النص المفهرس

صفحات 381-400

الخَرْجانيُّ، وخَرْجان: محلة بأصبهان.
تُوفي في شَهْر رجب. يروي عن الحافظ ابن مردُوية، ورحل فسمع من
أبي عليّ بن شاذان. روى عنه أبو سَعْد أحمد بن محمد البَغْدادي، وأبو عبد الله
الرُّسْتمي، وإسماعيل الحافظ .
وكان عارفًا بالقراءات، ليس بالصَّالح.
١٥٧- محمد بن فارس بن عليّ، أبو الوفاء الأصبهانيُّ الصُّوفيُّ.
سمع أحمد بن موسى بن مردُوية الحافظ. وعنه الرُّسْتُمي.
تُوفي ليلة عيد الفِطر .
١٥٨- محمد بن المُحَسِّن بن الحَسن بن عليّ، أبو حرب العَلَويُّ
الدِّيْنَوَرِيُّ النَّابة.
قال شِيرُوية: قَدِمَ علينا من بغداد في جمادى الآخرة سنة خمسٍ
وسبعين. وروى عن أبيه، وأبي عليّ بن شاذان، وأبي الطَّيِّب الطَّبَري. وكان
فاضلاً، استملیتُ علیه.
١٥٩- مسعود بن عبدالرحمن ابن القاضي أبي بكر أحمد بن
الحسن، أبو البركات الحِيريُّ النَّيْسابوريُّ.
سمع الكثير من جده، ومن جماعة، وتُوفي في ربيع الآخر عن إحدى
وسبعين سنة. وعنه عبدالغافر(١).
١٦٠ - مسعود بن عليّ، أبو نصر النََّّسابوريُّ المُحْتَسب.
روى عن أبي بكر الحِيري، والصَّيْرِفي، والطُّرازي.
ومات في رجب(٢).
١٦١- المُطَهَّر بن عبدالواحد بن محمد، أبو الفضل اليَرْبُوعيُّ
البُزانيُّ الأصبهانيُّ .
سمع أبا جعفر بن المَرْزُبان، وأبا عبدالله بن مَنْدة، وأبا عمر بن
عبدالوهّاب السُّلَمي، وجماعة، وإبراهيم بن خُرَّشِيد قُولَه أيضًا. وطال عُمره،
وأكثر النَّاس عنه.
(١) منتخب السياق (١٤٦٥).
(٢) من السياق، كما في منتخبه (١٤٧٣).
٣٨١

ولا أعلم متى تُوفي، لكنَّه بقي إلى هذا العصر. روى عنه مسعود
الثقفي، والرُّسْتُمي.
وكان رئيسًا كاتبًا، سأل السَّمعانيُّ أبا سَعْد البَغْدادي عنه، فقال: كان
والده محدِّثًا، أفاده في صِغره.
١٦٢ - أبو عبدالله بن أبي الحسن بن أبي قُدَامة القُرَشيُّ الخُراسانيُّ
الأمير.
مات في رجب .
١٦٣ - الأمير أبو نصر بن ماكولا.
توفي فيها في قَوْلٍ، وسيأتي في سنة سَبْعٍ وثمانين(١).
(١) في الطبقة الآتية (٤٩/ الترجمة ٢٣٣).
٣٨٢

سنة ست وسبعين وأربع مئة
٢- أحمد بن عليّ، أبو الخطّاب، يُذكر بكنيته.
١٦٤ - أحمد بن محمد بن الفضل، الإمام أبو بكر الفَسَويُّ.
تُوفي بسَمَرْقند.
ذكره عبدالغافر في تاريخه، فقال(١): الإمام ذو الفنون، دخل نَيْسابور،
وحَصَّل بها العلوم، قرأ على الإمام زين الإسلام، يعني القُشَيْري، الأُصول.
وسمع من أبي بكر الحِيري، وأقام بنَيْسابور مدة، ثم خرج إلى ما وراء النَّهر،
وصار من أعيان الأئمة، وشاع ذِكْرُه، وانتشر عِلمه .
١٦٥- إبراهيم بن عليّ بن يوسفٍ، الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ
الفِيروزاباديُّ، شيخ الشَّافعية في زمانه، لَقَبُه: جمالُ الدِّين.
وُلد سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مئة. تفقه بشيراز على أبي عبدالله
البَيْضاوي، وعلى أبي أحمد عبدالوهّاب بن رامين. وقَدِم البصرة فأخذ عن
الخَرَزي. ودخل بغداد في شؤَّال سنة خمس عشرة وأربع مئة، فلازم القاضي أبا
الطَّيِّب وصَحِبَه، وبرع في الفقه حتى نابَ عن أبي الطَّيِّب، ورتَّبه مُعِيدًا في
حَلْقته، وصار أنْظَرَ أهل زمانه. وكان يُضرب به المَثَل في الفصاحة.
وسمع من أبي عليّ بن شاذان، وأبي الفَرَج محمد بن عُبَيْد الله
الخَرْجُوشي، وأبي بكر البَرْقاني، وغيرهم.
وحدَّث ببغداد، وهَمَذان، ونَيْسابور؛ روى عنه أبو بكر الخطيب(٢)،
وأبو الوليد الباجي، وأبو عبدالله الحُمَيْدي، وأبو القاسم ابن السَّمَرْقندي، وأبو
البدر إبراهيم بن محمد الكَرْخِي، ويوسف بن أيوب الهَمَذاني، وأبو نصر أحمد
ابن محمد الطُّوسي، وأبو الحَسَن بن عبدالسَّلام، وطوائف سواهم.
وقرأت بخط ابن الأنماطي أنه وجد بخطٍ: قال أبو عليّ الحسن بن أحمد
الكِرْماني الصُّوفي، يعني الذي غَسَّل الشيخ أبا إسحاق: سمعته يقول: وُلدتُ
سنة تسعين وثلاث مئة، ودخلتُ بغداد سنة ثماني عشرة وله ثمانٍ وعشرون
(١) في السياق، كما في منتخبه (٢٥٦).
(٢) تاريخه ٦/ ٢١ و٢٢، ١٦/ ٦٣٢.
٣٨٣

