النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام ◌ِؤَخِ الإِسْلام ◌َِّالذِّن أَبِ عَبِّدِالله مَنْأَخْمَدُ بْعُنَازُالذّهَبي المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المجَلد التَّاسِعِ ٤٠١- ٤٥٠ هـ حَقّقِه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَّه الدكتور بشار عواد معروف دَار الغرب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص. ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام ◌ِتَخْ الإِسْلام ◌َِّْالّيْنِ أَبِ عَبْدِاله ◌َبْ أَخْتَد بْ عُ خَار الذّهَم المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المَجَلّد التَّاسِع ٤٠١- ٤٥٠ هـ الطبقة الحادية والأربعون ٤٠١ - ٤١٠ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ (الحوادث) سنة إحدى وأربع مئة فيها وردَ الخبرُ أنَّ أبا المَنِيع قِرواش بن مُقَلَّد جمع أهل المَوْصل، وأظهرَ عندَهُم طاعةَ الحاكم، وعَرَّفهم بما عزم عليه من إقامة الدَّعوة له، ودعاهم إلى ذلك، فأجابوه في الظاهر، وذلك في المحرم، فأعطى الخطيب نُسخةَ ما خطب به، فكانت: ((الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله، ولهُ الحَمْدُ الذي انجلت بنوره غَمرات الغَضَب، وانقهرت بقُدْرته أركانُ النَّصب، وأَطْلَعَ بنوره شمسَ الحق من الغَرْب، الذي مَحَا بعَدْله جَوْرِ الظَّلَمة، وقَصَم بقوَّته ظهر الفتنة، فعادَ الأمرُ إلى نصابهِ، والحقُّ إلى أربابه البائن بذاته المُتَفرِّد بصفاته، الظاهر بآياته، المتوحِّد بدلالاته، لم تَفْنه الأوقات، فتَسْبقه الأزمنة ولم يشبه الصُّور، فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنةُ)) إلى أن قال بعد الصَّلاة على الرسول: ((وعلى أمير المؤمنين وسيِّد الوصيين أساس الفَضْل والرّحمة وعماد العِلْم والحِكْمة وأصل الشَّجرة الكِرام البَرَرة النابتة في الأرومةِ المُقدسة المُطَهَّرة، وعلى أغصانه البواسق من تلك الشَّجرة)). وقال في الخطبة الثانية بعد الصلاة على محمد: ((اللهم صلِّ على وليِّك الأكبرَ عليّ بن أبي طالب أبي الأئمة الرَّاشدين المهديين، اللهم صلِّ على السِّبْطين الطاهرين الحسن والحسين، اللهم صلِّ على الإمام المَهْدي بك، والذي بلغ بأمرك، وأظهرَ حجتَك، ونهض بالعَدْل في بلادك هاديًا لعبادِك، اللهم صلِّ على القائم بأمرك والمَنْصور بنصرك، اللذين بَذَلا نفوسَهُما في رضاك وجاهدا أعداءَكَ، وصلِّ على المُعزِّ لدينكَ المجاهد في سبيلكَ، المظهرِ لَآيَاتك الحَقِّية، والحُجة الجَلِيةِ. اللَّهم وصلِّ على العزيز بكَ الذي تَهذَّبت به البلاد. اللَّهم اجعل نوامي صَلَواتك على سيدنا ومولانا إمام الزَّمان وحِصْن الإيمان وصاحب الدَّعوة العلوية والمِلَّة النَّبوية عَبْدِك ووليك المنصور أبي عليّ ٧ الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين كما صَلَّيت على آبائه الرَّاشدين. اللَّهم أعِنْهُ على ما وَلَّيته واحفظ له ما استرعيته، وانصر جيوشَهُ وأعلامَهُ». وكان السببُ أن رُسُلَ الحاكم وكُتُبَهُ تكرَّرت إلى قِرْواش، فاستمالته، وأفسدت نيَّته. ثم انحدرَ إلى الأنبار، فأمرَ الخطيب بهذه الخُطبة، فهربَ الخطيبُ، فسار قِرْواش إلى الكوفة، فأقام بها الدَّعوة في ثاني ربيع الأول، وأقيمت بالمَدَائن. وأبدَى قِرْواش صفحة الخِلاَف وعاثَ، فانزعجَ القادرُ بالله، وكاتبَ بهاءَ الدولة، وأرسل في الرُّسْلية أبا بكر محمد بن الطيِّب الباقلانيَّ، وحَمَّلَه قَوْلاً طويلاً، فقال: إن عندنا أكثر مما عند أمير المؤمنين، وقد كاتبنا أبا عليّ- يعني عميدَ الجيوش- وأمرنا بإطلاق مئة ألف دينار يستعينُ بها على نفقة العَسْكر، وإن دعت الحاجة إلى مَسِيرنا سرنا. ثم نفذَ إلى قِرْواش في ذلك فاعتذرَ، ووثق من نفسه في إزالة ذلكَ، وأعادَ الخُطبة للقادر. وكان الحاكم قد وجه إلى