحمد)) بخط الصاحب بن عباد وإنشائه، فسمعتُ أبا يوسف يقول: كان سبع مئة سطر، كل سطر في ورقة سَمَرْقَندي، وله غلاف آبنُوس يطبق كالأُسْطُوَانة الغليظة. وأهدى له مُصْحَفًا بخطّ منسوب واضح، وبين الأسطُر القراءات بالحُمْرة، وتفسير غريبه بالخُضْرة، وإعرابه بالزُّرْقَة، وكتب بالذهب علامات على الآيات التي تصلُح للانتزاعات في العهود، والمكاتبات، والتعازي، والتهاني، والوعيد. فأعطاه نظام المُلْك ثلاث مئة دينار. فسمعت من يَسأل أبا يوسف عن نظام المُلْك فقال: أعطيته أكثر مما أعطاني، وإنما رضيت منه بالإكرام، وعَذَرْته حين قال: ليس عندي حلال لا شُبھة فیه سوی هذا القَدْر. وسُئل عنه المؤتمن الساجي، فقال: قطعته رأسًا لِما كان يتظاهر به من خلاف الطريق . وقال محمد بن عبدالملك في ((تاريخه)): كان أبو يوسف فصيح العبارة، ٦٠١ حُلْو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار. وكان زَيْديَّ المذهب، وفسَّر بمصر القرآن في سبع مئة مجلَّدٍ كبار. قلت: وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزالي، وجلس بين يديه، فسأله: من أين أنت؟ فقال: من المدرسة ببغداد. وقال الغزالي: علمتُ أنه ذو اطلاع ومعرفة، فلو قلت إنني من طوس، لذكر ما يُحكى عن أهل طُوس من التَّغْفيل، من أنهم توسّلوا إلى المأمون بقبر أبيه، وكونه عندهم، وطلبوا منه أن يحول الكعبة، وينقلها إلى عندهم، وأنه جاء عن بعضهم أنه سُئل عن نجمه، فقال: بالتيس. فقيل له في ذلك، فقال: من سنین کان بالجدي، والآن فقد گپِر . قال ابن عساكر(١): وسمعتُ من يحكي أنه كان بأطْرَابُلُس، فقال له ابن البَرَّاج متكلُّم الرافضة: ما تقول في الشَّيْخين؟ فقال: سِفْلتان ساقطان. قال: مَن تَعْني؟ قال: أنا وأنت. وقال أبو عليّ بن سُكَّرة الصَّدَفي: أبو يوسف القَزْويني كان معتزليًّا داعية، كان يقول: لم يبقَ من ينصُر هذا المذهبَ غيري. وكان قد بلغ من السن مبلغًا يكاد أن يَخفى في الموضع الذي كان يجلس فيه، وله لسانٌ شابٌ. ذكر لي أن له تفسيرًا في القرآن في نحو ثلاث مئة مجلّد، سبعة منها في سورة الفاتحة، وكان عنده جزءٌ ضخْمٌ، من حديث محمد بن عبدالله الأنصاري، رواية أبي حاتم الرَّازي، عنه، كنت أود أن يكون عند غيره بما يشق عليَّ. قرأتُ عليه بعضه، رواه عن القاضي عبدالجبار المعتزلي، عن رجل، عنه. وكان سبب مَشْيي إليه أن شيخنا ابن سِوَار المقرىء سألني أن أمضي مع ابنَيْه الأسمِعَهُما عليه، فأجَبْتُه، وقرأ لهما شيئًا من حديث المَحامِلي، وأخبرنا أنه سمع ذلك سنة تسع وتسعين وثلاث مئة، وهو ابن أربع سنين أو نحوها. قال لي: كنتُ في سن هذا، يعني وَلَد شيخنا ابن سِوَار، وكنتُ أعقل من أبيه. وكان لا يُسالم أحدًا من السَّلَف؛ وكان يقول لنا: اخرجوا تدخل الملائكة، یرید المحدِّثين. قال: ولم أكتب عنه حَرْفًا، يعني ابن سُكَّرة أنه لا يُحَدِّث عنه، وقد روى عنه شِعْرًا، وذكره في ((مَشْيخَته)) . . (١) تاريخ دمشق ٢١٩/٣٦. ٦٠٢ قال شجاع الذُّهْلي: أبو يوسف القَزْويني أحد شيوخ المعتزلة، عاش ستًّا وتسعين سنة، ذكر لي أن مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مئة. وقال ابن ناصر: مات في رابع عشر ذي القَعْدة، وقال مرةً: وُلِدتُ في نصف شعبان . ٢٧٣ - عبدالصمد بن أحمد ابن الرومي، أبو القاسم البَغْداديُّ. سمع أبا عليّ بن شاذان. روى عنه عبدالوَهَّاب الأنْماطي، ومحمد بن عليّ بن عبدالسَّلام. تُوفي في صفر . ٢٧٤ - عبدالغفار بن نصر، أبو طاهر الهَمَذانيُّ المقرىء البَزَّاز، ويُعرف بابن هاموش. قال شِيرُوية: روى عن ابن عَبْدان، وعبدالغافر الفارسي، وأبي حفص بن مسرور؛ النَّْسابوريين. قرأتُ عليه القرآن، وتُوفي في المحرَّم. ٢٧٥ - عبدالملك بن عبدالله، أبو سهل الدَّشْتيُّ الفقيه. نَيْسابوريٌّ عالي الإسناد؛ سمع أبا طاهر الزِّيادي، وعبدالله بن يوسف بن بامُوية، وأبا عبدالرحمن السُّلمي. ومات في شوال. روى عنه عبدالغافر الفارسي، وقال(١): شيخ من بيت العِلم والتَّصوُّف والثَّروة . وقال السمعانيُّ(٢): كان شيخًا مستورًا، صدوقًا من بيت العلم والصَّلاح. وُلِد سنة ستٍّ وأربع مئة. قلت: روى عنه عبدالخالق بن زاهر، وعمر بن أحمد الصَّفَّار، وأبو البركات ابن الفُراوي، وعبدالرحمن بن الحسن الكِرْماني، وآخرون. ٢٧٦ - عُبَيْدالله بن عبدالله بن محمد بن حَسْكُوية، أبو سَعْد النَّيْسابوريُّ. (١) في السياق، كما في منتخبه (١٠٨٩). (٢) في ((الدَّشتي)) من الأنساب. ٦٠٣ شيخ مُسْنِد، روى عن أبي بكر الحِيري، والطِّرازي، والصَّيْرفي. روى عنه وجيه، وعبدالخالق بن زاهر(١). وقد مر أبوه سنة ثلاثٍ وخمسين(٢). ٢٧٧ - عليّ بن أحمد بن عليّ بن زُهَير، أبو الحسن التَّمِيميُّ المالكيُّ. دمشقيٌّ مشهورٌ، روى عن عليّ بن الخَضِر، وعليّ ابن السِّمْسار، ومحمد ابن عبدالله بن بُنْدار، وأحمد بن الحسن ابن الطيان، وأبي عثمان الصَّابوني، وجماعة. روى عنه جمال الإسلام السُّلَمي، ونَصر بن أحمد بن مُقاتل، وناصر ابن محمود القُرَشي. قال أبو محمد بن صابر: لم يكن المالكي ثقة. وكذلك قال أبو القاسم ان صابر، وقال: أخرجَ لنا جُزءًا من حديث ابن زَبْر، قد كتب عليه سماعَه من ابن السِّمْسار سنة خمس وثلاثين. ومات ابن السمسار سنة اثنتين وثلاثين. تُوفي في ذي القعدة، وله ثلاثٌ وسبعون سنة(٣). ٢٧٨ - عليّ بن أحمد بن محمد بن خُشْنام، أبو الحسن الصَّيْدلانيُّ. شيخٌ نَيْسابوريٌّ صالحٌ، سمع محمد بن محمد بن مَحْمِش . وهو أخو شبيب البَسْتيغي. روى عنه عُمر بن أحمد الصَّفَّار، وإسماعيل العَصَائدي (٤). ٢٧٩ - عليّ بن عَمْرو الحَرَّانيُّ الفقيه الحنبليُّ الرجل الصالح، يُكنى أبا الحسن. مات بسَرُوج، وكان من أصحاب القاضي أبي يَعلَى، تُوفي في شعبان(٥). ٢٨٠ - عليّ بن عبدالصَّمد بن عثمان بن سَلامة، أبو الحسن العَسْقلانيُّ، المعروف بالمفيد. (١) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (٩٨٣). (٢) في الطبقة السادسة والأربعين، الترجمة (٨١). (٣) من تاريخ دمشق ٤١ / ٢٢٤ - ٢٢٦. ينظر منتخب السياق (١٣٠٨)، والتقييد ٤٠٤ - ٤٠٥. (٤) (٥) من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢٤٩/٢. ٦٠٤ سمع أبا عبدالله بن نظيف بمصر، ومحمد بن جعفر الميماسي بغزة، وعليّ ابن السِّمسار بدمشق. قال غيث بن عليّ: سمعتُ منه في سنة ثمانٍ وثمانين، وما علمتُ من أمره إلا خيرًا(١). ٢٨١ - عليّ بن عبدالغني، أبو الحسن الفِهْريُّ المقرىء الخُصْريُّ الشَّاعر الضَّرير. أقرأ الناس بسَبْتة وغيرها . قال ابن بَشْكُوال(٢): ذكره الحُمَيْدي وقال(٣): شاعرٌ أديب، رخيمُ الشِّعْر، دخل الأندلس ولقي ملوكها؛ وشعره كثير، وأدبه موفور. قلت: وكان عالمًا بالقراءات وطُرُقها. قال ابن بَشْكُوال(٤): روى لنا عنه أبو القاسم بن صَوَاب، أخبرنا عنه بقصيدته التي نَظَمَها في قراءة نافع، وهي مئتا بيت وتسعة أبيات، قال: لقيته بمُرْسِية . ومن شِعْره، وقد کتب إلیه المعتمد وبعث إليه خمس مئة دینار یتجهز بها ليفد عليه : ٠ أمرتني بركوب البَحْرِ أَقْطَعُهُ غيري لك الخَيْرِ فاخْصُصْه بذا الرائي ما أنت نُوحٌ فتُنجِيني سفينتُهُ ولا المَسِيحُ أنا أمشي على المَاء ٢٨٢ - الفضل بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو القاسم بن أبي حرب الجُرْجانيُ الزَّجّاجيُّ. شيخ نَيْسابوريُّ الدَّار، ثقةٌ، صالحٌ، حسنُ السِّيرة، تاجرٌ أمينٌ، سمع أبا عبدالرحمن السُّلَمي، وابن مَحْمِش، والحِيري، وغيرهم. روى عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَتْدي، وأحمد بن سَعْد العِجْلي الهَمَذاني، وأبو عثمان العَصَائدي المَرْوَزِي، وعُمر بن أحمد الصَّفَّار، وعبدالله ابن الفُرَاوي، وأحمد بن المبارك (١) من تاريخ دمشق ٤٣/ ٧٢ - ٧٣. (٢) الصلة (٩٢٦). (٣) جذوة المقتبس (٧١٦). (٤) الصلة (٩٢٦). ٦٠٥ ابن قَفَرْجَل، وصَدَقة بن محمد السَّيَّاف. حدَّث بُلْدان، وحكى عنه جيرانه كثرةَ تِلاوة وبُكاء . وُلِد سنة خمسٍ وأربع مئة، وتُوفي في رمضان. قال ابنُ النَّجَّار: أمينٌ صدوق، صالحٌ، عفيفٌ، من التُّجَّار، كثير الصَّدقة. وقيل: كان أبوه حاتم وقته(١). ٢٨٣ - محمد بن الحُسين بن عبدالله بن إبراهيم، الوزير ظهير الدِّين أبو شجاع الرُّوذَراوَريُّ. وزَرَ للمقتدي بالله بعد عَزْل عميد الدَّولة منصور بن جَهِير سنة ست وسبعين، وصُرِف سنة أربع وثمانين، وأُعيد ابن جَهِير. ولما عُزِل قال: وفارقها وليسَ له صديقٌ تولاها وليسَ لهَ عدو ثم إنه حج وجاورَ بالمَدينة إلى أن مات بها كَهْلاً. وكان دينًا عالمًا، من محاسن الوزراء . قال العِماد الكاتب(٢): لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين والشَّرْع مثله؛ وكان عصره أحسن العصور. قال صاحبُ ((المرآة)): ولما ولي وزارةَ المقتدي كان سَلِيمًا من الطَّمَع في المال، لأنه كان يملك حينئذٍ ست مئة ألف دينار، فأنفقها في الخَيْرات والصَّدَقات. قال أبو جعفر الخِرَقي: كنتُ أنا واحدًا من عشرة نتولى إخراج صَدَقاته، فحسبْتُ ما خرج على يدي، فكان مئة ألف دينار. وكان يبيع الخطوط الحَسَنة، ويتصدَّق بها، ويقول: أنا أَحَب الأشياء إليَّ الدينار والخط الحسن، فأنا أتصدَّق بمحبوبي لله . وجاءته قَصةٌ بأن امرأةً وأربعة أيتام عرايا، فبعث من يكسوهم، وقال: والله لا ألبس ثيابي حتى ترجعَ إلي الخبر، وتعرّى، فعاد الغُلام وهو يرعد من البرد. وكان قد ترك الاحتجاب ويكلم المرأة والصَّبي، ويحضر مجالسهُ الفُقهاء (١) ينظر