النص المفهرس

صفحات 681-700

الأشعث العِجلي. روى عنه إسحاق القَرَّاب، وأبو عُمر عبدالواحد المَلِيحي،
وغيرهما .
٤٤٦ - محمد بن علي بن يحيى، أبو بكر البَغْداديُّ البَزَّاز
العَريف .
حدَّث عن البغوي، وابن أبي داود، وابن صاعد. روى عنه العُشاري،
والعَتِيقيُّ ووثقه(١).
٤٤٧ - محمد بن عُمر بن عُزَيْر (٢) بن عِمْران، أبو بكر الهَمَذانيُّ
التّگکيُّ.
روى عن أوس الخطيب، وموسى بن محمد بن جعفر، وإبراهيم بن
محمد بن فيرة الطَّيَّان، وأبي بكر بن أبي زكريا، وجماعة. وعنه عبدالغَفَّار
ابن محمد، وعبدالله بن كالة، ومكي بن المحتسب، وعبدالله بن الحسن
الهاشمي، وهو آخر من حدث عنه.
قال شِيرُوية: هو صَدُوق.
٤٤٨ - محمد بن عُمر بن الفضل ابن الموفَّق، أبو بكر الصُّوفيُّ
الهَمَذانيُّ الخَبَّاز، المعروف بابن خَزَر صاحب الشِّبلي.
روى عن أحمد بن عبدالله الهَرَوي صاحب يحيى بن معاذ الرَّازي،
وغير واحد، وروى ((تفسير)) جُوَيْبر عن إبراهيم بن محمد بن فيرة الطَّيَّان.
روى عنه أبو سَهْل بن زيرك، وأبو منصور محمد بن عيسى، وحَمْد بن سهل
المؤذِّب، والخليل بن عبدالله الخَلِيلي(٣)، وآخرون.
وقيل: إنَّ الدَّار قطني روى عنه.
قال شِيرُوية: صَدُوق، قد روى عنه من أهل بغداد أبو حفص بن
شاهين، وهو أكبر منه.
٤٤٩ - مَهْدي بن محمد، أبو سلمة القُشَيْرِيُّ النَّيَّسابوريُّ
الصَّيْدلانيُّ.
(١) من تاريخ الخطيب ٤/ ١٥٢.
(٢) جوده المؤلف بخطه.
(٣) الإرشاد ٣٨٩/١ و٤٤٩.
٦٨١

عن أبي حامد بن الشرقي الحافظ، ومحمد بن أحمد بن دَلُّوية، وأبي
حامد بن بلال. وقدم بغداد، فحدث بها قبل سنة تسعين؛ روى عنه أبو
القاسم التَّنُوخي، وهبة الله اللالكائي.
قال الخطيب (١) رواياته مستقيمة.
٤٥٠ - نصر بن أحمد بن محمد بن الخليل بن المُرَجَّى، أبو
القاسم المَوْصِليُّ.
روى عن أبي يَعْلَى المَوْصِلي، فهو آخر من روى في الدنيا عنه، وعُمِّر
دَهْرًا طويلاً. روى عنه أبو علي الأهوازي، وأبو نصر بن طَوْق المَوْصلي،
وآخر من روى عنه بالإجازة علي بن البُشْري.
توفي قريبًا من سنة تسعين وثلاث مئة.
آخر الطبقة والحمد لله
(١) تاريخه ٢٤١/١٥ ومنه نقل الترجمة.
٦٨٢

الطبقة الأربعون
٣٩١ - ٤٠٠ هـ

◌ِ اللَّهِ الرَّغْنِ الرَّحَـ
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة
فيها جلسَ القادر بالله للحُجَّاجِ الخُراسانية، وأعلمَهُم أنه قد جعلَ وَلِيَّ
عهده ولدَه أبا الفَضْل الغالب بالله، وله يومئذ ثمان سنين وأربعة أشهر،
وسبب عَجَلَته في ذلك أنَّ عبدالله بن عثمان العَبَّاسي الواثقيَّ الخطيب خرج
إلى خُراسان، واتَّفقَ هو ورجل رئيس على أن افتعلا كتابًا من القادر بتقليد
الواثقي ولايةَ العَهْد من بعده، ودخلَ على بعض السلاطين، فاحترمَهُ
وخطب له بعد القادر، وكتب إلى القادر بالله، فبادر بولاية العهد لابنه،
وأَثْبَتَ فِسْقَ الواثقي، ولم يزل الواثقي في البلاد النَّائية حتى مات غريبًا
خائفًا من سوء افترائه.
سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة
فيها ثارت العامة ببغداد على النَّصارَى، فنهبوا البيْعَة وأحرقُوها،
فسقطت على جماعةٍ من المسلمين، فهلكوا، وعَظُمَت الفتنة ببغداد،
وانتشر الدُّعار.
وبَطُل الحجُّ من العراق في هذه السنة.
وفيها وُلِد الحسن والحُسين تَوْأَمَيْن للسلطان بهاء الدولة، فعاش
الحُسين سبع سنين، وأما أبو عليّ فعاش وملك العراق، ولُقب مُشَرَّف
الدولة .
وزاد أمر الشُّطَّار ببغداد، وواصلوا أخذَ العملات والأموال، وقتلوا،
وأشرف الناس معهم على خطَّة صعبة، وكان فيهم من هو عباسي وعَلَوي،
فبعث بهاء الدولة أبا علي عميد الجيوش إلى العراق، ليدبر أمورَها، فقدِم
بغداد، وزُيَّنَت له، فَغَرَّقَ جماعة، ومنعَ الشيعة والسُّنة من إظهار مذهبٍ،
ونفى الدُّغَار، ونَفَى ابن المُعَلِّم فقيه الشيعة، وقامت هيبته .
٦٨٥