قِرْواش هدايا بثلاثين ألف دينار، فسارَ الرسولُ فتلقاه قَطع الخُطبة في الرّقة، فَرَدَّ. وفي ربيع الأول منها عُزِلَ عن إمرة دمشق منير بالقائد مُظفَّر، فولِيَ أشهرًا، وعُزل بالقائد بَدْر العَطَّار، ثم عُزل بدرٌ في أواخر العام أيضًا، ووَلِيَ القائد مُنْتَجَب الدولة لؤلؤ، وكلهم من جهة الحاكم العُبيدي. ثم قَدِمَ دمشق أبو المُطاع بن حَمْدان متوليًا عليها من مصر يوم النَّحْر. وفي صَفَر انقضَّ وَقت العَصْر كوكبٌّ من الجانب الغربي إلى سَمْت دارٍ الخلافةِ لم يُرَ أعظم منه . وفي رمضان بَلَغت زيادة دِجْلة إحدى وعشرين ذراعًا وثُلُثاً، ودخل الماءُ إلى أكثر الدُّور الشاطئية وباب التِّن وباب الشَّعِير وغرقت القُرى(١). وفيها خرج أبو الفتح الحَسن بن جعفر العَلَويُّ، ودعا إلى نَفسه، وتَلَقب بالرَّاشد بالله. وكان حاكمًا على مكة والحجاز وكثيرٍ من الشام، فإنَّ الحاكمَ بعثَ أميرَ الأُمراء يازوخ نائبًا إلى الشام، فسار بأموالَه وحُرَمه فلقيهم في غزة مفرِّج بن جرَّاح، فحازَ جميعَ ما معهم وقَتَلَ يازوخ. وسار مُفَرِّج إلى الرَّمْلة، (١) التفاصيل في المنتظم ٧/ ٢٥١ - ٢٥٢، وباب التبن وباب الشعير محلات معروفة ببغداد. ٨ فنهبها وأقامَ بها الدعوة للرَّاشد بالله، وضربَ السِّكَّة له، واستحوذت العربُ على الشام من الفَرَمَا (١) إلى طَبَرية، وحاصروا الحُصون. ولم يحج ركب من العِراق. وفيها توفي عميد الجيوش أبو علي الحُسين بن أبي جعفر عن إحدى وخمسين سنة. وكان أبوه من حُجاب الملك عَضُد الدَّولة، فجعل أبا عليَّ برسم خِدمَة ابنه صَمْصام الدَّولة، فخدمَهُ، وخدمَ بعده بهاءَ الدولة، ثم وَلاهُ بهاءُ الدولة تدبيرَ العِراق، فقدمَ في سنة اثنتين وتسعين، والفتنُ شديدةٌ واللصوصُ قد انتشروا، ففتكَ بهم، ثم غَرَّق طائفةً، وأبطلَ ما تعمله الشِّيعةُ يومَ عاشوراء. وقيل: إنه أعطى غُلامًا له دنانيرَ في صينية وقال: خُذها على يَدِك، وقال: سِر من النَّجْمي (٢) إلى المَأْصِر(٣) الأعلى، فإن عرضَ لك مُعْتَرِضٌ فدعه يأخذها واعرف الموضع، فجاءَ نصف الليل فقال: قد مشيتُ البلدَ كُلَّهُ فلم يلقني أحد. ودخل مرة عليه الرُّخَّحِي (٤)، وأحضرَ مالاً كثيرًا، وقال: ماتَ نصرانيٌّ مِصْريٌّ ولا وارث له. فقال: يُترك هذا المال، فإن حَضر وارثٌ وإلا أُخِذَ. فقال الرُّخَّجي: فيُحْمَلُ إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقن الحال، فقال: لا يجوز ذلك. ثم جاءَ أخو الميِّت، فأخذَ الشّركةَ. وكان مع هيبته الشَّديدة عادلاً، وَلِيَ العراق ثماني سنين وسبعة أشهر. وتولَّى الشريف الرَّضي أمرَهُ ودفنه بمقابر قريش. ووَلِيَ بعده العراق فخرُ المُلْك. وفيه يقول الببغاء الشاعر: سألتُ زماني: بمن أستغيثُ فقال استغثْ بعميدِ الجيوش فناديتُ: مالي من حِرْفة فجاوب حوشيت من ذا وحُوشي رجاؤك إياه يُدنيك منهُ ولو كنتَ بالصِّين أو بِالعَرِيش نَبَت بي دارِي وفرَّ العَبِيد وأوَدْت ثيابي وبعتُ فُروشي (١) الفَرَما: بفتح الفاء والراء، مقصور، مدينة قديمة بين العريش والفسطاط شرقي تنيس على ساحل البحر . (٢) موضع معروف ببغداد في غربيها وهو المعروف ببستان النجمي. (٣) المَأْصِر: هو الحاجز الذي يمد على طريق أو نهر تُؤصرُ به السفن والسابلة، أي تُحبس لتؤخذ منهم العشور، وكان ببغداد مأصر أعلى ومأصر أدنى على نهر دجلة. (٤) بضم الراء المهملة وفتح الخاء المعجمة المشددة، هذه النسبة إلى الرُّخَّجية، قرية قرب بغداد، وقد ينسب إلى الرخج البلاد المعروفة المجاورة إلى سجستان. ٩ ٠٫٢٠ وكُنتُ أُلقَّب بالببغاءَ قَدِيمًا وقد مَزَّقَ الدَّهرُ ريشي وكان غِذائي نقي الأرز فها أنا مقتنعٌ بالحَشيش وفيها كان القَحَط الشَّديدُ بخراسان لاسيما بنَيسابور، فهلك بنيسابور وضواحيها مئةُ ألف أو يزيدون، وعجزوا عن غَسْل الأموات وتكفينهم، وأُكِلَت الجيفُ والأرواثُ ولحومُ الآدميين أكلاً ذَرِيعًا، وقُبِضَ على أقوام بلا عَدد كانوا يَغْتَالون بني آدم ويأكلونَهُم، وفي ذلك يقول أبو نصر الرّاهبيُّ : قد أصبحَ النَّاس في بَلاءِ وفي غَلاءِ تَدَاولوهُ من يلزم البيت مات جُوعًا أو يَشْهد الناس يأكلوهُ وقد أنفقَ محمودُ بنُ سُبُكتِكين في هذا القَحَط أموالاً لا تُحصى حتى أحيا النَّاسِ، وجاء الغَيْث. وفيها وقبلها جرت بالأنْدَلُس فتنةٌ عظيمةٌ، وبُذلَ السَّيفُ بقُرْطُبة وقُتلَ خَلْقٌ كثير، وتم ما لا يُعَبَّر عنه، سقناه في تراجم الأمراء. سنة اثنتين وأربع مئة أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بن حامد الوزير الذي قُلَّدَ العِراق عامَ أول في عَمل عَاشوراء والنَّوْح. وفي ربيع الآخر كُتِبَ من الدِّيوان محضرٌ في مَعَنى الخُلفاء الذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم، وقُرِئت التُّسخةُ ببغداد، وأُخذت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنَسَب الدَّيْصانية، وهم منسوبون إلى دَيْصان بن سعيد الخُرَّمي إخوان الكافرين ونُطَف الشياطين شهادة يُتَقَرَّب بها إلى الله، ومُعتقد ما أوجبَ الله على العُلماء أن يبينوه للناس، شهدوا جميعًا: إنَّ الناجمَ بمصرَ وهو منصور بن نِزار الملقب بالحاكم - حكم اللهُ عليه بالبَوَار والخِزي والنكال- ابن مَعد بن إسماعيل بن عبدالرحمن بن سعيد- لا أسعدهُ الله- فإنه لما صارَ سعيد إلى الغَرْب تسمَّى بعُبيدالله وتلقبَ بالمهدي، وهو ومَن تقدَّم من سَلَفه الأرْجاس الأنْجاس- عليه وعليهم اللعنة- أدعياء خوارج لا نسبَ لهم في وَلَد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن ذلك باطلٌ وزورٌ وأنتم لا تَعْلمون أن أحدًا من الطالبيين تَوَقَّف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء. وقد كان هذا الإنكار شائعًا بالحَرَمين وفي أول ١٠ أمرهم بالغرب مُنْتشرًا انتشارًا يَمْنَع من أن يُدَلَّس على أحدٍ كذبهم أو يذهب وَهْمٌ إلى تَصْدِيقهم، وأن هذا الناجمَ بمصرَ هو وسبيله كُفارٌ وفُساقٌ فُجارٌ زنادقةٌ ولمذهب الثَّوية والمجوسية مُعْتَقدون، قد عَطَّلُوا الحدودَ، وأباحوا الفُروجَ، وسَفَكوا الدِّماءَ، وسَبُّوا الأنبياءَ، ولعنوا السَّلَفَ، وادعوا الرُّبوبية. وكُتِبَ في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربع مئة. وكتبَ خلقٌ كثيرٌ في المحضر منهم: الشريف الرَّضي، والمُرْتَضى أخوه، وابنُ الأزرق المُوسويُّ، ومحمد بن محمد بن عُمر بن أبي يَعْلَى؛ العلويون، والقاضي أبو محمد عُبيدالله ابن الأكفانيِّ، والقاضي أبو القاسم الجَزَرِيُّ، والإمام أبو حامد الإسفرايينيُّ، والفقيه أبو محمد الكَشْفَليُّ(١)، والفقيه أبو الحُسين القُدُوريُّ الحنفيُّ، والفقيه أبو علي بن حَمَكان، وأبو القاسم بن المُحُسِّن التَّنوخِيُّ، والقاضي أبو عبدالله الصَّيْمريُّ. وفيها فَرَّقَ فخر المُلْك الوزير أموالاً عظيمةً في وجوه البِرِّ، وبالغَ في ذلك حتى كَثُر الدعاءُ له ببغداد. وأقامَ دارًا هائلةً أنفقَ عليها أموالاً طائلةً . وفيها ورد كتابُ يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سُبُكْتكين إلى القادر بالله بأنه غَزَا قومًا من الكُفار وقطعَ إليهم مفازةً، وأصابَهُ عطشٌ كادوا يهلكون، ثم تَفَضَّلَ الله عليهم بمطرٍ عظيم رَؤَّاهم، ووصلوا إلى الكُفار، وهم خَلْق ومعهم ست مئة فيل، فنُصِرَ عليهم وغنمَ وعادَ. (١) منسوب إلى كَشفل من قرى آمُل طبرستان على ما قرره السمعاني في ((الأنساب)) وتابعه ابن الأثير في اللباب، وقد ترجمه الخطيب في تاريخه وكناه: أبا عبدالله، قال: الحُسين ابن محمد، أبو عبدالله الطبري المعروف بالكَشْفَلي، كان من فقهاء الشافعيين. درس على أبي القاسم الدراكي، ودَرَّس في مسجد عبدالله بن المبارك بعد موت أبي حامد الإسفراييني، وكان فهمًا فاضلاً، صالحًا متقللاً