النص المفهرس
صفحات 481-500
كَرْبوقا بحِمْص. ثم سار إلى بلاد الجزيرة فملَكَها، ثم ملكَ خِلاطَ وغيرَها. ثم سار فافتتح أَذْرَبِيجان جميعها، وكَثُرت جيوشه واستفحلَ أمرُهُ. وسار بركياروق في طلب عَمِّه، فبيَّته ليلةً عَسْكر تُتُش، فانهزم بَرْكياروق في طائفةٍ يسيرة، ونُهِبت أثقاله، فقصد أصبهان لمَّا بلغه موت امرأةٍ أبيه تُركان، ففتحوا له خديعةً، وَقَبَضُوا عليه، وأرادت الأُمراء أن يكخِّلوه، فاتَّفق أن أخاه محمود ابن السُّلطان ملكشاه جُدِّر، فقال لهم الطَّبيب: ما كأنَّه يَسْلَم، فلا تَعْجَلوا بَكَحْل هذا، وأنتم تَكْرهون أن يملك تاج الدَّولة تُتُش، فدعوا هذا حتى تنظروا في أمركم. فمات محمود في سَلْخ شوال وله سَبْعُ سنين، فملكوا بركياروق، ووزر له مؤيّد المُلْك ابن نظام المُلْك، لأنَّ أخاه الوزير عز المُلْك مات بناحية المَوْصل مع السُّلطان، فأخذَ مؤيد المُلْك يكاتب له الأمراء ويتألَّفهم، فقوي سُلطانُ وتَمَّ . وفيها مات المستنصر بالله الرَّافضي صاحب مصر، وقام بعده ابنه المستعلي . وفيها مات بَدْر أمير الجيوش قبل المُستنصر بأشهر . وفيها مات محمد بن أبي هاشم الحُسيني أميرُ مكة، وقد نَّف على السبعين، وكان ظالمًا قليلَ الخَيْرِ، أمرَ بنهب الرَّكْب في هذا العام. وفيها قتلَ السُّلطان بَرْكيارُوق عمَّه تِكِش وغَرَّقه، وكان محبوسًا مكحولاً بقلعة تَكْريت، لأنه اطلع منه على مُكاتبات. وكانت تُركان الخاتون قد بعثت جيشًا مع الأمير أُثر لأخذ فارس من الملك تُورانشاه بن قاروت بك، فانهزمَ تُورانشاه، ولم يُحسن أُثر تدبير أمر فارس، واستوحش منه الأجناد وانحازوا إلى تورانشاه، وعَمِلَ معه مَصَافًّا، فانهزم أُثر. ومات تورانشاه من سَهْم أصابه، ومرضت تُركان وهي بنت طمغان خان أحد ملوك التُّرْك، وكان لها هيبة وصَوْلة، وأمرٌ مُطاع، لأنها بنت ملكٍ كبير، ولأن زوجها سلطان الوقت كان، وابنها وَلِي عَهْد، وهي حماة المقتدي بالله، إلى غير ذلك. وكانت قد تَجَهَّزت تريد المَسِير إلى تاج الدَّولة لتتزوَّج به . فأدركها الأَجَل، وأوصت بولدها إلى الأمير أُثر، ولم يكن بقي له سوى أصبهان. تاريخ الإسلام ١٠/م٣١ ٤٨١ وفيها دخلت الرُّوم لعنهم الله بَلَنْسِيَة صُلْحًا بعد حِصَار عشرين شهرًا، فلا قوة إلا بالله . سنة ثمان وثمانين وأربع مئة في المحرَّم قُتِلَ أحمد خان صاحبُ سَمَرَقَنْد، وكان قد كرهه جُنْده واتَّهموه بالزَّنْدقة، لأنَّ السُّلطان ملكشاه لمَّا تملكَ سَمَرْقَند وأسَرَ أحمد خان وَكَّلَ به جماعة من الدَّيْلم، فحسَّنوا له الانْحلال، وأخْرَجوه إلى الإباحة، فلما عاد إلى سَمَرْقَند كان يظهر منه الانْحلال، وعصَى طُغْرُل يَنال بقلعةٍ له، فسَار لحصاره، فتمكَّن الأمراء، وقبضوا عليه، ورجعوا به، وأحضروا الفُقَهاء، وأقاموا له خصومًا ادَّعوا عليه بالزَّنْدقة، فأنكَرَ، فشهدوا عليه، فأفتى العُلماء بقتله، فخنقوه، ومَلَّكوا ابن عمه. وفي صَفَر بعثَ تُتُش شِحْنة لبغداد، وهو يوسف بن أبق التُّرْكُماني، فجاء صَدَقة بن مَزْيَد صاحِبُ الحلَّة ومانعهُ، فسارَ نحو طريق خُراسان، ونهب باجِسْرى، وبَعْقُوبا أفْحَشَ نَهْب، ثم عادَ إلى بغداد، وقد راحَ منها صَدَقة، فدخلها وأراد نَهْبها، فمنعه أميرٌ معه، فجاءه الخَبَرَ بقَتْل تُش، فترخَّل إلى الشَّام، وذلك أن تُتُش لما هزم بَرْكياروق، سار بركياروق فحاصر هَمَذان، ثم رحل عنه، ومرض بالجُدَري، وقصدَ تتش أصبهان، وكاتب الأمراء يدعوهم إلى طاعته، فتوقَّفوا لينظروا ما يكون من بركياروق. فلمّا عُوفي فرحوا به، وأقبلت إليه العَسَاكر، حتى صارَ في ثلاثين ألفًا، والتقى هو وتُتُش بقرب الرَّي، فانكسر عسكر تُتُش، وقاتل هو حتى قُتِلَ؛ قتله مملوٌ لقسيم الدَّولة، وأخذ بثأر مخدومه. وانفرد بركياروق بالسَّلْطنة، ودانت له الممالك بعد أن انهزم من عمه بالأمس في نَفَرٍ يسير إلى أصبهان، ولو اتَّبعه عشرون فارسًا لأسروه، لأنه بقي على باب أصبهان أيامًا، ثم خَدَعوه وفتحوا له، ثم قَبَضُوا عليه وهَمُّوا بكحْله، فحُمَّ أخوه محمود وجدر وماتَ، فملَّكُوه عليهم، وشرعت سعادتُه. وقد كان تُتُش بعثَ إلى ولده رِضْوان يأمره بالمَجِيء إلى بغداد، وينزل بدار السَّلْطنة، فسار في عسكرٍ كبير، فلما قارب هِيت جاءه نعيُّ أبيه، فرد إلى ٤٨٢ حَلَب، وتَمَلَّكها بعد أبيه، وجعلَ زوج أمه جناحَ الدَّولة حسين بن أيْدكين أَتَابِكَه ومدبِّر دَولته، فأحسن السِّياسة، وصالحهم صاحب أنطاكية ياغي سيان التُّرْكُماني، فقصدوا ديار بكر، والتف عليهم نُواب الأطراف الذين لتُش، فساروا يريدون سَرُوج، فسبقهم إليها الأمير سُقْمان بن أُرْتُق، فحكَمَ عليها. ثم ملك رضوان الرُّها، ووهَبَها لصاحب أنطاكية. ثم وقع بينهم اختلاف، فسارَ جناح الدَّولة مُسرعًا إلى حلب، ثم قَدِمَ رِضْوان. وأما أخوه دُقاق الملك فإنه كانَ في خدمة عَمِّه السُّلطان ملكشاه، وهو صَبِيٌّ قد خَطَب ابنة السُّلطان، وسار بعد موت عمه مع تُركان إلى أصبهان. ثم خرجَ إلى بركياروق، فصارَ معه، ثم هَرَب إلى أبيه. وحضرَ مَقْتل أبيه، وهرب مع بعض المماليك إلى حَلَب، فبقي مع أخيه، فراسَلهُ الخادم ساوتِكين متولي فَلْعة دمشق سِرًّا، يدعوه ليملِّكَهُ، فهربَ، وأرسلَ أخوه وراءه فوارس، فلم يُدركوه، وفرح الخادم بقدومه، وتملَّك دمشق. واتَّفَقَ مجيء طُغْتِكين هو وجماعة من خواص تُتُش قد سَلِموا، فخرج لتلقيهمِ دُقَاق وأكرمهم، وقيل: كانوا قد أُسِروا يوم المصاف، ثم تَخلَّصوا. وكان طُغْتِكين زوج أمِّ دُقَاق، فتمكَّن من الأمور، وعَمِلَ على قَتْل الخادم فقتله . وجاء إلى الخِدْمة ياغي سيان صاحب أنطاكية، ومعه أبو القاسم الخُوارزمي، فاسوزره دُقَاق . وفيها تُوفي المعتمد بن عباد مسجونًا بأَغْمات وكان من محاسِن الدُّنيا جُودًا، وشجاعةً، وسُؤدُدًا، وفصاحةً، وأدبًا، وما أحسن قوله: سلَّت عليَّ يدُ الخُطوب سُيوفَها فجَذَذْنَ من جَسَدي الخَصِيب الأفتنا ضربَتْ بها أيدي الخُطوب، وإنما ضرَبَتْ رقابَ الآمِلين بنا المُنى يا أملي العاداتِ من نَفَحاتنا كقُوا، فإنَّ الدَّهْرِ كِفَّ أكُفنا وفيها تُوفي الوزير أبو شجاع وزير الخليفة مجاوِرًا بالمدينة. وفيها عَمِلُوا سورَ الحَرِيم ببغداد، فزيّنُوا البلدَ لذلك، وعَمِلُوا القباب والمَغَاني، وجَدُّوا فيه. وفي رمضان وثب رجلٌ فجرح السُّلطان برکیاروق. ٤٨٣ وفيها قدِم الغَزالي، رحمه الله، إلى الشام متزهِّدًا، وصنَّف كتاب ((الإحياء)) وأسمَعَه بدمشق، وأقام بها نحو سنتين، ثم حجَّ، وسارَ إلى خُراسان. وفيها عزل بَرْكيارُوق مؤيد المُلْك ابن النظام من الوزارة بأخيه فخر المُلْك. سنة تسع وثمانين وأربع مئة تملُّك كربوقا الموصل : قد ذكرنا أن تُتُش سجنه فأطلَقهُ رِضْوان بن تُتُش، وأطلق أخاه ألْتُونْتاش، فالتفَّ عليهما كثيرٌ من العَسْكر البَطَّالين، فأتيا حَران، وجاء إليهما محمد بن شرف الدَّولة مُسلم بن قُريش يستنصِر بهما على أخيه عليّ صاحب المَوْصل من جهة تُتُش، فسار كَرْبوقا، ثمَّ غدرَ بمحمد، وقبضَ عليه، وغَرَّقه، ونازل المَوْصل على فرسخ منها، ونزل أخوه ألْتُونْتاش من الجهة الأُخرى، فجاءَ صاحب الجزيرة العُمَرية جكرمِش ليكشفَ عنهم، فهزمه ألْتُونْتاش، وطالت مصابرتهما لأهل المَوْصل حتى عُدِمت بها الأقوات، وكل شيء حتى ما يوقدونه، ودام الحصار تسعة أشهر، ففارقها صاحِبُها، وسار إلى الحلَّة إلى الأمير صَدَقة، واستولى كَرْبوقا على المَوْصل، وشرع ألْتُونْتاش في مصادرة النَّاس، فقتله أخوه وأحسن السِّيرة، ثم سارَ فملك الرَّحْبة. وفيها اجتمعت الكواكب السَّبعة، سوى زُحل في بُرج الحُوت، فحكم المنجّمون بطوفانٍ يقارب طوفان نوح، فاتَّفق أنَّ الحُجَّاج نزلوا في وادٍي المناقب، فأتاهم سَيْل، فغرَّق أكثرهم؛ كذا قال ابنُ الأثير(١)، ونَجَا من تعلّق بالجبال، وذهبت الجِمَال والأزواد. وفيها دَرَّس بالنِّظامية ببغدادَ أبو عبدالله الطََّري الفقيه . (١) الكامل ٢٥٩/١٠ - ٢٦٠. ٤٨٤ سنة تسعين وأربع مئة فيها قُتِل الملك أَرْسلان أَرْغُون ابن السُّلطان ألْب أرسلان السُّلْجوقي بمَرْو، وكان قد حَكَم على خُراسان. وسبب قتله أنه كان مُؤذِيًّا لِغِلْمانه، جَبَّارًا عليهم، فوثبَ عليه غلامٌ بسِكين فقتله. وكان قد ملك مَرْو، وبَلْخ، ونَيْسابور، وتِرْمِذ، وأساء السِّيرَةَ، وخَرب أسوار مُدُن خُراسان، وصادرَ وزيرَه عماد المُلْك ابن نظام المُلْك، وأخذ منه ثلاث مئة ألف دينار، ثم قتله. وفيها عصى متولِّي مدينة صُور على المِصْريين، فسارَ لحربه جَيْش، وحاصروه، ثم افتتحوها عَنْوةً وقتلوا بها خَلْقًا ونهبوها، وحُمِل واليها إلى مصر، فقُتل بها . وكان بَرْكيارُوقِ قد جَهَّز العساكرَ مع أخيه المَلِك سَنْجَر لقتالِ عَمِّه أرسلان أرغون المُتغلّب على خُراسان، فلما بلغوا الدَّامَغان أتاهم قِثْلُه، ثم لحِقهم السُّلطان بَرْكيارُوق، وسارَ إِلى نَيْسابور، فَتَسلمها، ثم تسلّم سائر خُراسان بلا قتال، ثم نازلَ بَلْخ وتَسَلَّمها، وبقي بها سبعة أشهر، وخطبوا له بسَمرقند، وغيرها. ودانت له البلاد، وخَضَعت له العباد. واستعمل أخاه سنجر على خُراسان، ورتَّب في خِدْمته مَن يسوسُ الممالك، لأنه كان حَدَثًا . وفيها أمَّرَ بركياروق الأمير محمد بن أَنُوشتِكين على خُوارزم. وكان أبوه مملوك الأمير بلكابَك الشُّلْجوقي، فطلعَ نجيبًا، كامل الأوصاف، فوُلِدَ له محمد هذا، فعلَّمَهُ وأدَّبه، وترقَّت به الحال إلى أن وَلِيَ خُوارِزْم، ولُقِّب خُوارزم شاه. وكان