النص المفهرس

صفحات 41-60

ولِيها عشر سنين. وقد ذكرنا أنه ذَبَحَ عمَّه قِرْواشًا في مَجْلسه. ثم إنَّ
قُريشًا قامَ مع البَسَاسِيري سنة خمسين، ونهبَ دارَ الخِلافة. وكان موته
بالطَّاعون وله إحدى وخمسون سنة. وقام بعده ولده شرفُ الدَّولة أبو المكارم
مُسْلِمٍ بن قُريش، واستولى على ديار ربيعة ومُضَر، وملكَ حَلَب، وأخذَ
الحمل(١) من بلاد الروم. وكان حاصر دمشق وكاد أن يأخذها(٢).
٩١ - محمد بن إبراهيم بن وَهْب القَيْسيُّ الطَّلَيْطُليُّ.
حَج، ولقي أبا الحَسَن بن جَهْضَم، وأبا ذَرِّ الهَروي فأخذَ عنهما، وأقبل
على التِّجارة وعمارة مالِه(٣).
٩٢ - محمد بن إسماعيل بن فُورتش، أبو عبدالله قاضي سَرَقُسْطَة.
حج، وكتب عن عتيق بن إبراهيم القَرَوي، وأبي عِمْران الفاسي،
وجماعة. روى عنه ابنه أبو محمد، وأبو الوليد الباجي.
وكان ثقةً ضابطًا، راويةً للعلم. وممن روى عنه أبو محمد بن حَزْم (٤).
٩٣ - محمد بن الحسن بن عليّ، الأستاذ أبو بكر الطّبَريُّ المقرىء.
من كبار القُرّاء بخُراسان. سمع الكثير، وحدَّث عن أبي طاهر بن
خُزَيْمة، وأبي محمد المَخْلَدي، والجَوْزقي، وجماعة. روى عنه زاهر
الشَّخَامي، وإسماعيل بن عبدالغافر الفارسي(٥) .
وكان من كبار أصحاب أبي الحُسَين الخَبَّزي، وكان يُصلِّي في مساجد
ثلاثة كل يوم في مسجد، والنَّاسُ ينتقلون معه من مسجدٍ إلى مسجد ليسمعوا
تلاوته لطِيبَ نغمته وحُسْن قراءته. وقد أملى مدة(٦).
٩٤ - محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر،
أبو سَعْد بن أبي بكر النَّيْسابوريُّ الكَنْجَرُوذيُّ الفقيه الأديب النَّحْوي الطّبيب
الفارس.
(١) يعني : الإتاوة.
(٢) من وفيات الأعيان ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٣) من الصلة لابن بشكوال (١١٧٧).
(٤) جله من الصلة لابن بشكوال (١١٧٦)
(٥) ذكر ذلك ابنه عبدالغافر في السياق، كما في منتخبه (١٠٢).
(٦) وقعت وفاته في منتخب السياق (١٠٢) سنة سبع وخمسين، وأخشى أن تكون محرفة.
٤١

شيخٌ مشهورٌ؛ قال عبدالغافر(١): له قَدَم في الطِّبِّ والفُرُوسية وأدب
السِّلاح. وكان بارع وقته لاستجماعه فنون العلم، أدرك الأسانيد العالية في
الحديث والأدب، وأدرك ببغداد أئمة النَّحْو. وحدَّث عن أبي عَمْرو بن حَمْدان،
وأبي الحُسَين أحمد بن محمد البَحيْري، وأبي سعيد محمد بن بشْر البَصْري،
وشافع بن محمد الإسفراييني، وأبي بكر محمد بن محمد الطِّرازي، وأبي بكر
أحمد بن الحُسين بن مِهْران، وأحمد بن محمد البالوي، وأحمد بن الحُسين
المَرْواني، وأبي أحمد الحاكم، والحُسين بن عليّ التَّميمي حُسَيْنك، وأبي
الحُسين بن دَهْثَم الطَّرَسُوسي، وأبي سعيد عبدالله بن محمد الرازي، وطبقتهم.
وسمع منه الخَلْق سنين، وخُتم بموته أكثر هذه الرِّوايات، وله شعرٌ حَسن.
قلت: روى عنه إسماعيل بن عبدالغافر الفارسي، وأبو عبدالله الفُرَاوي،
وهبة الله السَّيِّدي، وتَمِيم بن أبي سعيد الجُرْجاني، وزاهر بن طاهر،
وعبدالمنعم ابن القُشَيري.
قال عبدالغافر بن إسماعيل(٢): وقد أجاز لي جميع مسموعاته وخطه
عندي، وهو مما أَعتدُّ به وأُعدُّه من الاتفاقات الحسنة .
قلت: تُوفي بنَيْسابور في صَفَر، وقد سمعتُ جملةً من عواليه بالإجازة.
٩٥ - محمد بن محمد بن يحيى بن الحسن بن أحمد بن عليّ بن
عاصم، الأستاذ أبو عبدالله الجُورُّ.
قال عبدالغافر(٣): شيخٌ مستورٌ ثقةٌ، عالمٌ من أولاد العُلماء، بيتهم بيتُ
العِلم والصَّلاح. سَمَّعهُ أبوه الأستاذ أبو عَمْرو من يحيى بن إسماعيل الحَرْبي،
وتُوفي فُجاءةً في سابع عشر ذي القَعْدة.
وقال عليّ بن محمد في ((تاريخ جُرْجان)»: سمع الحسن بن أحمد
المَخْلَدي، وأبا الحُسين أحمد بن محمد الخَفَّاف، وأبا بكر الجَوْزقي؛ وذكَرَ
جماعةً. قال: وخَرَّج لنفسه الفَوَائد (٤).
(١) منتخب السياق (٦٧).
في السياق، كما في منتخبه (٦٧).
(٢)
(٣) في السياق، كما في منتخبه (٦٤).
(٤) وينظر تاريخ الخطيب ٣٧٨/٤.
٤٢

٩٦ - المعز بن باديس .
قيل: تُوفي في هذا العام، وقيل: تُوفي سنة أربع كما سيأتي إن شاء الله
تعالى(١).
(١) الترجمة (١٢٢).
٤٣