وفي المحرَّم غزا السُّلطان محمود بن سُيكتكين الهند، فالتقاه صاحبها
الملك جيبال، ومعه ثلاث مئة فيل، فنصر الله محمودًا، وقُتِل من الكفَّار
خمسة آلاف، ومن الفيول خمسة عشر فيلاً، وأُسر جيبال في جماعة من
قُوَّاده، فكان عليه من الجَوَاهر ما قيمته مئتا ألف دينار، وبلغت الغنيمة من
الرقيق خمس مئة ألف رأس، نقل ذلك صاحب ((سيرة محمود بن سبكتكين))
الأديب الكاتب أبو النَّصر محمد بن عبدالجبار العُشْبي، وقد سمع هذا من
أبي الفتح البُسْتي وجماعة.
قال أبو النَّصْر(١): وافتدى الملك نفسه بخمسين فيلاً، وكان شيخًا
مُسِنَّا، فتألمَ مما تم عليه، وآثر النَّار على العار، فحلق شَعْره، ثم حَرَّق
نفسه حتى تلف.
سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة
فيها منع عميدُ الجيوش يومَ عاشوراء من النَّوْحِ وتعليق المُسُوح في
الأسواق ثم منع السُّنَّة مما ابتدعوه في أمر مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ.
وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي غالب محمد بن خَلَف، وقرر
علیه مئة ألف دينار .
وفيها برز عميد الجيوش، وذهب إلى سُورا، فاستدعى سيف الدولة
علي بن مَزْيَد، وقرر عليه في العام أربعين ألف دينار عن بلاده، فأقرَّه
عليها .
وفي ربيع الآخر منها أمرَ نائبُ دمشق تَمْصُولت الأسود الحاكمي
بمغربيٍّ، فطِيفَ به على حِمَارٍ، ونُودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر
وعمر، ثم أمر به، فأخرج إلى الرَّمَاد فضُرِبت بُنُقُه هناك، رضي الله عنه،
ولا رضي عن قاتله(٢).
وفيها نازل السلطان محمود بن سُبُكْتكِين سِجْستان، وأخذها من
صاحبها خَلَف بن أحمد بالأمان، فاستنابَ عليها الحاجب قنجي من كبار
(١) التاريخ اليميني ٣٦٦.
(٢) الخبر في ترجمة تمصولت من تاريخ دمشق ٤٩/١١ .
٦٨٦

قُوَّاد أبيه، فخرج عليه أهل سِجْستان بعد أشهُر، فساق محمود في عشرة
آلاف وحاربهم، وقتل منهم مقتلة كبيرة في ذي الحجة.
سنة أربع وتسعين وثلاث مئة
فيها قَلَّد بهاءُ الدولة الشريف أبا أحمد الحُسين بن موسى المُوسَوي
قضاء القُضاة والحج والمَظَالم ونقابةَ الطَّالبيين، وكتبَ له من شيراز العهدَ،
ولَقَّبه ((الطَّاهر الأوحد ذو المناقب)»، فلم ينظر في قضاء القُضاة، لامتناع
القادر بالله من الإذن له.
وحجَّ بالنَّاس أبو الحارث محمد بن محمد العَلَوي، فاعترض الركبَ
الأُصَيْفر المُنْتَفقي ونازلهم، وعَوَّل على نهبهم، فقالوا: من يكلمه ويقرر له
ما يأخذ؟ فنفَّذوا أبا الحسن ابن الرَّفَّاء، وأبا عبدالله ابن الدَّجاجي، وكانا من
أحسن النَّاس قراءةً، فدخلا إليه ، وقرءا بين يديه، فقال: كيف عَيْشُكُما
ببغداد؟ فقالا: نِعْم العيش، تصِلنا الخِلَع والصِّلات. فقال: هل وهبوا لكما
ألف ألف دينار في مَرّةٍ؟ قالا: لا، ولا ألف دينار. فقال: قد وهبت لكما
الحاجَّ وأموالهم، فدعوا له وانصرفوا، وفرحَ النَّاس. ولما قرءا بعَرَفات،
قال أهل مصر والشام، ما سمعنا عنكم بتبذيرٍ مثل هذا! يكون عندكم
شخصان مثل هذين، فتسصحبونهما معكم جميعًا، فإن هَلكا فبأي شيء
تتجملون؟ وأخذ أبو الحسن بن بُويه هذين مع أبي عبدالله بن بُهْلول، وكانوا
يُصَلُّون به بالنَّوْبَة التَّراويح، وهم أحداث.
سنة خمس وتسعين وثلاث مئة
حج بالعراقيين جعفر بن شعيب السَّلار، ولحِقهم عَطَش في طريقهم،
فهلك خلق کثیرٌ.
وفي المحرم قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صَبْرًا.
وفيها قُتِل المنتصر أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح بن نصر بن نوح
السَّاماني، وكان قد أُسر أخوه عبدالملك، كما ذكرنا في سنة تسع وثمانين.
واستولى على ما وراء النهر إيلك خان، وتمكن وقبض على أبي إبراهيم
٦٨٧