كريمًا، عادلاً، محسِنًا، مُحبًّا للعلماء. فلما تَمَلَّك السُّلطان سنجر أقرَّ محمدًا على خُوارزم. ولما تُوفي وَلِيَ بعده ولده آتسز بن خُوارزم شاه، فَمَدَّ ظُلَل الأمن، ونَشَر العَدْلَ، وكان عزيزًا على السُّلطان سنجر، واصلاً عنده لشهامته وكفايته وشَجَاعته. وهو والد السُّلطان خُوارزم شاه محمد الذي خرج علیه جنگِزْخان . وفيها نازل رِضْوان صاحب حَلَب مدينة دمشق ليأخذها من أخيه دُقَاق، فرأى حصانَتَها، فسار ليأخذ القُدس فلم يُمكنه، وانقطعت عنه العساكر. وكان معه ياغي سِيان ملك أنطاكية، فانفصل عنه، وأتى دمشقَ، وحَسَّنَ لدُقاق محاصرةً حَلَب، فسَار معه. واستنجد رِضْوان بسُقمان بن أرتق، فنجده بجيش التركمان، ٤٨٥ وخاض الفُرات إليه. والتقى دُقاق ورِضْوان بقِتَّسْرِين، فانهزم دُقاق وجَمْعه، ونُهبوا، ورجعوا بأسوأ حال. ثم قُدِّم رِضْوان في الخطبة على أخيه بدمشق، واصطلحا . وفيها خُطِب للمُسْتَعلي بالله المِصْري في ولاية رِضْوان بن تُتُش، لأنَّ جناح الدَّولة زوج أم رضوان رأى من رضوان تغيّرًا، فَسَار إلى حِمْص، وهي يومئذٍ له، فجاء حينئذٍ ياغي سيان إلى حلب، وصالح رضوان. وكان لرضوان منجِّمٌ باطنيٌّ اسمه أسعد، فحسّن له مذهب المصريين، وأتته رُسُلِ المستعلي تدعوه إلى طاعته، على أن يمده بالجيوش، ويبعث له الأموال ليتملّك دمشق، فخطب للمُستعلي بحلب، وأنطاكية، والمَعَرة، وشَيْزَر شهرًا. فجاءه سُقْمان، وياغي سِيان، فأنكرا عليه وخَوَّفاه، فأعاد الخُطْبة العبّاسية. ورد ياغي سِيان إلى أنطاكية، فما استقر بها حتى نازلَتْها الفرنج يحاصرونها . وكانوا قد خرجوا في هذه السنة في جمْع كثير، وافتتحوا نيقية، وهو أول بلدٍ افتتحوه، ووصلوا إلى فامية، وكَفَرْطَاب،َ واستباحوا تلك النواحي. فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشَّام. قدِمُوا في بَحْر القُسطنطينية في جَمْع عظيم، وانزعجت المُلوك والرَّعية، وعَظُم الخَطْب، ولاسيما سُلطان بلاد الروم سُليمان. فجمع وحشد، واستخدمَ خَلْقًا منِ الثُّرْكُمان، وزحف إلى معابرهم، فأوقِعَ بخلقٍ من الفرنج. ثم إنهم التقوه، ففلَّوا جَمْعَه، وأسروا عسكره، واشتد القَلَقَ، وزاد الفَرَق، وكان المصاف في رَجَب . ٤٨٦ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ (الوفيات) ذكر مَن توفي في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة من المشاهير ١ - أحمد بن إبراهيم، أبو بكر القُرشيُّ الدَّرْعِيُّ الهَرَويُّ. تُوفي بهَرَاة في شهر صَفَر، سمع أبا الفَضْل الجاروديَّ. ٢ - أحمد بن عبدالصَّمد بن أبي الفضل، أبو بكر الغُورَجِيُّ الهَرَويُّ التَّاجر. سمع ((الجامع)) لأبي عيسى من الجَرَّاحي. روى عنه المؤتمن السَّاجي، وعبدالملك الكَرُوخي. وتُوفي في ذي الحجة بهَرَاة. وثَّقه الحُسين بن محمد الكُتُبي(١). ٣ - أحمد بن محمد بن حسن بن خَضِر، أبو طاهر الجَوَالیقيُّ، والد أبي منصور ابن الجَوَاليقي. كان صالحًا صحيحَ السَّماعِ، سمع أبا القاسم بن بِشْران. وعنه عبدالوهاب الأنْماطي(٢). ٤ - أحمد بن محمد بن أحمد، أبو نَصْر الثَّعالبيُّ الصُّوفيُّ. تُوفي في رجب بخُراسان. روى عن ابن مَحْمِش، وأبي عبدالرحمن السُّلمي، وجماعة(٣). ٥ - أحمد بن محمد بن عُبَيْدالله، أبو الفضل الرَّصَّاص الأصبهانيُّ. (١) من التقييد لابن نقطة ١٤٧ - ١٤٨ . (٢) من المنتظم ٩/ ٤٤ . (٣) ينظر منتخب السياق (٢٥٥). ٤٨٧ سمع محمد بن إبراهيم الجُرْجاني. وعنه مسعود الثقفي، والرُّسْتُمي. تُوفي في هذه السَّنة تقريبًا . ٦ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الأصبهانيُّ الطَّيَّان القَفَّال. سمع إبراهيم بن خَرَشِيذَ قُولَة. وعنه مسعود الثَّقَفيُّ، والرُّسْتُميُّ. تُوفي في صَفَر . وقد سُئِل أبو سَعْد البغدادي عنه، فقال: شيخٌ صالحٌ، سمعتُ أنه كان يخدم ابن خَرَشِيذ في صِغَره، وما سمعتُ فيه إلا خيرًا(١). ٧ - إسماعيل بن عليّ بن محمد بن عبدالله، أبو الفضل الدُّلْشَاذُّ الفقيه، من تلامذة أبي محمد الجُوَيْني. صالحٌ مستورٌ، حدَّث عن أبي القاسم عبدالرحمن السَّرَّاج، وأبي بكر الحِيري، وأبي سعيد الصَّيْرفي. روى عنه عبدالغافر الفارسي، وقال(٢): تُوفي في الحادي والعشرين من المحرَّم. ٨ - إسماعيل بن محمد بن إبرهيم بن محمد بن محمد بن نُوح، القاضي الخطيب أبو محمد النُّوْحِيُّ السَّمَرْ قَنْدِيُّ. تُوفي يوم الأضحى، وحدَّث عن جعفر المُسْتَغْفِري، وعنه عمر بن محمد النَّسَفي، وغيرُه، وعاش تسعًا وخمسين سنة(٣). ٩ - جعفر بن حَيْدر، أبو المعالي العَلَويُّ الهَرَويُّ الزَّاهد. أحد الكبار، بنى بهَرَاة الخانقاه، وكان له مريدون وأصحاب أشعريون. سمع عبدالغافر الفارسي، وجماعة (٤). ١٠ - حَجاجُ بن قاسم، أبو