النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفيارت المشاهير والأعلام لِؤَرَجُ الإِسْلامِ شَيْ الذين أَبِ عَبِّدِالله مَبْ أَخْتَدُ بْعُثَازُ الذَّهَيْ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المَجَلِّ الثَامِن ٣٥١-٤٠٠هـ حَقّقِه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَيْهِ الدكتوربشار عواد معروف دَار الغَرَب الإسْلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر . تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام يُؤَّخِ الإِسْلامِتَعِْالدّينِ عَبْدِاللهِعَنْتَبْعُشَار الذََّ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المَجَلْدِ الثَّامِن ٣٥١-٤٠٠هـ الطبقة السادسة والثلاثون ٣٥١ - ٣٦٠ هــ ٧ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ (الحوادث) سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة فيها نُقِلَت سنة خمسين وثلاث مئة من حيث المُغِلات إلى سنة إحدى وخمسين الخراجية، وكُتَبَ الصابي كتابًا عن المطيع في المعنى، فمنه: أنَّ السنة الشَّمْسية ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا وربع بالتَّقريب، وأنَّ الهلالية ثلاث مئة وأربعة وخمسون يومًا وكَسْرًا، وما زالت الأمم السالفة تَكْبس زيادات السنين على اختلاف مذاهبها، وفي كتاب الله شهادة بذلك، قال الله تعالى: ﴿ وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعًافَ﴾ [الكهف]، فكانت هذه الزيادة بإزاء ذلك. وأما الفُرْس فإنهم أجروا معاملاتهم على السَّنة المُعْتَدلة التي شهورها اثنا عَشَر شهرًا، وأيامها ثلاث مئة وستون يومًا، ولَقَّبوا الشهور اثني عَشَر لقبًا، وسمّوا الأيام بأسامي، وأفردوا الأيام الخمسة الزائدة وسموها المُشْرقة، وكبسوا الرُّبع في كل مئة وعشرين سنة شهرًا؛ فلما انقرض مُلكهم بطَل ذلك، وذكر كلامًا طويلاً حاصله تعجيل الخَرَاج وحساب أيام الكبيس. قال ثابت بن سنان: ودخلت الروم عين زَربة مع الدُّمُسْتُق في مئة وستين ألفًا، وهي في سَفْح جبل مُطِل عليها، فصَعِدَ بعض جيشه الجبل، ونزل هو على بابها، وأخذوا في نَقْب السُّور، فطلبوا الأمان، فأمَّنَهُمِ، وفتحوا له، فدخلها وندم حيث أمَّنَهُم، ونادى بأن يخرج جميع من في البَلَد إلى الجامع. فلما أصبحَ بث رجاله، وكانوا ستين ألفًا، فكلُّ من وجدوه في منزله قَتَلُوه، فقتلوا عالَمًا لا يُحْصَى، وأخذوا جميعَ ما كان فيها. وكان من جملة ما أخذوا أربعون ألفَ رُمْح. وقطع - لعنه الله - من حوالي البَلَد أربعين ألف نَخْلَة، وهدم البيوت وأحرقها. ونادى: من كان في الجامع فلْيذْهب حيثُ شاءً، ومن ٧ أمسى فيه قُتل، فازدحمَ النَّاسُ في أبوابه، وماتٍ جماعة ومَرُوا على وجوههم حُفاةً عُراةً لا يدرون أينَ يذهبون، فماتوا في الطُّرُقاتِ جُوعًا وعَطَشًا، وأخرب السُّور والجامعَ، وهَدَم حولها أربعة وخمسين حِصْنًا، أخذ منها بالأمان جُملةً ومنها بالسَّيف. انتهى قول ثابت . ولما عادَ إلى بلاده أعاد سيف الدولة عينَ زَربة إلى بعض ما كانت، وظن أن الدُمُسْتُق لا يعود إلى البلاد في العام فلم يستعد، فبينا هو غافلٌ وإذا بالدُّمُسْتُق قد دَهَمَه ونازلَ حَلَب ومعه ابنُ أخت المَلِك، فخرج إليه وحاربه، والدُّمُسْتُق في مئتي ألفٍ بالرَّجَّالة وأهل الحصار، فلم يقْوَ به سيف الدولة وانهزم في نَفَرٍ يسير. وكانت دارُه بظاهر حلب، فنزلها الدُّمُسْتُق وأخذ منها ثلاث مئة وتسعين بَدْرَة دراهم، وألفًا وأربع مئة بَغْل، ومن السِّلاح ما لا يُحصى، فنهبها ثم أحرقها، وملك رَبَضٍ حَلَب . وقاتله أهلُ حلب من وراء الشُّور، فقتلوا جماعة من الرُّوم، فسقطت ثُلْمة من الشُّور على جماعةٍ من أهل حلب فقتلتهم، فأكبَّت الرُّوم على تلك الثُّلمة، فدافعَ المُسلمون عنها، فلما كان الليل بنوها، ولما أصبحوا صَعِدوا عليها وكَبَّروا، فعدلَ الرُّوم عنها إلى جبل جَوْشَن فنزلوا به، ومَضَى رَجالة الشُّرَط بحلب إلى