هذا، وعلى أخيه عبدالملك، وعلى نوح بن منصور الرَّضِي (١)، وعلى
أعمامهم أبي زكريا، وأبي سُليمان، فتحيل المنتصر وهرب من السجن في
زي امرأة كانت تنتابهم لمصالحهم، واختفى أيامًا عند عجوز، وذهب إلى
خُوَارِزم، فتلاحق به مَن نَذَّ وغار من بقايا الدَّولة السَّامانية، حتى اجتمع
شَمْلَهَ، وكثف خيله ورَجِله، وأغار بعض أمرائه على بُخارى، وبيَُّوا بضعة
عشر قائدًا من القُوَّاد الحانية، وحُمِلوا في وثَاقٍ إلى خُوارزم، وانهزم من
بقي من قُواد إيلك خان، وعاد المنتصر إلى بُخارى، وفرح به النَّاس، فجمع
إيلك جيوشه، وتكاثفت أيضًا جموع المنتصر، وقصد نَيْسابُور، وحارب
أميرها نصر بن سبكتكين أخا محمود، فهزمه، وأخذ نَيْسابور، فانزعج
لذلك السُّلطان محمود، وطوى المفاوز، حتى وافى نَيْسابور، فتقهقر عنها
المنتصر إلى إسفرايين، وجبى الخراج، وقَدَّم له شمس المعالي خيلاً
وجمالاً وبغالاً، وألف ألف دِرْهم وثلاثين ألف دينار، مُدارةً عن جُرْجان.
ثم إن المنتصر عاد إلى نَيْسابور، فتحيز عنها أخو محمود، وجبى
المنتصر منها الأموال، ثم التقى هو وأخو محمود، فكانت بينهما ملحمةٌ
هائلة، فكانت النُّصْرة لصاحب الجيش نَصْر بن سبكتكين، وانهزم المنتصِر،
فجاء إلى جُرْجان، فدفعه عنها شمس المعالي، ثم التقى المنتصر أيضًا هو
والسُّبُكْتِكينية بظاهر سَرْخس، وقُتِل خلق من الفريقين، وانهزم جَمْعُ
المنتصر، وقُتل جماعة من قواده، فسار المنتصر يعتسف المهالك، فانتبذ
الركض به إلى محال الأتراك الغُزِّية، ولهم مَيْل إلى آل سامان، فأخذتهم
المَذَمَّة من خُذْلانه، وحرَّكتهم الحَمِيَّة لعونه في سنة ثلاثٍ وتسعين،
وقصدوا إيلك الخان، وحاربوه، ثم خافهم المنتصر وفارقهم، وراسل
السُّلطانَ محمود بن سبكتكين يذكِّرِه بحقوق سَلَفه عليه، فأكرم محمود
الرسول، وتماثل حال المنتصر، وجرت له أحوال وأمور وحروب عديدة.
وكان موصوفًا بالذَّهاء والشَّجاعة المُفْرِطة، ثم قام معه فتيان أهل
سَمَرْقند، وتراجع أمره، فسمع الخان باحتداد شوكته واشتداد وطْأَته،
(١) هكذا في النسخ وهو خطأ، فنوح بن منصور توفي سنة ٣٨٧ وهو الملقب بالرضي،
أما هذا فهو ابنه أبو الحارث منصور بن نوح (وينظر الكامل لابن الأثير ١٤٩/٩).
٦٨٨

فزحف إليه والتقاه في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاث مئة، وانكسر الخان
إيلك، ثم جمع وحَشَد وكَرَّ لطلب الثّأر، فالتقوا، فخامر خمسة آلاف من
جيش المنتصر، وانحازوا إلى إيلك، فاضطر المنتصر إلى الانهزام،
واستَحَزَّ القتْلُ بجيشه، وبقي المنتصر أينما قَصَدَ، شُهِرَت عليه السيوف
وكَثُر أضداده، ودَلف إليهِ صاحب الجيش ابن سُبُكْتِكِين، ووالي سَرْخس،
ووالي طُوس، وحثوا الظَّهْر في طلبه، ففاتهم إلى بسطام، فرماه شمسٍ
المعالي بنحو ألفين من الأكراد الشاهجانية، فأزعجوه عنها حتى ضاقت عليه
المسالك، فتلقاه ابن سَرْخك الساماني، بكتاب يخدعه فيه، فانفعل له طمعًا
في وفائه، فبيتته خَيْل إيلك خان بطرف خُراسان، فطاردهم، ثم ولأَهم
ظهره، فأسروا أخَوَيْه، والتجأ إلى ابن بهيج الأعرابي، فأخفر حق مقدمه،
وروّى الأرضَ من دمه، فكأنما عناه أبو تمام بقوله:
فتىّ مات بين الطَّعْن والضَّرْب مِيتَةً تقوم مقامَ النَّصْر إذ فاته النَّصْرُ
وقال لها من دون أَخمَصِكَ الحَشْرُ
فأثبتَ في مُسْتَنْفَع الموتِ رِجْلَه
فلم ينصرف إلا وأكفانه الأَجْرُ
غَدَا غدوةً والحمد نَسْجُ رِدائه
مَضَى طاهرَ الأثواب لم تبقَ رَوْضةٌ غداةَ ثَوَى إلا اشتهتْ أَنها قَبْرُ
عليكَ سلامُ الله وَقْفًا فإنني رأيت الكريمَ الخُزَّ ليس له عُمرُ(١)
وانقضت الأيام السامانية، وذلك في أوائل سنة خمسٍ وتسعين وثلاث
مئة .
سنة ستٍّ وتسعين وثلاث مئة
فيها تولی ابن الأكفاني قضاءً جمیع بغداد.
وفيها جلسَ القادرُ بالله لأبي المنيع قرواش بن أبي حَسان، ولقبه
بِعَمِيد الدولة، وتَفَرَّد قرواش بالإمارة.
وحج بالناس محمد بن محمد بن عُمر العَلَوي، وخطب بالحَرَمَيْن
للحاكم صاحب مصر على القاعدة، وأمر النَّاسَ بالحَرَميْن بالقيام عند ذِكره،
(١) الأبيات في ديوان أبي تمام بشرح الصولي، من قصيدة يرثي بها محمد بن حميد
٢٦٩/٣ - ٣٠٥. وأكثر هذا الذي ذكره المصنف من تاريخ العتبي.
تاريخ الإسلام ٨/ م٤٤
٦٨٩

