النص المفهرس

صفحات 101-120

واستوطن بغداد من صِباه، وكان من أعيان أدبائها وأفراد مُصَنِّفيها. روى
عن طائفة كبيرة. وكان أخباريًا نَسَّابةً شاعرًا، ظاهر التشتُّع .
قال أبو علي التَّنُوخي: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار
والمُسْنَدات والأنساب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ سوى ذلك من
علوم أُخَر، منها اللغة والنحر والمغازي والسِّيَر، وله تصانيف عديدة، وحصل
له ببلاد الأندلس كُتُب صَنَّفها لبني أُمَية ملوك الأندلس أقاربه، سيَّرها إليهم سِرًّا
وجاءه الإنعام سِرًّا، فمن ذلك: ((نسب بني عبد شمس))، وكتاب ((أيام العرب
ألف وسبع مئة يوم))، وكتاب ((جَنْهَرة النَّسَب))، وكتاب (نسب بني شَيْبان))،
وكتاب ((نسب المهالبة)) لكونه كان مُنْقطعًا إلى الوزير المُهَلَّبي، وله فيه مدائح.
وله كتاب ((أخبار الإماء الشواعر)»، وكتاب «مَقَاتِل الطالبيين))، وكتاب
((الدِّيارات)) وهذا عجيب إذ هو مروانيٍ يتشيع.
قال ابن أبي الفوارس: قد خَلَّط قبل أن يموت، قال: وتُوفي في ذي
الحجة، وكان مولده سنة أربع وثمانين ومئتين.
قلت: رأيت شيخَنا ابن تيمية يضعِّفه ويتهمه في نقله ويستهول ما يأتي
به، وما علمتُ فيه جرحًا إلا قول ابن أبي الفوارس: خلط قبل أن يموت. وقد
أثنى على كتابه ((الأغاني)» جماعة من جِلَّة الأدباء. ومن تواليفه كتاب («أخبار
الطُّفَيْلِيين))، كتاب ((أخبار جَحْظة))، كتاب ((أدب السماع))، كتاب ((الخَمَّارين)).
قال هلال بن المُحَسِّن الصَّابي: كان أبو الفرج صاحب ((الأغاني)) من
نُدَماء الوزير المُهَلَّبي، وكان وَسِخًا قَذِرًا لم يُغْسَل له ثوب أبدًا منذ فَصَّله إلى أنْ
يتقطع، وشِعْره جيد لكنه في الهجاء أبلغ، وكانوا يَتَّقون لسانه ويصبرون على
مجالسته ومشاربته .
ذكر ابن الصابي أن أبا القاسم الجُهَني مُحتسِب البصرة كان من نُدَماء
المهلَّبي، وكان يُورِدَ الطَّامَّات من الحكايات المُنْكَرَة، فجرى مرة حديث
التَّعْنَع، فقال: في البلد الفُلاني نعنع يَطُول حتى يصير شجرًا، ويُعمل من
شجره سلالم، فثار منه أبو الفرج الأصبهاني، وقال: نعم، عجائب الدنيا كثيرة
ولا يُنكَر هذا، والقدرة صالحة، أنا عندي ما هو أغرب من هذا، زَوْج حمام
يبيض بيضتين، فآخذهما وأضع تحتهما سنجة مئة وسنجة خمسين، فإذا فرغ
١٠١

زمان الحضان انفقست السنجتان عن طَسْت وإبريق، فضحك أهل المجلس،
وفطن الجُهَني لِما قصد أبو الفرج من الطَّنز به(١)، وانقبض عن كثير من
حكاياته .
ومن نَظْم أبي الفَرَج وكتب به إلى صديق وأجاد:
أبا محمدٍ المحمودُ بأحْسَنِ الإ حسانِ والجُودِ يا بحرَ النَّدَى الطَّامي
حاشاك من عَوْدِ عُوادٍ إليك ومن دواء داءٍ ومن إلمام آلام(٢)
١٩٢- علي بن عبدالله بن حَمْدان بن حَمْدون بن الحارث بن لُقمان
ابن راشد، الأمير سيف الدولة أبو الحسن التَّغْلبيُّ الجَزَريُّ صاحب حلب
وغيرها وأخو ناصر الدولة الحسن.
كان مقصد الوفود، ومطلع الجُود، وكعبة الآمال، ومحط الرحال، وكان
أديبًا شاعرًا. ويقال: إنه لم يجتمع ببابِ ملكٍ بعد الخُلفاء ما اجتمعَ ببابه من
الشُّعراء، وكان يقول: عطاء الشعراء من فرائض الأمراء. وكان كلٌّ من عبد الله
ابن الفياض الكاتب، وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي، قد اختار من
مدائح الشعراء في سيف الدولة عشرة آلاف بيت.
ملك مدينة حَلَب سنة ثلاث وثلاثين، انتزعها من أحمد بن سعيد الكِلابي
نائب الإخشيذ، وكان قبلها قد استولى على واسط ونواحيها، وتقلَّبَت به
الأحوال، وملك دمشق أيضًا، وكثيرًا من بلاد الشام والجزيرة. وجرت له
حروب؛ وذلك أنه تَوَجَّه من حَلَب إلى حِمْص فلقيه جيشٍ الإخشيذ وعليهم
كافور الإخشيذي المُتَوَفى أيضًا في هذه السنة، فكان الظَّفَر لسيف الدولة،
وجاء فنازل دمشق فلم يفتحوا له، فرجع. وكان الإخشيد قد خرج بالجيوش
من مصر، فالتقى هو وهو بنواحي قِنَّسرين، فلما يظفر أحدهما بالآخر، وتقهقر
سيف الدولة إلى الجزيرة، ورَدَّ الإخشيذ إلى دمشق، ثم رد سيف الدولة فدخل
حلب، ومات الإخشيد بدمشق في آخر سنة أربع وثلاثين، وسار كافور
بالعساكر إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق وملكها وأقام بها. فذكروا أنه
(١) طَنَّزَ به: سخر منه.
(٢) انظر يتيمة الدهر ١١٤/٣ - ١١٨، وتاريخ الخطيب ٣٣٧/١٣ - ٣٤٠، ومعجم الأدباء
٤ / ١٧٠٧ - ١٧٢٣ .
١٠٢

