النص المفهرس

صفحات 401-420

الطبقة الثالثة والثلاثون
٣٢١ - ٣٣٠ هـ

الرَّشَرِ
آلله
بِشْـ
(الحوادث)
سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة
فيها(١) شَغب الجُنْد على القاهر بالله، وهجموا الدَّار، فنزلَ في طَيَّارٍ
إلى دار مؤنس فشكا إليه، فصَبَّرهم مُؤنس عشرة أيّام .
وكان ابن مُقْلَة مُنْحرفًا عن محمد بن ياقوت، فتُقِلَ إلى مؤنس أنَّ ابن
ياقوت يُدَبِّرُ عليهِم، فبعثَ مؤنسٍ غِلْمان عليّ بن بُلَيْقِ إلى دار الخِلافة
يطلبون عيسى الطَّبِيب لأنَّه الُّهم بالفُضول، فهجموا إلى أن أخَذُوه من حَضْرة
القاهر فنفاهُ مؤنس إلى المَوْصل .
واتَّفَقَ ابنُ مُقْلَةٍ ومُؤنس وبُلَيْق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت، فعَلِمَ
فاستترَ وتَفَرَّقَ رجالُه. وجاء عليّ بن بُلَيْق إلى دار الخِلافة، فوكَّلَ بها أحمد
ابن زَيْرِك، وأمَرهُ بالتَّضييق على القاهر وتَفْتيش من يدخل وطالب ابن بُلَيْق
القاهر بما كان عنده من أثاث أمِّ المُقْتدرِ، فأعطاهُ إيّاه، فبيعَ وجُعِلَ في بيت
المال، وصُرِفَ إلى الجُنْد. ونَقَّلَ ابنُ بُلَيْقِ أمَّ المقتدر إلى عند أمِّهِ، فبقيت
عندها مُكَرَّمةً عشرة أيام، وماتت في سادسِ جُمَادَى الآخرة.
وفيها وقع الإرجاف بأنّ عليّ بن بُلَيْق وكاتبَهُ الحسن بن هارون عَزَما
على سَبِّ معاوية على المَنَابر، فارتَجَّت بغداد.
وتقدَّم ابن بُلَيْق بالقَبْض على رئيس الحنابلة أبي محمد البَرْبَهاري
فاستترَ، فنُفِيَ جماعةٌ من أصحابه إلى البَصْرة.
وبقي تحيُّل القاهر في الباطن على مُؤنس وابن مُقْلَة، فبلغهم فعَمِلُوا
٤٠٣

على خَلْعه وتولية ابن المُكْتَفيِ، فدَبَّر ابنُ مُقْلَة تدبيرًا انعكسَ عليه؛ أشاعَ
بأنّ القِرْمِطي قد غلبَ على الكُوفة، وأرسلَ إلى القاهر: المصلحة خروجُ
ابن بُلَيْق إلى قتاله، ليدخلِ ابن بُلَيْقِ يقبّل يَده، فيقبض عليه. ففهمها
القاهر، وكرّر ابن مُقْلَة الطَّلَب بأن يدخل ابن بُلَيْق ليقبِّل يده ويسير.
فاسترابَ القاهرُ، وراسل الغِلْمان الحُجَرِيّة وفَرَّقهم على الدَّرْكاه، وراحَ ابن
بُلَيْقِ إلى القاهر في عددٍ يسير، فقامَ إليه السَّاجيّة وشتمُوه فهرب واستترَ،
واضطربَ النَّاسُ، وأصبحوا في مُسْتَهَل شعبان قَلِقين وجاء بُلَيْق إلى دار
الخليفة ليعتذرَ عن ابنهِ، فَقُبِضَّ عليه وعلى أحمد بنٍ زَيْرك، وعلى يُمْن
المُؤنسي صاحب شرطة بغدادَ وحُبِسوا وصار الجَيْشِ كلَّه في دار الخليفة،
فراسل مُؤنسًا، وقال: أنتَ عندي كالوالد، فأَتِنِي تُشيرُ عليَّ. فاعتذرَ بثقل
الحركة، ثم أشاروا عليه بالإتيان، فلمّا حَصَل في دار الخِلافة قُبِض عليه،
فاختفى ابن مُقْلة، فاستوزرَ القاهرأبا جعفر محمد بن القاسم بنَ عُبَيْدالله،
وأُحْرِقت دار ابن مُقْلة، كما أُحْرِقت قبلَ هذه المَرَّة. وهرب محمد بن
ياقوت إلى فارس، فكتبَ إليه بعهده على أصبهان، وقلَّدَ سلامة الطُّولوني
الحِجَابة. وقَبَض على أبي أحمد ابن المكتفي وطَيَّنَ عليه بين حائطين،
ونهب القاهر دُورَ المُخالفين.
ثم إنّه ظَفِرَ بعليّ بن بُلَيْق بعد جُمُعة، فحَبَسه بعد الضَّرْب، فاضطربَ
رجال مُؤنس وشغبوا، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعضَ
داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مُؤنس وبُلَيْق وابنه، فأمرَ بذبح
بُلَيْقِ وابنه، وذَبَح بعدهما مُؤنسًا، وأُخرجت رؤوسهم إلى النَّاس وطِيْفَ
بها. وكان على مُؤنس دماغٌ هائل. ثم ذُبح يُمن وابن زَيْرك. ثم أطلقت
أرزاق الجُنْد فسكنوا.
واستقامت الأمور للقاهر، وعَظُم في القُلُوب، وزيد في ألقابه: ((المنتقم
من أعداء دين الله)) ونُقِشَ ذلك على السِّكة. ثم أحضر عيسى الطَّبِيب من
المَوْصل. وأُمِر أنْ لا يركب في طَيَّار سوى الوزير والحاجب، والقاضي،
وعيسى الطَّيب.
وفيها خلعَ القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغِ، وقَلَّدَهُ مصرَ.
٤٠٤

وفيها أمَرَ القاهر بتحريم القِيان والخَمْرِ، وقَبَضَ على المُغَنين، ونَفَى
المَخَانيث، وكَسَر آلات اللهو، وأمَرَ ببيع المُغَنِّيات من الجَوَاري على أنهنَّ
سواذج (١). وكان مع ذلك يشرب المَطْبوخ والسُّلاف، ولا يكاد يَصْحُو من
السُّكّر، ويختار القَيْنات ويَسْمَعُهُنَّ.
وفيها عزلَ القاهر الوزير محمدًا، واستوزر أبا العباس بن الخَصِيب.
وحج بالناس مؤنس الوَرِقاني.
وفيها تُوفي أبو جعفر الطَّحاوي شيخُ الحنفية .
وفي ربيع الأوَّل توفي أميرُ مصر أبو منصور تَكِين الخَاصَّة بمصر
وحُمِلَ إلى بيتِ المَقْدسِ، وقامَ بعده بالأمر ابنه محمد يسيرًا. ثم وَلِيَ محمد
ابن طُغْج، وعُزِل بابن كَيْغَلَغ بعد اثنتين وثلاثين يومًا .
وقَدِمَ على قضاء مصرَ أحمد بن عبدالله بن مُسلم بن قتيبة، ثم صُرِفَ
بعد شهرين ونصف .
وفيها تُوفيت شَغَب أمُّ المقتدر كما قدَّمنا. وكان دَخْلها من مَغَلِّها في
العام ألف ألف دينار، فتتصدَّق بها، وتُخرج من عندها مثلها، وكانت
صالحة. ولمَّا قُتِل ابنها كانت مريضة، فعظُم جَزَعُها، وامتنعت من الأكل
حتى كادت تهلك. ثِم عذَّبها القاهرُ، فحلفت أنّه ما عندها مال، فقيل:
ماتت في العَذَاب مُعَلَّقة، وقيل لا. ولم يظهر لها إلا ما قيمته مئة وثلاثون
ألف دينار لا غير. وكان لها الأمر والنّهي في دولة ابنها .
وقد ذكرنا قَتْل مؤنس الخادم المُلَقَّب بالمُظَفَّر، وكان شجاعًا فاتكًا
مَهيبًا، عاش تسعين سنة، منها ستون سنة أميرًا. وكان كل ما له في عُلُوِّ
ورَفْعة. كان قد أبعده المُعتضد إلى مَكة، ولمَّا بُويع المُقتدر أحضَرهُ وفوّض
إليه الأمور. وقد مَر مِن أخباره.
وفيها غَلبت الرُّوم على رساتيق مَلَطْية وسُمَيْساط، وصار أكثر البلد
في أيديهم.
(١) يعني: غير بالغات.
٤٠٥

سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة
فيها ظهرت الدَّيْلَم، وذلك لأنَّ أصحاب مَرْداويج دخلوا أصبهان،
وكان من قُوَّاده عليّ بن بُوَيْه، فاقتطع مالاً جليلاً وانفرد عن مَخْدومه. ثمَّ
التقى هو ومحمد بن ياقوت، فهزم محمدًا واستولى على فارس.
وكان بُوَيْه فقيرًا صُعْلُوكًا يَصِيد السَّمَك، رأى كأنَّه بالَ، فخرجَ من
ذَكَرَه عمودُ نارٍ، ثم تَشَعَّبَ العَمُودُ حتى ملأ الدُّنيا، فقصَّ رؤياه على مُعبِّر،
فقال: لا أعبِّرَها إلاّ بألف درهم. فقال: والله ما رأيتُ عُشْرها، وإنَّما أنا
صَيَّد. ثم مَضَى وصادَ سمكةً فأعطاه إيَّاها، فقال له: ألكَ أولاد؟ قال:
نعم. قال: أبشِرْ فإنهم يملكون الدُّنيا، ويبلغ سُلطانهم على قدر ما احتوت
النَّار التي رأيتها. وكان معه أولاده عليّ، والحسن، وأحمد.
ثمِ مَضَت السُّنُون، وخرجَ بولَدِه إلى خُراسان، فخدموا مَرْدَاويج بن
زيار الدَّيْلَمِي، إلى أن صار عليّ قائدًا، فأرسلَهُ يستخرجُ له مالاً من الكُرْجِ،
فاستخرجَ خمس مئة ألف درهم، فأخذَ المالَ وأتى هَمَذَان ليملكها، فغَلِّق
أهلُها في وجهه الأبوابَ، فقاتلهم وفتحها عَنْوةً وقتلَ خَلْقًا. ثم صار إلى
أصهبان وبها المظفَّر بن ياقوت، فلم يحاربه وسارَ إلى أبيه بشيراز. ثمَّ صار
إلى أَرَّجان، فأخذَ الأموال، وتَنَقَّل في النَّواحي، وانضم إليه خَلْقٌ، وصارت
خزائنه خمس مئة ألف دينار. فجاء إلى شِيرازَ وبها ابنُ ياقوت، فخرجَ إليه
في بضع عشر ألفًا، وكان عليّ بن بُوَيْه في ألف رجل، فهابهُ عليّ وسأله أن
يُفْرِج له عن الطَّريق لينصرفَ، فأَبَى عليه، فالتقوا فانكسرَ عليّ، ثم انهزمَ
ابنُ ياقوت، ودخل عليٍّ شِیراز.
ثم إنّه فَلَّ ما عنده فنامَ على ظهره، فخرجت حيَّةٌ من سَقْف المجلس،
فأمر بنَقْضه، فخرجت صناديقٍ ملأى ذَهَبًا، فأنفقها في جُنْدِه. وأضاقَ مرَّةً
فطلب خيَّاطًا يَخِيطُ له، وكان أُطْروشًا، فظنَّ أنّه قد سُعيَ به، فقال: والله ما
عندي سوى اثني عشر صندوقًا، لا أعلم ما فيها. فأمر عليّ بإحضارها،
فوجد فيها مالاً عظيمًا فأخذَه. وركب يومًا، فسَاخَتْ قوائمُ فَرَسه، فحفروه
٤٠٦

فوَجَدَ فيه كنزًا. واستولى على البلاد، وخرجت خُراسان وفارس عن حُكم
الخلافة .
وسيأتي من أخبار هؤلاء الثَّلاثة الإخوة، وأنَّ المستكفي بالله لَقَّب عليًّا
((عماد الدَّولة)) أبا شُجاع، ولقَّب الحسن ((رُكن الدولة))، ولقَّب أحمد «معزَّ
الدولة)). ومَلَكُوا الدُّنيا سنين.
وفيها قَتَلَ القاهرُ أبا السَّرايا نصر بن حَمْدان وإسحاق بن إسماعيل
التُّوبَخْتي الذي كان قد أشارَ بخلافة القاهر، ألقاهما على رؤوسهما في بئرٍ
وطُمَّت، وكان ذَنْبهما أنَّهما فيما قيل زايدًا القاهرَ قبل الخلافة في جاريتين
واشترياهما، فحقد عليهما.
ومات مؤنس الوَرْقاني الذي حجَّ بالنَّاس.
وقال ثابت بن سنان: كان أبو عليّ بن مُقْلَة في اختفائه يُراسل السَّاحِيَّة
والحُجَرِيَّة ويُضَرِّبهم على القاهر ويُوخِّشهم منه. وكان الحسن بن هارون
كاتب بُلَيْق يخرجُ باللَّيل في زِيِّ المُكَدِّيين أو النِّساء، فيسعى إلى أن
اجتمعت كلمتهم على الفَتْك بالقاهر، وكان يقول لهم: قد بَنَى لكم
المطامير ليحبسكم. وألْزَمُوا مُنَجِّم سيما(١) حتى كان يقول له: إنَّ القاهر
يقبضُ عليك. وهاجت الحُجَرية، وقالوا: تريدُ أن تَحْبسنا في المطامير؟
فحلفَ القاهرُ أنَّه لم يفعل، وإنما هذه حَمَّامات للحُرَم. وحضر الوزير ابن
خَصِيب وعيسى المُتَطبِّب عند القاهر، فقال لسلامة الحاجب: اخرج فاحلف
لهم. ففعل، فسكنوا.
ثم بَكَّروا على الشَّرِّ إلى دار القاهر، وكان نائمًا سَكْرانًا إلى أن طلعت
الشَّمْس، ونَبَّهوه فلم ينتبه لشدَّة سُكْرِهِ، وهربَ الوزير في زي امرأةٍ، وكذا
سلامة الحاجب. فدخلوا بالشُّيوف على القاهر، فأفاق من سُكْرِه، وهربَ
إلى سطح حمَّام فاستتر، فأتوا مجلسَ القاهر وفيه عيسى الطّبيبَ، وزَيْرك
الخادم، واختيارَ القَهْرَمانة، فسألوهم، فقالوا: ما نَعْرفُ له خبرًا، فَرَسَّموا
عليهم. ووقع في أيديهم خادم له فضربوه، فدلَّهم عليه، فجاؤوه وهو على
السَّطْحِ وبيده سيف مَسْلولٌ، فقالوا: انزل. فامتنع، فقالوا: نحن عَبيدك فلِمَ
(١) هو سيما المناخلي أحد القواد.
٤٠٧