سنة أربع وخمسين وأربع مئة
٩٧ - أحمد بن إبراهيم بن موسى بن أحمد بن منصور، أبو سَعْد
المقرىء النَّيْسابوريُّ الشَّاماتيُّ، عُرِف بابن أبي شمس.
له ((أربعون حديثاً))، سمعناها. روى عن أبي بكر الجَوْزقي، وعن أبي
محمد المَخْلَدي، وأبي طاهر محمد بن الفضل بن خُزَيْمة، وأبي نُعَيْم
عبدالملك بن الحسن الإسفراييني، وأبي القاسم بن حبيب المُفَسِّر. ورحلَ من
نَيْسابور، فسمعَ بِهَرَاة من القاضي أبي منصور الأزْدي. روى عنه أبو المظفر
عبدالمنعم ابن القُشَيْري، وزاهر بن طاهر الشَّخَامي، وغيرُ واحد، وأحمد بن
محمد بن صاعد القاضي.
قال عبدالغافر(١): شيخٌ فاضل مشهورٌ، ثقةٌ، عالمٌ بالقراءات، متصرِّف
في الأمور. اختاره المشايخُ لنيابة الرياسة بنَيْسابور مدةً لحُسن كفاءته، وفَضْله
بالتوسُّط بين الخصوم. عقدَ مجلسَ الإملاء، وأملَى سنين، ومات في شعبان،
وله نحوٌ من ثمانين سنة.
وقد سمع كتاب ((الغاية)) من أبي بكر بن مِهْران.
٩٨ - إبراهيم بن العَبَّاس بن الحَسَن بن العَبَّاس بن الحَسَن بن أبي
الجن الحُسينيُّ، أبو الحُسَين.
قاضي دمشق وخطيبها نيابةً عن قاضي القُضاة بمصر أبي محمد القاسم
ابن النُّعمان قاضي المُسْتنصر العُبَيْدي. روى بالإجازة عن أبي عبدالله بن أبي
كامل الأَطْرابُلُسي. روى عنه ابنه أبو القاسم النَّسيب.
تُوفي في شعبان عن ستين سنة(٢).
٩٩ - بكر بن عيسى بن سعيد، أبو جعفر الكِنْديُّ القُرْطَبِيُّ الزَّاهد.
روى عن مكي بن أبي طالب، ومحمد بن عَتَّاب.
قال أبو عليّ الغَسَّاني: هو شيخي ومُعَلِّمي، وأحد من أنعم الله عليَّ
بصُخْبته. اختلفتُ إليه نحو خمسة أعوام في تعلَّم الفقه والأدب، لم تَرَ عيني قط
(١) في السياق، كما في منتخبه (٢١٣).
(٢) من تاريخ دمشق ٦/ ٤٥١ - ٤٥٢.
٤٤

مثله نُسْكًا وزُهْدًا وصيانةً، وانقباضًا عن جميع أهلِ الدُّنيا. تُوفي في رجب(١).
١٠٠ - ثِمال بن صالح بن الزَّوْقَلِية(٢)، الأمير مُعِزِ الدَّولة أبو عُلْوان
الكلابيُّ رئیس بني كِلاَب.
تملَّك حَلَب وغيرها. وكان بَطَلاً شجاعًا حليمًا كريمًا، أغنى أهلَ حلب
بماله وعَمَّهُم بأفضاله، وأحسنَ إلى العَرب. عَزَلهُ صاحبُ مصر المستنصِر ثم
ردَّهُ. وكان الفضلاء يقصدونه ويأخذون جوائزهُ.
تُوفي في ذي القَعْدة، وقبل ذلك بيسير كانت الوقعة المذكورة بينه وبين
النصارى الرُّوم، ونُصِر عليهم، وقَتَل منهم خَلْقًا.
١٠١ - الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسن، أبو محمد الجَوْهريُّ
الشِّيرازيُّ ثم البَغْدادِيُّ المُقَنَّعَيُّ، مُسْنِد العراق، بل مُسْند الدنيا في عصره.
سمع أبا بكر القَطِيعي، وأبا عبدالله العَسْكري، وعليّ بن لؤلؤ، ومحمد
ابن أحمد بن كَيْسان، وأبي الحسين محمد بن المُظَفَّر، وعبدالعزيز بن جعفر
الخِرَقي، وأبي عُمر بن حَيُّوية، وأبي بكر بن شاذان، والدَّارِقُطني، وخَلْقًا
سواهم. وأملى مجالس كثيرة، وحدَّث عن القَطِيعِي بمُسْنَد العَشَرة، وبمسند
أهل البيت من ((مُسْنَد الإمام أحمد)).
قال الخطيب(٣): سمعته يقول: وُلِدتُ في شعبان سنة ثلاثٍ وستين
وثلاث مئة. وكان ثقةً أمينًا، کتبنا عنه.
قلتُ: وروى عنه أبو نصر بن ماكولا الحافظ، وأبو الغنائم محمد بن
عليّ النَّرْسي، ومحمد بن عليّ بن عيَّاش الدَّبَّاس، وأبو عليّ البَرَداني،
وقراتكين بن الأسْعد، وأبو المَوَاهب أحمد بن محمد بن مُلوك، وشجاع
الذُّهْلي، وهبة الله بن الحُصَيْن، وأبو غالب أحمد ابن البناء، وأبو بكر قاضي
المارستان وهو آخر من سمع منه. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو منصور
محمد بن عبدالملك بن خیرون .
تُوفي في سابع ذي القَعْدة.
(١) من الصلة لابن بشكوال (٢٧٧).
(٢) قيده الصفدي بالحروف، كما قيدناه (الوافي ١٦/١١ - ١٧).
(٣) تاريخه ٣٩٨/٨.
٤٥

وقيل له المقنَّعي لأنه كان يَتَطَيْلَسُ ویلتفُّ بها من تحت حنكه.
١٠٢ - الحسن بن إبراهيم بن الفُرات، أبو البركات.
تُوفي في صَفَر بمصر(١).
١٠٣ - خَلَف بن أحمد بن بَطَّل، أبو القاسم البَكْرِيُّ البَلَنْسيُّ.
روى عن أبي عبدالله ابن الفَخَّار، وأبي عبدالرحمن بن الجَخَّاف
القاضي، ومحمد بن يحيى الزَّاهد، وغيرهم. حدَّث عنه أبو داود سُليمان بن
نجاح المقرىء، وأبو بحر سُفْيان بن العاص.
قال ابن خَزْرَج: لقِيتُه بإشبيلية سنة أربع وخمسين، وكان فقيهًا أُصُولِيًّا
من أهل النّظر والاحتجاج بمذهب مالك.
قلت: تُوفي كهْلاً بعد هذا(٢).
١٠٤ - زُهير بن الحَسَن بن عليّ، أبو نصر السَّرْخسيُّ الفقيه.
قرأ الفقه ببغداد على أبي حامد الإسفراييني، وبرع في الفقه، وكان إليه
المرجوع في المَذْهِب. وقد روى الكثير؛ سمع من زاهر بن أحمد السَّرْخسي،
وأبي طاهر المُخَلِّص، وغيرهما. وسمع ((سُنَن أبي داود)) من أبي عُمر
الهاشمي. وطالَ عُمُره، وصار مقدَّم أصحاب الحديث بسَرْخَس .
قال أبو سَعْد ابن السَّمعاني(٣): لِقِيتُ من أصحابه أبا نصر محمد بن أبي
عبدالله بسَرْخس .
وقد قال بعض الفُقَهاء: ما رأينا أحسن من ((تعليقة)) أبي نصر عن أبي
حامد، لازمه ست سنین.
وقيل: إنه تُوفي سنة خمس وخمسين في شوال. وسنة أربع أَشْهَرُ. عاش
بضعًا وثمانين سنة.
١٠٥ - سَعْد بن أبي سَعْد محمد بن منصور، أبو المحاسن
الجُولَكيُ (٤).
(١) من وفيات الحبال (٣٩٩).
(٢) من الصلة لابن بشكوال (٣٨٨).
(٣) أظنه قال ذلك في ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، فإن هذا النص ليس في ((الخدامي)) من
الأنساب حيث ترجمته .
(٤) منسوب إلى جولك الغازي البكراباذي، فيما ظن أبو سعد السمعاني.
٤٦