كان يساير الشريف العَقِيقي، فقال: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحدٍ،
فقال له العقيقي: هي لأقوام كثير، فقال: لئن أخذتها القوابينُ ليتبرأونَّ منها.
فأعلم العقيقي أهل دمشق بهذا القول، فكاتبوا كافورًا فجاءهم وأخرجوا سيف
الدولة بعد سنة، ودخلها كافور.
وُلد سيف الدولة سنة إحدى، ويقال: سنة ثلاث وثلاث مئة، ومدحه
الخالديان بقصيدة أولها :
تَصُدُّ ودارُها صدَدُ ومُوعِدَةٌ ولا تعِدُ
ولا عقل ولا قَوَدُ
وقد قتلته ظالمةً
يقولان فيه :
وسائر جِسْمه أسَدُ
بوجهٍ كُلُّه قمرٌ
وكان موصوفًا بالشَّجاعة، له غَزَوات مشهورة مع الرُّوم، وكان مُثَاغرًا
لهم، ومن شعره:
وساقٍ صَبيح للصَّبُوح دعوتُه فقامَ وفي أجفانِهِ سِنَةُ الغُمْض
يطوفُ بكاساتِ العُقار كأنْجُم فمِنْ بين مُنْقَض علينا ومُنْفَضِ
وقد نَشَرَت أيدي الجَنَوبِ مَطارفًا على الجَوِّ دَكناء والحواشي على الأرض
يُطرِّزُها قوسُ السَّحاب بأصفَرٍ على أحمرٍ في أخضر إثر مُبْيَض
كأذيال خَوْدٍ أقبلت في غَلائل مُصَبَّغةٍ، والبعضُ أقصَرُ من بعضٍ
وله :
أُقَبِّلهُ على جَزَعِ
رأى ماءً فأطمعه
ومما نُسب إليه:
كشُرْب الطائر الفَزْعِ
وخاف عواقب الطمعِ
فإلى كم أنتَ تَظْلِمُهْ
قد جرى في دمعه دمُهُ
جَرَحَتْهُ منكَ أسهُمُهْ
خَطَرَاتُ الوَهْم تؤِلِمُهُ؟
رُدَّ عنه الطرفَ منك فقد
كيف يستطيع التَّجَلُّدَ من
وزدتُ:
وبقلبي من هَوَى رَشاءٍ
ـائهِ ما الله يَعْلَمُهْ
تـ
١٠٣

خمرة للقلب مرهَمُهْ
ما دوائي غير ريقته :
يقال: إنه مات بالفالج، وقيل: بعُسْر البَوْل، بحلب في عاشر صفر،
وحُمل إليه مَيَّفارِقين فدُفن عند أُمه. وكان قد جَمَعَ من نَفْض الغُبار الذي
يجتمعُ عليه أيام غزواته ما جاء منه لَبِنَةٌ بقَدْر الكَف، وأوصى أن يُوضع خَذُّه
عليها في لَحده ففُعِل ذلك به، وملك بعده حلبَ ابنُه سعد الدولة، وهلك سنة
إحدی وثمانين كما يأتي.
فذكر (١) علي بن محمد الشمشاطي في تاريخه، قال: ورد سيف الدولة
إلى حلب عليلاً فأمسك كلامه ثلاثة أيام، ثم جمع قرغويه الحاجب وظفر
الخادم والكبار فأخذ عليهم الأيمان لولده أبي المعالي بالأمر بعده، ومات على
أربع ساعاتٍ من يوم الجمعة لخمس بقين من صفر الموافق ثامن شباط، وتولى
أمرَه القاضي أبو الهيثم بن أبي حُصَين، وغَسَّله عبدالرحمن بن سهل المالكي
قاضي الكوفة، وغَسَّله بالسِّدر ثم الصَّنْدل، ثم بالذَّريرة ثم بالعنبر والكافور، ثم
بماء وردٍ، ثم بالماء، ونُشِّف بثوب دبيقي بنيِّق وخمسين دينارًا، أخذه الغاسل
وجميع ما عليه وتحته، وصَبره بصبر ومُر ومنوين كافور، وجعل على وجهه
ونَحْرِه مئة مِثْقال غالية، وكُفِّن في سبعة أثواب تساوي ألف دينار، وجُعل في
التابوت مُضَرَّبَة ومخذَّتان، وصلى عليه أبو عبدالله العلوي الكُوفي الأقساسي
فكَبَّر خمسًا. وعاش أربعًا وخمسين سنة شمسية.
وخرج أبو فراس بن حَمْدان في الليل إلى حمص، ولما بلغ معزَّ الدولة
خبرُ موته جزع عليه، وقال: أنا أعلم أن أيامي لا تطول بعده، وكذا كان.
وذكر ابن النَّجار أنَّ سيف الدولة حَضَرَهُ عيدُ النَّحْرِ، ففرق على أرباب
دولته ضحايا، وكانوا أُلُوفًا، فبعث إليهم ما يُضَخُون به، فأكثر من ناله منهم مئة
رأس وأقلهم شاة، قال: ولزمه في فداء الأسارى سنة خمسٍ وخمسين وثلاث
مئة ست مئة ألف دينار، وفي ذلك يقول البَيَّغَاء:
فَغَدوا عبيدكَ نعمةً وشراء
كانوا عَبِيد نَدَاكَ ثم شَريتهم
وكان سيف الدولة شيعيًّا متظاهرًا مِفْضالاً على الشِّيعة والعلويين.
(١) من هنا إلى آخر الترجمة أضافه المصنف بأخرة في حاشية النسخة.
١٠٤

١٩٣- علي بن محمد بن خُلَيْع، أبو الحسن البَغْداديُّ الخَيَّاط
المقرىء .
· أخذ القراءة عن يوسف بن يعقوب الواسطي، وزرعان بن أحمد. وتَصَدَّر
للإقراء ببغداد .
قرأ عليه الحَمَّامي، وعبدالباقي بن الحسن، وأحمد بن عبدالله بن الخَضِر
السُّوسَنْجِردي، ومحمد بن أحمد الحَرْبي، وآخرون، ويُعرف بابن بنت القَلانسي.
قال الدَّاني: سمعتُ فارس بن أحمد يقول: قال لي عبدالباقي: بَلَغْتُ
على أبي الحسن ابن بنت القلانسي إلى ((الكوثر))، فقال لي: اخْتِمْ، فختمتُ.
ثم إنه سقط ذلك اليوم من سُلَّم فتَكَسَّرَ ومات، وذلك في ذي القَعْدة، وهو في
عَشْر الثمانين، رحمه الله.
١٩٤- عُمر بن جعفر بن محمد بن سَلْم، أبو الفتح الخُتُّلُيُّ
البغداديُّ، أخو أحمد.
سمع الحارث بن أبي أسامة. ومحمد بن يونس الكُديميُّ، وإبراهيم
الحربي، وبشر بن موسى، ومعاذ بن المثنى. وعنه ابن رزْقوية، وأبو نَصْر بن
حسنون، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وطلحة الكناني، وعبدالعزيز الستوري.
قال الخطيب: كان ثقةً صالحًا، مولده سنة إحدى وسبعين ومئتين.
١٩٥ - كافور الخادم الأسود الحَبَشيُّ، الأستاذ أبو المِسْك الإخشيديُّ
السلطان .
اشتراه الإخشيذ من بعض رؤساء المصريين، وكان أسود بَصَّاصًا،
فيقال: إنه ابتيع بثمانية عشر دينارًا، ثم إنه تقدَّم عند الإخشيذ صاحب مصر
لعقله ورأيه وسَعْده إلى أن كان من كبار القُوَّاد، وجَهَّزه في جيش لحرب سيف
الدولة، ثم إنه لما مات أستاذه صار أتابك ولده أبي القاسم أنُوجُور وكان
صبيًا، فَغَلَبَ كافورُ على الأمور وبقي الاسمُ لأبي القاسم والدَّسْت لكافور حتى
قال وكيله: خدمت كافور وراتبه كل يوم ثلاث عشرة جراية، وتُوفي وقد بلغت
على يدي كل يوم ثلاثة عشر ألف جراية .
وأنُوجُور معناه بالعربي محمود، وَلِيَ مملكة مصر والشام إلا اليسير منها
بعقد الراضي بالله، والمُدَبِّر له كافور، ومات في سنة تسع وأربعين وثلاث مئة
١٠٥