تستوحش منّا؟ فلم ينزل. ففوَّق واحدٌ منهم سَهْمًا، وقال: انزل وإلا
قتلتُك، فنزل إليهم، فقبضوا عليه في سادس جُمَادى الآخرة.
وأخْرَجوا أبا العباس محمد ابن المُقتدر وأمَّه، وبايعوه بالخلافة
ولَقَّبوه الرَّاضِي بالله، فأحضرَ عليَّ بن عيسى وأخاه عبدالرحمن واعتمدَ على
رأيهما. وأُدْخِلَ عليّ بن عيسى، والقاضي أبو الحُسين عمر بن محمد بن
يوسف، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبدالله بن أبي الشَّوارب، والقاضي
أبو طالب ابن البُهْلُول على القاهر، فقال له طريف السُّكَّري: ما تقول؟
قال: أنا أبو منصور محمد ابنٍ المعتضد، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق
النَّاس، ولست أُبُرِّتكم ولا أُحلُّكم منها، فَقُوموا، فقاموا، فلمَّا بَعُدوا قال
القاضي لطريف: وأيّ شيء كان مجيئنا إلى رجلٍ هذا اعتقاده. فقَطَّب عليّ
ابن عيسى، وقال: يُخلع ولا نُفَكِّر فيه، أفعاله مشهورة.
قال القاضي أبو الحُسين: فدخلتُ على الرَّاضي وأعدتُ ما جَرَى
سِرًّا، وأعلمته بأني أرى إمامَتُه فَرْضًا، فقال: انصرف ودعني وإِيَّاه. وأشار
سِيما مُقَدَّم الحُجَرِيةِ على الرَّاضي بِسَمْلِه. فأرسلَ سيما وطريفًا إلى البيت
الذي فيه القاهر، فَكُخِّل بمِسمارٍ مُحَمَّى.
ثم طلب الرَّاضي من عليّ بن عيسى أن يلي الوزارة، فامتنع، فقال:
يتولَّى أخوك عبدالرحمن. فقال: لا. فاستوزرَ ابن مُقْلة بعد أن كتبَ له
أمانًا .
وقال محمود الأصبهانيُّ: كان سبب خَلْع القاهر سوء سيرته وسَفْكه
الدِّماء، فامتنع عليهم من الخَلْع فسَمَلوا عينيه حتى سالتا على خَذَّيْه .
وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعاً.
وقال الصّولي: كان أهْوَجَ، سَفَّاكًا للدِّماءِ، قبيحَ السِّيرة، كثيرَ التَّلوُّن
والاستحالة، مُدمِنَ الخَمْر. ولولا جَوْدة حاجبه سلامة لأهلكَ الحرث
والنَّسْل. وكان قد صنع حربةً يحملها فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانًا .
وقال محمد بن عليّ الخُراسانيُّ (١): أحضرني القاهر يومًا والحَرْبةُ بين
يديه، فقال: قد علمتَ حالي إذا وضعتُ هذه. فقلتُ: الأمان. فقال: على
(١) نقله المسعودي في مروج الذهب ٣١٣/٤ - ٣٢٠.
٤٠٨

الصِّدْق. قلتُ: نعم. قال: أسألك عن خُلفاء بني العباس في أخلاقهم
وشیمتهم.
قلت: أما السَّفّاح، فكان مسارعًا إلى سَفْك الدِّماء، سفكَ ألف دم،
واتَّبَعَهُ عُمَّالَه على ذلك، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وعمه صالح بن
عليّ بمصر، وخازم بن خُزَيْمَة، وحُمَيْد بن قَحْطَبَة. وكان مع ذلك سَمْحًا
بحرًا، وصولاً بالمال.
قال: فالمنصور؟ قلت: كان أوّل مَن أوقع الفُرْقة بين وَلَد العباس
وولد أبي طالب، وكانوا قبله مُتَّفقين. وهو أوّل خليفة قرَّبَ المُنَجِّمين
وعمل بقولهم. وكان عنده نُوبَخْتِ المُنَجِّم، وعليّ بن عيسى الأَصْطرلابي.
وهو أوّل خليفة تُرْجِمت له الكُتُب السُّرْيانية والأعجمية ككتاب ((كليلة
ودِمْنة))، وكتابٍ أرسطَاطاليس في المَنْطق، وإقليدس، وكُتُب اليونان، فنظر
النَّاس فيها وتعلّقوا بها. فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي
والسير. والمنصور أوّل من استعمل مواليه وقدَّمَهم على العرب.
قال: فما تقول في المهدي؟ قلتُ: كان جوادًا عادلاً مُنْصِفًا، ردَّ ما
أخذَ أبوه من أموال النَّسَ غَصْبًا، وبالغَ في إتلاف الزَّنادقة وأحرقَ كُتُّبهم لما
أظهروا المُعْتقدات الفاسدة كابن دَيْصان، وماني، وابن المقفَّع، وحمَّاد
عَجْرد. وبنى المسجدَ الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس.
قال: فالهادي؟ قلت: كان جبارًا متكبّرًا، فسلكَ عُمّالُه طريقَه على
قِصَر أيامه.
قال: فالرَّشيد؟ قلتُ: كان مواظبًا على الجهاد والحَجّ، وعَمَّر القصور
والبِرَك بطريق مكة، وبَنى الثُّغورَ كأذَنَة، وطَرَسُوس، والمِصِّيصة، وعين
زَرَبَةٌ، والحَدَث، ومَرْعش. وعَم النَّاس إحسانُه. وكان في إيَّامه البرامكة
وما اشتُهِرَ من كرمهم. وهو أوّل خليفة لعب بالصَّوالجة ورَمَى النُّشَّاب في
البِرْجاس، ولعبَ بالشِّطْرَنْج من بني العباس. وكانت زوجته بنت عمه أم
جَعفر زُبَيْدة بنت جعفر ابن المنصور من أكمل النِّساء، وقفت الأوقاف
وعَمِلت المصانع والبِرَك، وفعلت وفعلت.
٤٠٩