سنة، ومات لم يخلف دِرْهمًا، ولا عليه دِرهم، وكذلك كان يقضي عُمُرَه.
قال أبو سَعْد السَّمعاني: أبو إسحاق إمامُ الشَّافعية، والمُدَرِّس بالنِّظامية،
شيخُ الدَّهْرِ، وإمامُ العَصْر. رحل النَّاسُ إليه من البلاد، وقَصَدُوه من كل
الجوانب، وتَفَرَّد بالعِلم الوافر مع السِّيرة الجميلة، والطَّريقة المَرْضية. جاءته
الدُّنيا صاغرةً، فأباها واقتصرَ على خُشُونة العَيْش أيام حياته. صَنَّف في
الأصول، والفُروع، والخِلاف، والمَذْهب. وكان زاهدًا، وَرِعًا، متواضعًا،
ظريفًا، كريمًا، جوادًا، طَلْق الوجه، دائمَ البِشْر، مليحَ المحاورة. وتفقه
بفارس على أبي الفَرَج البَيْضاوي، وبالبصرة على الخَرَزي. إلى أن قال: حدّثنا
عنه جماعة كثيرة، وحُكي عنه أنه قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيتُ رسول الله
وَل* ومعه أبو بكر وعمر، فقلتُ: يا رسول الله بَلَغني عنك أحاديث كثيرة عن
ناقلي الأخبار، فأريدُ أن أسمع منك خبرًا أتشرَّف به في الدُّنيا، وأجعله ذخيرةً
للآخرة. فقال: يا شيخ، وسَمَّاني شيخًا وخاطبني به، وكان يفرح بهذا. ثم
قال: قُل عني: مَن أراد السَّلامة فلْيَطْلُبْها في سلامة غيره.
رواها السَّمعاني، عن أبي القاسم حَيْدر بن محمود الشِّيرازي بمرو، أنه
سمع ذلك من أبي إسحاق.
وورد أن أبا إسحاق كان يمشي، وإذا كَلْبٌ، فقال فقيهٌ معه: اخسأ. فنهاه
الشَّيخ، وقال: لِمَ طَرَدْته عن الطَّريق؟ أما علمتَ أنَّ الطريق بيني وبينه مُشْتَركٌ؟
وعنه، قال: كنتُ أشتهي ثَرِيدًا بماء باقلاء أيام اشتغالي، فما صحَّ لي
أكْلُهُ، لاشتغالي بالدَّرْس، وأخذ النَّوْبة.
قال السَّمعاني: قال أصحابنا ببغداد: كان الشَّيخ أبو إسحاق إذا بقي مدَّةً
لا يأكل شيئًا صَعِد إلى النَّصْرية، فله فيها صديق، فكان يثردُ له رَغيفًا، ويُشربُه
بماء الباقلاء، فربما صعد إليه، وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: ﴿ِلْكَ إِذَا كَرَّةً
خَاسِرَةٌ ﴾ [النازعات]، ويرجعَ.
قال أبو بكر الشَّاشي: الشيخ أبو إسحاق حُجة الله على أئمة العَصْر.
وقال المُوفَّق الحَنَفي: أبو إسحاق، أميرُ المؤمنين فيما بين الفقهاء.
قال السَّمعاني: سمعتُ محمد بن عليّ الخطيب يقول: سمعتُ محمد بن
محمد بن يوسف الفاشاني بمَرْو يقول: سمعتُ محمد بن محمد بن هانىء
٣٨٤

القاضي يقول: إمامان ما اتَّفق لهما الحج: أبو إسحاق، والقاضي أبو عبدالله
الدَّامغاني. أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولكن لو أراد لحملوه على الأعناق،
والدَّامَغاني لو أراد الحجَّ على السُّنْدُس والإسْتَبْرَق لأَمْكَنَه.
قال: وسمعتُ القاضي أبا بكر محمد بن القاسم الشَّهْرِزُوري بالمَوْصِل
يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحدٌ بين يديه، قال: أيُّ سكتةٍ فاتَتْكَ.
وكان يتوسوس؛ سمعتُ عبدالوهّاب الأنماطي يقول: كان أبو إسحاق يتوضأ
في الشَّطِّ، وكان يشك في غَسْل وجهه، حتى غَسَلَهُ مرات، فقال له رجل :
يا شيخ، أما تستحي، تغسل وجهك كذا وكذا نَوْبَة؟ فقال له: لو صح لي
الثَّلاث ما زدتُ عليها .
قال السَّمعاني: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغدى على عادته، فنسي
دينارًا معه وخرج، ثم ذكر، فرجع، فوجده، ففكّر في نفسه وقال: ربما وقع
هذا الدِّينار من غيري، فلم يأخذه وذهب. وبَلَغَنا أنَّ طاهرًا النَّيْسابوري خَرَّج
للشّيخ أبي إسحاق جزءًا، فكان يذكر في أوّل الحديث: أخبرنا أبو عليّ بن
شاذان، وفي آخر: أخبرنا الحسن بن أحمد البزاز، وفي آخر: أخبرنا الحَسَن
ابن أبي بكر الفارسي، فقال: من هذا؟ قال: هو ابن شاذان، فقال: ما أريد هذا
الجزء، هذا فيه تَدْليس، والتَّدْليس أخو الكَذِب.
وقال القاضي أبو بكر الأنصاري: أتيتُ الشَّيخ أبا إسحاق بفُتْيا في
الطَّريق، فناولته الفُنيا، فأخذَ قلم خبازٍ ودَوَاته، وكتب لي في الطريق، ومسحَ
القلمَ في ثوبه .
قال السَّمْعاني: سمعتُ جماعةً يقولون: لما قَدِمَ أبو إسحاق رسولاً إلى
نَيْسابور، تَلَقَّاه النَّاس لمّا قدِم، وحَمَلَ الإمام أبو المعالي الجُويني غاشيةً
فرسِه، ومشى بين يديه، وقال: أنا أفتخر بهذا. وكان عامة المدرسين بالعراق
والجبال تلامذته وأشياعَه وأتباعه، وكفاهم بذلك فَخْرًا، وكان يُنْشِد الأشعار
المليحة ويُوردُها، ويحفظ منها الكثير.
وصنَّفَ ((المهذَّب)) في المَذْهب، و((التَّنبيه))، و(اللُّمع)) في أصول الفقه،
و ((شرح اللَّمَع))، و((المعونة في الجَدَل))، و(الملخّص في أصول الفقه))، وغير
ذلك .
تاريخ الإسلام ١٠/م٢٥
٣٨٥