عن ثلاثين سنة، وأُقيم مكانه أخوه أبو الحسن علي، فأخذت الروم في أيامه
حَلَب وطَرَسُوس والمِصِّيصة وذلك الصَّفْع. ومات علي في أول سنة خمس
وخمسين عن إحدى وثلاثين. فاستقل كافور بالأمر، فأشاروا عليه بإقامة الدعوة
الولدٍ لعلي المذكور، فاحتج بصِغَره، وركب في الدَّسْت بخِلَع أظهر أنها جاءته
من الخليفة وتَقْليد، وذلك في صفر سنة خمس وخمسين، وتمّ له الأمر .
وكان وزيرُه أبا الفَضْل جعفر بن الفرات، وكان راغبًا في الخَيْر وأهله. ولم
يبلُغْ أحدٌ من الخُدَّام ما بلغ كافور، وكان ذكيًا له نظرٌ في العربية والأدب والعِلم.
وممن كان في خدمته أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالله النَّجِيرمي النَّحوي صاحب
الزَّجَّاج، فدخل يومًا على كافور أبو الفضل بن عياش، فقال: أدام الله أيام سَيِّدنا-
بخفض أيام-فَتَبَسَّم كافور ونظر إلى النَّجِيرمي، فوثب النَّجيرمي وقال ارتجالاً:
ومثل سَيِّدنا حالتْ مهابَتُه بَيْنِ البَلِيغ وبين القَوْل بالحَصَرِ
فإنْ یکن خَفَضَ الأیام من دَهَشٍ
وشِدَّة الخَوْف لا من قِلَّة البَصَر
والفأل نأثرهُ عن سَيد البَشَر
فقد تَفَاءَلْتُ في هذا لسيدنا
وأن دولتَهُ صفوٌ بلا كدرِ
بأنَّ أيامَهُ خَفْضٌ بلا نَصَبٍ
فأمر له بثلاث مئة دينار .
وكان كافور يُدْني الشُّعراء ويُجِيزُهُم، وكان يُقرأ عنده كل ليلة السِّيَر
وأخبار الدولة الأموية والعباسية، ولَه نُدَماء. وكان عظيمَ الحِمْية يمتنع من
الأمْراق(١)، وعنده جَوَارٍ مُغَنِّيات، وله من الغِلْمان الرُّوم والسُّود ما يتجاوز
الوَصف. زاد مُلْكُه على مُلْك مولاه الإخشيذ، وكان كريمًا كثير الخِلَع
والهِبات، خبيرًا بالسياسة، فَطِنًا، ذكيًّا، جَيِّد العقل، داهيةً، كان يُهادي المُعِزَّ
صاحب المغرب ويُظْهِر مَيْلَه إليه، وكذا يُذْعن بطاعة بني العباس ويُداري
ويخدع هؤلاء وهؤلاء.
ولما فارق المُتنبي سيفَ الدولة مُغَاضِبًا له سار إلى كافور، وقال(٢):
قواصدَ كافورٍ تَوَارِكَ غيرِهِ ومَن قَصَدَ البحرَ استقَلَّ السَّوَاقيا
(١) في النجوم الزاهرة ٦/٤: ((وكان عظيم الحُرْمة له حجاب يمتنع عن الأمراء))، وهو
تحريف، والصواب ما أثبتناه من خط المصنف، والأمراق: جمع المرقة .
(٢) ديوانه ٤ / ٤٢٣.
١٠٦

فجاءت بنا إنسانَ عين زمانه وخَلَّت بياضًا خَلْفَهَا ومَآقِيا
فأقامَ عنده أربع سنين يأخذ جوائزه. وله فيه مدائح، وفارقه سنة خمسين،
/
وهجاه بقوله(١) :
من عَلَّم الأسودَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةً أقوامه البيضُ أمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ
وذاك أن الفُحُولَ البِيض عاجزةٌ عن الجميل فكيف الخِصْية السُّودُ
وهرب ولم يسلك الدَّرْبَ، ووُضِعَت عليه العيون والخَيْلِ فلم يُدْرِكوه،
وسارَ على البَرية ودخلَ بغداد، ثم مضى إلى شيراز فمدح عَضُدَ الدولة .
وكانت أيام كافور سديدةً جميلةً، وكان يُدْعَى له على المنابر بالحجاز ومصر
والشام والثُّغُور وطَرَسُوس والمِصِّيصة، واستقلَّ بمُلْك مصر سنتين وأربعة أشهر.
قرأتُ في ((تاريخ)) إبراهيم بن إسماعيل، إمام مسجد الزبير - كان حيًّا في
سنةٍ بِضْع وسبعين وخمس مئة - قال: كان كافور شديد السَّاعد لا يكاد أحدٌ
يمد قوسه، فإذا جاؤوه بِرَام دعا بقوسه، فإنْ أظهر العجز ضحك وقَدَّمه وأثبته،
وإنْ قوي على مده واستهان به عبس ونقصت منزلتُهُ عنده. ثم ذكر له حكايات
تدلُّ على أنَّه مُغْرَى بالرَّمْي، قال: وكان يداوم الجلوسَ للناس غدوة وعشية،
وقيل: كان يتهجد ثم يُمَرِّغ وجهه ساجدًا ويقول: اللهمَّ لا تسلّط علي مخلوقًا.
توفي في جمادى الأولى سنة ست، وقيل: سنة سبع وخمسين، وعاش
بِضْعًا وستين سنة .
ويقال: إنه وُجِد على ضريحه منقورًا :
ما بالُ قبرِكَ يا كافور مُنْفَرِدًا بالضَّحْضَحِ المَرْت(٢) بعد العَسْكر اللَّجبِ
يَدُوس قَبرَك أفناءُ الرجال وقد كانت أُسُودُ الثَّى تَخْشاك في الكُتُبِ
١٩٦- محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إسحاق، أبو بكر المُعَيْطيُّ،
من ولد عُقبة بن أبي مُعَيْط.
شاعرٌ مشهور عاش أربعًا وسبعين سنة.
١٩٧- محمد بن أحمد بن حَمْدان بن علي، أبو العباس الزَّاهد،
(١) ديوانه ١٤٨/٢.
(٢) المرت: الصحراء لا نبات فيها .
١٠٧