قال: فالأمين؟ قلت: كان جَوَادًا، إلاّ أنّه انهمكَ في لَذَّاته ففسدت
الأمور .
قال: فالمأمون؟ قلت: غلبَ عليه الفَضْل بن سَهْل، فاشتغل
بالنُّجوم، وجالسَ العُلماء. وكان حليماً جوادًا.
قال: فالمعتصم؟ قلت: سلكَ طريقه، وغلبَ عليه حبُّ الفُرُوسية،
والتَّشُّه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغَزْو والفتوح.
قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه.
قال: فالمتوكل؟ قلت: خالفَ ما كان عليه المأمون والمعتصم
والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجَدَل والمناظرات في الأهواء، وعاقبَ
عليها، وأمرَ بقراءة الحديث وسماعه، ونَهَى عن القَوْل بخَّلْق القرآن، فأحبّهُ
النَّاس.
ثم سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أُجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت
كلامك وكأني مشاهد القوم. وقام على إثري والحَرْبة بيده، فاستسلمتُ
للقَتْل، فعطف إلى دُور الحُرَم.
وقال المسعودي(١): أخذَ القاهرُ مِن مؤنس وأصحابِهِ أموالاً كثيرةً،
فلمّا خُلِعَ وسُمِلَ طُولِب بها. فأنكرَ، فعُذِّبَ بأنواع العَذَابِ، فلم يُقرّ بشيء
فأخذَهُ الراضي بالله فقَرَّبه وأدناهُ، وقال له: قد ترى مطالبة الجُنْد بالمال،
وليس عندي شيء، والذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به. فقال: أمّا
إذا فعلتَ هذا فالمالُ مدفونٌ في البُستان، وكَان قد أنشأَ بُستانًا فيه أصنافُ
الشَّجَر حُمِلت إليه من البلاد، وزَخرفه وعَمِلَ فيه قصرًا، وكان الرَّاضي
مُغْرَمًا بالبُستان والقصر، فقال: وفي أيّ مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف
لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تَجِدْه. فحفرَ الرَّاضي البستان وأساسات
القَصْر، وقلعَ الشَّجر، فلم يجد شيئًاً. فقال له: وأينَ المال؟ فقال: وهل
عندي مال، وإنّما كان حَسْرتي في جلوسك في البُستان وتنعّمك، فأردتُ أن
أفجعك فيه. فندم الرَّاضي وأبعدهُ وحَبَسه. فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين، ثم
أخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارةً يُحبس، وتارة يُطْلَق. فوقف يومًا بجامع
(١) مروج الذهب ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
٤١٠

المنصور بين الصُّفوف وعليه مُبَطنة بيضاء، وقال: تصدَّقوا عليَّ، فأنا مَن قد
عرفتم. وكان مقصوده أن يُشَنِّع على المُستكفي، فقام إليه أبو عبدالله بن أبي
موسى الهاشمي، فأعطاه خمس مئة درهم، وقيل: ألف درهم، ثم مُنِعٍ من
الخُروج. وعاشٍ إلى سنة تسع وثلاثين خاملاً، وعاش ثلاثًا وخمسين سنة.
وكان له من الوَلَد عبدالصَّمدَ، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبدالعزيز.
ووزر له ابن مُقْلَة، ثم محمد بن القاسم بن عُبيدالله، وكان محمد جَبَّارًا
ظالمًا، ثم الخَصِيبي.
وكان الرَّاضي بالله، أبو العباس محمد ابن المقتدر مَرْبوعًا، خفيفَ
الجسم، أسمرَ، وأُّه ظَلُوم الزُّومية. بويع يوم خُلِع القاهر، وكان هو وأخوه
في حَبْس القاهر، وقد عزمَ على قتلهما. فأخرجهما الغِلْمان ورأسهم سِيما
المناخلي. وعاش سيما بعد البيعة مئة يوم.
وولَّى الرَّاضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد.
ثم أمر ابن مُقْلَة عبد الله بن ثوابة أن يكتب كتابًا فيه مثالب القاهر ويُقرأ
على الناس.
وصُودِرَ عيسى المُتَطِّب على مئتي ألف دينار.
وفيها مات مَرْداويج، مُقَدَّم الدَّيْلَم بأصبهان. وكان قد عظُم أمرُه،
وتحدَّثوا أنَّه يريدُ قَصْد بغداد، وأنه مسالمٌ لصاحب المَجُوس. وكان يقول:
أنا أردُّ دولة العَجَم وأمْحقُ دولةَ العرب. ثم إنه أساء إلى أصحابه، فتواطأوا
على قَتْله في حمَّام .
وفيها بعث عليّ بن بُويه إِلى الرَّاضي يُقاطعه على البلاد التي استولى
عليها بثمانية آلاف ألف درهم كُلّ سنة. فبعثَ له لواء وخِلَعًا. ثم أخذَ ابن
بُوَيْه يماطل بحَمْل المال.
وفيها في نصف ربيع الأوّل مات المهديّ عُبيد الله صاحب المَغْرب عن
اثنتين وستين سنة، وكانت أيّامه خمسًا وعشرين سنة وأشهُرًا. وقام بالأمر
بعده ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد، فبقي إلى سنة أربع وثلاثين.
وقال القاضي عبدالجبار بن أحمد بن عبدالجبّار البَصْري: اسم جد
الخلفاء المصريين سعيد، ويُلَقَّب بالمهدي. وكان أبوه يهوديًّا حدادًا
٤١١