تُوفي في رجب بإستِراباذ. وهو ابن بنت الإمام أبي سَعْد الإسماعيلي.
وُلد سنة ثمانٍ وثمانين وثلاث مئة. وتفقَّه، ورأس في أيَّام والده بعد الأربع
مئة. وهو أمْرد، ودَرَّسَ الفقه.
وكان رئيسًا محتشمًا عالمًا محقِّقًا، تَخَرَّج به جماعة. وقد روى عن جده
أبي سَعْد ، وأخي جده أبي نَصْر، ووالده، وأبي بكر العدسي، وأبي محمد
الكارزي .
قُتِل مظلومًا شَهيدًا بإسْتِرابادُ(١).
٠
١٠٦ - سِيْد بن أحمد بن محمد، أبو سعيد الغافقيُّ، نزيل شاطبة.
شيخٌ مُسْنِدٌ، سمع من أبي محمد الأصيلي، وأبي عُمر ابن المُكْوي.
وكان من أهل الضَّبط والأدب. أخذ عنه أبو القاسم بن مُدير كتابَ البخاري(٢).
١٠٧ - طاهر بن أحمد بن بابشاذ(٣)، أبو الحسن الجَوْهريُّ المِصْرِيُّ
النَّحْويُّ، مصنف ((المُقَدِّمة)) و((شَرْحِ الجُمل)).
كان صاحب ديوان الإنشاء بمصرَ، وله حَلْقة إشغال بجامع مِصْر. ثم
تزهَّد وانقطع؛ وَرَّخه القِفْطي (٤) .
وقال غيره: تُوفي سنة تسع وستين، وأراه أشبه، فسأُكرِّره(٥).
١٠٨ - طُغْرُلْبَك السُّلطان.
مات بالرّي، وعُمِل عزاؤه في دار الخلافة ببغداد في رمضان. وهذا
غلطٌ، إنما تُوفي سنة خمسٍ، كما سيأتي.
١٠٩ - عبدالله بن محمد بن أحمد بن حَسْكوية، أبو بكر النَّيْسابوريُّ.
سمع أبا الحُسين الخَفَّاف(٦).
(١) لعله أخذها من ((الجولكي)) في أنساب السمعاني.
(٢) من الصلة لابن بشكوال (٥٢٠).
(٣) قيده ابن خلكان في الوفيات ٢/ ٥١٧ .
(٤) إنباه الرواة ٢ / ٩٥ .
(٥) في وفيات السنة المذكورة (ط ٤٧ / الترجمة ٢٨٥).
(٦) تقدم في وفيات السنة الماضية (الترجمة ٨١) نقلاً من تاريخ الخطيب وذكر عبدالغافر في
السياق وفاته سنة ٤٥٣ أيضًا، فلا أدري من أين نقل وفاته هنا .
٤٧

١١٠ - عبدالله بن المُظَفَّر بن محمد بن ماجة، أبو الفتح الأصبهانيُّ
الناقد .
عن ابن مَنْدة، مات في المحرّم.
١١١ - عبدالرحمن بن أحمد بن الحسن بن بُنْدار، أبو الفضل
العِجْليُّ الرَّازيُّ المقرىءُ الزَّاهِدُ الإمامُ.
أصلهُ من الرّي، ووُلد بمكة، وكان يتنقَّل من بلدٍ إلى بلد، كان مقرئًا
جليلَ القَدْر.
قال أبو سَعْد في ((الذَّيْلِ)) (١): كان مُقْرئًا فاضلاً، كثيرَ التَّصانيف، حَسن
السِّيرة زاهدًا متعبدًا، خَشن العَيْش، مُنْفردًا عن الناس، قانعًا أكثر أوقاته يُقرىء
ويُسْمِع، وكان يسافر وحده ويدخل البراري. سمع بمكة أحمد بن فِراس وعليّ
ابن جعفر السِّيْرَواني شيخ الحَرَم وأبا العبّاسِ الرَّازي، وبالرّي أبا القاسم جعفر
ابن فَنَّاكي، وبنَيْسابور أبا عبدالرحمن السُّلَمي، وبطوس أحمد بن محمد
العَمَّاري، وبنَسا محمد بن زُهير بن أخطل النَّسَوي، وبجُرْجان أبا نصر محمد
ابن الإسماعيلي، وبأصبهان أبا عبدالله بن مَنْدة، وبأَبَرْقُوه الحُسين بن أحمد
القاضي، وببغداد أبا الحسن الحَمَّامي، وبسارية، وتُسْتَر، والبَصْرة، والكُوفة،
وحَرَّان، والرُّها، وأَرَّجَان، وكازَرُون، وفَسَا، وحِمْص، ودِمشق، والرَّمْلة،
ومصر، والإسكندرية. وكان من أفراد الدَّهر علمًا وورعًا؛ سمع منه جماعة من
الأئمة كأبي العَبَّاس المستغفري، وأبي بكر الخطيب، وأبي صالح المؤذِّن.
وحدثنا عنه محمد بن عبدالواحد الدَّفَّاق، والحُسين بن عبدالملك الخَلَّل،
وفاطمة بنت محمد البَغْدادي .
قلت: وروى عنه أيضًا أبو عليّ الحَدَّاد، وأبو سهل بن سعدُوية. وقرأ
عليه بالرِّوايات الحَدَّاد، وقرأ عليه لنافع نصر بن محمد الشِّيرازي شيخٌ تلا عليه
السّلَفي.
قال ابنُ عساكر(٢): قرأ على أبي الحسن بن داود الدَّاراني بحرف ابن
(١) يعني: ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، وسيكثر المصنف النقل منه في المئة سنة الآتية من
تاريخه، ولم يصل إلينا، فقد ضاع من بين ما ضاع من نفائس التواريخ.
(٢) تاريخ دمشق ١١٦/٣٤.
٤٨