منتخب السياق (١٣٩٩)، والتقييد ٤٢٥ . (٢) خريدة القصر ١/ ٧٨ (قسم العراق). ٦٠٦ والعوام، لا يمنع أحدًا. وأُسقطت المُكُوس في أيامه، وألبسَ أهل الذمة الغيار. ومحاسنه كثيرة، وصَدَقاته غزيرة، وتواضعه أمر عجيب، فرحمه الله تعالى(١) . ٢٨٤ - محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قُريش، السّلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السُّلطان المعتضد بالله أبي عَمْرو ابن الإمام الفقيه قاضي إشبيلية ثم سُلطانها الظافر المؤيد بالله أبي القاسم بن أبي الوليد اللَّخْمي، من ولد التُّعمان بن المُنْذر صاحب الحِيرة. كان المعتمد صاحب إشبيلية وقُرْطُبة، وأصلهم من بلاد العريش التي كانت في أول رمل مصر، فدخل أبو الوليد الأندلس. مات المعتضد سنة إحدى وستين وأربع مئة، فتملك بعده المعتمد هذا. وكان عالمًا، ذكيًّا، أديبًا، شاعرًا مُحْسِنًا، وكان أندى الملوك راحةً، وأرحَبَهم سَاحةً، كانت حضرته مَلْقَى الرِّحال، وموسم الشُّعراء، وقِبْلة الآمال ومَأْلَفَ الفضلاء. وشِعره في غاية الحُسْن، وهو مدوَّن موجود. قال أبو بكر محمد بن عيسى اللَّخْمي الدَّاني المعروف بابن اللََّّانة الشاعر: ملكَ المعتمد من مُسوَّرات البلاد ما بين أمصار ومُدُن وحُصون مئتي مُسَوَّر وإحدى وثلاثين مُسَوَّرًا. وخُلع من ملكه عن ثمان مئة سُرية، ووُلِد له مئة وثلاثة وسبعون ولدًا. وكان راتبه كلَّ يوم ثمان مئة رِطْل لحم، وكان له ثمانية عشر كاتبًا . وذكر القاضي شمس الدين ابن خَلِّكان، قال(٢): كان الأدفونش بن فردلَنْد ملك الفرنج بالأندلس قد قوي أمرُه، وكانت ملوك الطَّوائف من المسلمين بجزيرة الأندلس يصالحونه، ويؤذُّون إليه ضريبة، ثم إنه أخذ طُلَيْطُلة في سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مئة بعد حصارٍ شديد، وكانت للقادِر بالله بن ذي التُّون. وكان المعتمد مع كونه أكبر ملوك الجزيرة يؤدي الضريبة للأدفونش، فلما مَلَك الكلب طُلَيْطُلة قويت نفسُه، ولم يقبل ضريبة المعتمد، وأرسل إليه يتهدده ويقول: تنزل عن الحصون التي بيدك، ويكون لك السَّهل. فضربَ (١) ينظر وفيات الأعيان ١٣٤/٥ - ١٣٧. (٢) وفيات الأعيان ٢٧/٥ - ٣٠. ٦٠٧ المعتمد الرسولَ، وقتل من كان معه. فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجِّهٌ لحصار قُرْطُبة، فرجع إلى طُلَيْطُلة لأخذ آلات الحصار، فأتى المشايخ والعُلماء إلى أبي عبدالله محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشِفِين صاحب مرَّاكش، يستنجدونه ليُعْدي بجيوشه إلى الأندلس، ويُنجد الإسلام. واجتمع القاضي بالمعتمد على الله، وأعلمه بما جرى فقال: المَصْلَحة ذلك. ثم إن ابن تاشِفِين نزل سَبْتَة، وأمر جيشه، فعبروا إلى الجزيرة الخَضْراء ولما تكامل له جُنْدُه عبرَ هو في السَّاقة. ثم إنه اجتمع بالمعتمد، وقد عرض المعتمد عساكره، وأقبل المُسلمون من كل النواحي طَلَبًا للجهاد. وبلغ الأدفونش الخبرُ فخرج في أربعين ألف فارس، وكتبَ إلى ابن تاشفين يتهدده، فكتب ابن تاشفين جوابه في ظهر كتابه: ((الذي يكون ستراه)). ورده إليه. فلما عاينه وقرأه ارتاع لذلك، وقال: هذا رجل قد عزم. ثم سارَ حزبُ الإسلام وحزبُ الصَّلِيب والتقى الجَمْعَان بالزَّلاَقة من بلد بطَلْيَوس، فكانت مَلْحَمة كُبْرى، وهزم الله الأدفونش، بعد استئصال عسكره، ولم يَسْلَم معه سوى نفرٍ يسير. وذلك في يوم الجمعة من رمضان سنة تسع وسبعين. وأصاب المعتمدَ جراحاتٌ في وجهه وبدنه، وشهدوا له بالشَّجاعة، وغنم المُسلمون شيئًا كثيرًا. وعادَ ابن تاشِفِين إلى بلاده، ثم إنه في العام المقبل، عدَّى إلى الأندلس، وتلقّاه المعتمد، وحاصرا بعض حُصون الفرنج، فلم يقدرا عليه، فرحل ابن تاشِفِين، ومرَّ بغرناطة، فأخرج إليه صاحبها عبدالله بن بُلُكِّين تقادُم سَنِية، وتلقاه، فغدر به ابن تاشفين، ودخل بلدَه وقَصْره، وأخذ منه ما لا يُخْصى، ثم رجع إلى مراكش، وقد أعجبه حُسْن الأندلس وبساتينها وبُناها ومطاعمها التي لا توجد بمراكش، فإنها بلاد بربر وأجلاف العربان. وجعل خواصُّ ابن تاشفين يُعظِّمون عنده الأندلس، ويحسنون له أخْذَها، ويُغْرون قلبه على المعتمد بأشياء. وقال عبدالواحد بن عليّ المَرَّاكشي في ((تاريخه))(١): غلبَ المعتمد على قُرْطُبة في سنة إحدى وسبعين، فأخرج منها ابن عُكاشة، ثم رجع إلى إشبيلية، واستخلف عليها ولده عبادًا، ولقبه المأمون. وفي سنة تسع وسبعين جاز (١) المعجب في تلخيص أخبار المغرب ١٨٩ - ٢٠١ . ٦٠٨ المعتمد البحرَ إلى مَراكش مستنصرًا بيوسف بن تاشفين على الروم، فلقِيَه أحسن لقاء، وأسرع إجابته وقال: أنا أول منتدبٍ لنُصْرة الدين. فرجع مسرورًا، ولم يدرِ أن تدميره في تدبيره، وسَلَّ سيفًاً