بسَلَمية. زعم سعيد هذا أنّه ابنُ ابنِ الحُسين بن محمد بن أحمد بن عبدالله
ابن ميمون القَدَّاح. وأهلُ الدَّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلوي وغيرُه،
يزعمون أنّ سعيدًا إنما هو ابن امرأة الحُسين المذكور، وأنّ الحُسين رَبَّاه
وعَلَّمه أسرارَ الدَّعوة، وزَوَّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغِ فجاءه ابنٌ سمَّاه
عبدالرحمن، فلما دخل المغربَ وأخذ سِجِلْماسة تسمى بعُبَيد وتَكَنَّى بأبي
محمد، وسَمَّی ابنه الحسن.
وزعمت المغاربةُ أنّه يتيمٌ رَبَّاه، وليس بابنه، وكَنَّه أبا القاسم، وجعله
وليَّ عهده. وقتل عُبَيد خَلْقًا من العساكر والعُلماء، وبثَّ دُعاتَهُ في الأرض.
وكانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرَّازق، وطائفة تزعم أنه نبي، وطائفة تزعم
أنه المهدي حقيقة .
وقال القاضي أبو بكر ابن البَاقلَّني: إنَّ القداح جد عُبَيد الله كان
مَجُوسيًّا. ودخل عُبَيد الله المغرب، وادَّعى أنّه علويٌّ، ولِم يعرفهُ أحدٌ من
عُلماء النَّسَب، وكان باطنيًّا خبيثاً، حَرِيصًا على إزالة مِلَّة الإسلام. أَعْدَمَ
العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخَلْقَ. وجاءَ أولادهُ على أسلوبه، أباحوا
الخُمورَ والفُرُوجِ، وأشاعوا الرَّفْض، وبثُّوا دُعاةً، فأفسدوا عقائد خَلْقِ من
جبال الشَّام كالتُّصَيْرِية والدُّرزِية. وكان القَدَّاح كاذبًا مُمَخْرِفًا، وهو أصل
دُعاة القرامطة .
وقال أيضًا في كتاب ((كشف أسرار الباطنية)): أوَّل من وضعَ هذه
الدَّعوة طائفةٌ من المَجُوس وأبناء الأكاسرة. فذكر فَضْلاً، ثم قال: ثم اتَّفقوا
على عبدالله بن عَمْرو بن مَيْمون القَدَّاحِ الأهوازي وأمدُّوه بالأموال في سنة
ثلاثين ومئتين أو قبلها، وكان مُشَعْوِذًا مُمَخْرِقًا يُظْهر الزُّهْد، ويزعمُ أنَّ
الأرضَ تُطْوَى له. وجدُّ القدَّاح هو دَيَّصَان أحَد الثََّوِيَّة. وجاء ابنُ القَذَّاح
على أسلوب أبيه، وكذا ابنه، وابن ابنه سعيد بن حُسين بن أحمد بن محمد
ابن عبدالله، وهو الذي يقال له عُبَيْدالله، يُلقَّب بالمَهْدي صاحب القَيّروان،
وجد بني عُبَيْد الذينِ تُسمِّيهم جَهَلَةُ الناس الخُلفاء الفاطميين.
قال ابن خَلِّكان(١): اختُلِف في نَسَبه، فقال صاحب ((تاريخ
(١) وفيات الأعيان ٣/ ١١٧ - ١١٨.
٤١٢

القَيْروان)): هو عُبَيْدالله بن الحسن بن عليّ بن محمد بن عليّ الرِّضا بن
موسى الكاظم بن جعفر الصادق. وقال غيرُه: هو عُبَيْدالله بن محمد بن
إسماعيل بن جعفر الصَّادق. وقيل: هو عليّ بن الحُسين بن أحمد بن عبدالله
ابن الحسن بن محمد بن زين العابدين عليّ بن الحُسين. وإنَّما سَمَّى نفسَهُ
عُبَيْد الله استتارًا. وهذا على قول مَن يصحِّح نَسَبَه. وأهلُ العلم بالأنساب
المُحَقِّقين يُنكِرون دعواه في النَّسب ويقولون: اسمه سعيد، ولَقَبِه عُبَيْد الله،
وزوج أمّه الحُسين بن أحمد القَدَّاحِ، وكان كَخَالاً يَقْدَحُ العَيْنِ.
وقيل: إنَّ عُبَيْد الله لما سار من الشَّام وتوصَّل إلى سِجِلْماسة أحس به
ملكُها اليسعِ آخر ملوك بني مِدْرار، وأُعْلِمٍ بأنه الذي يدعو إليه أبو عبد الله
الشيعي بالقَيْروان، فسجنهُ. فجمعَ الشِّيعي جيشًا من كُتَامة وقصدَ
سِجلماسة، فلما قربوا قتله اليسعُ في السّجن، وهرب. فلمَّا دخل الشيعي
الشَّجنَ وجده مقتولاً، وخاف أن ينتقض عليه الأمرُ، وكان عنده رجلٌ من
أصحابه يخدمه، فأخرجه إلى الجُنْد، وقال: هذا المهدي.
قلتُ: وهذا قولٌ منكرٌ، بل أخرج عُبَيْدالله وبايَع النَّاس له، وسَلَّم إليه
الأمرَ، ثم نَدِمَ، ووقعت الوَحْشة بينهما كما قدَّمنا قبل هذا في موضعه من
هذا الكتاب. وآخر الأمر أنَّ المهدي قَتَلَ أبا عبدالله الشّيعي وأخاه، ودانت
له المغرب، وبَنَى مدينة المهدية، والله أعلم.
وفيها ظهر محمد بن عليّ الشَّلْمغاني المعروف بابن أبي العَزاقر،
وكان مُسْتترًا ببغداد، وقد شاعَ عنه أنَّه يَدَّعِي الأَلُوهية، وأنَّه يُخْيي الموتَى
وله أصحاب. فتعصَّب له أبو عليّ بن مُقْلَة، فأحضرَهُ عند الرّاضي، فسمع
كلامه وأنكرَ ما قيل عنه، وقال: إِنْ لم تنزل العقوبة على الذي باهَلَني بعد
ثلاثة أيام وأكثره تسعة أيام، وإلاّ فَدَمي حَلال. قال: فضُرب ثمانين سوطًا،
ثم قُتِل وصُلب.
وقُتل بسببه الحُسين بن القاسم بن عُبَيد الله بن سُليمان بن وَهْب وزير
المقتدر، وكان زِنديقًا مثَّهمًا بالشَّلْمغاني، وفي نفس الرَّاضي منه لكونه آذاه
عند المقتدر بالله .
وقُتل معه أيضًا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عَوْن أحمد بن هلال
٤١٣

