النص المفهرس

صفحات 201-220

.
عن هشام بن عمار، ودُحَيْم، وطبقتهما. وعنه الطََّراني(١)، وأبو بكر
النقاش، وابن عَدِي، وحمزة الكِناني.
٦٥٧ - يُسْر بن أنس، أبو الخَيْرِ البَغْداديُّ البَزَّاز.
سمع الحُسين بن حُرَيْث، ويعقوب الدَّوْرقي، وطبقتهما. وعنه أبو بكر
الشافعي، والطَّبَراني(٢)، وابن المظفر، وأبو القاسم بن النَّخَّاس، وعبدالعزيز
الخِرَقي .
وثَّقه الخطيب(٣) .
٦٥٨- يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف العَطار.
عن هشام بن عمار. وعنه ابن المقرىء، وعلي بن الحُسين الأدَمي. نزلَ
أنطاكية .
٦٥٩- يعقوب بن يوسف بن خازم الطَّخَّان.
عن ابن أبي مَذْعور، والزُّبَيْر بن بكار، وأحمد بن المِقْدام. وعنه أبو
حفص الزَّيَّات، وعمر بن سَبَتْك، وعلي بن عُمر الحربي.
وثّقه الخطيب(٤) .
٦٦٠ - يوسف بن يعقوب بن مِهْران، أبو عيسى الفقيه.
بغداديٌّ مستورٌ، روى عن محمد بن عثمان بن كَرَامة، وداود الظَّاهري.
وعنه الزُّبَيْر بن عبدالواحد، وابن المظفَّر، والجَرَّاحي(٥) .
٦٦١ - أبو عبدالرحمن اللَّهَبيُّ.
٦٦٢ - وأبو جعفر اللَّهَيُّ.
مَكْتَّان مُقْرِئان، قرءا على أبي الحسن البَزِّي.
فقرأ على الأوَّل هبة الله بن جعفر البَغْدادي شيخ الحَمَامي، قال
الحَمَامي: سألت هبة الله عن اسم اللَّهبي، فقال: لا أعرفه. وهو أبو
عبدالرحمن عبدالله بن علي؛ هاشمي من ولد عُتبة بن أبي لَهَب.
(١) المعجم الصغير (١١٧٠) فما بعد.
(٢) المعجم الصغير (١١٨٨).
(٣) تاريخه ١٦/ ٥٢٦.
(٤) تاريخه ١٦/ ٤٣٠.
(٥) من تاريخ الخطيب ١٦ / ٤٦٨ .
٢٠١

قلتُ: وأما الثاني فقال أبو عمرو الدَّاني: أبو جعفر محمد بن عبدالله
اللَّهَبي، أخذ القراءة عن البَزي عَرْضًا. روى عنه القراءةَ عَرْضًا عليّ بنُ سعيد
ابن ذؤابة، وأحمد بن عبد الرحمن الولي.
ولهما ثالث وهو :
٦٦٣ - أبو العباس أحمد بن محمد اللَّهَبِيُّ.
قرأ أيضًا على البَزِّي، قرأ عليه ابن ذُؤابة .
(آخر الطبقة والحمد لله)
٢٠٢