عامر، وعلى أبي عبدالله المُجاهدي. وسمع بمصر من أبي مُسلم الكاتب.
وقال عبدالغافر الفارسي(١): كان ثقةً جَوَّالاً إمامًا في القراءات، أوحدَ
في طريقته، وكان الشُّيوخ يعظّمونه، وكان لا يسكن الخَوَانق، بل يأوي إلى
مسجدٍ خَرَاب، فإذا عُرِف مكانه تركه، وكان لا يأخذ من أحدٍ شيئًا، فإذا فتح
عليه بشيءٍ آثَرَ به غيره.
وقال يحيى بن مَنْدة: قرأ عليه القرآن جماعةٌ، وخَرَجَ من عندنا إلى
كِرْمان فحدَّث بها، ومات بها في بلد أوشِير في جمادى الأولى سنة أربع
وخمسين. قال: وبلغني أنه وُلِد سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة. ثقةٌ، ورِعٌ،
متديِّنٌ، عارفٌ بالقراءات والرِّوايات، عالمٌ بالأدبِ والنَّخْو. وهو أكبر من أن
يَدُلَّ عليه مثلي، وهو أشهر من الشَّمْس، وأَضْوأ من القَمَر، ذو فنون من العلم.
وكان مَهِيبًا، مَنْظورًا، فَصِيحًا، حسنَ الطريقة، كبيرَ الوزن.
قلت: وسمع بدمشق من عبدالوهاب الكِلابي؛ وبسامرَّاء من ابن يوسف
الرَّفَّاء راوي ((الموطأ))، عن الهاشمي، عن أبي مُصْعَب.
قال السِّلَفي: سمعتُ أبا البركات عبدالسَّلام بن عبدالخالق بن سَلَمة
الشيرازي بمَرَنْد يقول: اقتدى أبو الفضل الرَّازي في الطريقة بالسِّيْرَوَاني شيخ
الحَرَم، وحدَّث عنه وَصاحبه، وصَحِب السِّيرواني أبا محمد المُرْتَعِش،
وصَحِب المُرْتَعِش الجُنَيْد، وهو صَحِبَ السَّري السَّقَطي، وهو معروفًا، وهو
داود الطَّائي، وهو حبيبًا العَجَمي.
وقال ابن عساكر(٢): أنبأنا أبو نصر عبدالحكيم بن المُطَفَّر من الكَرْخ،
قال: أنشدني الإمام أبو الفضل الرَّازي لنفسه:
أخي إنَّ صَرْف الحادثات عجيبُ ومَن أيقظته الواعظاتُ لبيبُ
وإنَّ الليالي مُفْنِياتٌ نُفُوسنا وكُلٌّ عليه للفناء رَقِيبُ
أيا نفسُ صَبْرًا فاصْطِبارُك راحةٌ لكلِّ امرىءٍ منها أُخَيَّ نصيبُ
وضَمَّنه :
(١) في السياق، كما في منتخبه (١٠١٤).
(٢) تاريخ دمشق ١١٩/٣٤.
تاريخ الإسلام ٤٣/١٠
٤٩

إذا ما مَضَى القَرْنُ الذي أنت فيهم وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنتَ غريبُ
وإن امرءًا قد سار سبعين حجةً إلى مَنْهل من وِرده لقَرِيبُ
وقال أبو عبدالله الخلال: أنشدنا أبو الفضل لنفسه :
يا موتُ ما أجفاكَ من زائرٍ تنْزِلُ بالمرءِ على رَغْمِهِ
وتأخذ العَذْراء من خِدْرهاً وتأخذ الواحدَ من أمِّهِ
قال الخَلال: خرجَ الإمام أبو الفضل من أصبهان متوجهًا إلی کِرمان،
فخرجَ النَّاس يشيّعونه، فصَرفهم وقصد الطريقَ وحده، وقال:
إذا نحنُ أدْلَجْنا وأنت إمامُنا كفَى لمطايانا بذِكْراك حاديا
قرأتُ على أبي الفَضْلِ الأَسَدي: أخبرك ابن خليل، قال: أخبرنا الخليل
الرَّارانيُّ، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد الذَّقَّاق قال: وَرَد علينا
الشيخ الإمام الأوحد أبو الفضل عبدالرحمن بن أحمد الرَّازي، لَقَّاه الله
رضوانه، وأسكنه جِنَانه. وكان إمامًا من الأئمة الثَّفات في الحديث والرِّوايات
والسُّنة والآيات، وَذِكْرِه يَمْلأُ الفم، ويُذْرِفُ العين. قدم أصبهان مرارًا، الأولى
في أيام ابن مَنْدة، وسمع منه. سمعتُ منه قطعةً صالحةً. وكان رجلاً مَهيبًا،
مَدِيدَ القامة، وَلِيًّا من أولياء الله، صاحبَ كرامات، طوَّف الدُّنيا مُفيدًا
ومستفيدًا. ثم ذكر الدَّقَّاق شيوخَهُ وباقي ترجمته.
وقال الخَلال: كان أبو الفَضْل الرَّازي في طريق، وكان معه قليل من
الخُبْز، وشيءٌ يسير من الفَانيد، فقصدَهُ جماعةٌ من قُطاع الطَّريق، وأرادوا أن
يأخذوا منه، فدَفَعهم بعصاه فقيل له في ذلك، فقال: إنما منعتهم لأنَّ الذي
كانوا يأخذون مني كان حلالاً، وربما كنت لا أجد مثله حلالاً. ودخل کِزْمان
في هيئةٍ رثَّةٍ، وعليه أخلاقٌ وأسمال، فحُمل إلى المَلِك وقالوا: هو جاسوس.
فقال الملك: ما الخَبَر؟ قال: تسألني عن خبر الأرض أو خبر السَّماء؟ فإنْ
كنتَ تسألني عن خَبَر السماء، فـ ﴿كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍَ﴾ [الرحمن]، وإن كنت
تسألني عن خبر الأرض، فـ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [الرحمن] فتعجَّب الملكُ من
كلامه وأكرمه، وعرض عليه مالاً، فلم يقبله .
١١٢ - عبدالرحمن بن عبدالرحمن بن مالك، أبو القاسم الغَسَّانِيُّ
الأندلسيُّ البَجَّانِيُّ اللَّغَويُّ.
٥٠