زاهدًا، ومات في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وأربع مئة، ودفن في مقبرة باب حرب (٨/ ٦٧٨). ونقل السمعاني هذه الترجمة في أنسابه وقال: وزرت قبره ببغداد. وترجمه ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ١٣ - ١٤) بمثل ترجمة الخطيب وزاد عليها حكاية، ومن عجب أنه كناه أبا عبدالله أيضًا مع أنه حينما ذكر المحضر (٧/ ٢٥٦) كناه أبا محمد ومنه نقل الذهبي. كما ترجمه السبكي في طبقاته ٤/ ٣٧٢- ٣٧٤ وقبله الشيرازي في طبقاته ١٠٥، وذكره ابن كثير في البداية ١٩/١٢. وإنما ذكرنا كل ذلك للاختلاف في كنيته، ولأن المؤلف الذهبي لم يترجم له في تاريخ الإسلام. ١١ وفي آخر السنة وردَ كتابُ أمير الحاج محمد بن محمد بن عُمر العلوي بأن ريحًا سوداء هاجت عليهم بزُبالة، وفقدوا الماءَ، فهلك خلقٌ، وبلغت مزادة الماء مئة دِرْهم، وتَخَفَّر جماعةٌ ببني خَفاجة وردُّوا إلى الكوفة. وعُمِلَ الغَدير، ويومُ الغَدير معروفٌ عند الشيعة، ويوم الغَار لجَهَلةِ السُّنة في شهر ذي الحجة بعد الغَدِير بثمانية أيام، اتخذته العامة عِنادًا للرافضة، فَعُمِلَ الغدير في هذه السنة والغار في ذي الحجة لكن بطمأنينة وسكون، وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئًا كثيرًا واستعان السُّنة بالأتراك فأعاروهم القماش المُفْتَخر والحلي والسِّلاحِ المُذَهبة . وفي هذه الحدود هربَ من الدِّيار المصرية ناظرُ ديوان الزّمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحَسن بن علي المغربي حين قَتَلَ الحاكمُ أباه وعَمَّه وبقي إلبًا على الحاكم يَسْعى في زوال دولته بما استطاع، فحصلَ عند المُفَرِّج بن جَرَّاح الطائي أمير عرب الشام، وحَسَّنَ له الخروج على الحاكم وقَتْل صاحب جيشه، فقَتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربع مئة، ثم قال أبو القاسم لحَسان وَلَد المُفَرِّج ابن جَرَّاحِ: إِنَّ الحَسن بن جعفر العلويَّ صاحب مكة لا مَطْعنَ في نَسبه والصواب أن تُنْصِّبَهُ إمامًا، فأجابه، ومضى أبو القاسم إلى مكة واجتمع بأميرها وأطمعهُ في الإمامة، وسَهَّل عليه الأمور وبايَعهُ، وجَوَّزَ أخذ مال الكعبة وضَرْبه دَرَاهم، وأخذ أموالاً من رَجلٍ يُعرفُ بالمُطَّوِّعي عنده ودائع كثيرة للناس، واتفق موت المُطوِّعي، فاستولى على الأموال وتلقبَ بالراشد بالله، واستخلف نائبًا على مكة، وسار إلى الشام فتلقاه المُفرِّج وابنُه وأُمراءُ العرب، وسَلَّموا عليه بإمرة المؤمنين. وكان متقلدًا سَيْفًا زعمَ أنه ذو الفقار، وكان في يده قضيب ذَكَرَ أنه قضيب النَّبي ◌َِّ، وحَوْله جماعةٌ من العلويين، وفي خدمته ألف عبد، فنزل الرَّملة وأقام العَدْل واستفحلَ أمرُهُ، فراسلَ الحاكمُ ابن جَرَّاح، وبعث إليه أموالاً استماله بها، وأحسَّ الراشدُ بالله بذلك فقال لابن المغربي : غررتني وأوقعتني في أيدي العَرَب، وأنا راضٍ من الغَنِيمة بالإياب والأمان. وركب إلى المُفَرِّج بن جراح، وقال: قد فارقتُ نعمتي وكشفتُ القناعَ في عَداوة الحاكم، سُكونًا إلى ذمامك وثقةً بقولك واعتمادًا على عهودك، وأرى ولَدك حَسانًا قد أصلحَ أمرهُ مع الحاكم وأريدُ العود إلى مأمني. فسيَّرَهُ المُفَرِّجُ إلى وادي القرى وسَيَّرَ أبا القاسم ابن المغربي إلى العراق، فقصدَ أبو القاسم ١٢ فخرَ المُلْك أبا علي فتوهموا فيه أنه يُفسد الدَّولة العباسية، فتَسَخَّبَ إلى الموصل ونفقَ علی قِرْواش، ثم عاد إلى بغداد. وفي جمادى الأولى عُزِلَ أبو المطاع بن حَمْدان عن إمرة دمشق وأُعيد إليها بَدْر العَطار، ثم صُرِفَ بعد أيام بالقائد ابن بزال فوليها نحوًا من أربعة أعوام. سنة ثلاث وأربع مئة فيها قُلِّدَ الشّريف الرضي أبو الحسن الموسويُّ نقابة الطالبيين في سائر الممالك، وخُلِعت عليه خِلْعة سوداء. وهو أوَّل طالبي خُلِعَ عليه السواد. وفيها عَمَّر رستاقَ العراق