وفعل مثل ذلك بمصر، وكان إذا ذُكِر قاموا وسجدوا في السُّوق، وفي
مواضع الاجتماع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد كان هؤلاء العُبَيْدِيُّون شرًّا
على الإسلام وأهله من التّتر.
سنة سبع وتسعين وثلاث مئة
فيها خروج أبي ركْوة الأموي من ولد هشام بن عبدالملك، واسمه
الوليد، وكان يحمل ركوة في السَّفر، ويتزهَّد، وقد لقي المشايخ، وكتب
الحدیث بمصر، وحج، ودخل اليمن والشام، وكان في خلال أسفاره يدعو
إلى القائمٍ من وَلَد هشام بن عبدالملك، ويأخذ البَيْعة على من ينقاد له، ثم
جَلَسَ معلُّمًا، واجتمع عنده أولاد العَرَب، فدعاهم فوافقوه، وأسَرَّ إليهم أنه
هو الإمام، ولَقَّب نفسَهُ بالثائر بأمر الله المنتصر من أعداء الله، فَعَرَفَ بهذا
بعضُ الوُلاة، فكتب إلى الحاكم بأن يأذن له في طَلَبه قبل أن تقوَى شوكتُه،
فأمره باطِّراح الأمر والفكر فيه، لئلا يجعل له سُوقًا، وينبه عليه، وكان
يخبرهم عن المُغَيَّبات. ثم حاربه ذلك الوالي في عسكره، فظفر أبو رَكْوة
بهم، وأخذ أسلابهم، فأضاءت حالته ونزل بَرْقَة، فجمعٍ له أهلها مئتي ألف
دينار، وأخذ من يهودي مئتي ألف دينار، ونقش السِّكَّة باسمه، وخطب
الناسَ ولعن الحاكم وشَتَمَه، فحشد له الحاكم وجهز لقتاله ستة عشر ألفًا،
عليهم الفضل بن عبدالله، وأنفقَ فيهم ذَهَبًا عظيمًا، فلما قارب تلقاه أبو
رَكْوة، فرام مُناجَزَته، والفضلُ يُراوغ، فقال أصحاب أبي ركْوة: قد بذلنا
نفوسَنا دونك، ولم يبق فينا فضْل لمعاودة حرب، ونحن مطلوبون لأجلك،
فخذ لنفسك، وانظر أي بلدٍ شئت لنحملك إليه، فذهب إلى بلد الثُّوبة لأنَّه
كان مُهَادِنَه، فبعث الفضل في طلبه عسكرًا. فأدركوه، فأسلمه أصحابه،
فحُمِل إلى الحاكم، فأُركب جملاً وطِيف به، ثم قُتِل.
وبالغ الحاكم في إكرام الفَضْل وإعطائه الإقطاع، ومرض فعاده
دُفْعَتين، ثم لما عُوفي قتله.
وفيها ورد كتاب من بهاء الدولة بتقليد الشريف أبي الحسن محمد بن
أبي أحمد الحُسين بن موسى العلوي الحُسْيني الثَّقابة والحج، وتلقيبه
٦٩٠

بالرَّضِي ذي الحَسَبَيْن، ولُقب أخوه أبو القاسم بالشريف المرتضى ذي
المجدَیْن.
وفي رمضان قُلِّد سند الدولة علي بن مَزْيد ما كان لقرواش، وخلع
عليه .
وثارت على الحُجَّاج ريح سوداء بالثَّعْلبية حتى لم ير بعضهم بعضًا،
وأصابهم عطش شديد، واعتقلهم ابن الجَرَّاحِ على مالٍ طلبه، وضاق
الوقت، فردُوا، ووصل أوَّلهم إلى بغداد يوم التَّرْوِية، فلا قوة إلا بالله.
سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة
في ربيع الآخر، وقعَ ثَلْجٌ عظيمٌ ببغداد، حتى كان سُمْكُه في بعض
المواضع ذراعًا ونصفًا، وأقام أسبوعًا لم يذُبْ، ورُمِي إلى الشوارع، وبلغ
وقْعُه إلى الكوفة، وإلى عَبَّادان.
وكثرت العملات ببغداد واللُّصوص، وقُتل منهم جماعة.
وفي رَجَب قصدَ بعضُ الهاشميين أبا عبدالله محمد بن النُّعمان بن
المُعَلِّم شيخ الشيعة، وهو في مسجدٍ، وتعرض به تعرُّضًا امتعضَ منه
تلامذته، فثاروا واستنفروا أهلَ الكَرْخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد
الأكْفَاني والشيخ أبي حامد الإسْفراييني فسَبُّهما، وطلبوا الفقهاءَ ليُوقِعُوا
بهم، ونشأت فتنة عظيمة، وأُحضِر مُصْحَفٌ ذكروا أنه مُصْحَفُ ابن مسعود،
وهو يخالف المَصَاحِف، فَجُمِعَ له القضاة والكبار، فأشار أبو حامد
والفقهاء بتَحْرِيقه، فَفُعِل ذلك بمحضرهم، وبعد أيام كُتِبَ إلى الخليفة بأن
رجلاً حضر المشهد ليلة نصف شعبان، ودعا على من أحرَقَ المُصْحَّف
وشتمَهُ، فَتُقَدِّم بطلبه، فأُخِذ، فَرُسِم بقتله، فتكلَّم أهلُ الكَرْخِ في أمر هذا
المقتول لأنه من الشِّيعة، ووقعَ القتال بينهم وبين أهل باب البَصْرة وباب
الشَّعيرِ ونهر القَلَّئين، وقصد أهلُ الكرْخِ دار أبي حامد، فانتقلَ عنها، ونزل
دار القُطْن، وصاحت الرَّوافض: ((يا حاكم يا منصور))، فأحفظ القادر بالله
ذلك، وأنفذ الفُرسان الذين على بابه لمعاونة السُّنَّة، وساعدهم الغِلْمان،
فانكسر الرّوافض وأحرق ما يلي نهر الدَّجاج، ثم اجتمع الرُّؤساء إلى
الخليفة، فكلّموه، فعفى عنهم، ودخل عميدُ الجيوش بغدادَ، فراسلَ ابنَ
٦٩١