روى عن عبدالرحمن بن عبدالله بن خالد، وغيره؛ أرَّخه ابن بَشْكُوال(١) .
١١٣ - عبدالرحمن بن غَزْو بن محمد بن يحيى، أبو مُسلم
النَّهْاوَنْدِيُّ العَطار.
قدِم هَمذان في هذا العام، فحدَّث بها عن ابن زَنْبِيلِ النَّهَاونْدي،
وعبدالرحمن الإمام، وأبي أحمد الفَرضي، وأبي الحسن الرَّفّاء، ومحمد بن
بكران الرَّازي، وأبي الحسن بن فِراس العَبْقَسِي، وحمزة بن العباس الطَّبَرِي،
وخَلْقٍ سواهم.
وقع لنا جزء من حديثه، من رواية جعفر الهَمْداني.
قال شِيرُوية: كان صدوقًا ثقةً؛ سمع منه الكبار، وحدَّثني عنه أبو بكر
الأخباري .
قلت: روى عنه ولده أبو طاهر المُطَهر، وأبو الفتح المُظَفَّر بن شُجاع
الهَمَذاني.
قال السِّلَفي: سمعتُ ولَدُه المطهر يقول: تُوفي سنة أربع وخمسين وأربع
مئة(٢)
١١٤ - عبدالرحمن بن المظفر بن عبدالرحمن بن محمد، أبو القاسم
السُّلَميُّ المِصْرِيُّ الكَخَالِ النَّحْويُّ.
قال السِّلَفي: كان لَيِّنَا في الحديث على ما ذكروا، والله يعفو عنه.
قلت: روى عن أبي بكر أحمد بن محمد المهندس، وغيره. روى عنه
أبو زكريا البُخاري، والرَّازي في مشیخته، وغیر واحد.
تُوفي بمصر في ربيع الأوَّل(٣).
١١٥ - عُمر بن أحمد بن محمد بن حسن بن شاهين، أبو حفص
الشاهينيُّ الفارسيُّ السَّمَرْقَنديُّ، مُسْنِد تلك الديار.
عاش نيِّقًا وتسعين سنة. وعنده حديث قتيبة بعُلُو سَمعه في سنة اثنتين
(١) الصلة (٧١٥).
(٢) كانت هذه الترجمة في وفيات سنة ٤٥٣، وقد طلب المصنف تحويلها إلى هذه السنة إذ
كتب هنا: (( عبدالرحمن بن غزو بن محمد بن حامد بن غزو. هذا موضعه، وقد تقدم في
الماضية فلیحول)) .
(٣) ورَّخه الحبال في وفياته (٣٩٥).
٥١

وسبعين وثلاث مئة من ابن جابر بسماعِه من محمد بن الفَضْلِ البَلْخي. سمع
بسَمَرْقَنْد أبا بكر محمد بن جعفر بن جابر، وأبا عليّ إسماعيل بن حاجب
الكُشَاني، وأبا سَعْد الإدريسي الحافظ.
قال الحافظ أبو سَعْد (١): روى عنه أهل سَمَرْقَنْد، وله أوقاف كثيرة
ومعروف، ومات في ذي القعدة.
قلت: روى عنه عليّ بن أحمد الصَّيْرفيُّ، وغيرُه.
١١٦ - عُمر بن عُبَيدالله بن يوسف بن حامد، أبو حَفص الذُّهْلئُّ
الزَّهْراويُّ القُرْطُبيُّ الحافظ.
روى عن القاضي أبي المُطَرِّف بن فُطَيْس، وعبد الوارث بن سُفْيان، وأبي
محمد بن أسد، وأبي الوليد ابن الفَرَضي، وأبي عبدالله بن أبي زَمَنين، وسَلَمة
ابن سعيد، وأبي المُطَرِّف القَنَازعي، وعبدالسَّلام بن السَّمْحِ الزَّهْراوي، وأبي
القاسم بن عُصْفُور، وخَلْقِ كثيرٍ بِقُرْطُبة، وإشبيلية، والزَّهْراء. وكتب إليه
بالإجازة الفقيه أبو الحسن القابسي. وكان معتنيًا بنقل الحديث وسماعه
وجمْعِه .
روى عنه محمد بن عَتاب، وابناه أبو محمد وأبو القاسم، وأبو مَرْوان
الطُّبْنِي، وأبو عمر بن مَهْدي المقرىء، قال: وكان خَيِّرًا متصاونًا، ثقةً، قديمَ
الطَّلَب. وحدَّث عنه أيضًا أبو عليّ الغَساني، وذكر أنه اختلطَ في آخر عُمُره.
قال ابن بَشْكُوال(٢): أخبرنا عنه أبو محمد شيخُنا، وقال لي: إن أبا
حفص لحِقَتْه في آخر عُمُره خَصَاصة، فكان يتكفَّف النَّاس. وقرأتُ بخط أبي
مروان الطُّبني: أخبرني أبو حفص، قال: شددتُ في البيت ثمانية أحَمْال كُتُبُ
لأخْرِجها إلى مكان، فلم يتم لي العَزْم، حتى انتهَبَها البَربر.
تُوفي في نِصْفِ صَفَر. وكان مولده في صَفَر أيضًا سنة إحدى وستين
وثلاث مئة. وكان مُسْنِد أهل الأندلس في زمانه مع ابن عبدالبر.
و
١١٧- محمد بن أحمد بن مُطَرِّف، أبو عبدالله الكِنانيُّ القُرْطَبِيُّ
المقرىء الطرفيُّ.
(١) هو السمعاني، كما صَرّح به في السير ١٢٧/١٨، والخبر في ((الشاهيني)) من الأنساب.
(٢) الصلة (٨٦٠).
٥٢

روى عن القاضي يونس بن عبدالله، وأبي محمد ابن الشَّقَّاق. وقرأ
بالرِّوايات على مكي، واختصَّ به. وبَرَع في القراءات. وكان صاحبَ ليلٍ
وعبادة .
قال ابن بَشْكُوال(١): أخبرنا عنه أبو القاسم بن صَوَاب بجميع ما رواه،
وغيرُه من شيوخنا، ووصفوه بالمعرفة والجَلالة وكثرة الدُّعابة والمُزاح وحُسْن
الباطن. تُوفي في صَفَر عن ست وستين سنة.
١١٨ - محمد بن سلامة بن جعفر بن عليّ، القاضي أبو عبدالله
القُضَاعِيُّ الفقيه الشافعيُّ، قاضي مِصْر ومصنف كتاب ((الشِّهاب)).
سمع أبا مُسلم محمد بن أحمد الكاتب، وأحمد بن ثَرْثال، وأبا الحسن
ابن جَهْضَم، وأبا محمد ابن النَّخَاس، وخَلْقًا بعدهم. روى عنه الحُمَيْدي،
وأبو سَعْد عبدالجليل السَّاوي، ومحمد بن بركات السَّعِيدي، وسَهْل بن بِشْر
الإسْفَراييني، وأبو عبدالله الرَّازي في مشيخته، وأبو القاسم النَّسيب، وجماعة
كثيرة من المغاربة .
قال الأمير ابن ماكولا(٢): كان متفنّنًا في عِدَّة علوم، ولم أر بمصر من
يجري مجراه.
وقال غَيْث الأَرْمَنازي: كان ينوبُ في الحُكْم بمصرَ، وله تصانيف، منها
((تاريخ مختصر)) في خمس كراريس، من مبتدأ الخَلْق إلى زمانه، وله كتاب
((أخبار الشافعي)).
وقال غيره: له ((معجم شيوخه))، وكتاب ((دستور الحُكْم)).
كتب عنه الحفاظ كأبي بكر الخطيب، وأبي نصر بن ماكولا .
وقال الفقيه نَصْر المقدسي: قَدِمَ علينا أبو عبدالله القُضاعي صُورَ رسولاً
من المصريين إلى بلد الرُّوم، فذهب ولم أسمع منه. ثم إني رويتُ عنه
بالإجازة .
وقال الحَبال(٣): تُوفي في ذي الحجة بمصر.
(١) الصلة (١١٧٩).
(٢) الإكمال ٧/ ١٤٧.
(٣) وفياته (٣٩٦).
٥٣