أخو أبي عمرو ومحمد، نزيلُ خُوَارِزْم.
سمع محمد بن أيوب بن الضُّرَيْس، ومحمد بن إبراهيم البوشَنْجي،
ومحمد بن عَمرو قَشْمرد، والحُسين بن أحمد القَبَّاني، والحسن بن السَّري
صاحب سَعْدُوية الواسطي.
وحدث سنة ثلاثٍ وخمسين بخُوَارِزْم وغيره، وكان من الثَّقات.
مات في صفر سنة ست.
١٩٨- محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الشَّيْرجيِّ، المَرْوزيُّ ثم
البغداديُّ.
سمع إبراهيم بن شريك، وجعفرًا الفِرْيابي، ومحمد بن جرير. وعنه أبو
الفتح بن أبي الفوارس، وابن رِزْقُوية.
وكان ثقةٌ(١).
١٩٩- محمد بن علي بن حُسين البَلْخيُّ.
سمع إسحاق بن ھَیّاج، وأهلَ تِزْمِذ.
٢٠٠- موسى بن مَرْدُوية بن فُورَك، أبو عِمْران الأصبهانيُّ، والد
الحافظ أحمد.
روى عن إبراهيم بن مثّوية. وعنه ابنه أبو بكر أحمد(٢).
٢٠١- يوسف بن عُمر بن محمد بن يوسف بن يعقوب، أبو نصر
القاضي ابن قاضي بغداد.
وَلِيَ القضاءَ في حياة أبيه ببغداد، واستقلَّ به بعد أبيه. وكان عفيفًا جميلاً
متوسطًا في الفقه، حاذقًا بالقضاء، بارعًا في الأدب، واسعَ العلم باللغة
والشعر، تامّ الهيبة، ولا نعلم أحدًا تَقَلد القضاء أعرف في القضاء منه ومن
أخيه الحُسين. وكان يعقوب جدُّهم قاضي المدينة. وولي يوسف ومحمد
قضاء بغداد .
ولد سنة خمس وثلاث مئة، وصُرِف عن القضاء بعد موت الرَّاضي بالله .
وذكر ابن حَزْم أن أبا نصر كان مالكيًّا ثم رجع عن ذلك المَذْهب إلى
(١) من تاريخ الخطيب ٣١٠/٢ - ٣١١.
(٢) انظر أخبار أصبهان ٣١٤/٢.
١٠٨

مذهب داود بن علي الظاهري، وله في ذلك تواليف كثيرة واحتجاجات. وكان
فصيحًا بليغًا شاعرًا، وَلِيَ القضاء وله عشرون سنة فكتبَ العَهْدَ بالقضاء على
الديار المصرية بيده إلى قاضي مصر والشام من قِبَله الحسين بن أبي زُرْعَة
الدِّمشقي، فَوَلِيَ القضاءَ أربع سنين، ثم صرفه الراضي بالله سنة تسع وعَوَّض
بأخيه الحُسين، وأقره على قضاء الجانب الشرقي، ثم مات الراضي في العام.
ثم عُزل عن القضاء من الجانب الشرقي. ومن شعره:
إنْ لم تكُفي فَخِفِّي
يا محنة الله كُفي ..
من طُولٍ هذا الَّشَفي
ما آن أنْ ترحمينا ..
وَجَدْتُهُ قد تُوفي
ذهبتُ أطلبُ بَخْتي
ومن قوله في رسالته التي يذكر فيها رجوعه عن مذهب مالك إلى مذهب
داود: «لسنا نجعل مَنْ تصديرُهُ في كُتُبه ومسائله، بِقَوْل سعيد بن المُسَيِّب
والزُّهْري وربيعة، كمن تصديره في كتبه ومسائله بقول الله ورسوله وإجماع
الأمة، هَيْهَات هَيْهَات))(١).
(١) انظر تاريخ الخطيب ١٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤.
١٠٩

سنة سبع وخمسين وثلاث مئة
٢٠٢- أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عُتْبة، أبو العبّاس الرَّازيُّ ثم
المصريُّ.
سمع مِقْدام بن داود، وأبا الزنْباع رَوْح بن الفَرَج، ويحيى بن عثمان بن
صالح، ويحيى بن أيوب، وطبقتهم. وعنه عبدالغني المِصْري، وعبدالرحمن
ابن عُمر البزاز ابن النَّخَاس(١)، وشعيب بن عبدالله بن المنهال، ومحمد بن
الفضل بن نَظِيف الفَرَّاء، وآخرون.
وُلد سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وأول سماعه سنة ثمانين، وتُوفي في
جمادى الآخرة بمصر، وكان صدوقًا .
٢٠٣- أحمد بن سَعْد بن نَصْر بن بكَّار، أبو بكر البُخاريُّ الفقيه
الزاهد.
قَدِمَ بغداد، وحدث عن صالح جَزَرة، وحامد بن سَهْل.
وعنه ابن رِزْقوية، والحاكم، وغيرهما(٢).
٢٠٤- أحمد بن القاسم بن كثير بن صدقة بن الرَّيَّان، أبو الحسن
المِصْريُّ اللُّكيُّ.
حدَّث بالبصرة في هذه السنة عن أحمد بن محمد البِرْتي، وإسحاق بن
إبراهيم الدَّبَري، والحارث بن أبي أسامة، وعبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي
مريم، ومحمد بن غالب تَمْتام، ومحمد بن يونس الكُدَيْمي. وعنه علي بن
عبدكوية، وأبو بكر بن أبي علي الذَّكْواني، وأبو نُعَيم، وغيرُهم.
قال ابن ماكولا(٣): فيه ضَعْف.
قلت: له جزء سمعناه، وفيه ما يُنكر، وقد ذكره الدارقُطْني، وقال(٤):
ضعيفٌ.
(١) مشيخته، الورقة ٤٢ .
(٢) انظر تاريخ الخطيب ٢٩٩/٥ - ٣٠٠، وفيه أنه توفي في ذي الحجة سنة ٣٦٠، فكأنه نقل
الترجمة من تاريخ نيسابور للحاكم.
(٣) الإكمال ٤/ ١١٢ .
(٤) المؤتلف ٢/ ١٠٧٣.
١١٠