وعنه، قال: العلم الذي لا يَنْتَفع به صاحبُه: أن يكون الرجل عالِمًا، ولا
يكون عاملاً، ثم أنشد لنفسه :
عِلِمْتَ ما حلل المَوْلَى وحرَّمَه فاعمل بعِلمك، إنَّ العِلمَ للعَمَل
وقال: الجاهل بالعالم يَقْتدي، فإذا كان العالم لا يَعْمل، فالجاهل ما
يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي، نعوذُ بالله من علمٍ يصير حُجَّةً علينا.
وقيل: إن أبا نصر عبدالرحيم ابن القُشَيْرِي جلسَ بجنب الشَّيْخ أبي
إسحاق، فأحس بثِقَلِ في كُمه، فقال: ما هذا يا سيدنا؟ قال: قُرْصي المَلَّحِ،
وكان يحملهما في كُمْه طَرْحًا للتكلُّف.
قال السَّمعاني: رأيتُ بخط أبي إسحاق في رُقعة: ((بسم الله الرحمن
الرحيم، نسخةُ ما رآه الشيخ السيد أبو محمد عبدالله بن الحسن بن نَصْر
المَزْيَدِي، أبقاه الله: رأيتُ في سنة ثمانٍ وستين وأربع مئة ليلة جُمعة أبا إسحاق
إبراهيم بن عليّ بن يوسف الفِيرُوزَابادي- طَوَّل الله عُمره- في منامي يطير مع
أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرتُ، وقلتُ في تفسير هذا: هو
الشيخ الإمام مع أصحابه يطير، وأنا معهم استعظامًا لتلك الحالة والرُّؤية.
فكنتُ في هذه الفكرة، إذ تَلَقى الشَّيخ مَلَكٌ، وسلَّم عليه، عن الرب تبارك
وتعالى، وقال له: إنَّ الله تعالى يقرأ عليك السَّلام ويقول: ما الذي تدرِّس
لأصحابك؟ فقال له الشيخ: أدرِّس ما نُقِل عن صاحب الشَّرْع. فقال له المَلَك:
فاقرأ عليَّ شيئًا لأسمعه. فقرأ عليه الشيخ مسألةً لا أذكرها، فاستمع إليه الملك
وانصرف، وأخذ الشَّيخ يطير، وأصحابُه معه. فرجع ذلك الملك بعد ساعة،
وقال للشيخ: إنّ الله يقول: الحقُّ ما أنت عليه وأصحابك، فادخُلِ الجنَّة
معهم .
وقال الشَّيخ أبو إسحاق: كنت أعيدُ كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت
أخذتُ قياسًا آخر على هذا، وكنتُ أُعيدُ كلَّ درس مئة مرة، فإذا كان في
المسألة بيتٌ يُستشهدُ به حفظت القصيدة التي فيها البيت.
كان الوزير عميد الدولة بن جَهِير كثيرًا ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد
عَصْره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة.
وقال السَّمعانيُّ: لما خرجَ أبو إسحاق إلى نَيْسابور، خرِجَ في صُحْبته
٣٨٦

جماعةٌ من تلامذته، كانوا أئمة الدُّنيا، كأبي بكر الشَّاشي، وأبي عبدالله
الطَّبَري، وأبي مُعاذ الأندلسي، والقاضي علي المَيَانَجي، وأبي الفضل بن فِتْيان
قاضي البَصْرة، وأبي الحسن الآمدي، وأبي القاسم الزَّنْجاني، وأبي عليّ
الفارِقي، وأبي العباس ابن الرُّطَبي .
وقال أبو عبدالله ابن النَّجَّار في ((تاريخه))(١): وُلِد، يعني أبا إسحاق،
بِفِيروزاباد، بُلَيْدة بفارس، ونشأ بها، ودخل شيراز. وقرأ الفقه على أبي عبد الله
البَيْضاوي، وابن رَامِين. وقرأ على أبي القاسم الدَّارَكي، وقرأ الدَّارَكي على
المَرْوَزِي صاحب ابن سُرَيْج. وقرأ أبو إسحاق أيضًا على الطَّبَري، عن
الماسَرْجِسي، عن المَرْوَزِي. وقرأ أبو إسحاق أيضًا على الزَّجَّاجي، وقرأ
الزَّجَّاجي على ابن القاص صاحب ابن سُرَيْج. وقرأ أصول الكلام على أبي
حاتِم القَزْويني، صاحب أبي بكر ابن الباقلاني. وكان أبو إسحاق خطَّه في غاية
الرَّداءة. أنبأني الخُشُوعي، عن أبي بكر الطُّرْطُوشي، قال: أخبرني أبو العباس
الجُرْجاني القاضي بالبصرة، قال: كان أبو إسحاق لا يملكُ شيئًا من الدُّنيا،
فبلغ به الفَقْر حتى كان لا يجد قُوتًا ولا مَلْبَسًا. ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في
القَطِيعة، فيقوم لنا نصفَ قَوْمه، كي لا يظهر منه شيءٌ من العُرْي. وكنتُ أمشي
معه، فتعلَّق به باقِلاني، وقال: يا شيخ، أفقرتني وكَسَرتني، وأكلتَ رأس
مالي، ادفع إليَّ ما لي عندك. فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: أظنُّه قال: حَبَّتان من
ذهب أو حبتان ونصف.
وقال أبو بكر محمد بن أحمد ابن الخاضِبَة: سمعتُ بعضَ أصحاب
الشَّيخ أبي إسحاق يقول: رأيتُ الشَّيخَ كان يركع ركْعتين عند فَرَاغ كل فَصْل من
((المُهَذَّب)) .
قال: قرأتُ بخط أبي الفُتُّوح يوسف بن محمد بن مُقَلَّد الدِّمشقي:
سمعتُ الوزير ابن هُبَيْرة يقول: سمعتُ أبا الحسين محمد ابن القاضي أبي يَعْلى
يقول: جاء رجل من مَيَّافارِقين إلى والدي ليتفقه عليه، فقال: أنت شافعيٌّ،
وأهل بلدك شافعية، فكيف تشتغل بمذهب أحمد؟ قال: قد أحببته لأجلك.
فقال: ياولدي ما هو مصلحة، تبقى وحدك في بلدك ما لكَ مَن تُذاكره، ولا
(١) المستفاد (٣٢).
٣٨٧

تذكر له درسًا، وتقع بينكم خصومات، وأنت وحيد لا يطيب عَيْشُك. فقال:
إنما أحببته وطلبته لِمَا ظهر من دينك وعِلْمك. قال: أنا أدلك على من هو خيرٌ
مني، الشيخ أبو إسحاق. فقال: يا سيدي، إني لا أعرفه، فقال: أنا أمضي
معك إليه. فقام معه وحمله إليه، فخرجَ الشَّيخ أبو إسحاق إليه، واحترمه
وعَظّمه وبالغَ.
وكان الوزير نظام المُلْك يُثني على الشَّيخ أبي إسحاق ويقول: كيف لنا
مع رجل لا يفرِّق بيني وبين بهروز الفَرَّاش في المخاطبة؟ لما التقيتُ به قال:
باركَ الله فيك، وقال لبهروز لما صبّ عليه الماء: بارك الله فيك ! .
وقال الفقيه أبو الحسن محمد بن عبدالملك الهَمَذاني: حكى أبي، قال:
حضرتُ مع قاضي القُضاة أبي الحسن الماوَرْدي عزاء النّابتي قبل سنة أربعين،
فتكلَّم الشيخ أبو إسحاق وأجادَ، فلمَّا خرجنا قال الماوَرْدي: ما رأيتُ كأبي
إسحاق، لو رآه الشافعيّ لتجمَّل به.
أخبرنا ابن الخَلَّل، قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا السَّلَفي، قال:
سألت شُجاعًا الذُّهلي، عن أبي إسحاق، فقال: إمامُ أصحاب الشافعي،
والمُقَدَّم عليهم في وَقْته ببغداد. كان ثقةً، ورِعًا، صالحًا، عالمًا بمعرفة
الخِلاف، عِلْمًا لا يُشاركه فیه أحد.
أنبؤونا عن زَيْن الأُمَناء، قال: أخبرنا الصَّائن هبة الله بن الحسن، قال:
أخبرنا محمد بن مرزوق الزَّعْفراني، قال: أنشدنا أبو الحسن عليّ بن فَضَّال
القَيْرواني لنفسه في ((التَّنبيه)) للإمام أبي إسحاق:
أَكِتَابُ ((التَّنبيه)) ذا، أمْ رِيَاضُ أم لآلىءُ فَلَوْنُهُنَّ البَياضُ
جَمَعَ الحُسْنَ والمسائلَ طُرًّا دَخَلَتْ تحت كُلِّهِ الأبعاضُ
جرية الماء تحته الرَّضْراضُ
وهو من بعد ذا الطوال العِراضُ
كفتاةٍ أتى عليها المَخَاضُ
ليس كالدُّر في العُقود الحضاضُ
أنا إلا بشُكْرها نَهَّاضُ
كلُّ لفظٍ يروق من تحت معنى
قَلَّ طولاً، وضاق عَرضًا مَداهُ
يَدعُ العالِم المُسَمَّى إمامًا
أيُّها المُدَّعون ما ليس فيهم
كُلُّ نُعْمَى عليَّ يا ابنَ عليٍّ
ما تَعَذَّاك من ثَنائي مُحَالٌ ليسَ في غَير جَوهر أعْراضُ
٣٨٨