الأنباري الكاتب، صاحب كتاب ((الأجوبة المُسْكِتة))، وكتاب ((التَّشبيهات))،
وكتاب (بيت مال السُّرور)). وكان قد مَرَق من الإسلام وصحِب ابن أبي
العَزاقر، وصار من المتغالين في حُبِّه، وصَرَّح بإلهِيَّته، تعالى الله عما يقوله
عُلوًّا كبيرًا. فلما تتبعوا أصحاب ابن أبي العَزَاقِرِ قالَوا لإبراهيم بن أبي عون:
سُبَّه وابصُقِ عليه. فامتنع وأرعد وأظهرَ الخَوْف، فضُرِبَ بالسِّياط، فلم
يرجع، فضُرِبت عُنقه، وأُحْرِق في أوَّل ذي القَعْدة.
وفيهاَ قُتِل هارون بن غَرِيب الخال. كان مقيمًا بالدِّينَوَر، فلمَّا وَلِيَ
الرَّاضي كاتَب قوَّادَ بغداد بأنّه أَحقّ بالحَضرة ورئاسة الجَيْش، فأجابوه، فسارَ
إلى بغداد حتّى بقي بينه وبينها يوم. فعظُم ذلك على ابن مُقْلة الوزير ومحمد
ابن ياقوت والحُجَرِيَّة، وخاطبوا الرَّاضي فعرَّفهم كراهيتَهُ له، وأمرَ
بممانعته، فأرسلَ ابنُ مُقْلَة إليه بأن يرجع، فقال، قد انضم إليَّ جُنْدٌ لا
يكفيهم عملي. فأرسل إليه الراضي ابن ياقوت القرَاريطي بأن قد قَلَّدوك
أعمال طريق خُراسان، فقال للقراريطي: إنّ جُنْدِي لا يقنعون بهذا، ومَن
أحقُّ مني بخدمة الخليفة؟ فقال: لو كنت تُراعي أميرَ المؤمنين ما عصيتَهُ.
فأغلظ له، فقام مِن عنده وأدَّى الرسالة إلى الخليفة. وشَخَصَ إلى هارون
مُعْظم جُنْد بغداد، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به، فلم يلتفت.
ووقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت، فظهر عليها، ثم تقدَّم إلى قَنْطرة
النَّهروان(١)، واشتبكت الحربُ، فعبر هارون القَنْطَرة، وانفردَ عن أصحابه
على شاطىء النَّهر، وهو يظن أنّه يظفرُ بمحمد بن ياقوت، فتقنطرَ به فَرَسُهُ
فوقع، وبادَره مملوكُ ابن ياقوت فقتلَهُ، ومُزِّق جيشُهُ، ونهبهم عَسْكر ابن
ياقوت، وذلك في جمادى الآخرة.
وفيها تُوفي أبو جعفر السِّجْزِي أحد الخُجَّاب، قيل: بلغَ من العُمر
أربعين ومئة سنة. وكان يركب وحده وحواسُه جَيِّدة.
وفيها قبضَ ابنُ مُقْلَة على أبي العبّاس الخَصِيبي، والحسن بن مَخْلَد
(١) هكذا في النسخ، والصواب: ((نهربين))، ولعله سوء فهم من المصنف لما جاء في
كتاب الهَمَذاني ٢٨٧ الذي ينقل منه، إذ التقى بياقوت أولاً بجسر النهروان، أما هذه
الحادثة فكانت عند قنطرة نهربين .
٤١٤

ونفاهما إلى عُمان، فرجعا إلى بغداد مختَفِيين.
وفيها تُوفي موسى ابن المقتدر.
ولم يحج النَّاسُ إلى سنة سَبْعٍ وعشرين من بغداد.
سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة
فيها تمكَّن الرَّاضي بالله وقلَّد ابنَيْه المَشْرق والمغربَ، وهما أبو جعفر
وأبو الفضل. واستكتب لهما أبا الحُسين عليّ بن محمد بن مُقْلَة.
وفيها بلغ الوزير أبا عليّ بن مُقْلَة أن ابن شَنَبُوذ المقرىء يُغَيِّر حروفًا
مِن القرآن، ويقرأ بخلاف ما أُنزِل. فأحضرَهُ، وأحضرَ عُمر بن أبي عمر
محمد بن يوسف القاضي، وأبا بكر بن مجاهد، وجماعة مِن القُرَّاء،
ونُوظِرَ، فأغلظَ للوزير في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونَسَبَهم إلى
الجَهْل، وأنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافرَ. فأمرَ الوزير بضربه،
فنُصب بين الهِنبازَيْن وضَرِب سَبْعِ دِرَرَ، وهو يدعو على الوزير بأن تُقْطَع
يده، ويُشَتَّت شَمْله. ثم أوَقِف على الحروف التي قيل إنّه يقرأ بها، فأهْدَرَ
منها ما كان شنيعًا، وتَوَّبوه غَصْبًا، وكتب عنه الوزير محضرًا.
ومما أُخِذ عليه: ((فامضوا إلى ذكر الله في الجمعة)) (١)، و((كان أمامهم
مَلكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ صالحة غَصْبًا))(٢)، ((وتكون الجبال كالصوف
المنفوش)) (٣)، (تَبَّت يدا أبي لَهَب وقد تبَّ))(٤)، ((فلما خرّ تبينت الإنسُ أنّ
الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيبَ لَما لبثوا حَوْلاً في العذاب المهين)» (٥)،
((والذَّكر والأنثى))(٦). فاعترف بها. ولا ريبَ أنها قد رُويت ولم يَخْتَرِعْها
(١) قراءة المصحف: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ﴾
،
[الجمعة ٩].
(٢) قراءة المصحف: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا فَ﴾ [الكهف].
(٣) قراءة المصحف: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾﴾ [القارعة].
(٤) قراءة المصحف: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ◌َ﴾ [المسد].
(٥) قراءة المصحف: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ نَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ
(١٤﴾ [سبأ].
الْمُهِینِ
(٦) قراءة المصحف: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنَ فَْ﴾ [الليل].
٤١٥

الرجل من عنده. وقيل: إنه نُفي إلى البَصْرة، وقيل: إلى الأهواز. وكان
إمامًا في القراءة.
وفي ربيع الأوَّلِ شغبت الجُنْد، وصاروا إلى دار محمد بن ياقوت،
وطلبوا أرزاقَهُمَ، فأغلظَ لهم، فغَضِبوا وهمُّوا به، فدافع عنه غِلْمانه، وقامَ
إلى دار الحُرَم، فجاء الوزيرُ وسَكَّنَهم. ثم عادوا في اليوم الثاني وخرجوا
إلى الصّحراء، وعاونتهم العامة. فعبروا إلى الجانب الغربي، وفتحوا
السُّجون والمُطبق، وأخرجوا مَن بها، وعظُمت الفتنة، وشرعَ القتال،
ونُهبت الأسواقُ. وركب بَدْر الخَرشني ليكُفَّهُم، فرموه بالنُّشاب. واتفقت
الخُجَرية والسَّاجيَّة، وقصدوا دار الخليفة فمنعهم الحُجَّاب، فكاشفوا محمد
ابن ياقوت، وقالوا: لا نرضى أن تكون كبير الجَيْش. وحاصَروا دار الخليفة
أيّامًا، ثم أرضاهم، فسكنوا.
وفيها قبض الرَّاضي على محمد بن ياقوت، وأخيه المظفَّر، وأبي
إسحاق القَرَاريطي، وأخذَ خط القَراريطي بخمس مئة ألف دينار.
وعظُم شأن الوزير ابن مُقْلَة، واستقلَّ بالدَّولة، ثم شَغَبَ الجُنْد عليه
ونهبوا داره، فأرضاهم بمالٍ .
وفيها أخرجَ المنصور إسماعيل العُبَيْدي يعقوب بن إسحاق في أُسطول
من المهدية عِدَّته ثلاثون حربيًّا إلى ناحية إفرنجة، ففتحَ مدينة جَنَوَة. ومرُّوا
بجزيرة سَرْدَانية، فأوقعوا بأهلها وسَبَوا وأحرقوا عدَّة مراكب، وقتلوا
رجالها، وأسرعوا بالخروج إلى جَنَوة، وحَرَّقوا مراكب قرسقة(١). ونقبوا
أسوار جَنَوة، واستولوا على المدينة، وقتلوا، وأسروا ألف امرأة، وقَدِموا
بالغنائم إلى المهدية .
وفي جُمادى الأولى جرت فتنةٌ عظيمةٌ من البَرْبَهاري الحنبلي
وأصحابه، فنودي أن لا يجتمع أحدٌ من أصحاب البَرْبَهاري، وحُبِسٍ منهم
جماعة واستترَ الشَّيخُ. فقيل: إنهم صاروا يكبسون دُور الأمراء والكبراء،
فإن رأوا نبيذًا أراقوه، وإنْ صادفوا مُغنيةً ضربوها، وكسروا آلة الملاهي،
وأنكروا في بيع النَّاس وشرائهم، وفي مَشْي الرِّجال مع الصِّبيان. فنَهاهم
(١) هي المعروفة الآن بكورسيكا.
٤١٦