بيوت الناس فنهبوها، فقيل لمن على السُّور: الحقوا منازلكم، فنزلوا وأخْلَوا السُّور، فتسورته الروم ونزلوا ففتحوا الأبواب ودخلوها، فوضعوا السَّيف في الناس حتى كَلُّوا وملُّوا، وسَبَوا أهلَها وأخذوا ما لا يُحْصَى، وأخربوا الجامع، وأحرقوا ما عجزوا عن حَمْله، ولم يَنْجُ إلا من صَعِدَ القلعة. ثم ألَخَّ ابنُ أخت المَلِك في أخذ القلعة، حتى أنه أخذ سيفًا وتُرْسًا وأتى إلى القلعة، ومَسْلَكُها ضَيِّق لا يحمل أكثر من واحد، فصَعِدَ وصعدوا خلفه. وكان في القلعة جماعة من الدَّيْلَم، فتركوه حتى قَرُب من الباب وأرسلوا عليه حجرًا أهلكه، فانصرفَ به خواصُّه إلى الدُّمُسْتُق، وكان قد أسر من أعيان حلب ألفًا ومئتين فضرب أعناقهم بأسرهم، ورَدَّ إلى أرض الروم ولم يؤذِ أهل القُرى، وقال لهم: ازرعوا فهذا بلدنا، وبعد قليل نعودُ إليكم. واقعة حلب من تاريخ علي بن محمد الشِّمْشاطى(١) (١) منسوب إلى شِمْشاط، مدينة بالروم على شاطىء الفرات، وهي غير سُمَيْساط. وكان علي ابن محمد هذا حيًا عندما ألف ابن النديم كتابه (الفهرست ١٧٢)، وهي سنة ٣٧٧ (معجم الأدباء ١٩٠٧/٤)، وكان معلم أبي تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه، ثم = ٨ قال: في ذي القعدة أقبلت الروم فخرجوا من الدُّروب، فخرج سيف الدولة ((من حلب، فتقدم إلى عَزَاز في أربعة آلاف فارس وراجل. ثم تيقن أنه لا طاقةً له بلقاء الرُّوم لكثرتهم، فَرَدَّ إلى حلب، وخَيَّم بظاهرها، ليكون المصاف هناك. ثم جاءه الخبرُ بأنَّ الرومَ مالوا نحو العُمق، فَجَهَّز فتاه نجا في ثلاثة آلاف لقصدهم. ثم لم يصبر سيف الدولة، فسار بعد الظُّهر بنفسه، ونادى في الرعية: مَن لحق بالأمير فله دينار. فلما سار فرسخًا لقيه بعض العرب، فأخبره أن الروم لم يبرحوا من جِبْرين، وأنهم على أن يُصَبِّحوا حَلَب، فَرَدَّ إلى حَلَب، ونزل على نهر قُويق. ثم تَحَوَّل من الغدِ فنزل على باب اليهود، وبَذَلَ خزائن السلاح للرعية. وأشرف العدو في ثلاثين ألف فارس، فوقع القتال في أماكن شتى، فلما كان العَصْر وافى ساقة العدو في أربعين ألف راجل بالرِّماح، وفيهم ابن الشمشقيق، وامتدت الجيوش على النَّهر، وأحاطوا بسيف الدَّولة، فحمل عليهم، فلما ساواهم لوى رأس فرسه وقَصَدَ ناحية بالِس، وساقَ وراءه ابن الشمشقيق في عشرين ألفًا، فأنكى في أصحابه، وانهزمت الرَّعية الذين كانوا على النَّهر عندما انصرفَ سُلطانهم، وأخذهم السّيف، وازدحموا في الأبواب، وتعلَّق طائفة من السور بالحِبال، وقُتِلَ منهم فوق الثلاث مئة، وقُتِلَ من الكبار أبو طالب بن داود بن حَمْدان وابنه وداود بن علي، وأُسِرَ كاتب سيف الدولة البياضي، وأبو نصر بن حُسين بن حَمْدان. وكان عَسْكر الملاعين ثمانين ألف فارس والسَّواد فلا يُخْصَى. ثم تقدم من الغد مُنتصر حاجب الدُّمُسْتُق إلى السُّور، وقال: أخرجوا إلينا شيخين تعتمدون عليهما. فخرجَ شيخان إلى الدُّمُسْتُقْ فَقَرَّبهما، وقال: إني أحببتُ أن أحقنَ دماءَكُم، فتخيَّروا إما أن تَشْتَروا البَلَد أو تخرجوا عنه بأهلكم، وإنما كان ذلك حيلةً منه، فاستأذَنَاهُ في مشاورةِ النَّاس. فلما كان من الغد أتى الحاجب فقال: ليخرج إلينا عشرة منكم لنعرف ما عَمِلَ عليه أهلُ البَلَد. وكان رأي أهل البَلَد على الخروج بالأمان، فخرجَ العشرة وطلبوا الأمان ويدخل القوم. فقال الدُّمستق: صَحَّ ما بلغني عنكم؟ قالوا: وما هو؟ قال: بلغني أنكم قد أقمتُم نادمهما، وهو شاعر مصنف واسع الرواية، لكن ياقوتًا الحموي قال فيه: كان رافضيًا = دجالاً، يأتي في كتبه بالأعاجيب من أحاديثهم. وينظر الوافي للصفدي ١٥٨/٢٢ ، ومشتبه المصنف ٣٠٣. ٩ مقاتلتكم في الأزقة مُخْتفين، فإذا خرجَ الحُرَم والصِّبيان، ودخل أصحابي للنهب اغتالوهم. فقالوا: ليس في البلد من يقاتل. قال: فاحلفوا. فحلفوا له. وإنما أراد أن يعرف صورةَ البَلَد. فحينئذٍ تقدم بجيوشه إلى قبالة السور، ولجأ الناس إلى القلعة، ونصبت الرُّوم السلالم على باب أربعين وعند باب اليهود، وصَعِدوا، فلم يروا مُقاتلة، فنزلوا البَلَد ووضعوا السَّيْف، وفتحوا الأبواب، وقُضيَ الأمر، وعَمَّ القتلُ والسَّبيُّ والحريق طول النهار ومن الغَد، وبقي السّيف يعمل فيها ستة أيام إلى يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القَعْدة. فزحف الدُّمُسْتُق وابن الشمشقيق على القلعة، ودام القتال إلى الظُّهر، فقُتِل ابن الشمشقيق، من عظمائهم، ونحو مئة وخمسين من الرُّوم. وانصرفَ الدُّمُستُق إلى مُخَيمه، ونودي: من كان معه أسير فليقتله، فقتلوا خَلْقًا كثيرًا. ثم عاد إلى القلعة، فإذا طلائع قد أقبلت نحو قِتَّسرين، وكانت نجدة لهم، فتوهم الدُّمستق أنها نجدة لسيف الدولة، فَتَرَخَّل خائفًا. وفيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية ولعنة من غَصَبَ فاطمةَ حقَّها من فَدَك، ومن منع الحسن أن يُدفن مع جَدِّه، ولعنة من نَفَى أبا ذَرٍّ. ثم إن ذلك مُحِيَ في الليل، فأراد مُعِزُّ الدولة إعادته، فأشارَ عليه الوزير المُهَلَّبي أن يُكْتَب مكان ما مُحي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله وَه، وصَرَّحوا بلعنة معاوية فقط . وفيها أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حَمْدان من مَنْبِج، وكان واليها . وفيها وقع بالعراق بأرض الجامدة بَرَدّ وزن البعض منه رطل ونصف بالعراقي. وفيها تُوفي الوزير أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون المُهَلَّبي من بني المهلب بن أبي صُفْرة. أقام في وزارة معز الدولة ثلاث عشرة سنة. وكان فاضلاً شاعرًا فَصِيحًا نبيلاً سَمْحًا جَوَادًا حَلِيمًا ذا مروءة وأناةٍ. عاش أربعًا وستين سنة، وصادر معزُّ الدولة أولادَهُ من بعده، ثم استوزر أبا الفضل العبَّاس ابن الحسن الشيرازي. وفيها تُوفي المحدث أبو محمد دَعْلَج بن أحمد بن دَعْلَج السِّجِسْتانيُّ المُعَذَّل، نزيلُ بغداد، والشيخ أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النَّقَّاش ١٠ المقرىء صاحب ((التفسير))، وشيخ وقته أبو بكر محمد بن داود الدُّقي الدِّينَوَري الزاهد نزيلُ الشام. سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة يوم عاشوراء، قال ثابت: ألزمَ معزُّ الدولة الناسَ بغَلْق الأسواق ومَنَع الهَرَّاسين والطَبَّاخين من الطَّيخ، ونصبوا القِباب في الأسواق وعَلَّقوا عليها المُسُوح، وأخرجوا نساءً منشرات الشعور مُصَحَّمات يلطمن في الشوارع ويُقِمْن المأتمَ على الحُسين عليه السلام، وهذا أول يوم نیح عليه ببغداد. وفيها قُلِّد القضاءَ بالعراق أبو البِشْر عُمر بن أكثم على أن لا يأخذَ رِزْقًا، وصُرِف ابن أبي الشوارب. وفيها قُتل ملك الروم، وصار الدُّمُسْتُق هو الملك واسمه تقفور(١). وفيها أصاب سيفَ الدولة فالجٌّ في يده ورِجْله، وكان دخل الرومَ ووصل إلى قونية، ثم عاد، وكان هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة عنده بحلب، ثم إنه قتل رجلاً من أعيان النَّصارى، وساق إلى أبيه إلى المَوْصل. وفي ثامن عشر ذي الحجة عُمِلَ عيد غَدِير خُمِّ، وضُربت الدَّبادب، وأصبحَ النَّاسُ إلى مقابر قُريش للصَّلاة هناك وإلى مشهد الشِّيعة . قال ثابت بن سنان: وأنفذَ بعض بطارقة الأرْمن إلى ناصر الدولة ابن حَمْدان رَجُلين ملتصقين عُمُرهما خمس وعشرون سنة، ومعهما أبوهما، والالتصاق كان في الجَنْب والمعدة، ولهما بطنان وسوءتان(٢) ومَعدتان، وتختلفُ أوقات جوعهما وعَطَشهما وبَوْلهما، ولكلٍّ واحدٍ كَتفان وذِرَاعان وَيَدان وفَخِذَان وساقان وإحليل، وكان أحدهما يميلُ إلى النِّساء، والآخر إلى المُرْد. قال القاضي التُّوخي: ومات أحدهما وبقي أيامًا، فأنتن وأخوه حيٌّ، وجَمَعَ ناصرُ الدولة الأطباء على أن يقدروا على فَصْلهما، فلم يُمْكن، ثم مَرِضَ الحيُّ من رائحة المَيِّتِ ومات. (١) هكذا يسميه الذهبي، أوله تاء ثالث الحروف. (٢) في مجلد كوتا ١٥٦٤: ((وسرتان)) ولا يصح، فقد ذكر غير المصنف