أنت طَوْدٌ لكنه لا يُسامى، أنتَ بحرٌ، لكنه لا يُخاضُ
فابقَ في غَبْطةٍ وأنت عزيزٌ ما تَعَدَّى عن المنال انخفاضُ
وقال أبو الحسن محمد بن عبدالملك الهَمَذاني: نَدَب المقتدي بالله
الشَّيخ أبا إسحاق الشِّيرازي للخروج في رسالةٍ إلى المعسكر، فتوجه في ذي
الحجة سنة خمسٍ وسبعين، وكان في صُحْبَته جماعةٌ من أصحابه، فيهم
الشَّاشي، والطَّبَرِيّ، وابن فِتْيان، وإنَّه عند وصوله إلى بلاد العَجَم كان يخرِج
إليه أهلُها بنسائهم وأولادهم، فيمسحون أردانَهُ، ويأخذون تراب نَعْلَيه
يستشْفُون به. وحدَّثني القائد كامل، قال: كان في الصُّحبة جمال الدَّولة
عفيف، ولما وصلنا إلى ساوة خرجَ بياضها وفُقهاؤها وشهُودُها، وكلهم
أصحاب الشيخ، فخدموه. وكان كل واحدٍ يسأله أن يحضرَ في بيته، ويتبرَّك
بدخوله وأكله لما يحضره. قال: وخرج جميعٍ مَن كان في البلد من أصحاب
الصِّناعات، ومعهم من الذي يبيعونه طُرَفًا ينثرونه على مِحَفَّته. وخرج
الخَبَّازون، ونثروا الخُبْزَ، وهو ينهاهم ويدفعهم من حَوَاليه ولا ينتهون. وخرج
من بعدهم أصحاب الفاكهة والحَلْواء وغيرهم، وفعلوا كفِعلهم. ولما بلغت
النَّوْبة إلى الأساكفة خَرَجوا، وقد عملوا مداساتٍ لطافًا للصِّغار ونثروها،
وجعلت تقع على رؤوس النَّاس، والشَّيخ أبو إسحاق يتعجَّب. فلمّا انتهوا بدأ
يُداعبنا ويقول: رأيتم النِّثار ما أحسنَهُ، أي شيء وصل إليكم منه؟ فنقول لعلْمِنا
أن ذلك يعجبه: يا سيدي؟ وأنت أي شيء كان حظُّك منه؟ فقال: أنا غطيت
نفسي بالمِحَفَّة. وخرج إليه من النِّسوة الصُّوفيات جماعة، وما منهن إلا من
بيدها سُبْحة، وألقوا الجميع إلى المِحَفة، وكان قصدُهُن أن يلمسها بيده،
فتحصل لهن البَرَكة، فجعل يُمِرّها على بَدَنه وجَسَده، وتَبَرَّك بهنَّ، ويقصد في
حقهن ما قَصدنَ في حقه .
وقال شيرُوية الدَّيْلَميُّ في ((تاريخ هَمَذان)): أبو إسحاق الشِّيرازي إمامُ
عصره، قَدِمَ علينا رسولاً من أمير المؤمنين إلى السُّلطان مَلِكشاه. سمعتُ منه
ببغداد، وهَمَذَان، وكان ثقةً، فقيهًا، زاهدًا في الدُّنيا على التحقيق أوحدَ
زمانه .
قال خطيب المَوْصل أبو الفضل: حدَّثني والدي قال: توجّهت من
٣٨٩

المَوْصل سنة تسع وخمسين وأربع مئة إلى بغداد، قاصدًا للشّيخ أبي إسحاق،
فلمَّا حضرتُ عندَهَ بباب المراتب، بالمسجد الذي يدرِّس فيه رَخَّب بي، وقال:
من أينَ أنت؟ قلتُ: من المَوْصل. قال: مَرْحبًا، أنت بلديي. فقلتُ: يا
سيدنا، أنت من فِيروزاباد، وأنا من المَوْصل! فقال: أما جَمَعتنا سفينةُ نوح؟
وشاهدتُ من حُسْن أخلاقه ولطافته وزُهْده ما حبَّبَ إليَّ لزومه، فصحِبته إلى أن
تُوفي .
قلت: وقد ذكره ابن عساكر في (طبقات الأشعرية))(١)، ثم أورد ما
صورته، قال: وجدتُ بخط بعض الثَّقات: ما قول السَّادة الفُقهاء في قوم
اجتمعوا على لعن الأشعرية وتَكْفِيرهم؟ وما الذي يجب عليهم؟ أفتُونا. فأجابَ
جماعة، فمن ذلك: الأشعرية أعيان السُّنة انتصبوا للرَّدِّ على المبتدعة من
القَدَرية والرَّافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السُّنة، ويجب
على النَّاظر في أمر المسلمين تأديبه بما يرتدع به كل أحدٍ. وكتب إبراهيم بن
عليّ الفِيروزابادي.
وقال: خرجتُ إلى خُراسان، فما دخلتُ بلدةً ولا قريةً إلا كانَ قاضيها،
أو خطيبها، أو مفتيها، تلميذي، أو من أصحابي.
ومن شعره :
أُحِبُّ الكأسَ من غير المُدام وألهو بالحِسَان بلا حَرام
وما حُبِّي لفاحشةٍ ولكنَ رأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكِرَامِ
و له :
سألتُ النَّاسَ عن خلِّ وفيٍّ فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تَمَسَّكْ إن ظفِرت بذيلِ حُرٍّ فإنَّ الحُرَّ في الدُّنيا قليلٌ
وله :
حكيم يرى أنَّ النُّجوم حقيقةٌ ويذهب في أحكامها كلَّ مَذْهب
يُخَبِّر عن أفلاكها وبُرُوجها وما عنده علمٌ بما في المُغيَّب
ولسَلَّر العُقَيْلي:
كفاني إذا عَنَّ الحوادثُ صارمٌ ينيلُني المأمولَ في الإِثْرِ والأَرْ
(١) تبيين كذب المفتري ٢٧٦ - ٢٧٨.
٣٩٠
:

يَقُدُّ ويَفْرِي في اللقاء كأنه لسانُ أبي إسحاق في مَجْلسِ النَّظَرْ
ولعاصم بن الحَسَن فيه :
تراه من الذَّكاء نحيفَ جسم عليه من تَوَقُّده دَلِيل
إذا كان الفَتَى ضَخْمَ المَعَالي فليس يَضيره الجسمُ النحيلُ
ولأبي القاسم عبدالله بن ناقِیا يرثيه:
أجرَى المدامعَ بالدَّم المُهْراقِ خطْبٌ أقامَ قيامَةَ الآماقِ
بينَ التَّراقِي ما لها من راقٍ
خَطْبٌ شَجَا منا القُلوبَ بِلَوْعةٍ
بعد ابن بَجْدَتها أبي إسحاق
ما للَّيالي لا تُؤلِّفُ شَمْلَها
إن قيل: مات، فلم يَمُتْ مَنْ ذِكْرُهُ حيٍّ على مَرِّ اللَّيالي باقٍ
تُوفي ليلة الحادي والعشرين من جُمَادى الآخرة ببغداد، ودُفِنَ من الغد،
وأحُضِر إلى دار المقتدي بالله أمير المؤمنين، فصَلّی علیه، ودُفِن بباب أبرز،
وجلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النِّظامية. وكان الذي صلّى عليه صاحبه أبو
عبدالله الطََّري.
ولما انقضى العزاء رتَبَ مؤيَّدُ الدولة ابن نظام المُلْك أبا سَعْد المتولي
مُدَرِّسًا، فلمَّا وصل الخبر إلى نظام المُلْك، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من
الواجب أن تُغلق المدرسة سنةً من أجل الشَّيخ. وعابَ على من تولى مكانه،
وأمرَ أنَّ يُدَرِّس الشَّيخ أبو نصر عبدالسَّيِّد ابن الصَّاغ مكانَه.
١٦٦- طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبدالله، أبو الوَفَاء القَوَّاس
البَغْداديُّ الفقيه الحنبليُّ الزَّاهد، من أهل باب البَصْرة.
وُلِد سنة تسعين وثلاث مئة، وسمع من هلال الحَفَّار، وأبي الحُسين بن
بشران، وأبي سَهْل محمود العُكْبَري، وجماعة. روى عنه أبو محمد وأبو
القاسم ابنا السَّمَرْقَنْدي، وأبو البركات عبدالوهّاب الأنماطي، وعلي بن طِراد،
وآخرون.
ذكره السَّمعاني، فقال: من أعيان فُقهاء الحنابلة وزُهادهم، أجهدَ نفسَهُ
في الطّاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله تعالى خمسين سنة، وكان يواصل
٣٩١

ليله بنهاره. وكان قارئًا للقرآن، فقيهًا، ورِعًا، خشنَ العَيْش، كانت له حَلْقة
بجامع المنصور.
قال عبدالوهّاب الأنماطي: سأله رجلٌ في خَلْقته عن مسألةٍ، فقال: لا
أجيبك حتى تقوم وتَخْلع سراويلك وتتكشّف، وكان قد رآه كذلك في الحَمَّام.
فقال: هذا لا يمكن، وأنا أسْتَخْيي. فقال: يا فُلان، فهؤلاء بعينهم هم الذين
رأوك في الحَمَّام بلا مِنْزر، أيش الفرق بين هنا وبين الحَمَّام؟! فخجل. وذكر
الشَّيخ فَصْلاً في النَّهي عن كَشْف العَورة.
تُوفي يوم الجُمعة سابع عشر شعبان(١).
١٦٧ - العباس بن أحمد بن محمد بن العباس بن بكْران، أبو الفضل
الهاشميُّ البغداديُّ.
روى عن الحُسين بن أبي الحسن الغَضَائري. روى عنه قاضي المَرِسْتان،
وإسماعيل ابن السَّمَرْ قَنْدي.
تُوفي في جمادى الآخرة.
١٦٨- عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله، أبو حكيم الخَبْريُّ الفقيه
الفَرَضِيُّ.
تفقه على أبي إسحاق الشِّيرازي، وبرع في الفرائض، والحِساب،
والعربية، واللُّغة، وسمع من الحسين بن حبيب القادِسي، والحسن بن عليّ
الجوهري.
وصنَّف الفرائض، وشَرَحَ كتاب ((الحَمَاسة))، و((ديوان البُخْتُري))،
و((ديوان المتنبي))، و((ديوان الشَّريف الرَّضي)). وكان متدينًا صدوقًا؛ روى عنه
ابن بنته أبو الفضل محمد بن ناصر، وأبو العز بن کادِش.
قال السِّلَفي: سألت الذُّهْلي، عن أبي حكيم، فقال: كان يسمع معنا من
الجَوْهري ومن بعده، وكان قيِّمًا بعلم الفرائض، وله فيها مصنَّف، وله معرفة
بالآداب صالحة .
قال ابنُ ناصر: كان جدي أبو حكيم يكتب المَصَاحف، فبينما هو ذات
(١) هذا من ذيل تاريخ مدينة السلام للسمعاني، وينظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢/
٢٤٤، وذيله لابن رجب ١/ ٣٨ - ٤٢.
٣٩٢