وقال السِّلَفي: كان من الثَّفات الأثبات، شافعيَّ المذهب والاعتقاد،
مَرْضيَّ الجُملة.
قلت: وقد روى عن شيخ لقيهُ بالقُسْطنطينية لما ذهبَ إليها رسولاً .
أنبأنا أحمد بن سَلامة،َ عن هبة الله بن عليّ، قال: أخبرنا محمد بن
بركات السَّعِيدي، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن سلامة القُضاعي، قال:
أخبرنا أبو مُسلم الكاتب، قال: حدثنا البَغَوي، قال: حدثنا شيبان، قال:
حدثنا إسحاق أبو حمزة العطار، قال: حدثنا الحسن، عن عمران بن حُصَيْن،
قال: قال رسول الله وَله:(( مَطْلُ الغَنِي ظُلْمٌ، ومَسْألُ الغني شَيْنٌ في وجهه،
ومسألةُ الغَني نار))(١).
١١٩ - محمد بن عَبْدَة بن مَلَّةِ الهَرَويُّ البَزَّاز.
شيخٌ مُسِنٌّ، سمع أبا محمد بن حقُّوية السَّرْخسي، وأبا حامد النُّعَيْمي.
کتب عنه أهل بلده.
١٢٠ - محمد بن محمد بن عليّ، أبو الحُسين البَغْداديُّ الشُّرُوطيُّ.
حدَّث عن المُعَافَى الجَرِيري، وأبي القاسم بن حَبَابة .
قال الخطيب(٢): لم يكن ديِّنًا، كان يترقَّض.
١٢١ - محمد بن مُحَسِّن بن قُريش، أبو البركات البَغْدادِيُّ الزَّيَّات.
سمع المُخَلِّص(٣).
١٢٢ - المُعِز بن باديس بن منصور بن بُلُكِّين(٤) بن زِيْري الحِمْيرُّ
الصِّنْهَاجيُّ، سلطان إفريقية وما والاها من المغرب.
كان الحاكم صاحب مصر قد لَقَّبه ((شرف الدَّولة))، وأرسلَ إليه خِلْعةً
وسِجلا في سنة سَبْع وأربع مئة. وعاش إلى هذا الوقت، واشتُهر اسمه. وكان
رئيسًا جليلاً، عاليّ الهمة، مُحِبًّا للعلماء، من بيت إمرةٍ وحِشْمة. انتجعه
الأدباء ومَدَحُوه، وكان سخيًّا جوادًا.
(١) مسند الشهاب (٤٢).
(٢) تاريخه ٣٨٨/٤.
من تاريخ الخطيب ٥٠٣/٤ - ٥٠٤ وقال: (( كتبتُ عنه، وكان صدوقًا)).
(٣)
(٤) قيّده ابن خلكان في وفياته ١/ ٢٨٧ كما قيدناه.
٥٤

وكان مذهب أبي حنيفة ظاهرًا بإفريقية، فحمل المُعِزُّ أهلَ مملكته على
مذهب مالك والاشتغال به، وحَسَم مادة الخلاف في المَذَاهب، وخلعَ طاعة
المِصْريين، وخطب للإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، فكتب إليه المستنصر
العُبَيْدي يتهدَّدُه، فما فكّر فيه. فجهّز لحربه جَيْشًا من العُرْبان، فأخربوا حُصون
بَرْقة وإفريقية، وافتتحوا قطعةً من بلاده، وتعبَ بهم، واستوطنوا بَرْقة إلى
الآن. ولم يُخْطَب لبني عُبَيْد بعد ذلك بإفريقية.
وكان مولده في سنة ثمانٍ وتسعين وثلاث مئة، وتُوفي في شَعبان من
بَرَصٍ أصابه، ورثاه شاعره الحسنُ بن رشيق القَيْرواني، ومات بالمهدية عند
ولده تَمِيم. وكان قد نَزَحَ من القَيْروان إلى المهدية من العَرَب.
١٢٣ - منيع بن وثاب، الأمير أبو الزِّمام التُّمَيْرِيُّ، متولِّي حَران
والرَّقة.
فارسٌ شُجاعٌ جَوَادٌ، تُوفي في جمادى الآخرة بعلة الصَّرْعِ.
٥٥

سنة خمس وخمسين وأربع مئة
١٢٤ - أحمد بن محمود بن أحمد بن محمود، أبو طاهر الثّقَفيُّ
الأصبهانيُّ المؤدِّب، وهو الجد الأعلى ليحيى الثقفي.
قال الحافظ أبو زكريا بن مَنْدة: سَمِعَ كتاب ((العَظَمة)) من أبي الشَّيْخ بن
حَيَّان، وكان يقول: سمعتُ من أبي الشَّيْخ، فلم يظهر سماعه إلا بعد موته.
وقال: وُلِد في سنة ستين وثلاث مئة. قال: وهو شيخٌ صالح ثقةٌ، واسعُ
الرواية، صاحبُ أصول، حَسَنُ الخط، مقبولٌ، متعصِّبٌ لأهل السُّنة. حَدَّث
عن أبي بكر ابن المقرىء، وأبي أحمد بن جميل، وأبي مسلم عبدالرحمن بن
شَهْدل، وأبي علي الخُلْقاني، وأبي عبدالله بن مَنْدة، وعبدالله بن أبي القاسم،
وغيرهم. إلا أنِّي كرهتُ ذِكرهم لكثرتهم. وسافر إلى الرَّي، وسمع ((مُسْند
الرُّوياني)). ولكن ظهر سماعه له بعد موته، وكذا ظهر سماعه في كتاب
((العَظَمة)» بعد موته بقليل.
قلتُ: سماعه «المُسْنَد الرُّوياني)) من جعفر بن فناكي.
روى عنه يحيى بن مَنْدة، وسعيد بن أبي الرجاء، وأبو عبد الله الخَلَّل،
ومحمد بن محمد القَطَّان، وسهل بن ناصر الكاتب، وخَلْقٌ.
تُوفي في ربيع الأول.
١٢٥ - أحمد بن محمد بن تهيون، أبو بكر الفارسيُّ الصُّوفيُّ
الحافظ، يُقال له بُلْبل.
سمع أبا الحسن بن فِراس بمكة، وأبا عبدالله الجُرْجاني بأصبهان. مات
بشيراز في سنة خمسٍ وخمسين .
قال يحيى بن مَنْدة: سمعتُ أبا القاسم بن عليّ يقول: سمعتُ أبا بكر،
وأثنى عليه، يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، وخَرَّجت عن كل شيخ حديثاً.
١٢٦ - إبراهيم بن منصور بن إبراهيم بن محمد، أبو القاسم السُّلَميُّ
الكَرَّانِيُّ الأصبهانيُّ المعروف بسبْط بَحْرُوية، وكَرَّان محلة بأصبهان.
روى ((مُسْنَد أبي يَعْلى)) عن أبي بكر ابن المقرىء. روى عنه الحُسين بن
عبدالملك الخَلَاّل، وسعيد بن أبي الرَّجاء، وجماعة.
٥٦