٢٠٥- أحمد بن مَحْبوب، أبو الحسن البَغْداديُّ الرَّمْليُّ الفقيه
المعروف بغلام أبي الأديان.
سمع أبا مُسلم الكَجِّي، وأبا عَقِيل أنس بن السَّلْم. وعنه أبو عبد الله
الحاكم، وابن الحاج الإشبيلي، وجاور بمكة.
قال الخطيب(١): ثقةٌ.
٢٠٦- أحمد بن محمد بن رُمَيْح بن عِصْمة، أبو سعيد النَّخَعيُّ
الفَسَويُّ ثم المَرْوَزيُّ الحافظ .
طَوَّف وسمع الكثير، وصَنَّف، وحدث عن أبي خليفة، وعُمر بن أبي
غَيْلان، وعبدالله بن زَيْدان البَجَلي، وأبي العبَّاس السَّرَّاج، ومحمد بن إسحاق
ابن خُزَيمة، وعبدالله بن شيرُوية، وعبدالله بن محمود المَرْوَزي، وعُمر بن
محمد بن بُجَيْر، ومحمد بن الفضل السَّمَرقندي، وإبراهيم بن يوسف
الهِسِنْجاني، ومَكْحول البَيْروتي، وابن قتيبة، وعلي بن أحمد عَلَّن، وطبقتهم.
وصنف وجمع وأكثر الترحال.
قال الحاكم: قَدِمَ نَيْسابور سنة خمسين فَعَقَدْتُ له المجلس وقرأت عليه
(صحيح)) البخاري، وقد أقام بصَعْدَة باليمن مدَّةً، ثم خرجَ من عندنا إلى
بغداد، وقبله الناس وأكْثَرُوا عنه، وما المَثَلُ فيه إلا كما قال عباس العَنْبري:
سألت يحيى بن مَعِين عن عبدالرزاق، فقال: يا عباس، والله لو تهود عبدالرزاق
لما تركنا حديثه. سألتُ أبا سعيد المُقام بنَيْسابور، فقال: على مَن أقيم، فوالله
لو قدرت لم أفارق سُدَّتَك، ثم قال: ما النَّاس بخُراسان اليوم إلا كما أنشدني
بعضهم :
كفَى حُزْنًا أنَّ المُرُوءَةَ عُطِّلَتْ وأنَّ ذَوي الألباب في النَّاسِ ضُيَّعُ
وأن مُلوكًا ليس يَحظَى لديهم من النَّاس إلا من يُغَنِّي ويُصْفَعُ
روى عنه الحاكم، والدَّارِقُطْني قبله، وأبو الحسن بن رِزْقُوية، وأبو علي
ابن دوما، وأبو عبدالرحمن السُّلمي، وأبو القاسم عبدالرحمن السَّرَّاج.
واستدعاه أمير صَعْدة من بغداد، فأدركَتْه المنيَّةُ بالبادية، فتُوفي بالجُحْفَة .
وَثَّقه الحاكم، وأبو الفتح بن أبي الفوارس.
(١) تاريخه ٣٩٥/٦. والترجمة من تاريخ دمشق ٥ /٤٨٨ - ٤٩٠.
١

وقال أبو زُرْعة محمد بن يوسف الكَشي، وأبو نُعَيم أحمد بن عبد الله :
كان ضعيفًا .
وقال الخطيب(١): والأمر عندنا بخلاف ذلك، فإنَّ ابن رُمَيْح كان ثقةً ثبتًا
لم يختلف شيوخُنا الذين لقوه في ذلك(٢).
٢٠٧- أحمد بن أبي عِمْران موسى بن عيسى الجُرْجانيُّ، أبو الحسن
الفَرَضيُّ.
عن عِمْران بن موسى بن مُجاشع، وطبقته .
كذابٌ وضاعٌ؛ قاله الحاكم(٣).
٢٠٨- إبراهيم ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد أحمد ابن
الموفَّق، المُتَّقي لله أميرُ المؤمنين أبو إسحاق.
توفي في السجن في شعبان، وقد ذكرناه في سنة ثلاثٍ وثلاثين (٤)، عامَ
خلعوه وسَمَلُوا عينيه، وبقي إلى هذا العام كالميت .
٢٠٩- إبراهيم بن عبدالله، أبو إسحاق الزُّبيديُّ الإفريقيُّ المعروف
بالقلانسيِّ.
كان فاضلاً صالحًا عابدًا عارفًا بمذهب مالك، صَنَّف تصنيفًا في الإمامة
والرد على الرَّافضة، فامتُحن على يد أبي القاسم الرَّافضي العُبَيْدي الملقَّب
بالقائم، ضربه سبع مئة سوط وحبسه أربعة عشر شهرًا بسبب هذا التصنيف.
تُوفي سنة سبع وخمسين(٥) .
٢١٠ - إبراهيم بن محمد بن الحُسين بن الحسن القَطّان النَّيَّسابوريُّ،
أبو إسحاق العابد.
سمع محمد بن إبراهيم البوشَنْجي، وجماعة. وعنه الحاكم، وغيره.
(١) تاريخه ١٣٨/٦.
(٢) وانظر تاريخ دمشق ٣٤٣/٥ - ٣٤٧.
(٣) من تاريخ نيسابور للحاكم، وينظر تاريخ جرجان ٧٨، وذكر المصنف في الميزان ١٥٩/١
أنه توفي بعد الستين والثلاث مئة. أما السَّهمي فذكر أنه توفي سنة ٣٦٨ هـ. ولذلك
سيعيده المصنف في وفيات سنة ٣٦٨ نقلاً من تاريخ جرجان، فتكرر عليه ولم يشعر.
(٤) ٣٤ / الترجمة.
(٥) من ترتيب المدارك ٥٢٤/٤ .
١١٢