يوم قاعدًا مستندًا يكتب، وَضع القلم واستند، وقال: والله إنَّ هذا موت مُهنّأ،
موتٌ طيب، ثم ماتَ.
وَرَّخ أبو طاهر الكَرَجي موته في ذي الحجة.
١٦٩- عبدالله بن عطاء بن عبدالله بن أبي منصور بن الحسن بن
إبراهيم، أبو محمد الإبراهيميُّ الهَرَويُّ.
أحد من عُنِيَ بهذا الشأن، وسمع أبا عُمر عبدالواحد المَلِيحي، وجمال
الإسلام أبا الحسن الدَّاودي، وأبا إسماعيل شيخَ الإسلام. ورحل فسمع ببغداد
من أبي الحُسين ابن النَّقُّور، وعبدالعزيز ابن الشُّكَّري، وهذه الطّبقة. وسمع
بأصبهان، ونَیْسابور.
روى عنه زاهر الشَّخَامي، وأبو محمد سِبْط الخَيَّاط، وأبو بكر ابن
الزَّاغوني، وأبو المعالي ابن اللحاس، وغيرهم.
قال يحيى بن مَنْدَة: كان أحد من يفهم الحديث ويحفظ، صحيحَ النَّقْل،
حَسَنِ الفَهْم، سريعَ الكتابة، حَسَنَ التَّذْكير.
وقال هبة الله السَّقَطي: كان يُصَحِّف في الأسماء والمُتُون، ويُصِر على
غَلَطه، وكان متهافتًا، تظهر على لسانه الأباطيل، ويركِّبُ الأسانيد، فمن ذلك
ما حدثنا، قال: حدثنا عبدالرحمن بن محمد العَبْدي، قال: حدثنا الحُسين
ابن محمد الدِّينَوَري، قال: حدثنا عُبيدالله بن محمد بن شَنْبَة، قال: حدثنا
محمد بن موسى بن زياد الأصبهاني، قال: حدثنا الحسن بن محمود بن وكيع،
قال: حدثنا سُفيان بن وكيع، عن أبيه، عن هشام بن عُزْوة، عن أبيه، عن
عائشة، عن النبيِّ بَّهَ، قال: ((أَدُّوا الزَّكاة وتحروا بها أهل العِلم، فإنَّه أبَرُّ
وأتقى)) .
قال السَّمعاني: محمد بن موسى وشيخه مجهولان، وهو موضوع لا
شك فيه(١) .
تُوفي الإبراهيمي راجعًا من الحجّ بقرب العراق، وروى عنه وجيه
الشَّخَامي.
(١) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٥٠.
٣٩٣

وقال خميس الحَوزي(١): رأيته ببغداد ملتحقًا بأصحابنا، متخصصًا
بالحنابلة، يُخَرِّج لهم أحاديث الصِّفات، وأضْدادُه يقولون: هو يضعها، وما
علمت ذلك فیه.
١٧٠ - عبدالله بن عليّ بن بحر، أبو بكر.
توفي ببوشنج في رجب .
١٧١ - عبدالرحمن بن محمد بن عبدالرحمن بن عيسى بن زياد، أبو
عيسى الأصبهانيُّ التَّانيُّ الأديب.
كان يشبه الصَّدر الأول، عنده ((جزء لُوَيْن))، و((غريب القرآن)) للقُتَبِي.
مات في شعبان سنة ستّ(٢).
وُجِد سماعُه في آخر عُمره، روى عنه مسعود الثقفي، وغيرُه.
١٧٢- عبدالرحمن بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي عاصم، أبو
عطاء الهَرَويُّ الجَوْهريُّ.
روى عن محمد بن محمد بن جعفر الماليني، وأبي منصور محمد بن
محمد الأزدي، وأبي محمد حاتم بن أبي حاتم محمد بن يعقوب، وجماعة.
روى عنه أبو الوَقْت السِّجْزِيُّ، ووجيه، وعبدالجليل بن أبي سَعْد الهَرَوي.
تُوفي في شعبان.
قال السَّمْعاني: كان شيخًا ثقةً، صَدُوقًا. تفرَّد عن أبي مُعاذَ الشاه،
والماليني، سمع منه جماعة كثيرة. وُلِدَ سنة سَبْع أو ثمانٍ وثمانين وثلاث مئة؛
حذَّثنا عنه أحمد بن أبي سَهْل الصُّوفي، وعبدالواسع بن أميرك.
١٧٣- عبدالسميع بن عبدالودود بن عبدالمُتَكَبِّر بن هارون بن
عُبَيْدالله ابن المهتدي بالله، أبو أحمد الهاشميُّ، أخو الحَسَن.
سمع أبا الحُسين بن بِشْران. سمع منه الحُمَيْدي، وشُجاع الذُّهلي.
قال إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي: سألته عن مولده، فقال: سنة أربع وأربع
(١) سؤالات السلفي، له (١١٤).
(٢) هكذا جزم بوفاته في هذه السنة، وقال في ترجمته من السير ١٨/ ٥٦٦: ((بقي إلى حدود
سنة ست وسبعين وأربع مئة)). ثم أعاده في وفيات سنة ثمان وسبعين من غير أن يشعر،
وقال هناك: ((لا أعرف متى توفي، وتوفي في هذه الحدود)) (الترجمة ٢٤٧)، فالأمر كان
يحتاج منه، رحمه الله، إلى مزيد تحرير.
٣٩٤

مئة. مات في جمادى الأولى سنة ست وسبعين.
١٧٤- عبدالوهّاب بن أحمد بن جَلَبة، الفقيه أبو الفتح الخَزَّاز
البَغْداديُّ ثم الحرَّانِيُّ الحنبليُّ، مُفتي حَرَّان وعالمها .
تفقه على القاضي أبي يَعْلَى ولازَمَهُ، وكتبَ عنه تصانيفَهُ، وسمع من أبي
بكر البَرْقاني، وأبي عليّ بن شاذان، وأبي علي الحَسَن بن شِهاب العُكْبري.
سمع منه هبة الله الشِّيرازي، ومكي الزُّمَيْلي، والرَّحالة بحَرَّان. وقُتِل شهيدًا
مظلومًا .
قال أبو الحُسين ابن القاضي أبي يَعْلَى(١): وَلِيَ أبو الفَتح بن جَلَبة قضاء
حَرَّان من قبل الوالد، وكَتَبَ له سِجِلاً. وكان ناشرًا للمذهب، داعيًا إليه في
تلك الدِّيار. وكان مفتيها وواعظها وخطيبها وقاضيها. قُتل على يد ابن قُريش
العُقَيْلي في سنة ستٍّ وسبعين، عند اضطراب أهل حرّان على ابن قُريش، لما
أظهر سبَّ السَّلَف رضي الله عنهم.
قلتُ: جاء في حديث ماكِسِين من ((أربعي السَّلَفي)): وقال السِّلَفي:
أخبرنا أحمد بن محمد بن حامد الحَرَّاني قاضي ماكسين، قال: أخبرنا
عبدالوهّاب، فذکر حديثاً.
١٧٥ - عتيق، أبو بكر المغربيُّ الواعظ المعروف بالبَكْريّ.
كان من غُلاة الأشاعرة ودُعاتهم، هاجر إلى باب نظام المُلْك، فنفقَ
عليه. وكتبَ له كتابًا بأنْ يجلس بجَوَامع بغداد. فقَدِم وجلس للوَعْظ، وذكر ما
يُلطخ به الحنابلة من التَّجسيم، وهاجت الفِتَن ببغداد، وكَفَّر بعضهم بعضًا.
ولما همَّ بالجلوس بجامع المنصور، قال نقيب النُّقباء: اصبروا لي حتى أنقل
أهلي من هذه النَّاحية، لأني أعلم أنه لا بدَ مِن قَتْلٍ ونهبٍ يكون. ثم إنَّ أبواب
الجامع أُغْلِقت سوى باب واحد، فصعِد البَكْري على المِنْبر، والأتراك بالقِسي
والنُّشاب حوله، كأنه حَرْب- فنعوذ بالله من الفِتَن، ما ظهر منها وما بَطَنَ-
ولقبوه بعَلم السُّنة، وأعطوه ذَهَبًا وثيابًا، فتعرَّض لأصحابه قومٌ من الحنابلة،
فكُبست دُورُ بني القاضي أبي يَعْلَى، وأُخِذَت كُتُبُهم، ووُجد فيها كتاب
((الصِّفَات)). فكان يُقرأ بين يدي البَكْري وهو على مِنْبر الوعظ، وهو يُشنع
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٥.
٣٩٥