متولِّي الشرطة، فما التفتوا عليه، فكتب الرَّاضي توقيعًا يزجُرُهم ويوبِّخهم
باعتقادهم، وأنكم تزعمون أنَّ الله على صُوركم الوحشة، وتذكرون أنه
يصعد وينزل، وأُقسم: إنْ لم تنتهوا لأقتلنَّ فيكم ولأُحَرّقن دُوركم.
وفي الشَّهر هَبَّت ريحٌ عظيمةٌ ببغدادَ، واسودَّت الدَّنيا وأظلمت من
العصر إلى المغرب برعدٍ وبَرْق.
وفيه شَغَب الجُنْد بابن مُقْلَة وهَمُّوا بالشَّرِّ.
وكان سعيد بن حَمْدان قد ضمِن المَوْصل وغيرها سِرًّا من ابن أخيه
الحسن بن عبدالله بن حَمْدِان، وخُلِعَ عليه ببغداد، فخرجَ سعيد في صورة
أنّه يساعد ابن أخيهِ في الضَّمان في خمسين فارسًا، فدخلَ المَوْصل، فخرج
ابنُ أخيه مُظْهِرًا لتَلَقِّيه، ومَضَى العم إلى دار ابن أخيه فنزلها، وسأل عنه
فقيل: خرج لَتَلَقِّيك. فجلس ينتظره، فلما علم الحسنِ بأن عمه في داره
وَجَّه غلمانَه فقبضوا عليه وقيّدوه، ثم قتله بعد أيام. وتألَّمَ له الرَّاضي، وأمرَ
أبا عليّ بن مُقْلَةٍ بالخُروج إلى المَوْصل، والإيقاع بالحَسَن. فخرج في جميع
الجَيْش واستخلَف ابنه أبا الحُسين موضعه. فلما قَرُّب من المَوْصل نزحَ عنها
الحسن في شعبان، فتبِعَه ابن مُقْلَة، فصعِد الجبل ودخل بلدَ الزُّوزان،
فاستقرَّ ابِنُ مُقْلَة بالمَوْصل يستخرجُ أموالاً. ويستسلف من التُّجار على
غلَّت البَلَد، فاجتمع له أربع مئة ألف دينار. فاحتال سَهْلُ بن هاشم كاتب
الحسن، وكان مقيمًا ببغداد، فبذل لولد ابن مُقْلَة عشرة آلاف دينار حتى
يكتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحَضْرة مُضْطَربة. فانزعجَ الوزيرُ وسار إلى
بغداد، فدخل في ذي القَعْدة.
وفيها وقعوا برجلٍ قد أخذ البيعة لجعفر ابن المكتفي، وبذلَ أموالاً
عظيمةً، فقُبض عليه وعلَى جعفر، ونُهب منزل جعفر .
وعاد الحسن بن عبدالله بن حَمْدان إلى المَوْصل بعد حرب تمَّ له مع
جيش الخليفة وهزمهم، وكتبَ إلى الخليفةِ يعتذر .
وخرج الرَّكْبُ العراقي ومعهم لؤلؤ يَخْفرُهم، فاعترَضَهُم أبو طاهر
القِرْمِطي، فانهزم لؤلؤ وبه ضرباتٍ. فقتلَ القِرْمِطيُّ الحاجَّ وسَبَى الحُرَم،
والتجأ الباقون إلى القادسية، وتسلَّلوا إلى الكوفة.
تاریخ الإسلام ٧/ م٢٧
٤١٧

وفي ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضًا عظيمًا ما رؤي
مثله .
وفي ذي الحِجَّة مات الأمير أبو بكر محمد بن ياقوت في الحَبْس
حَتْف أنفه .
وفيها غلا السِّعْرِ ببغداد حتى أُبيع كَرّ القَمْح بمئة وعشرين دينارًا .
وفيها قَدِمَ غِلْمان مَرْداويج الدَّيْلَمي إلى بغداد، وفيهم بَحْكم، فخافت
الحُجَرية منهم.
ثم إنّ محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها كاتَبَهم، فأتوا إليه،
فأكرمَهُم وقدَّم عليهم بَجْكَم، وأفرطَ في الإحسان إليه، وأمرَه بمكاتبة جُنْد
الجبال ليَقْدَمُوا عليه. ففعلوا، فصار عنده عدّةٌ كبيرة، وتمكَّنَ وَجَبَى
الخراجَ .
سنة أربع وعشرين وثلاث مئة
فيها تُوِفي هارون ابن المُقتدر، وحزنَ عليه أخوه الخليفة، واغتمَّ له،
وأمرَ بنَفْي الطَّبِيب بُخْتَيَشُوع بن يحيى، واتَّهمه بتعمُّد الخطأ في علاجه.
وفيها قلَّدَ ابنُ مُقْلَة أبا بكر محمد بن ظُغْج أعمال المعاون بمصر
مُضافًا إلى ما بيده مِن الشام.
وفيها قَطَعَ الحَمْلِ عن بغداد محمدُ بنُ رائق، واحتجَّ بكثرة كُلّفة
الجيش عنده، وقُطِعَ حَمْلِ الأهواز، وطمع غيرُهم.
وفي ربيع الأوَّل أُطْلِقَ من الحَبْسِ المظفَّر بن ياقوت، وحَلَف للوزير
على المُصافاة، وفي نفسه الحِقْد عليه لأنّه نَكَبَهُ، ونكب أخاه محمدًا. ثم
أخذ يسعى في هلاكه ويُشَغِّب عليه الحُجَرية. فعلم الوزير، فاعتضد بالأمير
بدر صاحب الشرطة ليوقع بالمُظَفَّر، فانحدر بدر وأصحابُه بالسِّلاح إلى دار
الخليفة، ومنعوا الحُجَريةِ من دخولها، فضعُفت نفس المُظَفَّر، وأشار على
الحُجَرية بالتذلُّل لابن مُقْلَة، وأظهرَ له المُظَفَّر أنه على أيْمانه، فاغترَّ بذلك
وصرفَ بدرًا والجُنْد من دار الخلافة. فمشى الغِلْمان بعضهم إلى بعض
٤١٨