٢١١- بكار بن بكْر بن أحمد، أبو قُتَيبة السَّدُوسيُّ العِرَاقِيُّ.
حدث بمصر، وبها وُلد سنة اثنتين وثمانين ومئتين .
٢١٢- الحارث بن سعيد بن حَمْدان، الأمير أبو فِرَاس التَّغْلبيُّ
الشاعر المشهور.
كان شُجاعًا، كامل الأدب، بارعَ الشعر حتى كان الصاحب بن عَبَّاد
يقول: بُدىء الشِعْر بملك وخُتم بملك، يعني بهما: امرأ القيس، وأبا فراس.
وقد أسرته الرُّوم في وقعةٍ وهو جريحٌ في سنة ثمانٍ وأربعين، وأخذته إلى
القُسطنطينية، وفداه ابنُ عَمِّه سيف الدولة منهم بعد سبع سنين، وكانت مَنْبِج
إقطاعًا له. وعاش سبعًا وثلاثين سنة، وله ((دیوان)) مشهور.
قُتل في هذه السنة ببرِّيَّة تَدْمُر، وكان خرج على ابن أخته صاحب حَلَب.
قال أبو علي التَّنُوخي: كان أبو فِراس قد برع في كل فضيلة، وحُسْن
خُلق وخَلْق، وفروسية تامة، وشجاعةٍ كاملة، وكرم مُسْتَفيض، وترسُّل، وشِعْر
في غاية الجَوْدة.
وديوانه كبير، تَمَلَّك حمص(١).
٢١٣- الحسن بن محمد بن حَليم (٢)، أبو محمد المَرْوزيُّ.
عن أبي المُوَجَّه محمد بن عَمرو، وعبدالله بن أحمد بن حنبل، وجماعة.
تُوفي في المحرم.
٢١٤- الحسين بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت، أبو
عبدالله البغداديُّ.
أملى بدمشق بعد موت عمه إبراهيم، عن زكريا بن يحيى خياط السُّنَّة،
وغيره، وعن أحمد بن علي المَرْوزي، وأنس بن السَّلْم.
وكان ثقة؛ روى عنه تَمَّام، وجماعة(٣).
٢١٥- الحُسين بن أحمد بن عَتَّاب السَّقَطيُّ .
سمع ابن قتيبة العَسْقلاني. وعنه الدار قُطْني، وأبو القاسم الثََّّج.
(١) انظر وفيات الأعيان ٥٨/٢ - ٦٤، وتاريخ دمشق ١١/ ٤٢١ - ٤٢٦.
(٢) باللام، صحح عليه المصنف.
(٣) من تاريخ دمشق ١٤/ ٢٣ - ٢٤.
تاريخ الإسلام ٨٣/٨
١١٣

وثَّقه الخطيب(١).
٢١٦- حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم الكِنَانيُّ
المصريُّ الحافظ .
سمع أبا عبدالرحمن النَّسائي، والحسن بن أحمد بن الصَّيْقَل، وعِمْران
ابن موسى الطبيب، ومحمد بن سعيد السَّرَّاج، وسعيد بن عثمان الحَرَّاني،
وعبدان بن أحمد الأهوازي، وأبا يَعْلَى المَوْصلي، ومحمد بن داود بن عثمان
الصَّدَفي، وجماعة كثيرة. ورحل وطَوَّف، وجمع وصَنََّ .
وعنه ابن مَنْدَة، والدَّارَقُطْني، والحافظ عبدالغني، ومحمد بن عمر بن
الخطاب، والحُسين بن الحسن اللَّوَّاز، والفقيه أبو الحسن علي بن محمد
القابسي، وأحمد بن محمد بن الحاج الإشبيلي، وطائفة آخرهم علي بن عُمر
ابن حِمِّصَة الحَرَّاني.
وقال أبو القاسم يحيى بن علي ابن الطَّخَان: توفي في ذي الحجة،
وسمعت منه .
قلت: وكان حافظ ديار مصر بعد أبي سعيد بن يونس، وكان ثقةً ثَبْتًا
صالحًا ديِّنًا .
وقال أبو عبدالله الحاكم: حمزة المِصْري كان على تقدمه في معرفة
الحديث أحد من يُذكَر بالزُّهد والوَرَع والعبادة، سمع ابا خليفة، والنَّسائي
وأقرانهما .
وقال الحافظ عبدالغني: كل شيء لحمزة في سنةِ خَمْسٍ: وُلد سنة
خمسٍ وسبعين ومئتين، وأول ما سمع سنة خمس وتسعين، ورحل سنة خمس
وثلاث مئة.
قال الصُّوري: كان حمزة رحمه الله ثَبْتًا حافظًا .
قال ابن عساكر(٢): أخبرنا هبة الله ابن الأكْفاني، قال: أخبرنا سهل بن
بِشْر، قال: سمعت علي بن عُمر الحراني، قال: سمعت حمزة بن محمد
الحافظ، وجاءه غريب، فقال: إن عَسْكر المعز المغاربة قد وصلوا إلى
(١) تاريخه ٥١٥/٨ ومنه نقل الترجمة.
(٢) تاريخ دمشق ٢٤٢/١٥.
١١٤

الإسكندرية، فقال: اللَّهُم لا تُحْيني حتى تُرِيَنِي الرَّايات الصُّفْر، فمات حمزة،
ودخل عسكرهم بعد موته بثلاثة أيام.
قال ابن زولاق: حدثني حمزة الحافظ، قال: رحلتُ سنة خمسٍ وثلاث
مئة، فدخلت حَلَب، وقاضيها أبو عبدالله محمد بن عَبْدَة، فكتبتُ عنه، فكان
يقول: لو عرفتُكَ بمصر لَمَلأْتُ ركائبك ذَهَبًا .
قلت: يعني لَمَّا كان على قضاء مصر، فقيل: إنه أعطى حمزة الحافظ
مئتي دينار تَرَخَّلَ بها إلى العراق.
وقال ابن مندة: سمعتُ حمزة بن محمد الحافظ يقول: كنت أكتب
الحديث فلا أكتب: ((وسلم)) (١)، فرأيتُ النبي ◌َّ في المنام، فقال لي: أما
تختم الصَّلاة علي في كتابك؟
٢١٧- دَرَّاس بن إسماعيل، أبو ميمونة الفاسيُّ.
سمع ببلده وبإفريقية من ابن اللَّبَّاد، ورحل فسمع من ابن مطر كتاب ابن
المَوَّاز.
قلت: ابنُ مَطَر هو علي بن عبدالله بن مَطَر الإسكندراني.
وكان أبو ميمونة فقيهًا عارفًا بنصوص مالك؛ أخذ عنه أبو محمد بن أبي
زيد، وأبو الحسن القابسي، وأبو الفَرَج بن عَبْدُوس، وخَلَف بن أبي جعفر،
وأبو عبدالله بن الشيخ السَّبتي.
وكان رجلاً صالحًا، دخل الأندلس مُجاهدًا وتردد إلى الثغور رحمه الله،
وتوفي في ذي الحجة بفاس، قاله عِيَاض(٢) .
٢١٨- عبدالله بن الحُسين بن الحسن بن أحمد بن النَّضْر بن حكيم،
القاضي أبو العباس المَرْوزيُّ النَّضْرِيُّ، نسبة إلى جدِّه النَّضْر.
وَلِيَ قضاء مَرو مدةً، وكان أسند المحدثين بها، فإنه سمع ببغداد في
صباه الحارث بن أبي أسامة، وأبا إسماعيل التّرمذي، وغيرهما.
ومولده في حدود الستين ومئتين، وكان أبوه قد سمع من أبي داود
صاحب ((السُّنن))، ومن عباس الدُّوري، وحدث.
(١) يعني: بعد قوله: صلى الله عليه.
(٢) ترتيب المدارك ٣٩٥/٤ - ٣٩٧.
١١٥