عليه لا له. فأخذ ابن تاشفين في أُهبة العبور إلى الأندلس، واستنفر النَّاس، وعبر في سبعة آلاف فارس، سوى الرجالة، ونزل الجزيرة الخَضْراء، وتلقاه المعتمد، وقدَّم له تُحَفًّا جليلة، وسأله أن يدخل إشبيلية، فامتنع وقال: نريد الجهاد. ثم سار بجيوشه إلى شرقي الأندلس. وكان الأدفونش، لعنه الله يحاصر حصنًا، فرجع إلى بلاده يستنفر الفِرَنْج، وتلقى ابن تاشفين ملوك الأندلس الذين كانوا على طريقه كصاحب غَرْناطة، وصاحب المَرِية، وصاحب بَلَنْسِية، ثم استعرض جُنْدَه على حصن لُوْرَقَة، وقال للمعتمد: هَّلمَّ ما جئنا له من الجهاد. وجعل يصغر قدر الأندلس ويقول: في أوقاتٍ كان أمرُ هذه الجزيرة عندنا عظيمًا، فلما رأيناها وقعت دون الوصف. وهو في ذلك كله يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء(١). فسار المعتمد بين يديه، وقصد طُلَيْطُلة، فتكامل عدد المسلمين زُهاء عشرين ألفًا، فالتقواهم والعدو بأول بلاد الرُّوم، لعنهم الله، وجاء الأدفونش لعنه الله في جيشٍ عظيم بمرة، فلما رآهم يوسف قال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير يبلغ هذا الحد. فالتقوا في ثاني عشر رمضان، وصَبَر البربر، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهزم الله النَّصارى، وكانت ملحمة مشهودة. ونجا الأدفونش في تسعةٍ من أصحابه. وتُسمَّى هذه وقعة الزَّلاَقة. ففرح أهل الأندلس بالبربر، وتيمنوا بهم، ودعوا لابن تاشفين على المنابر، فقوي طمعه في الأندلس. وقد كانت الفرنج تأخذ الإتاوة من ملوكها قاطبة. ثم جال ابن تاشفين في الأندلس على سبيل التفرُّج، وهو يُضمر أشياء، ويُظهر إعظامَ المعتمد ويقول: إنما نحن في ضيافته، وتحت أمره. وكان المعتصم محمد بن معن بن محمد بن صُمادِح، صاحب المَرِية، يحسد المعتمد، فداخَل ابن تاشفين، وحظي عنده، فأخذ يعيب المعتمد، وقَدَّم لابن تاشفين هدايا فاخرة، ولم يدر ابن صُمادح أنه يسقط في البئر الذي حَفَر. وأعانه جماعةٌ على تغيير قلب ابن تاشفين بقول الزُّور، وبأنه يَتَنَقَّصك. فعبرَ إلى بلاده مراكش، وفهم المعتمد أنه قد تغير عليه. ثم اتفق رأي ابن (١) مثل يضرب لمن يريك أنه يعينك، وهو إنما يقصد النفع لنفسه. تاريخ الإسلام ١٠/م٣٩ ٦٠٩ تاشفين أن يراسل المعتمد، يستأذنه في رجالٍ من صُلَحاء أصحاب ابن تاشفين رغبوا في الرباط في حصون الأندلس. فأذن له. وأراد ابن تاشفين أن يكون له بالأندلس أعوانًا لوقت الحاجة. وقد كانت قلوب الأندلسيين قد أُشْرِبَت حُب ابن تاشفين، فانتخب رجالاً، وأمر عليهم قرابته بُلَّحِين، وقرّر معه أمورًا فبقوا بالأندلس إلى أن ثارت الفتنة. ومبدؤها في شوال سنة ثلاثٍ وثمانين. فملك المرابطون جزيرة طريف، ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين يوسف. ثم زحف المرابطون الذين في الحصون إلى قُرْطُبة فحاصروها، وفيها المأمون ابن المعتمد فدخلوها، وقتل المأمون بعد أن أبلى عذرًا وأظهر في الدفاع جَلَدًا وصبرًا في صَفَر سنة أربع وثمانين. فزادت الإحنة والمحنة، وعَلَت الفِتنة. قال ابن خَلِّكان(١): وحاصروا إشبيلية، وبها المعتمد، أشد المحاصرة. وظهر من شدة بأس المعتمد ومصابرته وتَراميه على الموت بنفسه، ما لم يُسمع بمثله. فلما كان في رجب سنة أربع هجم جيش ابن تاشفين البلدَ، وشنوا فيه الغارات. ولم يتركوا لأحدٍ شيئًا. وخرج الناس يسترون عوراتهم بأيديهم. وقبضوا على المعتمد . وقال عبدالواحد المَذْكور(٢): وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد، فبرز من قَصْره وسيفه بيده، وغلالته ترف على جَسَده، لا دِرْع عليه، ولا دَرَقة معه، فلقي فارسًا مشهور النَّجْدة فرماه الفارس بحَرْبة، فأصاب غِلالَته، وضَرب هو الفارس بالسيف على عاتقه، فخر صريعًا. فانهزمت تلك الجُموع، وظن أهل إشبيلية إن الخِناق قد تَنَفس. فلما كان وقت العَصْر، عاودهم البربر، فظهروا على البَلَد من واديه، وشَبَّت النار في شوانيه، فعندها انقطع العمل وخاب الأمل، وكان الذي ظهر عليها من جهة البر جُدَيْر ابن البربري، ومن الوادي الأمير أبو حمامة. والْتَوت الحال أيامًا، إلى أن قَدِم سِيْر ابن أخي يوسف بن تاشفين بعساكره، والناسُ في تلك الأيام يرمون أنفسَهم من الأسوار. فاتَّسَع الخَرْق على الرَّاقع بمجيء سِيْر، ودُخِل البلد من واديه، وأُصيب حاضره وبادِيه، بعد أن جد الفريقان في القتال، وشُنَّت الغارة في (١) وفيات الأعيان ٣٠/٥. (٢) المعجب ٢٠١ - ٢٠٧. ٦١٠ إشبيلية، ولم يترك البربر لأهلها سبدًا ولا لبدًا. ونُهبت قصور المعتمد، وأُخِذ أسيرًا. ثم أُكْرِه على أن يكتب إلى ولديه: أن تُسلِّما الحصنَيْن، وإلا قُتِلتُ، وإن دمي رَهْنٌ على ذلك. وهما الراضي بالله، والمُعتَد بالله، وكانا