عن ثابت أن لهما سرة واحدة، كما في المنتظم ٧ / ١٧ . ١١ وفيها توفيت خَوْلة أخت سيف الدولة بحلب، وهي التي رثَاها المُتنبي بقوله : ((يا أختَ خَيْر أخٍ يا بنت خير أبٍ)). كناية بهما عن أشرف النَّسب. ومن سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة استضرت الرُّوم على الإسلام بكائنة حلب، وضَعُف أمر سيف الدولة بعد تيك المَلاَحم الكِبار التي طَيَّرَ فيها لُب العدو ومزَّقهم، فلله الأمر وما شاء الله كان. - .. وفيها عَبَرت الرُّومِ الفُرات لقصد الجَزيرة، وأغلقَ أهلُ المَوْصل الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك، ومضوا إلى ناصر الدولة، فَضَمِنَ لهم العدو، ووردت الكتب من بغداد أن الرعية أغلقت الأسواق وذهبوا إلى باب الخِلافة ومعهم كتاب يشرح مُصيبة حلب وضَجُوا، فخرج إليهم الحاجب وأوصل الكتاب إلى الخليفة، فقرأه ثم خرج إليهم فَعَرَّفهم أنَّ الخليفة بكى وأنه يقول: قد غَمَّني ما جرى، وأنتم تعلمون أن سيفي معز الدولة، وأنا أرسله في هذ، فقالوا: لا نقنع إلا بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق وتجمع الجيوش، وإلا أن تعتزل لنولي غيرك. فغاضه كلامُهم، ثم وجه إلى دار معز الدولة، فركب ومعه الأتراك وصرفوهم صرفًا قبيحًا. ثم لطف الله وجاءت الأخبار بموت طاغية الروم، وأن الخُلْفَ واقع بينهم فيمن يملكونه، فطمع عسكر طرَسَوس، ودخلوا أرض الروم في عدةٍ وافرة، ولججوا، فالتقوا بالروم ونُصروا عليهم، وعادوا. ثم عادوا بغنائم لم يُرَ من دهر مثلها. فلما رَدُّوا إلى الدرب إذا هم بابن الملابني على الدَّرْب، فاقتتلوا طول النَّهار، ونُصِرَ المُسلمون. وبلغ سيف الدولة أيضًا اختلاف الروم، فبادر، ودَوَّخ الأعمال، وأحرقَ، وحَصَّل من السبي أكثر من ألفين، ومن المواشي مئة ألف رأس، وفرح المؤمنون بالنصر والاستظهار على العدو. ثم بعد شهر أو شهرين توجه سيف الدولة غازيًا، فسار على حَرَّان، وعطف على مَلَطية، فملأ يديه سبيًا وغنائم. ثم خرج إلى آمد. وفي شعبان ورد غزاة خراسانية نحو الست مئة إلى المَوْصل يريدون الجهاد. ١٢ سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة عُمل ببغداد يوم عاشوراء كعام أوَّل إلى الضُّحَى، فوقعت فتنة عظيمة بين السُّنَّة والرافضة، وجُرح جماعة ونُهب الناس . وفيها نزل الدُّمُسْتُق على المِصِّيصة في جيش ضَخْم، فأقامَ أُسبوعًا، ونَقَبَ الشُّور في أماكن، وقاتَلَه أهلُها فضاقت بهم الأسعار، ثمَّ رحل عنها بعد أن أهلكَ الضِّيَاع، وإنَّما رحل لشدة الغلاء، فإنَّ القحط كان بالشام والثُّغور. وفيها بعثت القَرَامطة إلى سيف الدولة يستهدونه حديدًا فسَيَّرَ لهم شيئًا كثيرًا منه أبواب الرَّقَّة، وحُمِلَ إليهم في الفُرات، ثم في البَرِّيَّة إلى هَجَر. وفيها خرجَ مُعِزُّ الدولة إلى المَوْصل غضبان على ناصر الدولة، فلما وصل في الماء إلى بَلَد، كان قد لحقه ذرب شديد، فخلَّف بالمَوْصل جماعة من الأتراك لِحفظ البَلَد، وقصد نَصِيبين، فسار ناصر الدولة إلى مَيَّافارقين، فساق وراءه طائفةٌ، فخرج عن مَيَّافارقين ولا يُدْرَى أينَ ذهب، فرجعت الطائفة إلى مُعِز الدولة. ثم جاء ناصر الدولة إلى المَوْصل واقتتل مع من فيها، فظهر وانتصرَ، فاستأمن إليه الدَّيْلَمُ، واستأسر جميع التُّرْك، وأخذَ حواصل مُعِز الدولة وثقله، فسار مُعِز الدولة يريد المَوْصل، وجرت لهم فصول. ثم اصطلحوا، وعاد مُعِز الدولة إلى بغداد خائبًا . وفيها جاء الدُّمُسْتُق إلى طَرَسُوس وأهَدى هدايا إلى سيف الدولة، فاحتفلَ وجَلَس على سرير وعلى رأسه تاجٌ. وفيها عُمِلَ لسيف الدولة خيمة عظيمة، ارتفاع عمودها خمسون ذراعًا. وفيها توفي بُنْدار بن الحُسين الشيرازي الزاهد العارف بأرَّجان، وأبو بكر محمد بن أحمد بن خَرُوف المحدِّث بمصر، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهاني بها، والحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السَكَن البَغْدادي بمصر، والمحدث أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبي العَقَب الدِّمشقي بها، وأبو علي محمد بن هارون بن شُعيب الأنصاري بدمشق، وأبو عيسى بكار ابن أحمد، أحد القُرَّاء المُتْقِنين ببغداد. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة ورد الخبرُ بأن الزُّومَ خرجوا يريدون ١٣ أذنة والمِصِّيصة، فاستنجد أهل أذنة بأهل طَرَسوس، فجاؤوهم في خمسة عشر ألف فارس وراجل، فالتقوا، واشتد القتالُ، وركبَ المسلمونَ أقفية الروم، وأتبعوهم، فخرجَ للروم كمين اقتطعَ أربعة آلاف راجل، فقاتلوا عن أنفسهم وتَحَيَّزوا إلى تلِّ، فقاتلوهم يومين، ثم كثر عليهم جموع الروم، فاستأصلوهم. ثم نازلوا المِصِّيصة، ونقبوا سورها في مواضع، فكان المسلمون يحاربونهم في النقوب، ويُحَرِّمونهم. ثم تَرَخَّلوا لإنجاد سيف الدولة أخاه والمُسلمين. وفيها ملكَ المسلمونَ حصن اليمانية بجَبَلة، وهو على ثلاثة فراسخ من آمد . وفيها جاء عسكرٌ من الروم، وكادوا أن يملكوا حِصْنًا من نواحي حَلَب، فسار لحربهم عسكرُ سيف الدولة، فالتقوا فلم يفلت من الروم فيما يقال أحد، وقُتِلَ منهم خمس مئة، وتَجَرَّح المُسلمون وخيولهم. ثم جاء الخبرُ بنزول الروم على المِصِّيصة مع تقفور ملك الروم، وعلى طرسوس، وأنهم في ثلاث مئة ألف، ونزلوا بقرب البرندون، وبثوا خيولهم وعاثوا وأفسدوا، ثم تَرَخَّلُوا القحط، فتبعهم الطَّرَسوسيون، فقتلوا وأسروا طائفة، ولطف الله، وله الحمد. سنة أربع وخمسين وثلاث مئة فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد مأتَمُ الحُسين كالعام الماضي. وفيها وثبَ غِلْمان سيف الدولة على غلامه نَجًا الكبير وضربوه بالسيوف، وكان أكبر غلمانه ومُقَدَّم جيشه. وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملكها وكانت لنجا. وفيها تُوفيت أخت مُعِزِ الدولة ببغداد، فنزِلَ المطيع في طيّارةٍ إلى دار مُعِزِ الدولة يُعزيه، فخرجَ إليه معز الدولة ولم يكلِّفه الصعودَ من الطيّارة، وقَبَّل الأرض مَرَّات، ورجع الخليفة إلى داره. وفيها بنى تقفور ملك الروم قَيْسارية، بناها قريبًا من بلاد المُسلمين وسكنها ليُغير كلَّ وقت، وتركَ أباه بالقسطنطينية، فبعث أهل طَرَسُوس والمصِّيصة إليه يسألونه أن يقبل منهم حِمْلاً كل سنة، ويُنْفِذ إليهم نائبًا له يقيم عندهم، فأجابهم، ثم رأى أنَّ أهلَ البلاد قد ضَعُفوا جدًّا وأنهم لا ناصرَ لهم، ١٤ وأنهم من القحط قد أكلوا الميتة والكلاب، وأنه يخرج كل يوم من طَرَسوس ثلاث مئة جنازة، فبدا له في الإجابة، ثم أحْضَرَ رسولهم وقال: مَثَلَكُمْ مَثَلَ الحية في الشتاء إذا لحقها البرد ضعُفَتْ وذبلت حتى يظنَّ الظانُّ أنها ميِّة، فإذا أخذَها إنسان وأحسنَ إليها ودَفَّأها انتعشت ولدغته قتلته، وأنا إنْ أترككم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيْت بكم، ثم أحرقَ الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيتُه، وقال: قم ما لهم عندي إلا السَّيْف. ثم سار بنفسه إلى المِصِّيصة ففتحها بالسَّيف في رجب، وقَتَلَ وسَبَى وأسر ما لا يُحْصَى، ثم سار إلى طَرَسوس فحاصرها، فطلب أهلها أمانًا، فأعطاهم، ففتحوا له، فدخلها، ولقي أهلَها بالجميل، وأمرَهُم بالخروج منها وأن يحمل كلُّ واحدٍ من ماله وسلاحه ما أطاقَ، ففعلوا، وبعث من يَخْفُرُهم إلى أنطاكية، وجعل الجامع إصطَبْلاً لدوابِه، وعَمِلَ فيها وفي المِصِّيصة جيشًا يحفظونهما وأمر بتحصينهما. وقيل: رجع جماعة من أهل المصِّيصة إليها وتَنَصَّروا. وكان السبب في فتح المِصيصة أنهم هَدَمُوا سُورها بالنُّقوب، فأشار عليهم رجلٌ بحيث أن يُخْرِجوا الأسارى ليعطفَ عليهم الملك تقفور، فأخرجوهم، فعرَّفه الأسارى بعدم الأقوات، وأطمعوه في فَتْحها، فزحف عليها. ولقد قاتل أهلُها في الشوارع حتى أبادوا من الرُّوم أربعة آلاف، ثم غلبوهم بالكَثْرة وقتلوهم وأخذوا من أعيانهم مئة ضربوا رقابهم بإزاء طَرَسوس، فأخرج أهل طَرَسُوس من