عليهم. وكان عميد بغداد أبو الفتح بن أبي اللَّيْث، فخرج البَكْري إلى المُعْسكر
شاکیًا منه، فلمّا عادَ مرض ومات.
ولما تكلَّم بجامع المنصور رَفَع من الإمام أحمد وقال: ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ١٠٢] فجاءته حصاة، وأخرى،
فأحسَّ بذلك الثَّقيب، فكشف عن الأمر، فكانوا ناسًا من الهاشميين من
أصحاب أحمد اختفوا في السُّقُوف، فأخذَهُم فعاقبهم.
مات في جمادى الأولى.
ذكره ابنُ النَّجَّار(١).
١٧٦- عليّ بن أحمد بن عبدالله، الأستاذ أبو الحَسَن الطَّبَريُّ.
توفي في شهر ربيع الآخر .
١٧٧- عليّ بن الحُسين بن الحسن بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن
محمد بن الحسن بن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن
أبي طالب الحَسَنيُّ، أبو طالب الهَمَذَانيُّ.
قال شِيرُوية: وحيدُ زمانه في الفضل والخُلُق، وطراز البَلَد. روى عن
جده لأمه أبي طاهر الحُسين بن عليّ بن سَلَمة، وأبي منصور القُومِساني،
وعبدالله بن حَسَّان، ورافع بن محمد القاضي، وأبي بكر عبدالله بن أحمد بن
بَيْهس. ورحل فسمع بنَيْسابور من أبي سَعْد الفَضْل بن عبدالرحمن بن حَمْدان
النَّضْرُوبي، وأبي حفص بن مَسرور، وأبي الحُسين عبدالغافر الفارسي. وسمع
بأصبهان من ابن رِيذة، وعبدالكريم بن عبدالواحد الحَسْناباذي، وأحمد بن
محمد بن النُّعمان، وعامَّة أصحاب ابن المُقرىء. وسمع بالدِّينور من أبي نَصْر
أحمد بن الحُسين بن بوان الكَسَّار، وعامة مشايخ زمانه. سمعتُ منه واستمليتُ
عليه. وكان صدوقًا، حسنَ الخُلُق، خفيفَ الرُّوح، كريم الطَّبْعِ، ملجأ
أصحاب الحديث، أديبًا، فاضلاً، من أدباء وقته. وُلِد سنة إحدى وأربع مئة،
وتُوفي في جُمَادَى الأولى، ودُفِن في داره.
١٧٨- عليّ بن عبدالله بن سعيد، أبو الحسن النَّيَّسابوريُّ التَّاجر
الحَنَفَيُّ الفقیه.
(١) التاريخ المجدد ٢ / ١٨٥ - ١٨٧ (ط الهند).
٣٩٦

شيخٌ ثقةٌ، سمع الكثير من أصحاب الأصم. وتوفي في عاشر رجَب، وله
خمسٌ وثمانون سنة(١).
١٧٩- عُمرٍ بِنِ عُمر بن يونس بن كُرَيْب، أبو حفص الأصبحيُّ
السَّرَ قُسْطِيُّ، نزيلُ طُلَيْطُلَة.
روى عن عليّ بن موسى بن حِزب الله، ويحيى بن مُحارب، وأبي عَمْرو
الدَّاني، وخَلَف بن هشام العَبْدري القاضي.
وكان فاضلاً ثقةً، عُمِّر وأسنَّ؛ قاله ابن بَشْكُوال(٢).
١٨٠ - عمر بن واجب بن عُمر بن واجب، أبو حفص البَلَنْسيُّ.
روى عن أبي عُمر الطَّلَمِنْكي، وسمع من أبي عبدالله ابن الحَذَّاء «صحيحَ
مُسلم)). وكان صاحب أحكام بَلْسِيَة. روى عنه حفيده أبو الحسن محمد بن
واجب بن عُمر، وأبو عليّ بن سُكَّرَةٍ(٣).
١٨١- فَرَج، مولى سَيِّد بن أحمد الغافقيِّ الكُتُبيِّ، أبو سعيد
المُّلَيْطليُّ.
حج وسمع أبا ذر الهَرَوي، وكان صالحًا ثقةً؛ روى عنه عبدالرحمن بن
عبدالله المُعَدَّل، وغيره (٤) .
١٨٢- محمد بن أحمد بن عُمر بن شَبُّوية، أبو نصر الأصبهانيُّ
التَّاجر .
سمع بنَيْسابور من أبي بكر الحِيري، وأبي سعيد الصَّيْرَفي. روى عنه
الرُّسْتُمي، ومسعود الثَّقْفي.
تُوفي في المحرَّم.
١٨٣- محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو طاهر بن أبي
الصَّفْرِ اللَّخْميُّ الأنباريُّ الخطيب.
له ((مشيخة)) في جزءين، سمعناها، وله رحلة إلى الشام، والحجاز،
(١) من السياق لعبد الغافر، كما في منتخبه (١٢٩٦).
(٢) الصلة (٨٦٤).
(٣) من الصلة لابن بشكوال (٨٦٥).
(٤) من الصلة لابن بشكوال (٩٨٨).
٣٩٧

ومصر؛ وسمع عبدالرحمن بن أبي نَصْر التَّميمي، وأبا نصر بن الجَبَّان، وأبا
عبدالله بن نظيف، ومحمد بن الحُسين الصَّنْعاني، وإسماعيل بن عَمرو الحَدَّاد
المِصْري، وعبدالوَهَّاب المُرّي، وأبا العلاء بن سُليمان المَعَرِّي، وأبا محمد
الجوهري، وصِلَة بن المؤمَّل المِصْري. وكان دخوله إلى مصر سنة ثلاثٍ
وعشرين، وأكبر شيوخه ابن أبي نَصْر.
روى عنه أبو بكر الخَطِيب، وعبدالله بن عبدالرَّزَّاق بن الفُضَيل،
وإسماعيل بن أحمد السَّمَرْقندي، وأبو الفتح محمد بن أحمد الأنباري الخَلَّل،
وعبدالوهّاب الأنماطي، والحافظ ابن ناصر، وموهوب بن أحمد ابن
الجَوَاليقي. وآخر من روى عنه أبو بكر ابن الزَّاغوني.
وُلد سنة ستّ وتسعين وثلاث مئة.
قال السَّمعاني: سمعتُ خليفة بن محفوظ بالأنبار يقول: كان ابن أبي
الصَّفْرِ صَوَّامًا قَوَّامًا، سأله بعض الناس: كم مسموعات الشيخ؟ قال: وِقْر
جمَلٍ، سوى ما شذ عني. قال خليفة: وكان قد أصيب ببعضها.
وقال السَّمعاني: سمعتُ خطيب الأنبار أبا الفتح ابن الخَلَّل يقول: خرج
شيخُنا ابن أبي الصَّقْر إلى الرِّحْلة قبل سنة ثمان عشرة وأربع مئة .
وله شِعْرٌ، فمنه:
حبيبٌ خُصَّ بالكرم إمام الحُسْن في الأُمم
بوجه نور جَوْهره يريك البَدْر في الظُّلَمِ
مُهَذَّبةٌ خلائقُهُ شمَّا بالأصل والشِّيم
حلفتُ على الوداد لَهُ برب البيت والحَرم
لأنت أعزّ من بَصري عليّ وكل ذي رَحِم
فقال: لك الوفاء بذا ولو لم تأتِ بالقَسَمِ (١)
تُوفي بالأنبار في جمادى الآخرة.
١٨٤- محمد بن أحمد بن الحسن بن جَرْدة، أبو عبدالله العُكْبري
التَّاجر.
(١) أخذه من ذيل السمعاني، وتاريخ دمشق ٥١/ ١٤٧ - ١٤٩.
٣٩٨