محمد المأمونيُّ السَّبْيُّ الفقیه. سمع من أبيه، وبمكة من أبي ذَر عَبْدِ الهَرَوي وأبي بكر المُطَّوعي، وسكن المَرِية، وصار رئيس عُلمائها، وبعد ذلك انتقل إلى سَبْتَة، وحدَّث (١) ينظر ((الطيان)) من الأنساب. (٢) في السياق، كما في منتخبه (٣٢٨). (٣) من ((النوحي)) في الأنساب. (٤) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (٤٦٣). ٤٨٨ ((بصحيح البخاري)). سمع منه قاضي القضاة أبو محمد بن منصور، وأبو عليّ ابن طريف، وأبو القاسم بن العَجُوز، وآخرون(١). وكان أبوه قاسم بن محمد الرُّعَيْني ممن لقي ابن أبي زيد، تُوفي سنة ثمانٍ وأربعين. ١١ - الحسن بن محمد بن الحسن، أبو القاسم الخَوَافيُّ(٢)، نزيلُ نَیْسابور. سمعٍ من ابن مَحْمِش، وعبدالله بن يوسف، والسُّلَمي. روى عنه أبو البركات الفُرَاوي، وعائشة بنت الصَّفَّار، ومحمد بن الحسن الزَّوزَني. قال ابن السَّمْعاني: مات بعد سنة ثمانين(٣). ١٢ - عبدالله بن محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عليّ بن جعفر ابن منصور بن مَت، شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاريُّ الهَرَويُّ الحافظ العارف، من وَلَد صاحب النبي ◌َّ أبي أيوب الأنصاري. قال أبو النَّضْر الفامي: كان بِكْرِ الزَّمان، وواسطة عِقْد المعاني، وصورة الإقبال، في فنون الفضائل، وأنواع المحاسن، منها نُصْرة الدين والسُّنَّة من غير مُداهنةٍ ولا مُراقبة لسلطان ولا وزير. وقد قاسى بذلك قَصْد الحُساد في كل وقت، وسَعَوا في رُوْحه مِرارًا، وعمدوا إلى إهلاكه أطْوارًا، فوقاه الله شَرَّهم، وجعل قَصْدهم أقوی سببٍ لارتفاع شأنه. قلت: سمع من عبدالجَبَّار الجَرَّاحِي ((جامع التِّرْمِذي))، وسمع من الحافظ أبي الفضل محمد بن أحمد الجارودي، والقاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزْدي، وأحمد بن محمد بن العالي، ويحيى بن عَمَّار السِّجْزي المُفَسِّر، ومحمد بن جبريل بن ماحٍ، وأبي يعقوب القَرَّاب، وأبي ذَر عبد بن أحمد الهَرَوي. ورحلَ إلى نَيْسابور، فسمع من محمد بن موسى الحَرَشي، وأحمد بن محمد السَّلِيطي، وعلي بن محمد الطِّرَازي الحَنْبلي أصحاب الأصم، والحافظ أحمد بن عليّ بن فَنْجُوية الأصبهاني. وسمع من خَلْقِ كثير بهَراة، أصحاب (١) ينظر الصلة لابن بشكوال (٣٤٢). (٢) منسوب إلى ((خواف)) من نواحي نيسابور. (٣) ينظر منتخب السياق (٥٣٠). ٤٨٩ الرَّقَّاء فمن بعدهم . وصنَّف كتاب ((الفاروق في الصِّفات))، وكتاب ((ذَمِّ الكلام))، وكتاب ((الأربعين حديثًا)) في السُّنَّة. وكان جِذْعًا في أعْيُن المتكلِّمين، وسَيْفًا مسلولاً على المخالفين، وطودًا في السُّنَّة لا تزعزعه الرِّياح. وقد امتُحِن مرات؛ قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاري يقول بهَراة: عُرِضتُ على السَّيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجعْ عن مَذْهبك، لكن يقال ليَ: اسكُت عَمَّن خالفك، فأقول: لا أسكت. وسمعته يقول: أحفظ اثني عشر ألف حديث أسْرُدُها سَرْدًا. قلت: خَرَّجَ أبو إسماعيل خَلْقًا كثيرًا بهَرَاة، وفَسَّر القرآن زمانًا، وفضائله كثيرة. وله في التَّصَوّف كتاب ((منازل السَّائرين)) وهو كتاب نفيسٌ في التَّصوّف، ورأيتُ الاتحادية تُعَظّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنه على تصوفهم الفَلْسفي. وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحط عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب، نسأل الله العفو والسلامة(١). وله قصيدة في السُّنَّة، وله كتاب في مناقب أحمد بن حنبل، وتصانيف أُخر لا تحضُرني . روى عنه المؤتمن السَّاجي، ومحمد بن طاهر المقدسي، وعبدالله بن أحمد السَّمَرْقندي، وعبدالصَّبور بن عبدالسَّلام الهَرَوي، وعبدالملك الكَرُوخي، وأبو الفتح محمد بن إسماعيل الفَامي، وعطاء بن أبي الفضل المُعَلِّم، وحنبل بن عليّ البُخاري، وأبو الوَقْت عبدالأول، وعبدالجليل بن أبي سَعْد، وخَلْقٌ سواهم. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الفتح نصر بن سيار. قال السِّلَفيُّ: سألتُ المؤتمن عنه، فقال: كان آيةً في لسان التَّذْكير والتَّصوُّف، من سَلاطين العُلماء؛ سمع ببغداد من أبي محمد الخَلَّل، وغيره. ويروي في مجالس وَعْظِه أحاديث بالإسناد، ويَنْهى عن تعليقها عنه. وكان بارعًا في اللُّغة، حافظًا للحديث. قرأتُ عليه كتاب (( ذم الكلام))، وكان قد روى فيه حديثًا عن عليّ بن بُشْرى، عن أبي عبدالله بن مَنْدة، عن إبراهيم بن (١) على أنَّ تلميذه النجيب ابن القَيّم قد شرحه ذاك الشرح النفيس: ((مَدَارج السالكين))، وهو من أنفس الكتب، طبع غير مرة، وهذبه غير واحد. ٤٩٠ مرزوق. فقلت له: هذا هكذا؟ قال: نعم. وإبراهيم هو شيخ الأصم وطبقته، وهو إلى الآن في كتابه على هذا الوجه. قلتُ: وكذا سقط عليه رجلان في حديثين مُخَرجين من ((جامع التِّرْمذي)). وكذا وقعت لنا في ((ذم الكلام)). نَبَّهتُ عليهما في نسختي، واعتقدتها سقطت على المُنْتَقي من ((ذم الكلام))، ثم رأيت غير نسخةٍ كما في ((المُنْتَقى)). قال المؤتَمَن: وكان يدخل على الأمراء والجبابرة، فما كان يُالي بهم، وكان يرى الغريب من المحدثين، فَيُكرمه إكرامًا يتعجَّب منه الخاص والعام. وقال لي مرةً: هذا الشأن شأن من ليس له شأن سوى هذا الشَّأن، يعني: طَلَب الحديث. وسمعته يقول تركت الحِيري لله، يعني القاضي أبا بكر أحمد بن الحسن صاحب الأصم. قال: وإنما تركه لأنه سمع منه شيئًا يخالف السُّنَّة. وقال أبو عبدالله الحسين بن عليّ الكُتُبي في ((تاريخه)): خَرَّجَ شيخ الإسلام لجماعة الفوائد بخَطِّه، إلى أن ذهبَ بصرُهُ، فلما ذهب بصرُه أمر واحدًا بأن يكتب لهم ما يخرج، ثم يصحح عليه. وكان يخرِّج لهم متبرِّعًا لحبه للحديث، وقد تواضع بأن خرَّج لي فوائد، ولم يبق أحدٌ خَرَّج له سواي. وقال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاري يقول: إذا ذكرتُ التَّفْسير، فإنما أذكره من مئة وسبعة تفاسير. وسمعت أبا إسماعيل ينشد على المنبر هذا: أنا حَنْبليٌّ ما حَييت، وإن أمُتْ فوصيتي للنَّاس أن يتحنبلوا وسمعتُ أبا إسماعيل يقول: لمَّا قصدتُ الشَّيخ أبا الحسن الخَرَقاني(١) الصُّوفي، وعزمتُ على الرجوع، وقع في نفسي أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالرّي وألتقي به، وكان مقدم أهل السُّنَّة بالرَّي، وذلك أنَّ السُّلطان محمود بن سُبُكْتِكِين لما دخل الرَّيَّ، وقتل بها الباطنية، منع سائر الفِرَق من الكلام على المنابر، غير أبي حاتم، وكانَ من دخل الرَّيَّ من سائر الفرق، يعرض اعتقادَهُ عليه، فإن رضِيَه أذن له في الكلام على النَّاس وإلا منعهُ، فلما قربتُ من الرَّي كان معي في الطَّريق رجلٌ من أهلها، فسألني عن مذهبي. (١) منسوب إلى ((خرقان)) بفتح الخاء المعجمة والراء، وهي قرية كبيرة بجبال بسطام. ٤٩١ فقلتُ: أنا حنبليٌّ، فقال: مذهبٌ ما سمعتُ به وهذه بدْعة. وأخذَ بثوبي وقال: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى الشيخ أبي حاتم. فقلتُ: خِيْرة. فذهبَ بي إلى داره، وكان له ذلك اليوم مجلسٌ عظيم، فقال: هذا سألته عن مذهبه، فذكر مذهبًا لم أسمع به قط. قال: ما قال؟ قال: أنا حنبلي. فقال: دعه، فكل من لم يكن حنبليًّا فليس بمُسلم. فقُلت: الرجلُ كما وصِفِ لي. ولِمْتُه أيامًا وانصرفتُ . قال ابن طاهر: حكى لي أصحابُنا أنَّ السُّلطان ألْب أرسلان قَدِمَ هَرَاة ومعه وزيره نظام المُلْك، فاجتمع إليه أئمة الفريقين من الشافعية والحنفية للشِّكاية من الأنصاري، ومطالبته بالمناظرة. فاستدعاه الوزير، فلما حضر، قال: إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإنْ يكن الحق معهم إما أن ترجع وإما أن تسكت عنهم. فقامَ الأنصاري، وقال: أناظرُ على ما في كُمَّيَّ فقال: وما في كُمَّيكَ؟ قال: كتاب الله، وأشار إلى كُمه الأيمن، وسُنة رسوله، وأشار إلى كُمه اليسار، وكان فيه ((الصَّحيحان)). فنظرَ الوزير إليهم كالمُسْتَفهم لهم، فلم يكن فيهم مَن يمكنه أن يُناظره من هذا الطَّريق. وسمعتُ أحمد بن أميرجة القَلانِسي خادم الأنصاري يقول: حضرتُ مع الشيخ للسَّلام على الوزير أبي عليّ، يعني نظام المُلْك، وكان أصحابه كَلَّفوه الخروج إليه، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بَلْخ - قلتُ: وكان قد غُرِّبَ عن هَرَاة إلى بَلْخ - قال: فلما دخل عليه أكرمَهُ وبَجَّله. وكان في العَسْكر أئمة من الفريقين، في ذلك اليوم قد علموا أن الشيخ يأتي، فاتفقوا على أن يسألوه عن مسألةٍ بين يدي الوزير، فإن أجابَ بما يجيب بهَرَاة سقط من عين الوزير، وإنْ لم يُجِب سقط من عيون أصحابه. فلمَّا استقر به المجلس قال العلوي الدَُّّوسي: يأذن الشيخ الإمام في أن أسأل مسألة؟ قال: سَلْ. فقال: لِمَ تَلْعن أبا الحسن الأشعري؟ فسكتَ، وأطرقَ الوزير. فلما كان بعد ساعةٍ، قال له الوزير: أجِبه. فقال: لا أعرف الأشعري، وإنَّما ألعَن من لم يعتقد أنَّ الله في السَّماء، وأنَّ القرآن في المُصْحَفِ، وأنَّ النَّبِي بَّر اليوم غير نبي. ثم قام وانصرف، فلم يمكن أحدٌ أن يتكلّم بكلمةٍ من هيبته وصلابته وصَوْلته. فقال الوزير للسائل أو مَن معه: هذا أردتم، كنا نسمع أنه يذكر هذا بهَرَاة، فاجتهدتم ٤٩٢ حتى سمعناه بآذاننا، وما عسى أن أفعل به؟ ثم بعثَ خَلْفه خِلَعًا وصِلةً، فلم يقبلها، وخرج من فوره إلى هَرَاة ولم يَتَلَبَّث. قال: وسمعت أصحابنا بهَرَاة يقولون: لمَّا قَدِمَ السُّلطان أَلْب أرسلان هَرَاة في بعض قَدَماته اجتمعَ مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل الأنصاري، وسَلَّموا عليه وقالوا: قد وَرَد السُّلطان، ونحن على عَزْم أن نخرج ونُسَلِّم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسَّلام على الشَّيخ الإمام، ثم نخرجُ إلى هناك. وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغيرًا، وجَعَلُوه في المحراب تحت سجَّادة الشيخ، وخرجوا. وذهب الشَّيخ إلى خَلْوته، ودخلوا على السُّلطان، واستغاثوا من الأنصاري أنه مُجَسِّم، وأنه يترك في محرابه صَنَّمًا، ويقول: إن الله على صورته، وإن بعثَ السُّلطانُ الآن يجد الصَّنم في قِبْلة مسجده. فعَظُم ذلك على السُّلطان، وبعث غلامًا ومعه جماعة، ودخلوا الدَّار وقصدوا المِحْراب، وأخذوا الصَّنَم من تحت السِّجَّادة، ورجع الغُلام بالصَّنَم، فوضعه بين يدي السُّلطان، فبعث السلطان من أحضر الأنصاري، فلما دخل رأى مشايخ البَلَد جُلُوسًا، ورأى ذلك الصَّنَم بين يدي السُّلْطان مطروحًا، والسُّلطان قد اشتد غضبه، فقال له السلطان: ما هذا؟ قال: هذا صنمٌ يُعمل من الصفر شِبْه اللُّعبة. قال: لستُ عن هذا أسألك. فقال: فَعَم يسألني السلطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول إن الله على صورته. فقال الأنصاري: سبحانك، هذا بُهْتَانٌ عظيم. بصوتٍ جَهْوَرَي وصَوْلة، فوقع في قَلْب السُّلطان أنهم كذبوا عليه. فأمرَ به، فأُخرج إلى داره مُكَرَّمًا، وقال لهم: أصدِقُوني، وهذَّدهم، فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة، فأردنا أن نقطع شَرَّه عنا. فأمرَ بهم، ووكل بكلِّ واحد منهم، ولم يرجع إلى منزله حتى كتب خَطَّهُ بمبلغ عظيم يحمله إلى الخزانة. وسَلِموا بأرواحهم بعد الهَوان والجناية . وقال أبو الوَقْت السِّجْزي: دخلتُ نَيْسابور، وحضرتُ عند الأستاذ أبي المعالي الجُوَيْني فقال: مَن أنتَ؟ قلت: خادم الشَّيْخ أبي إسماعيل الأنصاري. فقال: رضي الله عنه. وعن أبي رجاء الحاجي، قال: سمعتُ شيخ الإسلام عبدالله الأنصاري يقول: أبو عبدالله بن مَنْدَة سَيِّد أهل زمانه. ٤٩٣ وقال شيخ الإسلام في بعض كُتُبه: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني أحفظ مَن رأيت من البَشَر. وقال ابن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاري يقول: كتاب أبي عيسى التِّرْمذي عندي أفْيَد من كتاب البخاري ومسلم. قلتُ: لِمَ؟ قال: لأن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التَّامة، وهذا كتاب قد شرحَ أحاديثه وبيَّنها، فيصل إلى فائدته كل واحدٍ من النَّاس من الفُقَهاء، والمحدثين، وغيرهم. قال ابن السَّمْعاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن عبدالله الأنصاري، فقال: إمامٌ حافظٌ . وقال في ترجمته عبدالغافر بن إسماعيل(١): كان على حظّ تام من معرفة العربية، والحديث، والتَّواريخ، والأنساب، إمامًا كاملاً في التَّفْسير، حَسَن السِّيرة في التَّصَوُّف، غير مشتغل بكَسْب، مُكْتفيًا بما يباسط به المريدين والأتباع من أهلِ مجلسه في السَّنة مرةً أو مرّتين على رأس الملأ، فيحصل على ألوفٍ من الدَّنانير، وأعدادٍ من الثياب والحُلي، فيجمعها، ويُفَرِّقها على القصاب والخباز، وينفق منها، ولا يأخذ من السَّلاطين ولا من أركان الدَّولة شيئًا. وقلَّ ما يُراعيهم، ولا يدخل عليهم، ولا يبالي بهم. فبقي عزيزًا مقبولاً قَبُولاً أتم من الملك، مُطاع الأمر، قريبًا من ستين سنة، من غير مزاحمة. وكان إذا حضرَ المجلسَ لبسَ الثَّابَ الفاخرة وركب الدَّوابَ الثمينة، ويقول: إنما أفعل هذا إعزازًا للدِّين، ورَغْمًا لأعدائه، حتى ينظروا إلى عزي وتَجَمُّلي، ويرغبوا في الإسلام، ثم إذا انصرف إلى بيته عاد إلى المُرَقعة، والقُعُود مع الصُّوفية في الخانقاه، يأكل معهم، ولا يتميّز في المطعوم ولا الملبوس. وعنه أخذ أهل هَرَاة التبكير بالصُّبْح، وتسمية أولادهم في الأغلب بالعبد المضاف إلى أسماء الله، كَعَبدالخالق، وعبدالهادي، وعبدالخَلاق، وعبدالمُعِزِ. قال ابن السمعاني: كان مُظْهِرًا للسُّنَّة، داعيًا إليها، مُحَرِّضًا عليها. وكان (١) في السياق، وإن حذفه صاحب المنتخب (٩٣٨)، يدل عليه أيضًا أنَّ ابن رجب نقله منه أيضًا (ذيل طبقات الحنابلة ٦٤/١). ٤٩٤ مكتفيًا بما يباسط به المُرِيدين، ما كان يأخذ من الظَّلَمة والسَّلاطين شيئًا. وما كان يتعدَّى إطلاق ما ورد في الظواهر من الكتاب والسُّنة، معتقدًا ما صحَّ، غير مصرحٍ بما يقتضيه من تشبيه. نُقِل عنه أنه قال: من لم ير مجلسي وتذكيري وطعَنَ فيَّ، فهو في حِلِّ. ومولده سنة ستٍّ وتسعين وثلاث مئة. وقال أبو النَّضْر الفامي: تُوفي في ذي الحجة، وقد جاوز أربعًا وثمانين سنة(١). ١٣ - عبدالعزيز بن طاهر بن الحُسين بن عليّ، أبو طاهر البَغْداديُّ الصَّحراويُّ. زاهدٌ، عابدٌ، قانتٌ، لازم التفرُّدَ والعُزلة، روى شيئًا يسيرًا عن أبي الحسن بن رِزْقُوية، وعثمان بن دُوست العَلَّف. تُوفي في شعبان(٢). ١٤ - عبدالكريم بن أبي حنيفة بن العَبَّاس، أبو المظفَّ الأَنْدَقيُّ البُخاريُّ، شيخُ الحَنَفِيّة في زمانه بما وراء النهر . تفقه على الإمام عبدالعزيز بن أحمد الحُلْواني، وسمع من محمد بن عليّ ابن أحمد الإسماعيلي، وأبي إبراهيم إسماعيل بن محمد المزكي، وجماعة. روى عنه عثمان بن عليّ البيكندي، وغیرُه. تُوفي في شعبان عن نحو من ثمانين سنة، وأَنْدَقى قريةٌ من قرى .(٣) بُخَاری(٣) . ١٥ - عبدالملك بن أحمد، أبو طاهر ابن الُّيُوري. شيخٌ صالحٌ، بغداديٌّ، سمع أبا القاسم بن بشْران، وبُشْرى الفاتِني، وعثمان بن دُوست. روى عنه عبدالوهّاب الأنماطي، وجماعة . توفي في جُمَادى الآخرة، وروى عنه أبو محمد سِبْط الخياط (٤). (١) ينظر منتخب السياق (٩٣٨)، والتقييد ٣٢٢ - ٣٢٤. (٢) ينظر المنتظم ٩/ ٤٥ . (٣) من ((الأندقي)) في الأنساب. (٤) ينظر تاريخ ابن النجار ١٤/١ - ١٧. ٤٩٥ ١٦ - عثمان بن محمد بن عُبَيْدالله، أبو عَمْرو المَحْمِيُّ النَّيْسابوريُّ المُزَكِّي. حدَّث عن أبي نُعَيْم عبدالملك بن الحسن الإسْفَراييني، وعبدالرحمن بن إبراهيم المُزَكِّي، وأبي عبدالله الحاكم، وجماعة. روى عنه محمد بن طاهر المقدسي، وعبدالغافر بن إسماعيل، وعبدالله ابن الفُرَاوي، وهبة الرحمن ابن القشَيْري، وعبدالخالق بن زاهر، ومحمد بن جامع الصَّوَّاف، وعبدالكريم بن الحسن الكاتب، والحُسين بن عليّ الشَّخَامي، وعبدالرحمن بن يحيى الناصحي وأخوه أبو نصر أحمد، وخَلْق كثير. قال عبدالغافر: سمع المشايخ والصُّدور، وأدركَ الإسناد العالي، وحضر الوقائع. وكان شيخًا حَسَن الصُّخْبة والعِشْرة، وتُوفي في صفر. قلت: روى عنه بالإجازة محمد بن ناصر الحافظ، وقيل: هو عثماني(١) . ١٧ - عطاء بن الحسن، أبو خالد الخُراسانيُّ. تُوفي في ذي الحجة. ١٨ - عليّ بن الحُسين بن عليّ بن عَمْرُوية، أبو الحسن. نَيْسابوريٌّ مَسْتُورٌ، روى عن الحِيري، وأبي سعيد الصَّيْرفي، وأبي عبدالله ابن فَنْجُوية. وتُوفي في نصف شوال(٢). ١٩ - عليّ بن منصور ابن الفَرَّاء، أبو الحسن القَزْوينيُّ ثم البَغْداديُّ المؤدَّب. سمع أبا عليّ بن شاذان، وأبا بكر البَرْقاني، واللَّلكائي، ونسخَ بخطه الكثير، وكان صالحًا خيرًا. روى عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقندي، وأبو الكَرَم الشَّهْرَزُوري، وأبو منصور محمد ولده. ٢٠ - عمر بن الحُسين الدُّونيُّ الصُّوفيُّ الفقيه السُّفْانيُّ المُذْهِب، نزیلُ صُور. (١) ينظر منتخب السياق (١٢٤٢)، والتقييد ٣٩٩ - ٤٠٠. (٢) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (١٣١٤)، وفيه وفاته سنة ٤٨٢ . ٤٩٦ سمع من السَّكَن بن جُمَيْع. وعنه الأَرْمنازي. مات في ذي الحجة، وقد جاوز الثمانين(١). ٢١ - غانم بن عبدالواحد بن عبدالرحيم، أبو شُكْر الأصبهانيُّ الفقيه الشَّافعيُّ، إمام جامع أصبهان. أحد العلماء، سمع محمد بن إبراهيم الجُرْجاني. روى عنه مسعود الرُّسْتُمي، وجماعة. تُوفي في ثالث رجب. ٢٢ - الفضل بن عبدالله بن عليّ بن عُمر الأَدْبوجانيٌ(٢)، أبو سَعْد المعروف بالقاضي . قال شِيرُوية: قدِم هَمَذان في رجب للتحديث، وروى عن عُبَيدالله بن أبي حفص بن شاهين، وأبي منصور محمد بن محمد السَّوَّاق، وأبي محمد الخلال، وجماعة. انتُخِب عليه، وكان ثقة له أُصول مقيّدة بخط أبي بكر الخطيب وغيره. ٢٣ - القاسم بن عليّ، أبو عدنان القُرشيُّ الشريفُ العميدُ الهَرَويُّ. روى عن أبي منصور محمد بن محمد القاضي، وأبي الحسن الدِّيناري، وغيرهما(٣). ٢٤ - محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن، أبو بكر بن ماجة الأبْهريُّ، أبهر أصبهان لازَنْجان وهي قرية كبيرة. وُلِد سنة ستٍّ وثمانين وثلاث مئة، روى ((جزء لُوَيْن)) عن أبي جعفر بن المَرْزُبان، وطالَ عُمره، وأكثروا عنه. تُوفي في هذه السنة . روى عنه ابن طاهر المَقْدسي، وأبو سَعْد البَغْدادي، وأبو القاسم التَّيْمي، ومحمود بن محمد بن ماشَاذَة، وأبو منصور عبدالله بن محمد الكِسائي، وعبدالمغيث بن أبي عدنان، وأبو الغنائم مسعود بن إسماعيل، وأبو نصر أحمد ابن عُمر الغازي، وأبو الخَيْرِ محمد بن أحمد الباغْبَان، ومحمود بن عبدالكريم (١) من تاريخ دمشق ٤٣ / ٥٦٣ - ٥٦٤. (٢) هكذا مجودة في النسخ كافة، ولا أعرف هذه النسبة . (٣) ينظر منتخب السياق (١٤٣٧). تاريخ الإسلام ٣٢٢/١٠ ٤٩٧ فُورَجَة، وأبو الغنائم محمد بن عبدالمؤمن، وأبو رشيد أحمد