روى عن عبدالله أبو عبدالله الحاكم، وأبو غانم الكُرَاعي المَرْوَزي،
وعاش سبعًا وتسعين سنة، ومات في شعبان.
٢١٩- عبدالحميد ابن الإمام أبي سعيد عبدالرحمن بن الحُسين،
القاضي أبو الحُسين النَّسابوريُّ.
أحد رجال الدَّهر علمًا ورياسة وسؤددًا.
قال الحاكم: كان من أفراد زمانه في العلم والحلم والعقل والثروة،
أطالَ المقام بالرّي وأصبهان وبغداد، وعرض عليه المطيع قضاء بغداد فامتنع
وراسله غیر مرة فلم يُجب.
مدحته الشعراء، وفيه يقول بعضهم :
كان عبدالحميد يُدْعَى أديبًا فامَّحى ذكْرُهُ بعبد الحميدِ
ولَشَشَّانَ ما بين ذاك وهذا إنْ تأمَّلْتَ في النَّدَى والجُودِ
٢٢٠- عبدالرحمن بن العباس بن عبدالرحمن بن زكريا البَغْداديُّ
المعروف بأبي القاسم ابن الفامي، والد المُخَلِّص.
سمع الكُدَيْمي، وإبراهيم الحَرْبي، وابن سُنَيْن الخُتُّلي، وأبا شُعَيب
الحَرَّاني. وعنه ابن رِزْقُوية، وأبو الحسن الحَمَّامي، وعبد الله بن حَمَدية، وأبو
نُعَيم، وهو آخر من روى عنه. وكان أصمَّ أُطروشًا.
وثقه ابن أبي الفوارس، ووَرَّخَ موته في رمضان(١) .
٢٢١- عبدالعزيز بن محمد بن زياد بن أبي رافع العَبْدِيُّ البَغْدادِيُّ.
نزل مصر، وحدث بها عن إسماعيل القاضي، وإبراهيم الحربي، وتوفي
في هذه السنة عن تسعين سنة .
وثَّقه محمد بن علي الصُّوري، وأثنى عليه الحافظ عبدالغني بن
سعيد(٢).
٢٢٢- علي بن بُنْدار بن الحُسين، أبو الحسن الصُّوفي العابد،
ويُعرف بالصَّيرفي .
صحب مشايخ خُراسان: أبا عثمان الحِيري، ومحمد بن الفضل
(١) من تاريخ الخطيب ٥٩٦/١١ - ٥٩٧ .
(٢) من تاريخ الخطيب ٢٢٧/١٢ - ٢٢٨.
١١٦

السَّمَرْقَنْدي. وصحِب ببغداد الجُنَيْد، ورُوَيْم بن أحمد، وسمع محمد بن
إبراهيم البوشَنْجي، وأبا خليفة الجُمَحي. روى عنه الحاكم، وقال: كان من
الثقات في الرواية، أملى مدة، ومات غريقًا شهيدًا، وقيل: مات سنة تسع(١).
٢٢٣- علي بن الفَضْل بن محمد بن عَقِيل بن خُوَيْلد، أبو الحسن
الخُزَاعِيُّ النَّيسابوريُّ.
سمع ببغداد أبا شُعيب الحَرَّاني، ومُطَيَّنًا، وجماعة. وعنه الحاكم أبو
عبدالله .
٢٢٤ - عُمر بن أكثم بن أحمد بن حَيَّان بن بِشْر، أو بشر الأسديُّ
القاضي.
من بيت قضاء ورياسةٍ ببغداد. وَلِيَ القضاء في أيام المطيع الله نيابةً، ثم
وَلِيَ قضاءَ القُضاة. وكان فقيهًا شافعي المذهب.
قال الخطيب (٢): لم يل القضاء ببغداد من الشافعية أحد قبله غير أبي
السَّائب القاضي .
توفي أبو بِشْر في عَشْر الثمانين، ووَلِيَ قضاء العراق بعده أبو محمد
عبيدالله بن معروف.
٢٢٥- عمر بن جعفر بن عبدالله بن أبي السَّرِي البَصْريُّ الحافظ
الوراق، أبو حفص.
كتب النَّاسُ بإفادته الكثير، وانتخبَ على جماعة شيوخ ببغداد، وحدث
عن الحسن بن المُثنى، وأبي خليفة، وعَبْدان الأهوازي، ومحمد بن جرير
الطَّبري. وعنه ابن رِزْقوية، وعلي بن أحمد الرَّزَّاز، وغيرهما.
قال أبو عبدالله الحاكم: سمعتُ عمر بن جعفر البَصْريَّ يقول: بِتُّ عند
ابن عُقْدة فأخذ يذاكرني بشيءٍ لا أهتدي إليه، فقلت: يا أبا العباس أيش عند
أيُّوب عن الحسن؟ فذكر حديثين، فقلت: يُحفظ عن أيوب، عن الحسن، عن
أبي بَرْزة أن رجلاً أغلظ لأبي بكر، فقال عُمر: يا خليفة رسول الله دعني أضرب
عنقه، فقال: مَهْ ما كانت لأحدٍ بعد رسول الله وَّهِ. فبقي، وكَبَّرت وسكتَ،
(١) سيعيده المصنف في وفيات السنة المذكورة (الترجمة ٣٠١).
(٢) تاريخه ١٠٨/١٣ .
١١٧