٠
الطبقة الثانية والثلاثون
٣١١ - ٣٢٠ هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
(الحوادث)
سنة إحدى عشرة وثلاث مئة
فيها عُزِل عن الوزارة حامد بن العبّاس، وعليّ بن عيسى، وقُلِّدها أبو
الحَسَن عليّ بن محمد بن الفُرات. وهذه ثالث مرّة يُعاد. ثم صُودِرَ حامد
وعُذِّب. وكان فيه زُعَارَةٌ وطَيْشٌ فيما قال المسعودي. قال(١): كلَّمه إنسانٌ،
فقلبَ ثيابه على كتفه ولَّكَمَ الرَّجُلَ. ودخلت عليه أمّ موسى القَهْرمانة،
وکانت کبیرة المحلِّ، فخاطبته في طلبٍ مالٍ، فقال لها :
اضْرِطي والتقطِي
واحسُبي لا تَغْلطي
فأخجلها، وبلغَ المقتدرِ فضحكَ، وأمرَ القِيان تغنِّي به.
وجَرَت له فصول وتَجَلَّدَ على الضَّرْب، وأُحْدِرَ إلى واسط، فمات في
الطريق. وكان قديمًا قد وَلِيَ نظر بلاد فارسٍ. ثم وَلِيَ نظرَ واسط، والبَصْرة.
وكان موسِرًا مُتَجَمِّلاً، له أربع مئة مملوك كلَّهم يحملُ السِّلاح، وفيهم أُمراء؛
وَزَرَ للمقتدرِ سنة ست وثلاث مئة. وكان سمْحًا جَوَادًا مِعطَاءً ظالمًا، له
أخبار في الظُّلْم وفي الكَرَم. ولَمَّا أُحْدِرَ إلى واسط سُمَّ في الطَّريق في بيضٍ
نيمرشت(٢)، فأخذه الإسهال حتى تلفَ وماتَ في رمضان، سامحه الله .
وسُلِّمَ عليّ بن عيسى إلى المُحَسِّن بن أبي الحَسَن بن الفُرات، فقَيِّدهُ
وأهانَهُ، فقال: والله ما أملك سوى ثلاثة آلاف دينار، وما أنا من أهلٍ
الخيانة. وحضر نازوك صاحب شرطة بغداد، والمُحَسِّن قد أحضرَ عَليًّا
وشرعَ يشتمه، فقام نازوك. فقال له المُحَسِّن: إلى أين؟ فقال: قد قبّلنا يدَ
هذا الشيخ سنينَ كثيرة، فما يطيبُ لي أن أراهُ على هذه الحال. ودخلَ على
(١) مروج الذهب ٤/ ١٣٢ .
(٢) النيمرشت: المَشْوي.
٢٠٥

المقتدر فأخبره فأنكرَ إنكارًا شديدًا. فبعث ابنُ الفُرات إلى ابنه يشتمه
ويسبُّه. وبعثَ إلى عليّ بن عيسى بمالٍ وحمله مُكَرَّمًا إلى داره. فسَأَل
الخروج إلى مكة، فأذنوا له فخرجَ إليها .
ونَكَبَ ابنُ الفُرات أبا عليّ بن مُقْلة، وكان كاتبًا بين يدي حامد بن
العباس.
وقَدِمَ مؤنس بغدادَ، فالتقاه الملأ، فأنكرَ ما جرى على حامد وابن
عيسى فعزَّ على ابن الفُرات فاجتمع بالمُقْتدر وأغراهُ بمؤنس، وقال: قد عزَم
على التَّحكّم على الخلافة. فلمَّا دخل مؤنسٍ على المقتدر، قال له: ما شيء
أحب إلي مِن إقامتك ببغداد، ولكن قد قَلَّت الأموال بالعراق، وعَسْكرك
يحتاجون إلى الأرزاق، ومالُ مصرَ والشّام كثيرٌ، وأرى أن تقيمَ بالرَّفَّة،
والأموال تُحمل إليك من الجهات، فاخرُجْ.
وعلم مؤنس أنَّ ذا من تَدْبير ابن الفُرات، وكان بينهما عداوة، فخرجَ
بعدَ أيّام مستوحشًا. فتفرّغ ابن الفُرات في نكبة نَصْر الحاجب، وشفيع
المُقْتَدري، وكَثَّرَ عليهما عند المُقتدر، فلم يُمَكِّنْه منهما، فقال: إنَّ نَصْرًا
ضيَّع عليكَ في شأن ابن أبي السَّاج خمسة آلاف ألف دينار، ولو كانت باقية
الأرضيت بها الجُنْدَ. فكان المقتدر يَشْرَه إلى المال مرّةً، ويراعي خاطر
والدته لمدافعتها عن نَصْر مرةً، وقالت له: قد أبعدَ ابن الفُرات مؤنسًا وهو
سيفك، ويريد أن ينكبَ حاجبك ليتمكَّن منكَ، فيجازيك على حَسْبِ ما
عاملته مِن إزالة نعمته وهَتْك حُرَمِه، فَبِمَن تستعين على ابن الفُرات
والمُحَسِّن، مع ما قد ظهرَ من شرِّهما واستحلالهما الدماء إن خَلَعاك؟ واتفَّق
أن وُجِدَ في دار المقتدر أعجميٌّ دخلَ مع الصُّنّاعِ، فَأُخِذَ وَقُرِّرَ فلم يُقِرّ
بشيءٍ، ولم يزد على غَيِّ دائمٍ، فَصُلِبَ وأحرِقَ. فقيل: إنَّ ابنَ الفُرات قال
لنَصْر بحضرة المقتدر: ما أحّسبك ترضى لَنفسك أن يجري في دارك ما
جرى في دار أمير المؤمنين وأنت حاجبه، وما تمَّ هذا على أحدٍ من
الخلفاء، وكَثَّر على نَصْر، وجَرَت بينهما منافسة.
وفي شعبان أمرَ المقتدرُ بردِّ المواريث إلى ما صَيَّرها المعتضدُ من
توريث ذوي الأرحام.
٢٠٦