المُعَلِّم بأن يخرج عن بغداد ولا يساكنه، ووكَّلَ به، فخرجَ في رمضان،
وضرب جماعةً ممن قام في الفتنة، وحَبَسَ آخرين، ومنع القُّصَّاص من
الجُلُوس، ثم سأل ابنُ مَزْيد في ابن المُعَلِّم فَرُدَّ وأذِن للقُصاص، بشرط أن
لا يتعرضوا للفِتَن.
وفي شعبان وقع بَرَدٌ في الواحدة نحو خمسة دراهم.
وفيه زُلْزِلت الدِّينور، فمات تحت الرَّدْم أكثر من ستة عشر ألف
آدمي، وفَرَّ السَّالمون إلى الصَّخراء، فاتخذوا أكواخًا، وهلك ما لا يُخْصى،
وهُدِمَت أكثر المدينة، وزُلْزِلَت سِيرَاف والسِّيْب(١)، وغَرِقَ في الماء عدَّة
مراكب، ووقع هناك بَرَدٌ عظيم، ووُزِنت بَرَدةٌ، فكانت مئة وستة دراهم.
وفيها هدم الحاكمُ بَيْعَةَ قُمامة التي بالقُدس، وهي عظيمةِ القَدْر عند
النَّصارى، يحُّون إليها، وبها من السُّتُّور والآلات والأواني الذَّهِب شيءٌ
مُفْرِط، وكانوا في العيد يُظْهِرُون الزِّينة، وينصبون الصُّلْبان، وتعلَّق القُوَّامُ
القناديلَ في بيت المَذْبَح، ويجعلونَ فيها دهن الزئبق، ويجعلون بين
القِنْديلين خَيْطًا من الحرير مُتَّصلاً، وكانوا يَطْلُونه بدهن البلسان، ويقرب
بعض الرُّهبان، فيعلق النَّارَ في خيطٍ منها من موضع لا يراه أحد، فينتقل بين
القناديل، فتُوقد الكل ويقولون: نزل النُّور من السَّماء فأوقدها، فيضجُّون،
فلما وُصِفَت هذه الحالة للحاكم، كتبَ إلى والي الرَّملة، وإلى أحمد بن
يعقوب الدَّاعي بأن يقصدَ بيتَ المَقْدس، ويأخذ القضاةَ والأشرافَ
والرؤساءَ، وينزلوا على هذه الكنيسة، ويُبِيحُوا للعامة نَهْبَها، ثم يخربونها
إلى الأرض، وأحسَّ النَّصَارَى، فأخرجوا ما فيها من جَوْهر وذَهَب وستُور،
وانتُهِبَ ما بقي، وهُدِمت.
ثم أمر بهدم الكَنَائس، ونَقَضَ بعضَها بيده، وأمر بأن تُعْمَلَ مساجدَ
للمسلمين، وأمر بالنِّداء: من أراد الإسلام فلْيُسْلِم، ومن أراد الانتقال إلى
بلد الرُّوم كان آمنًا إلى أن يخرج، ومن أراد المقام على أن يلتزم ما شُرِطَ
عليه فلْيُقم. وشَرَطَ على النَّصارى تعليقَ الصُّلْبان ظاهرةً على صُدُورهم،
وعلى اليهود تعليق تمثال رأس العِجْل في أعناقهم، ومنعهم من ركوب
(١) هكذا في النسخ، وفي المنتظم ٢٣٨/٧: ((السيف)).
٦٩٢

الخَيْل، فعملوا صُلْبان الذَّهب والفضة، فأنكر الحاكم ذلك، وأمر
المحتسبين بإلزامهم بتعليق صُلْبان الخَشَب، وأن يكون قدر الواحد أربعة
أرطال، واليهود تعليق خشبة كالمدقة، وزنها ستة أرطال، وأن تُشد في
أعناقهم أجراسًا عند دخولهم الحَمَّامات.
ثم إنه قبل أن يُقتل أذِن في إعادة البِيَع والكَنَائس، وأذِن لمن أسلم أن
يعود إلى دينه، لكونه مُكْرَهًا. وقال: نُنَزِّه مساجدنا عمن لا نية له في
الإسلام.
سنة تسع وتسعين وثلاث مئة
في شعبان عَصَفت ريحٌ شديدةٌ بالعراق، وألقَتْ رَمْلاً أحمر بالطُرُق
والبيوت.
وفيها عُزِل أبو عُمر قاضِي البَصْرة، وَوِليَ القضاءَ أبو الحسن بن أبي
الشَّوارب، فقالَ العُصْفُري الشَّاعر:
عندي حديثٌ ظريفٌ بمثله يُتَغَنَّى
هذا وهذا يُهَنا
من قاضيين يُعَزَّى
فذا يقول: أَكْرَهُونا، وذا يقول: اسْتَرَحْنا
ويكذِبان جميعًا ومَن يُصَدَّقُ مِنا
ورجع الرَّكْبُ العراقي خوفًا من ابن الجَزَّاحِ الطَّائي، فدخلوا بغدادَ يوم
عَرَفة، وخرج بنو زغب الهلاليُّون، وهم ست مئة، على رَكْب البَصْرة،
فأخذوا منهم ما قيمته ألف ألف دينار. كذا نقل ابن الجَوْزي في مُنْتَظَمِه(١).
وفيها وَلِيَ دمشق أبو الجَيْش حامد بن مُلْهم للحاكم، بعد عليّ بن
جعفر بن فلاح، فوليها سنةً وأشهرًا، ثم عُزِل، وكان جوادًا ممدَّحًا، ووِليَ
بعده أو معه القائد أبو منصور خَتْكين الدَّاعَي المعروف بالضَّيف، ذكره ابن
عساكر، فقال(٢): وَلِيَ إمرة دمشق مرتين للحاكم فأساءَ السِّيرة.
وفي جُمادى الآخرة كانت الفتنة بالأندلس، وثار محمد بن هشام
(١) المنتظم ٢٤٤/٧.
(٢) تاريخ دمشق ١٦/ ٣٢٠ فما بعد.
٦٩٣

الأموي على متولِي الأندلس، وانْخَرَمَ النِّظام ووَهَى سلطانُ بني أُمَية
بالأندلس .
سنة أربع مئة
نقصٍ في ربيع الآخر نهر دِجْلة نُقْصانًا لم يُعْهد مثله، وامتنع سَيْر
السُّفُن من أَوَانًا والرَّاشدية من أعالي دِجلة، وأُكْرِيت لأجل جزائر ظهرت،
ولا يُعْلَم أن کَرْيَ دِجلةَ وقع قبل ذلك.
وفيها عمل أبو محمد الحسن بن الفَضْل بن سَهْلان على مشهد عليّ
سُورا منيعًا من ماله، لكثرة من يطرقه من الأعراب، وتحصَّن المَشْهد.
وفي رمضان أُرْجِف بالقادر بالله بموته، فجلس للناس يوم الجمعة
وعليه البُرْدَة، وبيده القَضِيب، وقَبَّل الشيخ أبو حامد الإسفراييني الأرضَ،
فسأل أبو الحَسَنُ بن حاجب التُّعْمان مَسْألة الخليفة (١) أن يقرأ آيات من القرآن
يسمعها النَّاس، فقرأ عند ذلك بصوتٍ عالٍ:
لَّيِنِ لَّمْ يَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِی
قُلُودِهِم ◌َرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ... الآيات.
وفيها ورد الخبر إلى العراق بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر الصَّادق
بالمدينة من فتحها وأخذ ما فيها، ولم يتعرض لهذه الدَّار أحد، وكان
الحاكم قد أنفذ رجلاً ومعه صلات للعلويين وزادُهم، وأمره أن يجمعهم
ويُعْلِمِهم إيثاره لفَتْح هذه الدَّار، والنَّظر إلى ما فيها من آثار جعفر بن
محمد، وحَمْل ذلك إليه ليراه ويرده، ووعدهم على ذلك بالإكرام،
فأجابوه، فَفُتِحت فوُجد فيها مصحفٌ وقعب من خشب مطوّق بحديد، ودرقة
خَيْزران وحربة وسرير، فحُمِل ذلك، ومضى معه جماعة من الحُسينيين،
ولما وصلوا إلى مصر أعطاهم مبلغًا، ورد عليهم السرير وأخذ الباقي،
وقال: أنا أحقُّ به.
وأمر بعمارة دار العِلْم، وأحضر فيها الفُقهاءَ والمحدثين. وعَمَرَ أيضًا
الجامع الحاكمي بالقاهرة، واتَّصل الدُّعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم
(١) أي: أن يطلب من الخليفة.
ـسـ
٦٩٤