فخرُ المُلْك الوزير، فجاءَ الارتفاع لحق السُّلطان بضعة عشر ألف كُوَّ(١). وفيها، في أولها بل في صَفَر، وقعة القَرْعاء(٢)، جاءَ الخبرُ بأنَّ فُلَيْتَةَ الخَفَاجِيَّ سبقَ الحاج إلى واقِصَة في ست مئة من بني خَفَاجة، فَغَوَّر الماءَ وطرحَ في الآبار الحَنْظل وقعدَ ينتظرُ الركبَ، فلما وردُوا العَقَبة حَبَسَهُم ومنعَهُم العُبور وطالبهم بخمسين ألف دينار، فخافوا وضعفوا وأجهدَهُم العَطش، فهجَمَ عليهم، فلم يكن عندهم مَنَعة، فاحتوى على الجمال والأحمال وهلكَ الخَلْقُ، فقيل: إنه هلكَ خمسة عشر ألف إنسان، ولم يفلت إلا العدد اليسير، وأفلت أميرُهم محمد بن محمد بن عُمر العلوي في نَفَرٍ من الكبار في أسوأ حال بآخر رَمَق. فوردَ على فخر المُلْك الوزير من هذا أعظم ما يكون وكتبَ إلى عامل الكوفة بأن يُحْسن إلى من تَوَصَّل ويعينَهم. وكاتبَ عليَّ بنَ مَزِيدَ وأمرَهُ أن يطلبَ العربَ وأن يُوقعَ بهم، فسارَ ابنُ مَزْيَد فلحقَهُم بالبرية وقد قاربوا البَصرة، فأوقعَ بهم وقتلَ كثيرًا منهم وأسر القويّ والدَ فُلَيْتة والأشترَ وأربعةَ عشرَ رجلاً من الوُجوه، ووجد الأموال والأحمالَ قد تَمَزَّقت وتفرَّقت، فانتزعَ ما أمكنهُ، وعادَ إلى الكوفة، وبعثَ الأسرى إلى بغداد، فشُهِرُوا وسُجنوا، وجُوِّعَ بعضهم ثم أُطعِمُوا المالح وتُرِكوا على دجلة يرونَ الماء حتى ماتوا عطشًا. (١) الكُر- بضم الكاف - مكيال للعراق، وهو ستون قفيزًا أو أربعون إردبًا. وانظر تفاصيل الخبر في المنتظم ٧ / ٢٦٠ . (٢) القرعاء: منزل في طريق مكة من الكوفة بعد المغيثة، وقبل واقصة، بينها وبين واقصة ثمانية فراسخ. ١٣ وفي رمضان انقضَّ كوكبٌ من المَشرق ببغداد فغلب ضوؤه على ضوء القَمَر وتقطَّعَ قِطَعًا. وفي شؤَّال أُخرجت جنازة بنت أبي نُوحِ الطَّبيب امرأة ابن إسرائيل كاتب النَّاصح أبي الهَيْجاء ومع الجنازة النوائحُ والطبولُ والزُّمور والرُّهبان والصُّلبان والشموعُ، فأنكرَ هاشميٌّ ذلك ورجَمَ الجنازة، فوثبَ بعضُ غِلْمان النَّاصح فضربَ الهاشميَّ بدبوس فشَجَّه، وهربوا بالجنازة إلى بِيْعَةٍ هناك، فتبعتهم العامةُ ونهبوا البيْعة وما جاورها من دُور النصارى. وعادَ ابنُ إسرائيل إلى داره، فهجموا عليه، فهربَ واستجارَ بمخدومه. وثارت الفتنةُ بين العامة وبين غِلْمان النَّاصح وزادت، ورُفِعت المصاحفُ في الأسواق، وغُلِّقَت الجوامع، وقصدَ الناسُ دار الخليفة. فركب ذو السعادتين إلى دار النّاصح، وترددت رسالة الخليفة بإنكار ذلك وطلبَ ابن إسرائيل، فامتنعَ الناصحُ من تسليمه، فغضب الخليفةُ وأمرَ بإصلاح الطَّيَّار(١) للخروج من البَلَد، وجَمَعَ الهاشميين في داره واجتمعت العامة يوم الجُمُعة، وقصدوا دارَ النَّاصح، ودفعهم غلمانُهُ عنها، فقُتِلَ رجلٌ قيل إنه علويٌّ، فزادت الشناعة وامتنعَ النَّاسُ من صلاة الجُمُعة، فظفرت العامةُ بقوم من النَّصارى فقتلوهم، ثم بعثَ الناصحُ ابنَ إسرائيل إلى دار الخلافة فسكنّ العامة، وأُلْزِمت النَّصارى بالغِيار(٢) ثم أُطلِقَ ابن إسرائيل. وفيها ألزمَ الحاكمُ صاحبُ مصرَ النَّصارى بحمل صُلْبان خشبٍ ذراع في ذراع في أعناقهم، وزن الصَّليب خمسة أرطال، وفي رقاب اليهود أُكر خشب بهذا الوزن، فأسلمَ بسبب هذا الذُّل طائفةٌ ونهى الأمراء عن تقبيل الأرض وبَوْس اليَد ورَسَمَ أن يقتصروا على: السَّلام عليكم ورحمة الله. ولبسَ الصوف على جَسَده ورأسه، واقتصرَ على ركوب الحِمار بغير حُجاب ولا طرَّادين. وفيها بعثَ محمود بن سُبُكْتكِين كتابًا إلى القادر بالله قد وَرَدَ إليه من الحاكم صاحِب مصرَ يدعوه فيه إلى الطاعة والدخول في بيعته، وقد خَرَّقَهُ وبصقَ علیه. (١) نوع من السفن السريعة، معروفة ببغداد آنذاك. (٢) الغيار: بالكسر، علامة أهل الذمة كالزُّنار، ونحوه. ١٤ وفيها قُرِىء عهد أبي نصر بن مَرْوان الكُردي على آمد وديار بكر، وطُوِّق