وفيها دخلَ أبو طاهر سُليمان بن الحسن الجَنَّابي القِرْمِطي البصرة في
ربيع الآخر في السَّحَر في ألفٍ وسبع مئة فارس، ونصبَ السَّلالم، وصعدوا
على الأسوار، ونزلوا البَلَد، ففتحوا الأبوابَ، ووُضِعَ السَّيف في النَّاس
وأُحرقَ الجامع ومسجد طَلْحة، فهرب النَّاسُ ورموا نفوسَهُم في الماء،
فغرق خَلْقٌ، واستباحَ الحريمَ والأموالَ.
وفيها كتب ابن الفُرات بإشخاص الحُسين بن أحمد المادرائي وأبي
بكر محمد بن علي من مصر إلى بغداد، وصادرهما، وأخذ منهما مئتي ألف
دینار .
وفيها وَلِيَ إمرةَ دمشق عُمر الرَّاشدي الذي وَلِيَ الرَّمْلَةَ بعد ذلك،
ومات بها سنة أربع عشرة وثلاث مئة.
وفيها صُرِف أبو عُبَيْد بن حربُوية من قضاء مصرَ، وتأسَّف النَّاسُ
عليه، وفرح هو بالعَزْل وانشرحَ له. وولي قضاء مصر بعده أبو يحيى عبدالله
ابن إبراهيم بن مُكْرَم فاستنابَ عنه أبا الذِّكْر محمد بن يحيى الأُسْواني
المالكي. وقدم بعد شهرين إبراهيم بن محمد الكُرَیْزي، فحكم على ديار
مصر من قِبَل ابن مُكرم.
وفي هذه الحدود أو بعدها ظهر شاكر الزَّاهد صاحبُ الحَلّج، وكان
من أهل بغداد؛ قال الشُّلَمي في ((تاريخ الصُّوفية)): شاكر خادم الخَلَّج كان
مُتَّهَمًا مثله، حكى عنه حكايات كثيرة، وأخرجَ كلامَهُ إلى النَّاس، فَضُرِبَتْ
عنقه بباب الطّاق.
سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة
في ثاني عشر المُحَرَّم عارضَ أبو طاهر بن أبي سعيد الجَنَّابِي رَكْبَ
العراق قريبًا مِن الهَبِير، وعُمُرُه يومئذٍ سَبْع عشرة سنة، وهو في ألف فارس
وألف راجل. وكانَ في الرَّكْب أبو الهيجاء عبدالله بن حَمْدان، وأحمد بن
بدر عم السَّيِّدة، وشقيق الخادم، فأسرهم الجَنَّبيُّ وأخذَ الأموالَ والجمالَ
والحريمَ، وسارَ بهم إلى هَجَر، وترك بقيّة الرَّكْب، فماتوا جُوعًا وعَطَشًا إلا
القليل. وبلغ الخبر بغدادَ، فكثر فيها النَّوح والبُكاء .
وضعُف أمر ابن الفرات واستدعى نَصْرًا الحاجب يستشيرُه بعدما أساءَ
٢٠٧