وأوحشوا نفوس الجُنْد من ابن مُقْلَة ومن بَدْر، وتحالفوا وصارت كلمتهم
واحدة. ثم صاروا إلى دار الخلافة فأحدقوا بها، وصار الرَّاضي في أيديهم
كالأسير، وطالبوه أن يخرجَ معهم إلى الجامع فيصلّي بالناسِ ليعلموا أنه من
حزبهم. فخرجٍ يوم الجُمُعة سادس جُمَادى الأولى، فصلَّى بالنَّاس، وقال
في خطبته: اللَّهُم إِنَّ هؤلاء الغِلْمان بطانتي وظهارتي، فمن أرادهم بخير
فأزدْه، ومن كادَهم فَكِدْه.
وأمرَ بدرًا الخرشني بالمسير على إمرة دمشق مسرعًا.
ثم أخذَ ابنُ مُقْلَة يُشير على الرَّاضي سِرًّا أن يخرج بنفسه ليدفع محمد
ابن رائق عن واسط والبَصْرة. ثمَّ بعث ابن مُقْلَة بمقدَّم من الحُجَرية، وآخر
من السَّاجية برسالة إلى ابن رائق يطلب المُحاسبة. فأحسن ابن رائق إليهما،
وحَمَّلَهُما رسالةً إلى الرَّاضي ◌ِرًّا بأنه إن استُدعي إلى الحَضْرة قام بتدبير
الخلافة، وكَفَى أمير المؤمنين كلَّ مُهِمٍّ، فقدِما، فلم يلتفت الراضي إلى
الرِّسالة. ولما رأى ابن مُقْلَة امتناع ابنَ رائق عليه عَمِلَ على خروج الرَّاضي
إلى الأهواز، وأن يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلاً يستوحش. فبَيْنا
ابن مُقْلَة في الدِّهْليز شَغَبَ الْغِلْمان ومعهم المُظَفَّر، وأظهروا المُطالبة
بالأرزاق، وقبضوا على الوزير، وبعثوا إلى الرَّاضي يُعَرِّفونه ليستوزر غیرَهُ،
فبعث إليهم يستصوب رأيهم، ثم قال: سَمُّوا من شئتم حتى أستوزره.
فسموا عليّ بن عيسى، وقالوا: هو مأمونٌ كافي. فاستحضرَهُ وخاطبَهُ
بالوزارة، فامتنع، فخاطبه ثانية وثالثة فامتنع، فقال: أشِر بمِن تَرَى. فأومى
إلى أخيه عبدالرحمن بن عيسى. فبعثَ الرَّاضِي إليه المُظَفَّرِ بنِ ياقوت،
فأحضرَهُ وقَلَّده، وركب الجيش بين يديه، وأُحْرِقَتْ دار ابن مُقْلَة، وهذه
المرَّة الثالثة .
وكان قد أحرق دار سُليمان بن الحسن، فكتبوا على داره.
أحسنتَ ظَنَّك بالأيام إذ حسُنت ولم تَخَفْ سوءٍ (١) ما يأتي به القَدَرُ
وسالَمَتْك اللَّيالي فاغترَرتَ بها وعند صَفْو اللَّيالي يحدُثُ الكَدَر
واختفى الوزير وأعوانُه .
(١) في م: ((شر)).
٤١٩

وظهر أبو العبّاس الخَصِيبي، وسُليمان بن الحسن، وصارا يدخلان
مع الوزير عبدالرحمن وأخيه عليّ، ويدخل معهم أبو جعفر محمد بن
القاسم والأعيان.
وأُخِذَ ابن مُقْلَة فَتَسَلَّمه عبدالرحمن الوزير، وضُرِب بالمقارع، وأُخِذَ
خَطُه بألف ألف دينارٍ. ثم سُلِّمَ إلى أبي العباس الخَصِيبِي، فجرى عليه من
المكاره والتَّعْليق والضَّرْب عجائب.
قال ثابت: كَلَّفني الخَصِيبي الدُّخول إليه يومًا، وقال: إن كان يحتاج
إلى الفَصْد فليُقْصَد بحضرتك. فدخلت فوجدتُهُ مطروحًا على حَصِير،
وتحت رأسِهِ مخذَّةٌ وسِخَة، وهو عُرْيان في وسطه سراويل، ورأيتُ بدنَهَ من
رأسِه إلى أَطراف رِجْلَيْه كلون الباذنجان، وبهِ ضيق نَفَسٍ شديد. وكان الذي
تولَّى عَذَابِه ودَهَقَ صَدْرِهِ الدَّسْتُوائي. فقلت: يريد الفصْد. فقال الخَصِيبي :
وكيف نعملٍ، ولا بدّ من تعذيبه كلَّ يوم؟ قلتُ: فيتلف. قال افصده.
ففصدتُه ورقَّهتُه ذلك اليوم، واتَّفق أنّ الخصيبي استتر ذلك اليوم، فاطمأنّ
ابن مُقْلَة وتصَلَّح. وحضر أبو بكر بن قرابة، وضَمِنَ ما عليه وتَسَلَّمه.
وفي جُمَادَى الأولى قَبضَ الرَّاضي على المظفَّر بن ياقوت وهدم دارَهُ،
ثمَّ أطلقه بعد جُمُعة وأحدَرَهُ إلى أبيه ياقوت.
وعُزِلَ بدر الخرشني عن الشُّرطة، ووَلِيَها كاجو، وقُلِّد الخَرْشَني
أعمال أصبهان وفارس .
وعجز الوزير عبدالرحمن بن عيسى عن النَّفقات، وضاقَ المال،
فاستعفى. فقبضَ عليهِ الرَّاضي في رَجَب وعلى أخيه، واستوزر أبا جعفر
محمد بن القاسم الكَرْخِي، وسلّم ابني عيسى إلى الكَرْخي، فصادرهما
برِفقٍ، فأذَّى كلُّ واحد سبعين ألف دينار، وانصرفا إلى منازلهما.
وفي رمضان قُتِل ياقوت الأميرُ بعسكر مُكْرَم، فأراد الحُجَرية قتل أبي
الحُسين البَرِيدي ببغداد، وكان يخلف أخاه في الكتابة لياقوت، فاختفى.
وكان ياقوت قد سار بجموعه لحرب عليّ بن بُوَيْه، فالتقيا بباب أرَّجان،
فهزمه ابن بُوَيْه، فعاد إلى الأهواز. وتواترت الأخبار بأنّ ابن بُوَيْه وافَى إلى
رامَهُرْمُز مقتفيًا آثار ياقوت. فعَبَر ياقوت إلى عَسْكر مُكْرَم وقطع الجسْرَ.
٤٢٠