أخذ يقتل أهلَ العِلْم، وأغلقَ دار العِلْم، ومنع من كل ما يفعل من الخَيْر إلى
أن قُتِل سرًا.
وحجَّ بالنَّاس من العراق أبو الحارث محمد بن محمد بن عُمر العَلَوي
الگُوفي.
وفيها غزا محمود بن سُبُكْتِكين الهند، فكانت وقعة نارين، ونصر الله
الإسلام، فله الحمد، وغَنِمَ المسلمون ما لا يُحدُّ ولا يُوصف، وطلب
صاحب الهند الهُدْنة، وبعث بتُحَفٍ وتقادُم مع أقاربه.
قال أبو النَّصْر محمد بن عبدالجبار في سيرة السلطان محمود(١):
نشط السلطان في سنة أربع مئة لغزو الهند تقرُّبًا إلى الله، فنهض يحث
الخيول، ويخترق الحُزُون والسُّهول، إلى أن توسط ديار الهند فاستباحها،
ونَكَّس أصنامها، وأوقع بعظيم العُلُوج وقعةً أفاء الله عليه بها أمواله،
وأغنمهم خيوله وأفياله، وحكّم فيهم سيوفَ أوليائه، يحوسونهم ما بين كل
سبسب وفَدْفَد، ويجزرونهم عند كل مَهْبط ومصعد، ورد إلى غزنة بالغنائم،
فلما رأى ملك الهند ما صب الله عليه وعلى أهل مملكته من سَوْط العذاب
بوقائع السلطان، أيقن أنه لا قِبَل له بثقل وطأته، فأرسلَ إليه أعيان أقاربه
ضارعًا إليه في هدنة يقف فيها عند أمره، ويسمح بماله ووَفْره، على أن يقود
إليه بادىء الأمر خمسين فيلاً، ويحمل معها مالاً عظيم الخطر، بما يضاهيه
من مبار تلك الديار، ومتاع تلك البقاع، وعلى أن يناوب كل عام من أفناء
عسكره في خدمة باب السلطان بألفي رجل، إلى إتاوة معلومة يلتزمها كل
سنة، سُنّةً يتمسك بها من يرث مكانه ويقوم في كفالة المُلك مقامه . فأوجب
السلطان إجابته ببذل طاعته، وإعطائه الجزية عن يده، وبعث إليه من طالبه
بتصحيح المال، وقَوْد الأفيال، فَنَفَّذ ما وعد، وانعقدت الهدنة، وتتباعت
القَوَافل بين خُراسان والهند، ولله الحمد.
وبقيت جبال الغُوْر في وسط ممالك السلطان محمود، وبها قوم من
الضُّلال الخالين عن سِمَة الإسلام يخيفون السَّبيل، ويتمنعون بتلك الجبال
(١) هو التاريخ اليميني.
٦٩٥

الشواهق، فأَهمَّ السلطانَ شأنُهم، وصَمَّم على تدويخ ديارهم وانتزاع بعرة
الإستطالة من رؤوسهم، فَأَجْلَب عليهم بخَّيْله ورَجِله، وقَدَّم أمامَهُ والي هَراة
ألتونتاش، ووالِي طُوسٍ أرسلان، فسارا مقتحمين مضايق تلك المسالك،
إلى مضيقٍ قد غَصَّ بالكُمَاة، فتناوشوا الحربَ تناوشًا بطلت فيه العوامل إلّ
الصوارم في الجَمَاجم والخناجر في الحناجر، وتَصَابرَ الفريقان، حتى
سالت نفوسٍ، وطارت رؤوس، فلْحِقَهم السلطان في خواص أبطاله،
وجعل يُلْجُهم إلى ما ورائهم شيئًا فشئيًا، إلى أن فَرَّقهم في عَطَفات الجبال،
واستفتحَ المَجَال إلى عظيم الكَفَرة المعروف بابن سُورَى، فغزاه في عُقْر
داره، وأحاط ببلده، وتَقَيَّد عليه، فبرز الرجل في عشرة آلاف كأنما خُلِقوا
من حديد، وكأن أكبادهم الجلاميد، يستأنسون بأهل الوقائع استئناس الظُّمَّأ
بماء الشَّرَائع، ودام القتال إلى نصف النَّهار، فأمر السُّلطان بتوليتهم الظهور
استدراجًا، فاغتُّوا وانقضُّوا عن مواقفهم، واغتنموا الفرصة، فكرَّت عليهم
الخُيول بضربات غنيت بذواتها عن أدواتها، فلم ترتفع منها واحدة إلا عن
دماغ منثور، ونِياط مبتور، وصُرِع في المعركة رجالٌ كُهَشِيم المُخْتضِر، أو
أعجازِ نخْلٍ مُنقَعِر، وأَسِر ابن سُورَى وسائر حاشيته، وأفاء الله على السلطان
ما اشتمل عليه حِصْنُه من ذخائره التي اقتناها كابرًا عن كابر، وورثها كافرًا
عن كافر، وأمر السلطان بإقامة شعار الإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع،
فأصفحت بالدِّين المنابر، واشترك في عز دعوته البادي والحاضر، ولِعظم
ما ورد على ابن سُورَى، مص فَص خاتمٍ مسموم، فأتلف نفسه، وخَسر
الدنيا والآخرة.
وأما الأندلس فتم فيها فِتَنٌ هائلة، وانقضت أيام الأُمَويين، وتفرقت
الكلمة .
وفي ربيع الأولِ دخل البربر والنَّصَارى قُرْطبة، فقتلوا من أهلها أزْيَدَ
من ثلاثين ألفًا، وتَمَلَّكها سليمان الأُموي المُسْتعين، واستقر بها سبعة
أشهر، ثم بلغه أنَّ المهدي الأُموي، وهو ابن عمه، قد استنجد بالنَّصارى
لأخذ الثأر منه، فتأهَّب، ثم وقع بينهم مصافٍّ، فانهزم البربر والمُستعين،
وذلك في رابع شوَّال، ودخل المهدي قُرْطُبَة بدولته الثانية، فصادرهم،
وفعل الأفاعيل، وخرج يتتبع البربر، فكرُّوا عليه فهزموه، واستُبِيحَ عسكرُهُ،
وقُتِل نحو العشرين ألفًا من أهل قُرْطَبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
٦٩٦