بن حَمْد الخِرَقي، وعبدالمنعم بن محمد بن سَعْدُوية، والحسن بن رجاء بن سُليم، والأديب محمد بن أبي القاسم الصَّالحاني، وغیرُهم. ٢٥ - محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن جعفر، أبو الحسن الباقَرْحيُّ البغداديُّ الصَّيْرفيُّ. سمع ابن المُتَيَّم، وابن رِزْقُوية، وغيرهما. روى عنه محمد بن ناصر(١). ٢٦ - محمد بن الحُسين بن عليّ بن محمد بن محمود، أبو يَعْلَى الهَمَذانيُّ السَّرَّاج. سمع بمكة ((صحيح البخاري)) من كريمة المَرْوَزِية، وبمصر من القاضي أبي عبدالله محمد القُضاعي، وببغداد من الجوهري. وكان صدوقًا، حَسَن السِّيرة كثيرَ الصَّدقة، تُوفي في صَفَر (٢). ٢٧ - محمد بن عبدالرحمن بن أحمد، أبو بكر النَّيْسابوريُّ الماوَرْدِيُّ الصُّوفيُّ الحَنَفَيُّ. صوفي، نظيفٌ، ظريفٌ، ورع، روى عن أبي العلاء صاعد بن محمد. وعنه عبدالغافر بن إسماعيل؛ وهو وَصفه(٣). ٢٨ - محمد بن محمد بن بَشير، أبو عبدالله المَعَافِرِيُّ القُرْطُبيُّ الصَّيْر فيُّ المقرىءُ، صاحب مکي روى عنه أبو عليّ الغساني، وقال: كان رجلاً صالحًا، طلبَ الأدبَ عند أبي بكر مُسْلم بن أحمد الأديب، وقرأ القرآن على مكي بن أبي طالب، وحج، وكتب ((صحيح مسلم)) بمصر، عن أبي محمد بن الوليد. وكان رجلاً منقبضًا، مُقْبلاً على ما يعنيه، وتُوفي في رمضان (٤) . ٢٩ - محمد بن هشام بن محمد بن عثمان بن نَصْر، أبو بكر القَيْسيُّ الوزير القُرْطبيُّ، ويُعرف بابن المُصْحَفي. (١) من ((الباقرحي)) في الأنساب. (٢) ينظر المنتظم ٤٦/٩. (٣) في السياق، كما في المنتخب (١٣٥). (٤) من الصلة لابن بشكوال (١٢١٩). ٤٩٨ روى عن أبيه، وعن ثابت بن محمد الجُرْجاني، وأبي الحسن التِّريزي، وأبي عبدالله بن فَتْحُون، وصاعد بن الحسن اللُّغَوي، وأبي عُمر بن عفيف. روى عنه أبو عليّ الغساني، وقال: كان من المُتَحَقُّقين بالأدب، الذَّائبين على طلبه مدة عُمره، وكان ذا صيانة وجلالة، أكثر الناسُ عنه. وقال ابن بَشْكُوال(١): أخبرنا عنه غيرُ واحد. وقال أبو الحسن بن مُغيث: كان حافلَ الأدب، مُتَّسع المعرفة، من بيت نباهةٍ ووجاهةٍ، دَمِثَ الأَخْلاق، مثابرًا على المُطالعة، وكانت كُتُبُه في غاية الإتقان والتقييد. تُوفي الوزير أبو بكر في ثالث جُمَادى الأولى، وله ثمانون سنة. ٣٠ - محمد بن يبقى، أبو عبدالله الأندلسيُّ اللَّحْميُّ، من أهل المَریة. كان فقيهًا عالمًا بالأَثَرِ، اختلفَ إلى الشيوخ كثيرًا. وَرَّخه أبو القاسم بن مُدِير، وقال: ما تركتُ بالمَرِية أحدًا فوقَهُ(٢). ٣١ - مسعود بن سعيد بن عبدالعزيز النِّيليُّ، أبو الفضل النَّيْسابوريُّ الطَّبيب. قال السَّمْعاني: وُلِد سنة أربع وأربع مئة، وتُوفي في سنة نيٍّ وثمانين. يروي عن الحسين بن فَنْجُوية الثَّقَفَّي. حدثنا عنه أبو البركات ابن الفُرَاوي، وغيره، وعبدالخالق الشَّخَامي(٣). ٣٢ - مُعَلَّى بن حَيْدرة، الأمير حِصْنُ الدولة أبو الحسن الكُتَاميُّ. تغلّب على إمرة دمشق في شَوَّال سنة إحدى وستين بعد هروب أمير الجيوش بدر، وبعد بارزطغان، فأساءَ السيرة، وصادرَ النَّاسَ وعذَّبهم. وزعم أن التَّقْليد وصل إليه من المستنصر صاحب مصر. وعَمَّ بلاؤه إلى أن خرِبت أعمال البَلَد، وجَلا كثير من النَّاسِ، ووقعت بينه وبين العسكر وَحْشة فخافهم وهرب إلى بانياس في آخر سنة سَبْعِ وستين، وأراحَ الله منه. ثم خاف من (١) الصلة (١٢٢١)، والترجمة منه. (٢) من الصلة لابن بشكوال (١٢١٨). (٣) ينظر منتخب السیاق (١٤٧٠). ٤٩٩ عسكر قدٍم من مصر سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة، وهرب إلى صُور، ومنها إلى طرابُلُس، فأُخِذ منها، وحُمِل أسيرًا إلى مصر، وبقي بها إلى أن قُتِل في هذه السنة(١). ٣٣ - هبة الله بن عليّ، أبو سَعْد الكَوَّاز القارىء. تُوفي ببغداد في رجب . يروي عن عبدالملك بن بِشْران. وعنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي، وإسماعيل الطَّلْحي. ٣٤ - هبة الله بن محمد بن محمد بن مَخْلَد، أبو المُفَضَّل بن الجَلَخْت الأزْديُّ الواسطيُّ الزاهد المقرىءُ. سمع عليّ بن عبدالله الطَّرَسُوسي، وأبا تَمام عليّ بن محمد العَبْدي، وعُمر بن عليّ الميموني. روى عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي، وغيره . قال خميس الحَوْزي(٢): أبو المُفضل شيخنا يَقْصُر الوَصْفُ عما كان عليه من خُشُونة الطَّريقة وحُسْنها، صامَ وقتَهُ كلَّه، ولازم الجامعَ معتكفًا، يُقرىءُ القرآن، ويحدِّث. وكان حَسَن المعرفة بالفِقْه والحديث، جماعةً لخلال الخَيْرِ، ذا جاهٍ عظيمٍ عند السُّلطان. تُوفي في أول السنة، ودُفِن بداره، وله سبْعٌ وخمسون سنة. (١) من تاريخ دمشق ٣٧٥/٥٩ - ٣٧٦. (٢) سؤالات السلفي (٧٣). ٥٠٠