عندهم من الأسرى فضربوا أعناقهم على باب البلد، وكانوا ثلاثة آلاف. وفيها حج الرکب من بغداد. وفيها تُوفي شاعر زمانه أبو الطَّيِّب أحمد بن الحُسين الجُعفي المُتنبي عن نَيٍِّ وخمسين سنة، قُتل بين شيراز وبغداد وأُخِذ ما معه من الذَّهَب. وفيها اشتد الحصار كما ذكرنا على مدينة طَرَسُوس، وتكاثرت عليهم جموع الرُّوم، وضعُفَتْ عزائمُهم بأخذ المِصِّيصة وبما هم عليه من القِلَّة والغَلاء، وعَجْز سيف الدولة عن نَجْدتهم، وانقطعت المواد عنهم. وطال الحِصَار وخُذِلوا، فراسلوا تَقْفور ملك الروم في أن يُسَلِّموا إليه البلدَ بالأمان على أنفسهم وأموالهم، واستوثقوا منه بأيمان وشرائط . ١٥ ودخل طائفة من وكلاء الرُّوم فاشتروا منهم من البَزِّ الفاخر والأواني المَخْروطة، واشتروا من الروم دواب كثيرة تحملهم، لأنه لم يبق عندهم دابة إلا أكلوها، وخرجوا بحريمهم وسلاحهم وأموالهم، فوافى ثبج الثملي من مصرَ في البحر في مراكب، فاتَّصل بملك الروم خبرُهُ، فقال لأهل طَرَسُوس: غدرتم! فقالوا: لا، والله، ولو جاءت جيوش الإسلام كلها، فبعث إلى الثملي: يا هذا لا تُفْسِد على القوم أمرهم، فانصرف، ثم عمل تقفور دعوةً لكبار أهل البَلَد وخَلَع عليهم، وأعطاهم جملة وَخَفرهم بجيشٍ حتى حَصلُوا ببغراس، وحصلَ منهم خمسة آلاف بأنطاكية، فأكرمَهُم أهلُها، ثم دخلت الرُّوم مدينة طَرَسُوس فأحرقوا المنبر وجعلوا المسجد إصْطَبْلاً. وأما سيف الدولة فإنه سار إلى أرْزَن وأرمينية، وحاصر بَدْلِيس وخِلاَط، وبها أخَوَا نجا غلامِهِ عَصَيَا عليه، فتملَّكَ المواضع ورَدَّ إلى مَيَّ فارقين. وعَمِلَ أهلُ أنطاكية وطردوا نائب سيف الدولة عنهم، وقالوا نُداري ببيت المال ملكَ الزُّوم أو ننزح عن أنطاكية فلا مُقام لنا بعد طَرَسُوس، ثم إنهم أمَّرُوا عليهم رشيقًا النَّسِيمي الذي كان على طَرَسُوس، فكاتبَ ملكَ الرُّوم على حَمْل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقَرَّر الأمرُ على حمل أربع مئة ألف درهم في السنة، وجعل على كل رأس من المسلمين والنصارى ثلاثين درهمًا. والأمر لله . قال علي الشمشاطي: وفيها وردَ الخبرُ بإجابة تَقْفور إلى ما طلبه منه سيف الدولة من الهُدنة والفِداء على أن يُخْرِجَ بدل أبي الفوارس محمد بن ناصر الدولة ومن معه من بني عَمِّه جماعة من البَطَارقة، وأن يُفادي بغلمان سيف الدولة عدة من الرُّوم، وأن يبتاع ما يفضل من الأسرى ببلد الروم كل واحدٍ بثمانين دينارًا. فأحضر سيف الدولة أثمان ألفي رأسٍ، وذلك مئة وستون ألف دينار، فعاينها الرسولُ. وجاءت كُتُب الطَّرَسُوسيين إلى سيف الدولة ليأخذ منهم الأسارى، فإنهم عجزوا عن أقواتهم للغلاء. ثم جاء من بلد الرُّوم كتاب أبي فراس بن حَمْدان من الأسر بتصحيح أمر الفداء وتنفيذ شرائط ملك الروم، وفيه خط ملك الروم بالأحمر وخطوط بطارقته على أن يؤخروا عندهم ستة من بني حَمْدان، ويؤخر سيف الدولة عنده ستةً من البطارقة . ووردت الأخبار بأن ملك الروم أرسل إلى أهل طَرَسوس يهادنهم على أن يخرِّبوا سورَ المدينة، وأن يبنوا بيعةً كانت لهم تَخَرَّبت، فلم يجيبوه، فسار ١٦ حتى نزل عليهم وحاصرهم، فبذلوا له ثلاث مئة ألف دينار وإطلاق ما عندهم من الأسارى، فأبى إلا أن يخرجوا بالأمان بما قدروا على حَمْله، أو أن يكونوا في طاعته ويُخَرِّبوا سورهم، فامتنعوا. وأخذت الروم ثغر المِصِّيصة وقتلوا كل الرجال، فلم يفلت منهم إلا سبعة نفر، فما شاء الله كان . سنة خمس وخمسين وثلاث مئة أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة. وفيها ورد الخبرُ بأن رَكْب الشام ومصر والمَغْرب أُخِذوا وهلك أكثرهم، ووصل الأقلُّ إلى مصر، وتمزَّق النَّاسُ كلَّ ممزّق، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أخذتهم بنو سُلَيْم، وكان ركبًا عظيمًا بمرةٍ نحو عشرين ألف جَمَل معهم الأمتعة والذهب، فمما أُخِذَ لقاضي طَرَسُوس المعروف بالخواتيمي عشرون ألف دينار. وفيها سار جَيْشٌ من