(الوفيات)
سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة
١ - أحمد بن عبدالله بن حُمَيْد بن زُرَيْق(١)، أبو الحسن
البَغْدادُّ، نزيلُ مصر .
سمع أبا عبدالله المَحَامِلي، ومحمد بن مَخْلَد، وأبا علي محمد بن
سعيد الرَّقِّي الحافظ، ومحمد بن بَكَّار السَّكْسَكي، ومحمد بن يوسف الهَرَوي،
ومحمد بن جعفر بن مَلَّس، وخَلْقًا سواهم، وانتقى عليه خَلَفُ الواسطي.
روى عنه ابن بنته أبو الحُسين محمد بن مكي المِصْري، ورشأ بن نظيف،
وعبدالعزيز بن علي الأزجي، وأبو عمر أحمد بن عبدالله البَاجي، وآخرون.
وَثَّقه الصُّوري.
وزُرَيْق بتقديم الزاي.
توفي في ربيع الأول(٢).
٢ - أحمد بن محمد بن نُوح، أبو حامد البُخَاريُّ، قاضي نَسَف.
روى عن أبي نُعَيْم عبدالملك بن عَدِي، وعيسى بن عبدالله العثماني
(١) هكذا بخط المصنف، وفيه وهمان: الأول قوله ((زريق)) بتقديم الزاي، كما سيأتي
ضبطه في آخر الترجمة، وقد ضبطه الأمير ابن ماكولا بتقديم الراء على الزاي
(الإكمال ٥٤/٤)، وقد تراجع عنه فقيده في المشتبه على الوجه بتقديم الراء (المشتبه
٣١٤) ونص عليه في السير ٥٥٢/١٦، وكذلك هو في تاريخ الخطيب ٣٨٩/٥، وهو
صنيع كتب المشتبه، ومنها توضيح العلامة ابن ناصر الدين ١٧٧/٤، فكأن المصنف
توهم فيه حال النقل من تاريخ الخطيب ثم رجع عنه في الكتب التي ألفها بعد تاريخ
الإسلام كالمشتبه والسير. الثاني: تقديمه ((حميد)) على ((رزيق))، وهو في تاريخ الخطيب
والكتب الناقلة منه، ومنها السمعاني في ((الدلال)) من الأنساب وابن الأثير في اللباب
بتقديم ((رزيق)) على ((حميد)) وهو الصواب. ومما يؤكد ذلك أنه أضاف اسم ((حميد))
إلى كتابه بأخرة في الحاشية لكنه وضع الإشارة قبل ((رزيق)) وكان عليه أن يضعها بعده
فانتقل الغلط إلى كتبه الآخرى كالسير وغيره لأن عمدته في النقل هو ((تاريخ
الإسلام)» هذا.
(٢) انظر تاريخ الخطيب ٣٨٩/٥ - ٣٩٠.
٦٩٧

صاحب بُنْدار. روى عنه جعفر المسْتَغْفِري، وقال: توفي في شوال.
٣ - أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن هارون الأنصاريُّ
القُرْطُيُّ، أبو بكر.
سمع محمد بن معاوية، وأحمد بن ثابت التَّغْلبي، وحج فسمع أبا
العباس الكِنْدي، والحسن بن رَشِیق.
وكان صالحًا منقطعًا زاهدًا، رحمه الله(١).
٤ - أحمد بن محمد بن عبدالله، الأستاذ أبو العباس السِّجِستانيُّ
الزَّاهد، نزيلُ نَیْسابور.
صحِب الشِّبْلي، وسمع من أبي عَمْرو الحِيري، وطبقته، وقلَّ ما
روى؛ أرخه الحاكم.
٥ - أحمد بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أيوب بن عَمْرو بن
مُسلم بن واضح، أبو بكر الثَّقفيُّ الخَشَّاب الأصبهانيُّ المؤذن.
روى عن الحسن بن محمد بن دكة، وعُمر بن عبدالله بن الحسن،
والحسن الدَّاركي، والفَضْل بن الخَصِيب، وجماعة. روى عنه أبو بكر بن
أبي علي، وأبو نُعَيْم أحمد بن عبدالله(٢)، وأبو سهل حَمْد بن أحمد
الصَّيْرفي، وأحمد بن الفضل الباطِرْقاني، وجماعة.
٦ - إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب، أبو علي الكُشَانيُّ.
روى ((الصَّحيح)) عن الفِرَبْري.
وقال الإدريسي: توفي فيها، وهو آخر من حدث ((بالجامع
الصَّحيح)). وسيُعاد(٣).
٧ - جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن
الفُرات، الوزير المحدث أبو الفضل ابن الوزير أبي الفتح بن حِنْزَابة
البَغْداديُّ، نزيلُ مصر .
وَزَرَ أبوه للمقتدر في السنة التي قُتل المقتدر فيها، وتَقَلَّد أبو الفضل
(١) من تاريخ ابن الفرضي (١٩٥).
(٢) أخبار أصبهان ١٦٤/١ .
(٣) في السنة الآتية، الترجمة (٤٥).
٦٩٨