قال يحيى بن مَنْدة في ((تاريخه)): كان رحمه الله صالحًا عفيفًا، ثقيل
السَّمْع، مات في ربيع الأول. سمع من أبي بكر ((مُسْنَد أبي يَعْلى))، وكتاب
((التَّفسير)) لعبدالرزاق، مولده سنة اثنتين وستين.
١٢٧ - إسحاق بن عبدالرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو يَعْلى
النَّيْسابوريُّ الواعظ المعروف بالصَّابوني، صاحب الأجزاء ((الفوائد)) العشرة
التي سمعناها. وهو أخو الأستاذ أبي عثمان.
سمع أبا سعيد عبدالله بن محمد بن عبدالوهّاب الرَّازي، وأبا طاهر بن
خُزَيْمة، وأبا محمد المَخْلَدي، والخَفَّف، وأبا مُعَاذ الشَّاه، وأبا طاهر
المُخَلِّص، وأبا محمد عبدالرحمن بن أبي شُرَيْح، وطائفة سواهم. روى عنه
عبدالعزيز الكَثَّاني لما قدم دمشق مع أخيه، وكان ينوب عن أخيه في الوعظ .
قال ابن عساكر(١): حدثنا عنه زاهر، والفُرَاوي، وهبة الله السَّيِّدي،
وعُبَيْدالله بن محمد البَيْهقي .
قال عبدالغافر بن إسماعيل(٢): هو شيخٌ ظريف، ثقةٌ، على طريقة
الصُّوفية. سمع بنَيْسابور، وهَرَاة، وبَغْداد. وتُوفي في ربيع الآخر .
وقال غيره: تُوفي في تاسع ربيع الأول، وكان مولده في سنة خمس
وسبعین وثلاث مئة.
١٢٨ - إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران، أبو الطاهر
الأنصاريُّ الأندلسيُّ المقرىء، مصنّفُ ((العنوان)) في القراءات.
قرأ على عبدالجبار بن أحمد الطَّرَسُوسي بمصر، وسكنها، وتصدَّر
للإقراء؛ أخذ عنه جُمَاهر بن عبدالرحمن الفقيه، وأبو الحُسين الخَشَّاب، وابنهُ
جعفر بن إسماعيل بن خَلَف .
وكان مع براعته في القراءات إمامًا في النَّحْو؛ اختصر كتاب ((الحُجة))
لأبي عليّ الفارسي.
تُوفي في مستهل المُحرَّم(٣).
(١) تاريخ دمشق ٢٥٧/٨.
(٢) في السياق، كما في منتخبه (٣٨٣).
(٣) من الصلة لابن بشكوال (٢٤٤).
٥٧

١٢٩ - خلف بن أحمد بن الفَضْل، أبو القاسم الحَوْفيُّ المِصْريُّ
الحَنَفَيُّ.
سمع عليّ بن محمد بن إسحاق الحَلَبي، وأحمد بن ثَرْثال، والحافظ
عبدالغَني، وأبا محمد النَّخَاس. وانتقى عليه أبو نصر الشِّيرازي.
روى عنه الحُمَيْدي، وأبو نصر بن ماكولا، وعليّ بن الحُسين الفَرَّاء،
وغيرهم .
وليس هو بالحَوْفي صاحب ((الإعراب)). ذاك تقدَّم ذِكره، وهذا تُوفي في
هذه السنة أو بعدها بقليل.
١٣٠ - صالح بن محمد بن أحمد بن أبي الفَياض العِجْليُّ
الدِّيْنَوريُّ، أبو الفتح.
حدَّث في هذه السنة بهَمذان عن جدِّه أبي أحمد الحسن بن إبراهيم بن
أبي عِمْران، ومحمد بن أحمد بن موسى الرَّازي، وحَمْد بن عبد الله الأصبهاني،
وأبي العباس البَصِير، وأبي بكر بن لال، وجماعة كَثِيرة.
قال شيرُوية: لم يُقْضَ لي السَّماع منه، وحدثنا عنه الخطيب، وابن
البَصْري، وأبو العلاء الحافظ.
١٣١ - طُغْرُلْبك بن ميكائيل بنِ سُلْجُوق بن دَقَّاق، السُّلطان الكبير
رُكنُ الدِّين أبو طالب، أوَّل ملوك السُّلْجُوقية.
وأصلهم من بَرِّ بُخَارى، وهم من قوم لهم عَدَدٌ وقوة وشَوْكٌ، كانوا لا
يدخلون تحت طاعة سلطان، وإذا قَصَدهُم من لا طاقة لهم به دَخَلُوا المفاوز
والبراري، وتَحَصَّنوا بالرِّمال. فلمّا عبر السُّلطان محمود إلى ما وراء النَّهر وجَد
زعيم السُّلْجُوقية قوي الشَّوكة، فاستماله وتألَّفَهُ، وخَدَعه حتى أقدَمَهُ عليه، ثم
قبضَ عليه، واستشار الأعيان في كبار أولئك، فأشارَ بعضُهم بتغريقهم، وأشار
آخرون بقطع إبهاماتهم ليبطُل رَمْيُهم. ثم اتَّفق الرأي على تفريقهم في النواحي،
ووضع الخَرَاج عليهم. فدخلوا في الطاعة، وتهذّبوا، وطمعَ فيهم الناس.
وظلموهم فانفصلَ منهم ألفا بيتٍ، ومضوا إلى كِرْمان، ومَلِكُها يومئذٍ بهاء
الدَّولة ابن عَضُد الدولة بن بُويه، فأكرمَهُم وتُوفي عن قَرِيب. وهذا بعد الأربع
مئة. فخافوا من الدَّيْلم فقصدوا أصبهان ونزلوا بظاهرها، وصاحبُها علاء الدَّولة
٥٨