وسُوِّر، ولُقِّبَ نصر الدولة. ولم يحج أحدٌ من العراق، ورَدَّ حاجُّ خُراسان. وفيها مات إيلك خان صاحبُ ما وراء النهر الذي أخذها من آل سامان بعد التسعين وثلاث مئة. وكان ملكًا شجاعًا، حازمًا، ظالمًا شديد الوطأة. وكان قد وقع بينه وبين أخيه الخان الكبير طغان ملك التُّرك، فورث مملكته أخوه طغان، فمالأ السُّلطان محمود بن سُبُكْتِكين ووالاه وهادَنَهُ وترددَ له، فجاشت من جانب الصين جيوش لقصد طغان وبلاد الإسلام من ديار التُّرك وما وراء النهر يزيدون على مئة ألف خَرْكاه لم يعهد الإسلام مثلها في صعيدٍ واحد. فجمع طغان جمعًا لم يُسْمَع بمثله ونصرهُ الله تعالى . ومات السلطان بهاء الدولة أحمد ابن عضد الدولة، وكان مصافيًا للسُّلطان محمود بن سُبُكْتِكين مداريًا له مؤثرًا لمصافاته لحُكم الجوار، والله أعلم. سنة أربع وأربع مئة في ربيع الأول انحدر فخرُ المُلْك إلى دار الخلافة، فلما صعد من الزَّبْزَب (١) تلقاه أبو الحسن عليُّ بن عبدالعزيز ابن حاجب النعمان وقَبَّل الأرض بين يديه، وفعلَ الحُجَّابُ كذلك ودخل الدارَ والحُجَّاب بين يديه، وأُجلِسَ في الرِّواق، وجلسَ الخليفة في القُبَّة، ودعا فخرَ المُلْك، ثم كثر الناسُ وازدحموا، وكثُر البَوْس واللغط، وعجزَ الحجابُ عن الأبواب، فقال الخليفة: يا فخر المُلْك امنع من هذا الاختلاط، فرَدَّ بالدَّبُّوس(٢) الناس، ووُكِّلَ النُّقباء باب القُبة. وقرأ ابنُ حاجب النُّعمان عهدَ سُلْطان الدولة بالتقليد والألقاب، وكتبَ القادر بالله علامتهُ عليه، وأُحْضِرت الخِلَعِ والتَّاجُ والطَوْقُ والسِّواران واللواءان، وتولَّى عقدهما الخليفةُ بيده، ثم أعطاه سَيفًا، وقال للخادم: اذهب قلَّده به فهو فخرٌ له ولعقبه يفتح به شَرْقَ الأرض وغَرْبها وبعثَ ذلك إلى شيراز مع جماعة. (١) مركب نهري صغير سريع. (٢) عمود على شكل هراوة مُدَمْلكة الرأس. ١٥ وفيها أبطل الحاكم المُنَجمين من بلاده وشَدَّد في ذلك، وأعتقَ أكثر مماليكه وأحسن إليهم، وجعلَ ولي عهده ابنَ عمه عبدالرحيم بن إلياس وخطب له بذلك. وأمرَ بحبس النِّساء في البيوت فاستمرَّ ذلك خمسة أعوام، وصَلُحَت سيرته. وحجَّ بالنَّاس أبو الحسن محمد بن الحسن ابن الأقساسي، وكذلك في سنة ست . وفي هذه السنة كانت المَلْحمة الهائلة بين مَلِك التُّرك طغان رحمه الله وبين جيش الصين، فَقُتِلَ فيها من الكفار نحو مئة ألف، ودامت الحرب أيامًا ثم نزل النصر، ولله الحمد. سنة خمس وأربع مئة فيها ورد الخبر بأنَّ الحاكم صاحب مصر حَظَرَ على النساء الخروج من بيوتهن والاطلاع من الأسطحة ودخول الحَمامات، ومنع الأساكفةِ من عمل الخفاف، وقَتَلَ عدة نسوة خالفنَ أمرَهُ. وكان قد لهج بالركوب في اللَّيل يطوفُ بالأسواق، ورتَّبَ في كل دَرْب أصحابَ أخبار يُطالعونَهُ بما يتم، ورتبوا عجائز يدخُلن الدُّور ويكشفن ما يتم للنساء، وأن فلانة تحب فلانًا ونحو هذا، فينفذ من يُمْسك تلك المرأة، فإذا اجتمع عنده جماعة منهن أمر بتغريقهن، فافتضحَ النَّاس وضجوا في ذلك، ثم أمرَ بالنداء: أيما امرأة خرجت من بيتها أباحت دمها. فرأى بعد النداء عجائز فغَرَّقَهُنَّ. قال: فإذا ماتت امرأة جاء وليها إلى قاضي القُضاة يلتمس غاسلة، فيكتب إلى صاحب المعونة فيرسل غاسلة مع اثنين من عنده، ثم تُعاد إلى منزلها. وكان قد هَمَّ بتغيير هذه السُّنة فاتفقَ أن مرَّ قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي، فنادته امرأةٌ من روزنة: أقسمتُ عليك بالحاكم وآبائه أن تقف لي. فوقفَ، فبكت بكاءً شديدًا وقالت: لي أخ يموت فبالله إلا ما حملتني إليه لأشاهدهُ قبل الموت. فرَقَّ لها وأرسلها مع رجلين، فأتت بابًا فدخلته، وكانت الدار لرجل يهواها وتهواه. وأتى زوجها فسأل الجيران فأخبروه بالحال، فذهب إلى القاضي وصاح، وقال: أنا زوج المرأة، ومالها أخ، وما أفارقكَ حتى تردها إليَّ. فَعَظُم ذلك