وزارةَ صاحب مصر كافور، وحدث عن محمد بن هارون الحَضْرمي،
والحسن بن محمد الدَّاركي الأصبهاني، ومحمد بن زُهَير الأبُلي، ومحمد
ابن حمزة بن عُمارة، وأبي بكر محمد بن جعفر الخَرَائطي، ومحمد بن
سعيد الحِمْصي، وجماعة .
قال الخطيب(١): وكان يذكر أنه سمع من أبي القاسم البَغَوي مجلسًا،
ولم يكن عنده، فكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان يُملي الحديثَ
بمصر، وبسببه خرجَ الدَّارقطني إلى هناك، فإنَّ ابن حنزابة كان يريد أن
يصنف مُسْندًا، فخرج أبو الحسن الدَّارقطني إلى مصر، وأقام عنده مدة،
وحصل له منه مال كثير، وروى عنه الدَّارقُطني أحاديث.
وُلد ابن حنزابة في ذي الحجة سنة ثمانٍ وثلاث مئة، وتوفي في ثالث
عشر ربيع الأول.
ومن شعره:
من أخْمل النَّفْسَ أحياها ورَوَّحَها ولم يَتْ طَاويًا منها على ضَجَر
إنَّ الرِّياح إذا اشتدَّت عواصفُها فليس تَرْمي سوى العالي من الشجر
وقال السِّلَفي: كان أبو الفضل بن حِنْزابة من الحُفَّاظ الثَّقات
المُتَبَجِّحين بصُحبة أصحاب الحديث، مع جلالةٍ ورياسةٍ، يروي ويُملي
بمصر في حال وزارته، ولا يختار على العِلم وصحبة أهله شيئًا، وعندي من
أماليه فوائد، ومن كلامه على الحديث وتَصَرُّفه الدَّال على حِدَّة فهمه ووفور
علمه، وقد روى عنه حمزة الكِنَاني الحافظ مع تقدمه.
وقال غير السِّلفي: إن ابنَ حِنْزابة بعد موت كافور، وَزَر لأبي
الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد، فقبضَ على جماعة من أرباب الدولة
وصادرهم، وصادر يعقوب بن كِلِّس، وأخذ منه أربعة آلاف دينار، فهرب
إلى المغرب، وآل أمره إلى أن وَزَر لبني عُبَيْد. ثم إن ابن حِنْزابة لم يقدر
على رِضَى الإخشيدية، واضطربت عليه الأحوال، فاختفى مَرَّتينِ ونُهِبت
داره. ثُم قَدِمَ أميرُ الرَّمْلة أبو محمد الحسن بن عُبيد الله بن طُغْج وغَلَبَ عَلى
الأمور، فصادر الوزير ابن حِنْزابة وعَذَّبه، فنزحَ إلى الشام في سنة ثمانٍ
(١) تاريخه ٨/ ١٥٧.
٦٩٩

وخمسين، ثم بعد ذلك رجع إلى مصر. وممن روى عنه الحافظ عبدالغني
ابن سعيد .
وقال الحسن بن أحمد بن صالح السَّبِيعي: قدم علينا الوزير جعفر بن
الفضل إلى حَلَب، فتلقَّه النَّاسُ، فكنتُ فَيهم، فَعُرِّفَ أني محدث، فقال
لي: تعرف إسنادًا فيه أربعة من الصحابة، كل واحد يروي عن صاحبه؟
قلت: نعم، وذكرت له حديث السَّائب بن يزيد، عن حُوَيْطب بن
عبدالعُزَّى، عن عبدالله بن السَّعْدي، عن عمر رضي الله عنهم في العُمالة،
فعرف لي ذلك، وصار لي به عنده منزلة.
وقيل: إنَّ الوزير ابن حِنْزابة كان يُستعمل له الكاغد بسمرقند، ويُحمل
إلى مصر في كل سنة، وكان عنده عدة نُسَّاخِ.
وقال عبدالله بن يوسف: حضرتٌ عند أبي الحُسين ابن المُهَلَّبي
بالقاهرة، فقال: كنت منذ أيام حاضرًا في دار الوزير أبي الفرج بن كِلِّس،
فدخل عليه أبو العباس بن الوزير أبي الفضل بن حِنْزابة، وكان قد زوجه
ابنته، وأكرمه وأَجلَّه، وقال له: يا أبا العباس، يا سيدي، ما أنا بأَجَل من
أبيك، ولا بأفضل، أتدري ما أقعد أباك خلف الناس، شَيْلُ أنفه بأبيه، يا أبا
العباس لا تشِل أنفَك بأبيك، تدري ما الإقبال؟ نشاطٌ وتواضُعٌ، وتدري ما
الإدبار؟ کسلٌّ وترافعٌ.
وقال غيره: كان الوزير أبو الفضل يُفْطِر وينام نومة ثم ينهضُ في الليل
فيتوضأ ويدخل بيت مُصَلَّه، فيصفُّ قدميه إلى الغَداة، ولما توفي صلى عليه
في داره الحُسين بن علي بن النُّعمان القاضي، وحضرَ جنازته قائد القُوَّاد
وسائر الأكابر، ودُفن في مجلس بداره الكبيرة، المعروفة بدار العامة.
قال المختار المُسَبِّحي: إنه لما غُسِّل، جُعِل في فيه ثلاث شعرات من
شَعْرِ النبي ◌ِّز، كان ابتاعها بمال عظيم، وكانت عنده في دُرْج ذهب،
مختومة الأطراف بالمِسْك، ووصَّى بأن تُجعل في فيه، ففُعِل ذلك به .
وحِنْزابة: جاريةٌ، هي أم والده الفضل، والحِنْزابة في اللّغة: القصيرة
الغَلِيظة .
قال ابنُ طاهر: رأيت عند الحَبَّال كثيرًا من الأجزاء التي خُرِّجت لابن
٧٠٠