فقال: اذكر لي سماعك، فقلت: حدثنا عبدان، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن
حِسَاب، قال: حدثنا سفيان بن موسى، عن أيوب. وكان الدارقُطْني يتتبع خطأ
عمر البَصْري فيما انتقاه على أبي بكر الشافعي خاصة، وعَمِلَ فيه رسالة.
وقد كان أبو محمد الحَسن ابن السَّبيعي يقول: هو كَذاب.
وقال ابن أبي الفوارس: مولده سنة ثمانين ومئتين. قال: وحدث بشيء
یسیر، وكانت کتبه ردية(١).
٢٢٦- الفضل بن محمد بن العباس، أبو العباس الهَرَويُّ الواعظ
الصالح.
سمع عثمان بن سعيد الدَّارمي، وعاش زمانًا ولم يُحَدِّث لاختلال عَقْله.
٢٢٧ - فنك الخادم، مولى الأستاذ كافور ملك مِصْر.
خرج من مصر بعد موت مولاه في هذه السنة إلى الرَّملة، فبعثه الحسن
ابن عبدالله بن طُغْج أمير الرَّملة أميرًا على دمشق فدخلها وأقام بها، فلما اتصل
به أنَّ الروم - لعنهم الله - أخذوا حِمْص يوم عيد الأضحى نادى في البلد النَّفير
إلى ثَنِية العُقاب، فخرجَ الجيشُ والمُطَوِّعة وغيرُهم وانتشروا إلى دُومة
وحَرَسْتا، وانتهز هو الفرصة، في خُلُوِّ البلد فرحل بثِقْله نحو عَقَبة دُمَّر، وسار
بعسكره وخَوَاصه، وطلب نحو الساحل، فطمعَ الناس فيه ونهبوا بعض أثقاله
وقتلوا من تأخر من رجاله، وذلك في آخر السنة .
٢٢٨- كافور، الأستاذ أبو المِسْك الإخشيديُّ، أميرُ مِصْرَ والشام.
قيل: توفي فيها، وقيل في الماضية كما ذكرناه (٢)، فالله أعلم. ثم رأيت
في تاريخ علي بن محمد الشمشاطي وفاته في سنة سبع في ثاني عشر جُمادى
الأولى.
٢٢٩ - محمد بن أحمد بن حاجب، أبو نصر الكُشَانيُ.
روى عن عُمر بن محمد بن بجير، والفِرَبري، ومحمد بن إبراهيم الرَّازي.
وهو والد إسماعيل الكُشَاني المَشْهور.
٢٣٠- محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبدالمؤمن، أبو إسحاق
(١) وانظر تاريخ الخطيب ١٣/ ١٠١ - ١٠٨.
(٢) الترجمة (١٩٣).
١١٨

الإسكافي الكاتب المعروف بالقَرَاريطيِّ الوزير.
كان كاتبَ محمدٍ بن رائق الأمير، ثم وَزَرَ للمُتَّقي لله سنة تسع وعشرين
وثلاث مئة بعد أبي عبدالله البَرِيدي، ثم عُزل بعد تسعةٍ وثلاثين يومًا، وأُخذ منه
مئتان وأربعون ألف دينار. ثم وزَرَ سنة ثلاثين، ثم قُبض عليه بعد ثمانية أشهر،
ثم صار إلى الشام، وكتبَ لسيف الدولة ابن حمدان. ثم قدم بغداد في وزارة
المُهَلَّبِي فأكرمه ووصَلَه .
وقد روى عن علي بن سُليمان الأخفش، وغيره. روى عنه محمد بن
أحمد المُفيد، وأبو الحسن علي بن الحسن الجَرَّاحي، وغيرهما آثارًا .
وكان ظالمًا عَسُوفًا، توفي في المحرم، وله ستٍّ وسبعون سنة.
٢٣١- محمد بن أحمد بن علي بن مَخْلَد، أبو عبدالله البَغْدادِيُّ
الجَوْهريُّ المحتسِب المعروف بابن مُحْرِم الفقيه، أحد تلامذة محمد بن
جرير.
سمع محمد بن يوسف ابن الطَّبَّاع، وإبراهيم بن الهيثم البَلَدي،
والحارث بن أبي أُسامة، والكُدَيْمي، وأبا إسماعيل التِّرْمِذي، وكان من أسْنَد
من بَقِيَ .
روى عنه أبو الحسن بن رزقوية، وعلي بن داود الرَّزَّاز، وأبو علي بن
شاذان، وأبو نُعَيم الحافظ، وغيرُهم.
وقال عبيدالله بن عُمر بن البَقَّال: تزوج شيخنا ابن المُحْرِم، قال:
فجلست على العادة أكتب فجاءت أُم الزوجة في بعض الأيام فرمت بالمحبرة
كسرتها، وقالت: بئس هذه شر على بنتي من ثلاث مئة ضَرَّة.
قال ابن أبي الفوارس: لم يكن عندهم بذاك.
وقال البرقاني : لا بأسَ به.
توفي في ربيع الآخر من السنة، وله ثلاثٌ وتسعون سنة.
قلت: وحديثه بعُلُوِّ عند أبي جعفر الصَّيْدلاني(١).
٢٣٢- محمد بن أحمد بن شُعيب بن هارون، أبو أحمد الشُّعَيْبِيُّ
النَّيَّسابوريُّ العَدْل الفقیه.
(١) من تاريخ الخطيب ١٦٥/٢.
١١٩

سمع البوشَنْجي، وإبراهيم بن علي الذُّهْلي، ومحمد بن عبدالرحمن
السَّامي الهَرَوي، وطبقتهم. وجمع كتاب ((الزُّهد)) في أربعين جزءًا، و((فضل
أبي حنيفة)) في مُجَلَّدٍ، وكان على مذهبه.
مات في ربيع الآخر، وله اثنتان وثمانون سنة.
٢٣٣- محمد بن الحُسين بن علي، أبو سُلَيْمان الحَرَّانيُّ، نزيلُ
بغداد .
روى عن أبي خليفة، وعَبْدان الأهوازي، وابن قتيبة العَسْقلاني، وأبي
يَعْلَى المَوْصلي، وجماعة. انتخب عليه الدَّارِقُطْني، وروى عنه أبو الحسن
الحَمَّامي، ومكي بن علي الحَرِيري، وأبو علي بن شاذان، وجماعة.
قال ابن أبي الفوارس: كان ثقةً، حَسن المذهب. تُوفي في رمضان.
قلت: وَقَعَ لنا الجزءُ الثالث من حديثه(١).
٢٣٤- محمد بن علي بن محمد بن سهل، أبو بكر البَغْداديُّ،
ويُعرف بابن الإمام.
حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، والحسن المَعْمَري، وأحمد بن
علي الأبار، وجماعة. روى عنه ابنُ رِزْقوية، وأبو نُعَيم الأصبهاني.
وتوفي في شعبان.
قال الخطيب(٢): كان فيه تساهل.
٢٣۵- محمد بن محمد بن عبدالحمید بن خالد بن إسحاق بن آدم،
أبو علي الفَزَاريُّ الدِّمشقيُّ القاضي العَدْل، مولى يزيد بن عُمر بن هُبَيرة
الفَزاريّ.
سمع أحمد بن علىِ المَرْوَزي القاضي، وأحمد بن أنس بن مالك، وعلي
ابن غالب السَّکسکی، ومحمد بن یحیی بن حامل کَفَنه، ومحمد بن یزید بن
عبدالصمد، وإسماعيل بن قيراط، وإبراهيم بن دُحَيْم، وطبقتهم بدمشق .
وعنه عبدالوهاب الكِلاَبي، وتَمَّام، وعلي بن بِشْر ابن العَطَّار،
(١) من تاريخ الخطيب ٣٤/٣ - ٣٥.
(٢) تاريخه ١٤٥/٤ ومنه نقل الترجمة.
١٢٠