على قاضي القضاة وخافَ سطوة الحاكم، فطَلَعَ بالرجل إلى ١٦ الحاكم مَرْعوبًا، وقال: العفو يا أمير المؤمنين. ثم شرحَ له القصة، فأمره أن يركب مع ذَيْنك الرجلين، فوجدوا المرأة والرجل في إزار واحد نائمين على سُكْرٍ، فحُمِلا إلى الحاكم، فسألها، فأحالت على الرجل(١) وما حَسَّنهُ لها. وسأل الرجل، فقال: هي هجمت عليَّ وزعمت أنها خلو من بَعْلٍ، وإني إن لم أتزوجها سَعَت بي إليك لتقتلني. فأمر الحاكم بالمرأة فلُفَّت في بارية وأُحْرقت، وضُرب الرَّجل ألف سوط. ثم عاد فشدَّد على النساء إلى أن قُتِلَ. وفيها قُلِّد قاضي القضاة بالحَضْرة أحمد بن محمد بن أبي الشوارب بعد وفاة ابن الأكفاني. وفيها قُلِّد علي بن مَزْيد أعمال بني دُبَيْس بالجزيرة الأسدية . سنة ست وأربع مئة فيها جرت فتنة بين السُّنة والرافضة ببغداد في أول السَّنة، ومنعهم فخر الملك من عَمَل عاشوراء. وفيها وقع وباءٌ عظيمٌ بالبصرة. وقُلِّد الشريف المرتضى أبو القاسم الحج والمظالم ونقابة العلويين وجميع ما كان إلى أخيه. وحضَرَ فخر المُلك والأشرافُ والقضاةُ قراءة عَهده وهو: ((هذا ما عهد عبدالله أبو العباس أحمد القادر بالله أمير المؤمنين إلى علي ابن موسى العَلَويِّ حين قَرَّبته إليه الأنسابُ الزكية وقدَّمته لديه الأسبابُ القوية ... ))، وذكرَ العهد. وفي آخر صَفَر وردَ الخبرُ إلى بغداد، بعد تأخره، بهلاك الكثير من الحاج، وكانوا عشرين ألفًا، فسلِمَ منهم ستة آلاف، وأنَّ الأمر اشتدَّ بهم والعَطَّش حتى شربوا أبوال الجمال. ولم يحج أحد في هذه السنة. وفيها وردَ الخبر أن محمود بن سُبُكْتكين غَزَا الهند فغرَّهُ أدلاؤه وأضلُّوه الطريق فحصلَ في مائية فاضت من البَحْر فغرق كثير ممن كان معه، وخاضَ الماء بنفسه أيامًا ثم تَخلَّص وعاد إلى خُراسان. (١) في المنتظم ٧/ ٢٦٩ والمرآة ٢٩٥: ((الشيطان)) وهو أحسن مما هنا. تاريخ الإسلام ٩ / م ٢ ١٧ وفيها ولي إمرة دمشق سَهْم الدولة ساتكين الحاكمي، فوليها سنتين وثلاثة أشهر. سنة سبع وأربع مئة فيها احترقَ مَشْهد الحُسين رضي الله عنه بكربلاء من شمعتين سقطتا في جَوْف الليل على التأزير. وفيها احترقت دار القُطن ونهر طابق . وفيها وقعت القبة الكبيرة التي على الصخرة ببيت المقدس. وفيها هاجت الفتنة بين الشيعة والسُّنَّة بواسط ونُهبت دور الشيعة والزَّيدية وأُحرقت، وهربَ وجوه الشيعة والعلويين فقصدوا علي بن مَزْيد واستنصروا به . وفيها خُلِعَ على أبي الحسن بن الفضل الرَّامَهُرمُزي خلَع الوزارة من قبل سُلطان الدولة. وهو الذي بنى سور الحائر بمشهد الحُسين. وفيها كانت وقعة بين سُلطان الدولة أبي شجاع وبين أخيه أبي الفوارس بعد أن دخل شيراز وملكها . وفيها افتتح محمود بن سُبُكْتكين خُوارزم ونقلَ أهلَها إلى الهند. ولم يخرج ركبٌ من العراقٍ. سنة ثَمان وأربع مئة وقعت الفتنة بين السُّنة والشيعة، وتفاقمت وعَمِلَ أهل نهر القلّئين بابًا على موضعهم، وعَمِلَ أهلُ الكرخ بابًا على الدَّقاقين، وقُتِلَ طائفة على هذين البابين، فركب المِقْدام أبو مُقاتل، وكان على الشرطة، ليدخل الكرخ، فمنعهُ أهلُها وقاتلوه، فأحرق الدكاكين وأطراف نهر الدَّجاج، وما تهيأ له دخول. قال هبة الله اللالكائيُّ في كتاب ((السُّنة)) أو في غيره: فيها استتاب القادر بالله فقهاءَ المعتزلة، فأظهروا الرجوع وتبرَّؤوا من الاعتزال والرَّفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذَ خطوطَهم بذلك، وأنهم متى خالفوه عاقبهم. وضَعُفت دولة بني بويه الدَّيْلم، وقَدِمَ بغداد سلطان الدولة فكانت النَّوْبة تُضرب له في أوقات الصلوات الخمس، وما تم ذلك لجده عضد الدولة. ١٨ وامتثلَ يمينُ الدولة محمودُ بن سُبُكْتكين أمرَ القادر بالله وبَثَّ سُنَّتَهُ في أعماله بخراسان، وغيرها في قَتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقَرامطة والجَهْمية