خراسان بضعة عشر ألفًا إلى غزو الروم، فأتوا الرّي، فبعثَ إليهم ركن الدولة إقامات كثيرة، فلما كان في يوم من الأيام ركب هؤلاء الغُزاة إلى منازل قُوَّاد ركن الدولة، فقتلوا من وجدوا من الدَّيْلم، ونهبوا دار أبي الفَضْل بن العميد وزير ركن الدولة، فظفر بهم وقتل منهم نحو ألف وخمس مئة، فانهزموا على طريق أذْرَبِيْجان، ثم قَدِموا الموصل إلى الشام فغزوا في الرُّوم. وفيها قدم أبو الفوارس محمد ابن ناصر الدولة من الأسر إلى مَيَّافارقين، أخذته أُخت الملك لتُفادي به أخاها، فجاء ستة آلاف فَنَفَّذ سيف الدولة أخاها في ثلاث مئة إلى حصن الهَتَّاخ(١). فلما شاهدَ بعضُهم بعضًا سَرَّح المُسلمون أسيرَهُم في خمسة فوارس، وسَرَّح الروم أسيرهم أبا الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق وتعانقا، ثم صارَ كُلُّ واحد إلى أصحابه، فترجَّلوا له وقَبَّلوا الأرضَ، ثم احتفل سيف الدولة لابن أخيه وعَمِلَ له الخيلَ والمماليك والعُدَد التامّة، فمن ذلك مئة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهم. وفيها اقُتل رَشِيقِ النَّسِيمي، ويقال: لم يُقتل بل أصابته هَيْضَة وضَعُفَ (١) قلعة حصينة قرب مَيافارقين، كما في معجم البلدان. تاريخ الإسلام ٢٣/٨ ١٧ وتجرأ عليه غلام له فأمسك بعنانه فسقط من الفَرَس ميتًا وقطع رأسه وحُمل إلى قرغُوية، وتغلب على أنطاكية دِزْبَر الدَّيْلمي وحارب قرغُوية. وطال مقام سيف الدولة بميَّافارقين فأنفق في سنة وثلاثة أشهر: نيفًا وعشرين ألف ألف درهم ومئتين وستين ألف دينار. وتم الفِداء في رجب، فَخَلَص من الأسر من بين أمير إلى راجل ثلاثة آلاف ومئتان وسبعون نَفْسًا، وتَقَرَّر أمر أربعة أعوام. وأُرسلَ أبو القاسم الحُسين بن علي المغربي لتقرير ذلك ومعه هدية بعشرة آلاف دينار منها ثلاث مئة مثقال مِسْك، وأنفق سيف الدولة على الفِداء ثلاث مئة ألف دينار. ثم قَدِمَ حَلَب وقد عزم دِزْبَر صاحب أنطاكية على منازلة حلب، فقصده سيف الدولة ثم حَمَل عليه، فهرب دِزْبَر، وقاتل دَيْلَمُهُ ورجَّالته أعظم قتال، وسيف الدولة قد شَهَرَ سيفَه يصيح في الناس، فانتصرَ وأسر طائفة، وغنِمَ جُنْدُه شيئًا كثيرًا، ورَدَّ إلى حلب وصادر أعيان الأسرى الأنطاكيين وأخذَ خطوطَهم بأموال عظيمة. وهرب دِزْبَر الدَّيْلَمي إلى بني كِلاب فأسلموه، فوَسَّطه سيف الدولة وأحرَقَهُ، وقتل وزراءَهُ وأعوانه، وقطع أيدي جماعة، حتى قيل إنه قتل نحو الخمسة آلاف رجل . ثم كتب سيف الدولة يبشِّر ولَدَه أبا المعالي بنصره على دِزْبَر يقول: وقد أنجز الله وعدَه، وأعزَّ جُنْدَهُ، ونصر عبده، وأظفر بمن كان استشرى بالشام أمره، وعَمَّ أهلَهُ غشمُهُ وظُلْمُه، دِزْبَر الذَّيْلَمي، ومحمد بن أحمد الأهوازي، وقد استوليا على مدن الشام وكاتبا الديلم من كل صقع، وتجمّع لهما عدد كثير من العرب وخَلْقٌ من الثغريين، وجَبَى الأموال، واشتغلتُ بأمر الفداء مدة حتى لم يبق بأيدي الكفرة أسير، ولله الحمد. ثم عبرتُ الفُراتَ ونظرتُ في التقويم فوجدتُ الكُسُوفَ فتأمَّلته على حَسب ما أوجبه عِلْم النُّجوم والمَوْلد فكان نَحْسًا على أعدائنا، فقصدتُهم، وهم على مرحلةٍ من حَلَب بالنَّاعور. إلى أن ذَكَرَ هزيمتَهُم، ثم قال: ولا شهدتُ عسكرًا على كثرة مشاهدتي للحرب استولى على جميع رُؤُسائه وأتباعه مثل هؤلاء، ولا غُنِمَ من عسكر مَثْل ما غُنِمَ منهم، وقد كنت ناديت بأنَّ من جاء بدِزْبَر والأهوازي فله كذا وكذا، فتعاقد طوائف على ذلك وجعلوهما وكْدَهُم فأسروهما، وقُيِّدا، إلى أن قال: ولا شك عندي ١٨ في أن ما أُنْفِقَ على الفداء نحو ثلاث مئة ألف دينار، فكَّ الله بها ثلاثة آلاف وخمس مئة إنسان . وفيها جرت بالرّي فتنةٌ هائلة بين ركن الدولة وبين الخُراسانية الغُزاة، فقُتل من الفريقين نحو ثلاثة آلاف، وانتهبَ أهلُ الرَّي من الغُزاة ألْفَيْ جَمَلٍ محمَّلة أمتعة، ثم ظَفِرت الغُزاة ودخلوا الرَّي وضربوا جوانبها بالنَّار، ثم طلب خَلْقٌ منهم المَوْصل، وذهب خلق منهم فوق العشرين ألفًا إلى خُوَي وسَلَمَاس . وفيها سار طاغية الروم بجيوشه إلى بلد الشام فعاثَ وأفسدَ، وأقامَ به نحو خمسين يومًا، فبعثَ سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة يقول: إنَّ تقفور قد عَسْكَرَ بالدَّرْب ومنع رسولنا ابن المغربي أن يكتب بشيء، وقال: لا أجيب سيف الدولة إلا من أنطاكية، ليذهب من الشام فإنه لنا ويمضي إلى بلده ويهادن عنه، وأن أهل أنطاكية راسلوا تقفور وبذلوا له الطّاعة وأن يحملوا إليه مالاً، وأنَّه التمسَ منهم يد يحيى بن زكريا عليهما السَّلام والكُرسي، وأن يدخل بيعة أنطاكية ليُصَلِّي فيها ويسير إلى بيت المَقْدس. وكان الذي جر خروجه وأحنقه إحراق بيعة القدس في هذا العام. وكان البَتْرَك كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قُصُورَ يده عن استيفاء حقوق البيعة، فكاتب متولِي القُدس بالشدِّ على يده، فجاءه من الناس ما لم يطق دفعه، فقتلوا البَتْرَك وحَرَّقُوا البَيْعَة وأخذوا زينتها، فراسل كافورُ طاغية الروم بأن يردَّ البَيْعَة إلى أفضل ما كانت، فقال: بل أنا أبنيها بالسَّيف. وأما ناصر الدولة فكتب إلى أخيه إنْ أحبَّ مسيرَه إليه سار، وإنْ أحبَّ حِفْظَه ديارَ بكر سار إليها، وبَثَّ سراياه، وأصعد سيفُ الدولة الناس إلى قلعة حَلَب وشَحَنَها، وانجفلَ النَّاسُ وعَظُمِ الخَطْبُ، وأُخْلِيتْ نَصِيبين. ثم نزل عظيم الروم بجيوشه على مَنْبج وأحرقَ الرَّبَض، وخرج إليه أهلُها فأقرهم ولم يؤذِهم، ثم سار إلى وادي بُطْنان . وسار سيف الدولة متأخرًا إلى قِنَّسرين، ورجاله والأعراب قد ضَيَّقوا الخِناق على الرُّوم، فلا يتركون لهم علُوفةً تخرج إلا أوقعوا بها، وأخذت الروم أربعة ضياع بما حَوَتْ، فراسل سيفُ الدولة ملكَ الرُّوم وبذلَ له مالاً يعطيه إياه في ثلاثة أقساط، فقال: لا أجيبه إلا أن يُعْطيني نصفَ الشام، فإن طريقي إلى ١٩ ناحية المَوْصل على الشام، فقال سيف الدولة: والله لا أُعطيه ولا حَجَرًا واحدًا. ثم جالت الروم بأعمال حلب، وتأخر سيف الدولة إلى ناحية شَيْزَر، وأنْكَت العُزْبان في الروم غير مرة، وكسبوا ما لا يوصف. ونزل عظيم الروم على أنطاكية فحاصرها ثمانية أيام ليلاً ونهارًا، وبذل الأمان لأهلها، فأبوا، فقال: أنتم كاتبتموني ووعدتموني بالطاعة، فأجابوا: إنما كاتبنا الملك حيث كان سيف الدولة بأرمينية بعيدًا عنا، وظننا أنه لا حاجة له في البَلَد، وكان السيف بين أظْهُرِنا، فلما عاد سيف الدولة لم نُؤْثِر على ضَبْط أدياننا وبلدنا شيئًا، فناجَزَهُمُ الحرَبَ من جوانبها، فحاربوه أشدَّ حربٍ، وكان عسكره مُعْوِزًا من العلوفة. ثم بعثَ نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قرغوية متولي نيابة حلب بتفاصيل الأمور وبثبات الناس على القتال، وأنا قد قتلنا جملةً من الروم، وأن المُسلمين قد أثّروا في الروم وتشجعوا ونشطوا للقتال، وأنا ليلي ونهاري في الحَرْب لا أستقرُّ ساعة، وأن اللعين قد ترخَّل عنا ونَزَل الجسر. وفيها أوقع تُقَى السَّيفي بسرية للروم فاصطلموها، ثم خرجَ الطاغية من الدُّروب وذهب. ثم جاء الخبر بأن نائب أنطاكية محمد بن موسى الصِّلْحي أخذَ الأموال التي في خزائن أنطاكية مُعَدَّة وخرج بها كأنه متوجِّه إلى سيف الدولة، فدخل بَلَدَ الروم مرتدًا، فقيل: إنه كان عزم على تَسْليم أنطاكية للملك فلم يُمكنه الاجتماع أهل البلد على ضَبْطه، فخشي أن يَنِمَّ خبرُه إلى سيف الدولة فيتلفه، فهرب بالأموال. وفيها قدم الغُزاة الخراسانية مَتَّافارقين فتلقَّاهم أبو المعالي ابن سيف الدولة وبالغَ في إكرامهم بالأطعمة والعُلُوفات ورئيسهم أبو بكر محمد بن عيسى. سنة ست وخمسين وثلاث مئة عَمِلَت الرَّافضة يوم عاشوراء ببغداد وناحت. وفيها مات مُعِزِ الدولة بن بُوَيْه، وولي إمرة العراق ابنه عزُّ الدولة بختيار ابن أحمد بن بُوَیْه. قال أبو القاسم التّنُوخي: حدَّثني الحُسين بن عثمان الفارقي الحنبلي، ٢٠