إليه، فقال: الآن تستشيرني بعد أن عَرَّضْتَ الدَّولة للزوال بإبعادك مؤنسًا.
وأخذ يُعَنِّفه، ثمّ التفت إلى المُقتدر، وقال: الآن كاتِب مؤنسًا ليُسرِع إلى
الحضرة، فکتب.
ووثبت العامّة على ابن الفُرات ورَجَمت طَيَّارتَهُ بالآجُر وصاحوا عليه:
أنتَ القِرْمِطي الكبير. وامتنعَ الناس من الصَّلَوات في المساجد.
وسارَ ياقوت الكبير إلى الكوفة ليضبطها، وأنفقَ في جُنده خمس مئة
ألف دينار. فقَدِمَ مؤنس ودخلَ على المقتدر، فلمّا عاد إلى داره ركبَ إليه
ابن الفُرات للسَّلام عليه، ولم تجرِ بذلك عادة الوزراء قبله. فخرج مؤنس
إلى باب داره، وخضعَ له وقبَّلَ یدَهُ.
وكان في حَبْس ابنه المُحَسِّن جماعة صادرَهُم، فخاف العَزْلَ وأن
يظهرَ عليه ما أخذَ منهم، فأمرَ بذبح عبدالوَهَّاب بن ما شاء الله، ومؤنس
خادم حامد، وسَمَّ إبراهيم أخا عليّ بن عيسى، فكثر ضجيج حُرَم المقتولين
على بابه .
ثمّ إنّ المقتدر قبضَ على ابن الفُرات وسَلَّمه إلى مؤنس، فرفعه مؤنس
وخاطبه بالجميل وعاتَبَهُ، فتذلَّلَ له وخاطبه بالأستاذ، فقال: السَّاعة
تخاطبني بالأستاذ، وأمس تُخرجني إلى الرَّقَّة على سبيل النَّفْي؟! واختفى
المُحَسِّن وصاحت العامّة وقالوا: قُبِضَ على القِرْمِطي الكبير، وبقي
الصَّغِير، واعْتُقِلَ ابنُ الفُرات وآله بدار الخلافة.
واسِتُوزِرَ عبدالله بن محمد الخاقاني وشغبت العامّة، وقالوا: لا نرضى
حتّى يُسَلَّم ابن الفُراتِ إلى شفيع اللُّؤْلُؤْي. فتسلّمه شفيع. وكان الخاقانيُّ
قد استترَ أَيَّامِ ابن الفُرات خوفًا منه. وأمرَ المقتدر بتسليمه إلى الخاقاني،
فَعَذَّب بني الفُرات، واصطفى أموالَهُم، فقيل: أخذ منهم ألفي ألف دينار.
ثُمِ ظُفِرَ بالمُحَسِّن وهو في زيّ امرأةٍ قد اختضب فی یدیه ورِجْلَیه،
فَعُذِّبَ وأُخذَ خطُه بثلاثة آلاف ألف دينار. فاتفق مؤنس، وهارون بن غريب
الخَال، ونصر الحاجب على قَتْل ابن الفُرات وابنه، وكاشفوا المقتدر،
فقال: دعوني أفكِّر، فقالوا: نخافُ شغب القُوَّاد والنَّاس. فاستشار
الخاقاني، فقال: لا أدخل في سَفْك الدِّماء، والمصلحة حملهما إلى دار
٢٠٨