والمُشبهة، وصَلّبَهم وحبَسهُم ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وشرّدهم عن ديارهم، وصارَ ذلك سُنَّةً في الإسلام. وفيها تزوج سلطان الدولة ببنت قِرْواش بن المُقلَّد على خمسين ألف دینار . وفيها بويع بإمرة الأندلس القاسم بن حَقُّود الإدريسي فبقي ست سنين وخُلِعَ . وفيها قُتِلَ الدُّورِيُّ المُلْحِد لكونه ادَّعى ربوبية الحاكم، فقُتِلَ وقُطَّعَ . وفيها ولِيَ إمرة دمشق سديد الدولة أبو منصور ثم عُزِلَ بعد أشهر. وغزا السلطان محمود الهند، فافتتح بلادًا كثيرة من الهند ودانت له الملوك . سنة تسع وأربع مئة في المُحَرَّم قُرىء بدار الخلافة كتاب بمذاهب السُّنة وفيه: ((من قال القرآن مخلوق فهو كافرٌ حلالُ الدَّم)) إلى غير ذلك من أصول السُّنة. وفيها زادَ ماءُ البحر إلى أن وصل إلى الأُبُلَّة ودخل إلى البصرة. وفيها ورد سُلطان الدولة إلى بغداد. وفيها غزا السُّلطان محمود الهند وافتتح مدينتي مهَرَّة (١) وقِنَّوْج(٢)، وكان فتحًا عزيزًا، وبَيْن ذلك وبين غَزْنة مسيرة ثلاثة أشهر. قال أبو النصر في تاريخه(٣): عَدَل السُّلطان بعد أخذ خوارزم إلى بُسْت (١) لم يذكرها ياقوت في ((معجم البلدان)) ولا استدركها ابن عبدالحق في ((مراصد الاطلاع)) وقيدها الشيخ أحمد المنيني شارح ((اليميني)) للعتبي فقال: ((مَهَرَّة: بتشديد الراء، مفعلة من الهرير، وهو متعبدٌ لهم)) (٢/ ٢٥٩). (٢) قيدها ياقوت بفتح القاف وتشديد النون- من غير أن يبين حركتها- وتابعه ابن عبدالحق في ((المراصد)) وقال المنيني: ((بعد القاف المكسورة فيه نون مشددة مفتوحة ثم واو ساكنة ثم جیم مضعفة)). (٣) انظر شرح المنيني ٢/ ٢٥٩ فما بعدها ومتن اليميني على هامش كامل ابن الأثير ١٢ / ٧٠ = ١٩ ثم إلى غَزْنة، فاتفق أن حُشد إليه من أدنى ما وراء النهر زهاء عشرين ألفًا من المُطَوِّعة، فحَرَّك من السُّلطان محمود نفيرهم، وردَّ من نفوس المسلمين تكبيرهم، واقتضى رأيه أن يزحف بهم إلى قِنَّوْج، وهي التي أعيت الملوك غير كشتاسب على ما زعمته المجوس، وهو ملك الملوك في زمانه، فزحف السُّلطان بهم وبجنوده وعَبَرَ مياه سَيْحون وتلك الأودية التي تجل أعماقها عن الوصف، ولم يطأ مملكة من تلك الممالك إلا أتاه الرسول واضعًا خد الطاعة عارضًا في الخدمة كُنْهَ الاستطاعة إلى أن جاء جَنْكِي بن سَمَّهِي(١) صاحب درب قِشْمِير (٢) عالمًا بأنه بَعْثُ الله الذي لا يُرضيه إلا الإسلام أو الحُسام، فضَمن إرشاد الطريق، وسار أمامه هاديًا. فما زال يفتتح الصَّياصي والقلاع حتى مَرَّ بقلعة هَرْدَب(٣)، فلما رأى ملكُها الأرض تموج بأنصار الله ومن حولها الملائكة، زُلْزِلَت قَدَمه، وأشفقَ أن يُراق دَمُّهُ، ورأى أن يتقي بالإسلام بأسَ الله، وقد شُهِرت حدوده ونُشرت بعذبات العذاب بُنُوده، فنزل في عشرة آلاف مُنادين بدعوة الإسلام. ثم سار بجيوشه إلى قَلْعة كُلْجَنْد(٤) وهو (٥) من رؤوس الشياطين، فكانت له مَلْحَمة عظيمة هلكَ فيها من الكفار خمسون ألفًا من بين قتيل وحريق وغَريق، فعمد كُلْجَنْد إلى زوجته فقتلها ثم ألحقَ بها نفسه. وغنم السلطان مئة وخمسة وثمانین فیلاً. فما بعد . (١) قيده الشيخ المنيني فقال: ((جنكي الجيم فيه غليظة وبعدها نون ساكنة ثم كاف مكسورة ثم ياء ساكنة ممالة: وسَمَّهي: السين فيه مفتوحة بعدها ميم مشددة مفتوحة ثم هاء مكسورة ثم ياء ساكنة غير ممالة)). (٢) بالكسر ثم السكون وكسر الميم وياء آخر الحروف ساكنة وراء، قيدها ياقوت في ((معجم البلدان». (٣) في تاريخ العتبي المعروف باليميني الذي ينقل عنه المؤلف: ((قلعة برنة من ولاية هردب)) وانظر شرح المنيني ٢ / ٢٦٦ حيث ضبطها بوزن ثعلب، وقال: من ملوك الهند. (٤) قيده المنيني، فقال: ((بكاف صحيحة مضمومة وبعدها لام ساكنة ثم جيم غليظة مفتوحة، ثم نون ساكنة ثم دال مهملة)). (٥) أي صاحب القلعة، وهو كلجند، من ملوك الهند. ٢٠