في رُتْدَة ومارْتُلة، فنزلا بعد عهودٍ مُبْرَمَة. فأما المعتد، فعند نزوله قبض عليه القائد الواصل إليه، وأخذَ كُلَّ أمواله، وأما الآخر فقتلوه غِيلةً، وذهبوا بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع أحواله، وعبروا به إلى طَنْجة، فبقي بها أيامًا، ثم نقلوه إلى مِكْناسة، فتُرِك بها أشْهُرًا، ثم نقلوه إلى مدينة أَغْمات، فبقي بها أكثر من سنتين مسجونًا ومات. وللمعتمد مراثٍ في ولديه اللَّذين قتلوهما، وله في حاله(١). تَبَدّلْتُ من ظِلِّ عزّ البُنُود بذُلِّ الحديد وثِقْل القُيُودِ وكان حديدي سِنانًا ذَلِيقًا وعَضْبًا رقيقًا صَقيلَ الحديد وقد صار ذاك وذا أَدْهَمًا يعَضُّ بساقَيَّ عَضَّ الأسُودِ وقيل: إن بنات المعتمد دخلن عليه السجنَ في يوم عيدٍ، وكنَّ يغزِلْن للناس بالأجرة في أَغْمات، فرآهن في أطمارِ رئة، فَصَدعْنَ قلبه، فقال(٢): فيما مضى كنتَ بالأعياد مَسْرورًا فساءَكَ العيدُ في أَغْمات مأسورا ترى بناتِكَ في الأطمار جائعةً يغزلن للناس لا يملكن قِطْمِيرا بَرَزْنَ نحوك للتَّسليم خاشعةً أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا يَطَأنَ في الطين والأقدامُ حافيةٌ، كأنها لم تَطَأ مِسْكًا وكافورا من بات بعدكَ في مُلْكِ يُسَرُّ به فإنما بات بالأحلام مغرورا ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضت بساقيه، فقال(٣): قَيْدي، أما تَعْلَمُني مُسْلمًا أبيتَ أن تُشْفق أو تَرْحما دمي شرابٌ لك، واللَّحم قد أكلْتَه، لا تهشم الأعظُما يُبصرني فيك أبو هاشم فيثني، والقلب قد هُشِّما ارحم طُفَيْلاً طائشًا لُبُه لم يَخْشَ أن يأتيك مسترحمًا (١) ديوانه ٩٤ . (٢) ديوانه ١٠٠ . (٣) ديوانه ١١٢. ٦١١ وارحم أُخَياتٍ له مثله جرعتهُن السُّم والعَلْقَما وللمعتمد، وقد أُحيط به(١): لما تماسكتِ الدموعُ وتَنَهَنَهَ القلبُ الصدِيعْ قالوا: الخضوعُ سياسةٌ فَلْيَبْدُ منك لهم خَضُوعْ وألذُّ من طَعْمِ الخُضُو عِ على فمي السمُّ التَّقيعْ إن تَسْتِلِب عِنِي الدُّنا ملْكِي وتُسْلِمُني الجُمُوع لم تُسلِم القلبَ الصُّلُوعْ فالقلبُ بين ضُلُوعهِ قد رُمْتُ يوم نِزالهمْ أن لا تحصِّنَني الدروع ـص عن الحشَى شيءٌ دَفُوعْ وبرزت ليس سوى القميـ أَجَلي تأخّر، لم يكن بهَوَايَ ذُلي والخُشوعْ ما سِرتُ قطُّ إلى القتال وكان في أملي رجوعْ شِيَمُ الأُولَى أنا منهمُ والأَصلُ تتبْعهُ الفُروعْ ولأبي بكر محمد ابن اللَّبَّانة الداني فيه قصائد سائرة، وكان منقطعًا إليه، من ذلك(٢): لكل شيءٍ من الأشياء ميقاتُ وللمُنى من مناياهن غاياتُ والدهر في صيغة الحِزْباء منغمسٌ ألوانُ حالاته فيها استحالاتُ ورُبما قُمِرت بالبَيْدق الشاةُ(٣) ونحن من لعب الشطرنج في يده فالأرْضُ قد أقفرت والناسُ قد ماتوا انفض یدیك من الدنیا وساکنها وقل لعالَمِها الأرضي: قد كتمتْ سريرةَ العالَمِ العُلْويِّ أَغْماتُ وهي طويلة. وله فيه قصيدة طنانة، هي (٤): تنشَّق رياحينَ السلام فإنما افُضُّ بها مِسْكًا عليك مُخَتَّما (١) الحلة السيراء ٦٥/٢ - ٦٦ . (٢) نقلها من وفيات الأعيان ٣٢/٥ - ٣٣. (٣) قال ابن خلكان معلقًا: ((هذا غلط فإن الشاه، بالهاء، الملك بالعجمى، وإذا كان كذلك فلا تسلم له القافية، لأنها على حرف التاء)). (٤) من الوفيات أيضًا ٣٣/٥- ٣٤. ٦١٢ وقل لي مجازاً إن عَدِمْتَ حقيقة بأنك في نُعْمَى فقد كنتَ مُنْعِمًا أفكِّرُ في عصر مَضَى لك مُشْرِقًا فيرجِعُ ضَوءُ الصُّبح عندي مُظْلِما كسُوفَك شمسًا كيف أطْلَعِ أنْجُما وسيفٌ أطال الضَّرْبَ حتى تثلَّما وأبْنائهِ صَوْبُ الغَمامةِ إذْ هَمَا فلما عدِمْناهم سَرَيْنا على عَمَى فقد أجدَبَ المَرْعَى وقد أقفر الحِمى مناسج سَذَّى الغَيْثُ فيها وألحَمَا سوى الأدم تمشي حولَ واقِفَةِ الدُّمى بها الوقْدُ جَمْعًا والخَمِيسُ عَرَمْرَما وأعجبُ من أُفْق المَجَزَّةِ إذ رأى قَنَاةٌ سَعَتْ للطَّعْنِ حتى تَقَصَّدَتْ بكى آلُ عَبادٍ ولا كَمُحمدٍ صَبَاحُهُم كُنا به نَحْمَدُ السُّرَى وكُنا رَعَينا العزَّ حولَ حِماهُمُ وقد أَلْبَسَتْ أيدِي الليالي مَحَلَّهُم قُصُورٌ خَلَتْ من ساكنيها فما بها كأن لم يكن فيها أنيسٌ ولا الْتَّقى حكيتَ وقد فارقْتَ مُلْكَكَ مالكًا ومن وَلَهي أَبْكي عليك مُتَمِّما تضيقُ عليَّ الأرضُ حتى كأنني خلِقْتُ وإياها سِوارًا ومِعْصَما وإني على رسمي مقيمٌ فإن أَمُتْ سأجعل للبَاكينَ رَسْميَ مَوْسِما بَكاكَ الحَيَا والريحُ شقَّتْ جُيُوبَها عليكَ وناح الرَّعْدُ باسمِكَ مُعْلِما ومُزِّقَ ثوبُ البَرْق واكتَسَتِ الضُّحَى حدادًا وقامتْ أَنْجُم الليل مَأْتَما وما حلَّ بذْرُ الثَّمِّ بعدك دارَةً ولا أظْهَرَتْ شمسُ الظهيرة مبسما سيُنْجيك من نَجَّى