كان رأسماله نحو مئتي درهم يتَّجر بها من عُكبرا إلى بَغْداد، فاتَّسعت
عليه الدُّنيا، إلى أن مَلَك ثلاث مئة ألف دينار، وصاهَرَ أبا منصور بن يوسف
على بنته، وبنى دارًا عظيمة في غاية الكِبَر والحُسْن، واتَّخذ لها بابين، وعلى
كل باب مسجدٌ. ولما دخل البساسيريُّ بغداد بذل لقُرَيش بن بَدْران عشرة آلاف
دينار حتى حَمَى داره، واختفت عنده زوجة السُّلطان طُغْرُلْبَك فلما قدم
◌ُغْرُلْبَك بغدادَ جاء إلى داره متشكرًا.
وله بِرّ معروف، وأوقاف، وآثار جميلة، روى شِعْرًا عن الوزير أبي
القاسم ابن المغربي. وروى عنه أبو العز بن كادش، وغيره.
ومات في عاشر ذي القعدة عن إحدى وثمانين سنة، وكان سِبْط الخَيَّاط
إمام مسجده الكبير(١).
١٨٥- محمد بن أحمد بن عَلاَّن، أبو الفَرَج الكَرَجيُّ ثم الكوفيُّ .
ثقةٌ، مُسْنِدٌ، مشهورٌ، روى عن أبي الحسن ابن النَّجَّار، وأبي عبد الله
الهَرَواني. كتب عنه أبو الغنائم النَّرْسي، وغيرُه. وآخر من بقي من أصحابه أبو
الحسن بن غَبَرَة الذي أجازَ لكريمة .
قال النَّرْسِيُّ: كان ثقةً، من عُدُول الحاكم، تُوفي في شعبان(٢).
١٨٦- محمد بن الحسن بن محمد بن القاسم بن المَنْثور، أبو
الحسن الجُهَنيُّ الكوفيُّ.
من الرؤساء لكنه سَيِّئءُ المعتقد، شيعيٌّ. وهو آخر من حدَّث عن محمد
ابن عبدالله الجُعْفي الهَرَواني. تُوفي في شعبان. روى عنه إسماعيل ابن
السَّمَرْقَنْدي، وعُمر بن إبراهيم الحُسَيْني، ومحمد بن طَرْخان.
وعاش اثنتين وثمانين سنة.
١٨٧- محمد بن الحُسين، أبو بكر البَغْدادِيُّ البَنَّاء، ويُعرف بأخي
قُبَيْدة، بالضَّمِّ وبموحّدة.
سمع البَرْقاني، وأبا عليّ بن شاذان. وعنه إسماعيل وعبدالله ابنا
(١) من المنتظم ٩/ ٩ - ١٠.
(٢) تقدم في وفيات السنة الماضية مختصرًا (الترجمة ١٥٤).
٣٩٩

السَّمَرْقَنْدي. وكان مقرئًا خيرًا. مات في شهر رجب؛ ذكره ابن نقطة(١).
١٨٨- محمد بن شُرَيْح بن أحمد بن محمد بن شُرَيْح، أبو عبدالله
الرُّعَيْنِيُّ الإشبيليُّ المقرىء، مصنّفٌّ كتاب ((الكافي)) وكتاب ((التذكير))،
وخَطِیب إشبيلية.
كان من جِلَّة المُقرِئين في زمانه بالأندلس. رحل وحج، وسمعَ من أبي
ذَرِّ الهَرَوي، وأجازَ له مكي القَيْسي. وسمع بمصر من أبي العباس بن نَفِيس،
وأبي القاسم الكَخَال؛ وبإشبيلية من عثمان بن أحمد القَيْشَطالي. وقرأ
بالروايات بمكة على القَنْطري، وبمصر على ابن نَفِيس .
روى عنه ابنه الخطيب أبو الحسن شُرَيْح، وقال: تُوفي عصر يوم الجمعة
الرابع من شوال، وله أربع وثمانون عامًا إلا خمسة وخمسين يومًا(٢).
١٨٩- محمد بن طلحة بن محمد، أبو سعد الجُنَابَذِيُّ النَّيْسابوريُّ
التاجر .
سمع من أصحاب الأصم، وسمع بدمشق من عبدالرحمن بن الطُّبَيْز.
روى عنه عبدالغافر بن إسماعيل، وقال(٣): كان صالحًا ثقةً كثيرَ البِر.
روى عنه بالإجازة وجيه الشَّخَامي (٤).
١٩٠- محمد بن عليّ بن أحمد بن الحُسين، أبو الفضل السَّهْلكيُّ
البِسْطاميُّ الفقیه.
شيخ الصُّوفية، له الأصحاب والتَّصانيف في الطَّريق. سمع أبا بكر
الحِيري، وغيرَه، وحدَّث بنَيْسابور.
وقيل: تُوفي سنة سبع وسبعين، فالله أعلم(٥) .
١٩١- يوسف بن سليمان بن عيسى، أبو الحجّاج الأندلسيُّ
النَّحويُّ المعروف بالأعْلَم، من أهل شَنْتَمَرِية.
(١) إكمال الإكمال ٤/ ٦٤٧، وعنه المصنف في المشتبه ٥٣٦ لكن وقع فيه بفتح القاف خطأ .
(٢) من الصلة لابن بشكوال (١٢١٢).
(٣) في السياق، كما في منتخبه (١٢٣).
(٤) من تاريخ دمشق ٥٣ / ٢٨٦.
(٥) وفاته سنة ست وسبعين عن السمعاني، والذي قال بوفاته سنة سبع هو عبدالغافر، كما في
منتخب السياق (١٤٢).
٤٠٠
تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام — pages 381-400 | ScribeTools Library