ابن كاكُوية، فرغب في استخدامهم، فكتبَ إليه السُّلطان محمود بن سُبُكْتِكين
يأمره بحَرْبهم. فاقتتل الفريقان، وقُتِل بينهما عدد، فقصد الباقون أذْرَبِيْجان.
وانحاز الذين بخُراسان إلى جبل خُوارزم، فجرَّد السُّلطان جيشًا، فتبعوهم في
تلك المفاوز، وضايقوهم مُدَّة سنتين، ثم قصدَهُم السلطان محمود بنفسه، ولم
يزل حتى شَتَّتهم. ثم تُوفي، فقام بعده ابنه مسعود، فاحتاج إلى تكثير الجُنْد،
فكتب إلى الطائفة التي بأذْرَبيجان ليتوجَّهوا إليه، فقَدِمَ عليه ألفُ فارس،
فاستخدمهم ومَضَى بهم إلى خُراسان، فسألوه في أمر الباقين الذين شتّتهم
أبوه، فراسلهم وشرط عليهم الطّاعة، فأجابوه إلى الطّاعة، ورتَّبهم كما رتَّبهم
والده أولا .
ثم دخل مسعود بن محمود بلاد الهند لاضطراب أحوالها عليه، فَخَلَتْ
للسُّلْجُوقية البلاد فعاثوا، وجرى هذا كله وَطُغْرُلْبك وأخوه داود ليسا معهم، بل
في أرضهم بنواحي بُخارى. وجَرَت بين صاحب بُخَارى وبينهم وقعةٌ عظيمةٌ،
قُتل فيها خَلْقٌ كثير من الفَريقين. ثم كاتبوا مسعودًا وسألوه الأمان
والاستخدام، فحَبَسَ رُسُلَهَم وجرَّد جيشه لمواقعة من بخراسان منهم، فالتقوا
وقَتَل منهم مقتلة كبيرةً. ثم إنهم اعتذروا إلى مَسْعود، وبذلوا الطَّاعة له،
وضَمِنُوا له أخذَ خُوارزم من صاحبها، فطيّب قلوبهم، وأطلق الرُّسُل، وأرسلَ
إليهم زعيمَهُم الذي اعتقله أبوه أولاً. فوصل طُغْرُلْبك وداود إلى خُراسان في
جيشٍ كبير، واجتمعَ الجميع .
وجَرَت لهم أمور طويلة إلى أن استظهروا وملكُوا الرَّي في سنة تسع
وعشرين وأربع مئة، ثم ملكوا نَيْسابور في سنة ثلاثين. وأخذ داود مدينة بَلْخ
وغيرها. واقتسموا البلاد، وضَعُف عنهم السُّلطان مسعود، فتحيَّز إلى غَزْنَة .
وكانوا في أوائل الأمر يخطبون له ويُدارونه حتى تمكنوا . ثم راسلهم
الخليفة فكان رسوله إليهم قاضي القضاة أبو الحسن الماوَرْدي.
ثم إن طُغْرُلبك طَوَى الممالك ومَلَك العراق في سنة سَبْع وأربعين وأربع
مئة، وعَدَل في النَّاس. وكان حَلِيمًا كريمًا محافظًا على الصَّلوات في جماعة،
يصوم الخَمِيس والاثنين ويَعْمُر المساجدَ ويُكثر الصَّدَقات. وقد سيَّر الشريف
ناصر بن إسماعيل رسولاً إلى مَلِكة الروم، فاستأذنها الشريفُ في الصَّلاة بجامع
٥٩

القُسْطنطينية جماعة يوم الجُمُعة، فأذِنَت له. فَصَلَّى وخطب للإمام القائم.
وكان رسول المستنصر خليفة مصر حاضرًا، فأنكر ذلك. وكان ذلك من أعظم
الأسباب في فساد الحال بين المصريين والرُّوم.
ولما تمهَّدت البلاد لطُغْرُلبك سَيَّر إلى الخليفة القائم يخطب ابنته فَشُقَّ
ذلك على الخليفة واستعفَى، ثم لم يجد بُدًّا، فزوَّجه بها. ثم قدم بغداد في
سنة خمسٍ وخمسين، وأرسل يطلبها، وحمل مئة ألف دينار برسم نَقْل
جهازها، فَعُمِل العرس في صَفَر بدار المملكة وأُجلست على سرير مُلَبَّس
بالذَّهب، ودخل السُّلطان إليها فَقَبَّل الأرض بين يديها، ولم يكشف البُرْقُع عن
وجهها إذ ذاك، وقَدَّم لها تُحَفًا، وخَدَم وانصرف فَرِحًا مسرورًا. وبعث إليها
عقدين فاخرين، وخُسْرواني ذهب، وقطعة ياقوت كبيرة. ثم دخل من الغد،
فَقَبَّل الأرض، وجلسَ مقابلها على سرير ساعةً، وخرج وبعث لها جواهر
وفَرَجِية نسيج مكلَّلة بالُّؤلؤ ومخنقة منسوجة بالُّؤلؤ. وفعل ذلك مرَّةً أخرى أو
أكثر، والخليفة صابرٌ متألِّمٌ، ولكنه لم يُمَثَع بعد ذلك، فإنه تُوفي بعد ذلك
بأشهُر في رمضان بالرّي، وعاش سبعين سنة. وحُمِل تابوته فدُفن بمَرْو عند قبر
أخيه داود، وقيل: بل دُفن بالزَّي. وانتقل مُلْكه إلى ابن أخيه ألب أرسلان.
وأما زوجته هذه فعاشت إلى سنة ستٍّ وتسعين وأربع مئة. هذا من تاريخ
القاضي شمس الدين ابن خَلِّكان(١).
قلت: وأخوه داود هو جَغْربيك.
وقد ذكر ابن السَّمعاني أنَّ السُّلطان مسعود بن محمود بن سُبُكْتكين قصد
بجيوشه طُغْرُلْبِك وجَغْربيك، فواقعهم في سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة،
فانكسر بنواحي دَنْدانقان، وتحيَّز إلى غَزْنَة منكسِرًا، وتملَّك آل سُلْجوق البلاد
وقَسَّموها، فصارت مَرْو وسَرْخَس وبَلْخ إلى باب غَزْنَة لجغربيك، وصارت
نَيْسابور وخُوارزم لطُغْرُلْبك. ثم سار طُغْرُلْبك إلى العراق وملكَ الرَّي وأصبهان
وغير ذلك.
و کان موصوفًا بالحِلْم والديانة، ولم يولد له ولد.
ومن كَرَمه أن أخاه إبراهيم يَنَال أسرَ بعض ملوك الرُّوم لما حاربهم، فبذل
(١) وفيات الأعيان ٦٤/٥ - ٦٧ .
٦٠