من الجُب يُوسُفًا ويُؤْويك من آوى المسيح ابن مَرْيما ثم إنه وفد على المعتمد وهو في السجن وفادةَ وفاءٍ لا استجداء، وحكى أنه لما عزم على الانفصال عنه، بعث إليه عشرين دينارًا، وتفصيلة، وأبياتًا يعتذر فيها، قال: فردَدْتُها عليه لعِلمي بحاله، وأنه لم يترك عنده شيئًا . قال ابن خَلِّكان(١): مولده سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، ومات في شوال سنة ثمانٍ وثمانین. قلت: وقد سمى ابن اللبانَة أولاد المعتمد الذين في الحياة بأسمائهم وألقابهم، فذكر نحوًّا من أربع وثلاثين بنتًا، وثلاثين ذكرًا. ٢٨٥ - محمد بن عبدالواحد، أبو بكر الأصبهانيُ، عُرِف بخوروشْت. (١) وفيات الأعيان ٣٧/٥. ٦١٣ شيخ مُسِنٌّ، قال السِّلَفي: لم يَمُت أحدٌ من شيوخي قبله، روى لنا عن أبي منصور بن مِهْرَبْزُد. ٢٨٦ - محمد بن عثمان بن عليّ بن حسان، أبو سعيد البُسْتيُّ الغازيُّ القَوَّاس، ابن الأديب النَحْوي أبي طاهر . سمع من أصحاب الأصم. وكان أحد الرُّماة المذكورين، وتُوفي في ذي الحجة عن أربع وثمانين سنة بنَيْسابور. روى عنه أبو البركات الفُرَاوي، وأم سَلَمة بنت عبد الَغافر(١). ٢٨٧ - محمد بن عليّ بن الحُسين بن يحيى بن صُمَيْدون، القاضي أبو عبدالله الصُّوريُّ. تُوفي بصُور في رمضان. ٢٨٨ - محمد بن عليّ بن أبي عثمان، أبو الغنائم. قال شجاع الذُّهلي: تُوفي فيها، وقد مر سنة ثلاث(٢). ٢٨٩ - محمد بن عليّ بن محمد بن عبدالله، أبو عليّ الشاذياخيُّ الصُّوفيُّ. حدَّث عن أبي حسان محمد بن أحمد المُزَكِّي، وأبي بكر بن الحارث، وأبي عبدالله محمد بن إبراهيم المُزَكِّي. وُلِد سنة خمس عشرة وأربع مئة، وتوفي في صَفر(٣). ٢٩٠ - محمد بن عليّ بن أبي صالح البَغَويُّ الدَّبَّاس. سمع الجراحي، ومسعود بن محمد البَغَوي، وعليّ بن أحمد الإسْتِراباني، وغيرهم. وهو آخر من روى ((جامع التِّرْمذي)» بِعُلُو؛ روى عنه ابنه عثمان، وأبو الفتح محمد بن عبدالله الشِّيرازي، وأحمد بن ياسر المقرىء، وأبو الفتح محمد ابن أبي عليّ، ومحمد بن عبدالرحمن الحَمْدُوبي، وآخرون كثيرون. (١) ينظر منتخب السياق (١٣٢). (٢) هكذا قال، ولم يتقدم شيء من ذلك. (٣) من السياق لعبد الغافر، كما في منتخبه (١٤٣). ٦١٤ ١ وتُوفي ببغشُور في ذي القَعْدة، وكان من الفقهاء، عاش ثمانيًا وثمانين سنة. وكنيته أبو سعيد(١). ٢٩١ - محمد بن المظفر بن بكران بن عبدالصمد، العلامة قاضي القُضاة أبو بكر الشاميُّ الحَمَويُّ الفقيه الشافعيُّ. وُلِد بحماة سنة أربع مئة، ورحل إلى بغداد شابًّا، فسكنها وتفقَّه بها. وسمع الحديثَ من عثمان بن دُوسْت، وأبي القاسم بن بشْران، وأبي طالب بن غَيْلان، وأبي محمد الخَلَّل، وأبي الحسن العَتِيقي، وجماعة. روى عنه أبو القاسم ابن السَّمَرْقندي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وهبة الله بن طاوس المقرىء. وكان دخوله بغداد في سنة عشرين . قال السَّمعاني: هو أحد المُتْقِنين لمذهب الشافعي، وله اطّلاع على أسرار الفقه. وكان ورِعًا زاهِدًا مثَّقيًا، جَرَت أحكامه على السَّداد. ولي قضاء القُضاة ببغداد بعد موت أبي عبدالله الدَّامغاني سنة ثمانٍ وسبعين، إلى أن تغير عليه المقتدي بالله لأمرٍ، فمنعَ الشُّهُود من حضور مجلسه مدةً، فكان يقول: ما أنعزِل ما لم يتحققوا عليَّ الفِسْق. ثم إنَّ الخليفة خلع عليه، واستقام أمره. وسمعت الفقيه أحمد بن عبدالله ابن الآبنوسي يقول: جاء أمير إلى قاضي القُضاة الشَّامي، فادعى شيئًا، فقال: بينتي فلان والمشطب الفَرْغاني الفقيه . فقال: لا أقبل شهادة المُشَطب، لأنه يَلْبَس الحرير. فقال: السلطان ملِكشاه ووزيره نظام المُلْك يَلْبَسانه. فقال: ولو شهِدا عندي ما قبلْت شهادتَهما أيضًا. وقال ابن النَّجَّار: كان قد تفقه على أبي الطَّيِّب الطَّبَري، وكان يحفظ تعليقته. وولي قضاء القُضاة، وأبى أن يأخذ على القضاء رِزْقًا. ولم يغير مَأكله ولا مَلْبسه، ولا استناب أحدًا في القضاء. وكان يسوي بين الشريف والوضيع في الحُكْم، ويقيم جاه الشَّرْعِ. فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه، فألصقوا به ما كان منه بريًّا من أحاديث مُلَفَّقَة، ومعاييب مزوَّرة. وصنف كتاب ((البيان عن أُصول الدين)). وكان على طريقة السَّلَف، ورِعًا نَزِهًا. وأنبأنا (٢) أبو اليُّمْن الكِنْدي أن أحمد بن عبدالله ابن الابنُوسي أخبره، (١) من ((البغوي)) في الأنساب. (٢) هذا قول ابن النجار . ٦١٥ قال: كان لقاضي القُضاة الشامي كِيسان، أحدهما يجعل فيه عمامته، وهي كتان، وقميصًا من القطن الخشن، فإذا خرج لبسهما. والكيس الآخر، فيه فتيت، فإذا أراد الأكْل جعل منه في قصْعة، وجعل فيه قليلاً من الماء، وأكل منه . وكان له كارك (١) في الشهر بدينار ونصف، كان يقتات منه. فلما ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير، فأبى، وقال: لا أغير ساكني، وقد ارتبتُ بك؛ لِمَ لا كانت هذه الزيادة قبْل القضاء؟ وكان يشد في وسطه مِئْزَرًا، ويخلع في بيته ثيابه، ويجلس. وكان يقول: ما دخلتُ في القضاء حتى وجب عليَّ، وأعصي إن لم أقبله. وكان طُلاب المنصب قد كثُرُوا، حتى أن أبا محمد التَّميمي بذل فيه ذهبًا كثيرًا، فلم يُجَب . وقال سبط الجوزي(٢): لما مات الدَّامَغاني سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة أن يوليه القضاء، فامتنع، فما زالوا به حتى تقلَّده، وشرط أن لا يأخذ رزقًا، ولا يقبل شفاعة، ولا يغير ملبوسه، فأُجيب إلى ذلك، فلم يتغير حاله، بل كان في القضاء كما كان قبله. وقال ابن السمعاني: سمعتُ عبدالوهاب الأنْماطي يقول: كان قاضي القُضاة الشَّامي حَسَن الطريقة؛ ما كان يتبسَّم في مجلسه، ويقعد مُعْبِسًا، فلما مُنعت الشهود من حضور مجلسه، وقعد في بيته، نَفَّذَ إليه القاضي أبو يوسف القَزْويني المعتزلي: ما عزلك الخليفة، إنما عزلك النبي ◌ِّر. قال: كيف ذلك؟ قال: لأنه قال: ((لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غَضْبان))، وأنت طول عُمُرك غضبان . وقال محمد بن عبدالملك الهَمَذاني: كان حافظًا لتعليقة أبي الطَّيِّب، كأنها بين عينيه، لم يقبل من سُلطان عطية، ولا من صديقٍ هدية، وكان يُعاب بسوء الخلق والحدة. وقال أبو عليّ بن سُكَّرة: وَرِعٌ زاهدٌ، وأما العِلْم فكان يقال: لو رُفِع مذهب الشافعي أمكنه أن يُمْليه من صدره. علق عنه القاضي أبو الوليد الباجي. (١) يعني : مؤجر. (٢) وهو في كتاب جده المنتظم ٩/ ٩٥ فلا أدري لم يعدل عنه المصنف إلى سبطه في كثير من الأحيان مع اتهامه بالمجازفة؟! ٦١٦ وقال عبدالوهاب الأَنْماطي: كان قاضي القضاة الشامي حَسَن الطريقة، ما كان يَتَبَسَّم في مجلس قضائه. قال السمعاني: تُوفي في عاشر شعبان، ودُفِن في تربةٍ له عند أبي العباس ابن سُرَيْج. وله ثمانيةٌ وثمانون عامًا(١). ٢٩٢ - محمد بن أبي نصر فُتُوح بن عبدالله بن فُتُوح بن حُمَيْد بن يَصِل، الحافظ أبو عبدالله الأزْديُّ الحُمَيْدِيُّ الأندلسيُّ المَيُورْقِيُّ، ومُيُورْقَة : جزيرة قريبة من الأندلس . سمع بالأندلس، ومصر، والشام، والحجاز، وبغداد واستوطنها. وكان من كبار أصحاب أبي محمد بن حَزْم الفقیه . قال: وُلِدتُ قبل العشرين وأربع مئة. سمع ابن حَزْم، وأخذ عنه أكثر كُتُبه، وأبا العباس أحمد بن عُمر العُذْري، وأبا عمر بن عبدالبر. ورحل سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة. فسمع بإفريقية كثيرًا، ولقيٍ كريمة بمكة. وسمع بمصر القاضي أبا عبدالله القُضاعي وعبدالعزيز ابن الضَّرَّاب وابن بقاء الوراق والحافظ أبا زكريا البخاري، وبدمشق أبا القاسم الحُسين الحِنائي وعبدالعزيز الكَتاني وأبا بكر الخطيب، وببغداد أبا الغنائم ابن المأمون وأبا الحُسين ابن المهتدي بالله والطبقة، وبواسط أبا غالب بن بِشْران اللَّغَوي. ولم يزل يسمع ويُكثر حتى كتب عن أصحاب الجوهري. روى عنه شيخُه الخطيب في مُصنفاته، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عليّ ابن سُكَّرة، وأبو الحَسَن بن سِرْحان، وأبو بكر بن طَرْخان، وهبة الله ابن الأكفاني، وأبو القاسم ابن السَّمَرْقَندي، والحافظ إسماعيل بن محمد، وصديق ابن عثمان التِّبْريزي، وأبو إسحاق الغَنَوي، وأبو الفضل محمد بن ناصر، وطائفة آخرهم أبو الفتح ابن البطي. سمع الكثير ورحل وتعب، وكان من كبار الحفاظ . وكان ثقة، متدينًا، بصيرًا بالحديث، عارِفًا بفنونه، خبيرًا بالرِّجال، لا سيما بأهل الأندلس وأخبارها، مليحَ النَّظْم، حسَن النغمة في قراءة الحديث، صيِّنًا ورِعًا، جيد المشاركة في العلوم. (١) ينظر ((الحموي)) من الأنساب. ٦١٧ وكان ظاهري المذهب، ويُسِر ذلك بعض الشيء .. قال ابن طَرْخَان: سمعتُه يقول: كنت أُحمَل للسّماع على الكَتِفِ سنة خمسٍ وعشرين وأربع مئة، وأول ما سمعتُ من الفقيه أبي القاسم أصبَغ بن راشد. وكنتُ أفهم ما يُقرأ عليه. وكان ممن تفقه على أبي محمد بن أبي زيد. وأَصْلُ أبي من قُرْطُبة. من محلةٍ يُقال لها الرُّصافة، وسكن جزيرة مَيُورقَة، وبها وُلِدت . قال يحيى ابن البناء: كان الحُمَيْدي من حِرْصه واجتهاده ینسخُ بالليل في الحَر، فکان یجلس في إجازة ماءٍ یتبرد به . وقال الحُسين بن محمد بن خُسرو: جاء أبو بكر بن ميمون، فدق على الحُمَيْدي، وظن أنه قد أُذِن له فدخل، فوجده مكشوف الفَخِذ، فبكى الحُمَيْدي وقال: والله لقد نظرتَ إلى موضع لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْت. وقال ابن ماكولا: لم أر مثل صديقنا الحُمَيْدي في نزاهته وعفته وورعه وتشاغله بالعِلم، صنّف تاريخًا للأندلس. وقال السِّلَفي: سألتُ أبا عامر محمد بن سعدون العَبْدري، عن الحُمَيْدي فقال: لا يُرى قط مثله، وعن مثله يُسأل؟ جمع بين الفقه والحديث والأدب، ورأى علماء الأندلس. وكان حافظًا. قلت: لقي حفاظ العصر ابن عبدالبر، وابن حَزْم، والخطيب، والحَبَّال. وقال يحيى بن إبراهيم السَّلَماسي: قال أبي: لم تَرَ عينايَ مثل الحُمَيْدي في فضله ونُبْله وغزارة عِلْمه وحرصه على نشر العلم. قال: وكان ورِعًا تقيًّا إمامًا في الحديث وعِلَله ورُواته، متحققًا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث، بموافقة الكتاب والسُّنة، فصيحَ العبارة، متبحِّرًا في عِلْم الأدب والعربية والتَّرسُّل. وله كتاب ((الجمع بين الصحيحين))، و((تاريخ الأندلس))، و((جُمَل تاريخ الإسلام)»، وكتاب «الذَّهَب المسبوك في وعظ الملوك))، وكتاب في الترسُّل، وكتاب ((مخاطبات الأصدقاء))، وكتاب ((ما جاء من الآثار في حفظ الجار))، وكتاب (ذَم النَّميمة)). وله شعرٌ رصينٌ في المواعظ والأمثال . قلت: وقد جاء عن الحُمَيْدي أنه قال: صَيَّرني ((الشهاب)) شهابًا. وكان ٦١٨ يُسمع عليه كثيرًا، عن مصنفه القُضاعي. وقال ابن سُكَّرة: كان يدلني على المَشَايخ، وكان مُتَقَلِّلاً من الدنيا، يُمونه ابن رئيس الرُّؤساء. ثم جَرَت لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه. وكان يبيت عند ابن رئيس الرؤساء كل ليلة. وحدثني أبو بكر ابن الخاضبة أنه لم یسمعه يذكر الدنيا قط . وقال أبو بكر بن طَرْخان: سمعت أبا عبدالله الحُمَيْدي يقول: ثلاثة كُتُب من علوم الحديث يجب تقديم الهمم بها: كتاب العِلل وأحسن كتابٍ وُضِع فيه كتاب الدَّارِقُطْني، وكتاب المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وُضِع فيه كتاب الأمير ابن ماكولا، وكتاب وفيات الشيوخ وليس فيه كتابٌ، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رتِّبْه على حروف المُعجَم، بعد أن ترتبه على السِّنين. قال ابن طرْخان: فشغله عنه الصحيحان، إلى أن مات. قلت: قد فتح الله بكتابنا هذا، يسر الله إتمامه، ونفع به، وجعله خالصًا من الرياء والرياسة. وقد قال الحُمَيْدي في ((تاريخ الأندلس))(١): أخبرنا أبو عمر بن عبدالبر، قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد الجُهني، بمصنف أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب النَّسائي، قراءة عليه، عن حمزة بن محمد الكِناني، عن النَّسائي . وللحميدي رحمه الله تعالی : كتابُ الله عز وجل قولي وما صحَّتْ به الآثارُ دِيني وما اتفق الجميعُ عليه بَدْءًا وعَوْدًا فهو عن حقِّ مبين فَدَع ما صَدَّ عن هذا وخُذْها تكُن منها على عين اليَقِين وقال القاضي عياض: محمد بن أبي نصر أبو عبدالله الأزدي الأندلسي، سمع بمَيُورقة من أبي محمد بن حَزْم قديمًا. وكان يتعصب له، ويميل إلى قوله. وكانت قد أصابته فيه فتنة، ولما شُدِّد على ابن حزم وأصحابه خرج الحُمَيْدي إلى المشرق. (١) جذوة المقتبس (٥٣٠). ٦١٩ ومن شعره : طريقُ الزُّهْد أفضلُ ما طريق وتَقْوى الله تأديةُ الحُقوق فثِق بالله يكْفِك واستَعِنهُ يعِنك وذر بُنيات الطريق وله : لقاء الناس ليس يُفيدُ شيئًا سوى الهَذيان من قيلٍ وقال فاقلل من لقاءِ الناس إلا لأخْذِ العِلْم أو إصلاح حال قال السمعاني(١): روى لنا عنه يوسف بن أيوب الهَمَذاني، وإسماعيل الحافظ، ومحمد بن عليّ الجلابي، والحُسين بن الحسن المقدسي، وغيرهم. وتُوفي في سابع عشر ذي الحجة، ودُفن بمقبرة باب أَبْرَز بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصلى عليه الفقيه أبو بكر الشاشي بجامع القَصْر. ثم نُقِل في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة إلى مقبرة باب حرب، ودُفن عند قبر بِشْر الحافي. ونقل ابن عساكر في ((تاريخه))(٢) أن الحُمَيْدي أوصى إلى الأجل مظفَّر ابن رئيس الرؤساء أن يُدفن عند بشر بن الحارث، فخالف وَصيته، فلما كان بعد مدة رآه في النَّوم يُعاتبه على ذلك، فنقله في صَفَر سنة إحدى وتسعين، وكان كَفَنُه جديدًا، وبدنه طَرِيًّا، يفوح منه رائحة الطِّيب. ووقفَ كُتُبه رحمه لله(٣). وقع لنا («تذكرة» الحُمَيْدي بِعُلُو. ٢٩٣ - محمد بن محمد بن جُمَاهر، أبو بكر الحَجْرِيُّ الطُّلَيْطُليُّ. روى عن عمه جُماهر، وقاسم بن هلال، وأبي عُمر بن سُميق. وحج، وسمع من أبي العباس بن نفيس، والقُضاعي. وكان شديد العناية بالسَّماع، ولیس عنده کبیر علم. ورَّخه ابن بَشْكُوال (٤). ٠ (١) في ذيل تاريخ مدينة السلام، كما في مختصره لابن منظور، الورقة ٣١. (٢) تاريخ دمشق ٥٥/ ٨١. (٣) ينظر الصلة لابن بشكوال (١٢٣٠). (٤) الصلة (١٢٣١). ٦٢٠