الخلافة، فإذا أَمِنا أَظهرا المال. ثم لم يزالوا بالمقتدر حتى أمر بقتلهما.
فبدأ نازوك بالمُحَسِّن فقتله، وجاء برأسه إلى أبيه، فارتاع. ثمّ ضربَ عنقَه.
وعاش ابن الفُرات إحدى وسبعين سنة، وابنه ثلاثًا وثلاثين سنة،
وعاشا بعد حامد الوزير ستّة أشهر .
ثمَّ إنَّ القِرْمِطي أطلقَ أبا الهيجاء بن حَمْدان، فقَدِمَ بغداد. وبعثَ
القِرْمِطي يطلب من المقتدر البَصْرة والأهواز. فذكر ابن حَمْدان أن القِرْمِطي
قتل من الحُجّاج ألفي رجل ومئتين، ومِن النّساء ثلاث مئة، وبقي في أَسْرِهِ
بِهِجَر مثلُهم .
وفيها فُتحت فَرْغَانة على يد والي خُراسان.
وأُطلِقَ أبو نَصْر وأبو عبدالله ولدا أبي الحَسَن بن الفُرات وخُلِعَ
عليهما. وقد وَزَرَ ابنُ الفُرات ثلاث مرّات، وملكَ من المال ما يزيدُ على
عشرة آلاف ألف دينار، وأودعَ المالَ عند وجوه بغداد، وكان جَبّارًا فاتكًا،
وفيهِ کَرَمٌ وسياسةٌ .
سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة
فيها سار الحُجّاج من بغدادَ ومعهم جعفر بن وَرْقاء في ألف فارس،
فلقيَهم القِرْمِطِي بِزُبالة، فناوشَهُم الحربَ، ورجعَ النَّاسُ إلى بغدادَ. ونزل
القِرْمِطي على الكُوفة فقاتلوه فغلبهم، ودخل البلدَ ونهبَ ما لا يُخْصَى.
فَنَدَبَ المقتدر مؤنسًا الخادم لحرب القِرْمِطي، وجَهَّزهم بألف ألف دينار.
وفيها عُزِل أبو القاسم الخاقاني الوزير، فكانت وزارته سنة وستّة
أشهر (١)، واستوزر أحمد بن عُبَيْدالله بن أحمد بن الخصيب، فسُلِّم إليه
الخاقاني، فَصادرَهُ وكُتَّابِهُ، وأخذَ أموالهم.
وفيها كان الرُّطَب كثيرًا ببغداد حتى أُبيع كل ثمانية أرطال بحبَّة.
وفيها قدِم مصرَ عليّ بن عيسى الوزير من مكَّة ليكشفَها، وخرج بعد .
ثلاثة أشهر إلى الرَّمْلة .
(١) في د: ((ستة أشهر))، وما أثبتناه يعضده ما في تجارب الأمم ١٤٣/١، والمنتظم
١٩٦/٦.
تاريخ الإسلام ٧/ ١٤٣
٢٠٩

وعُزِل عن قضاء مصر عبدالله بن إبراهيم بن مُكْرَم بهارون بن إبراهيم
ابنِ حمّاد القاضي من قِبَل المُقتدر. فورَدَ كتابهُ على قاضي مصر نيابةً لابن
مُكْرَم بأن يُسلِّم القضاءً إلى مَن نَص عليه، وهو أبو عليّ عبدالرحمن بن
إسحاق الجَوْهري، وأحمد بن عليّ بن أبي الحَسَن الصَّغيرَ، فتسلَّما القضاء
من إبراهيم بن محمد الكُرَيْزي. ثمّ انفرد بالحُكْم أبو عليّ الجَوْهري، وكان
فقيهًا عاقلاً حاسِبًا .
سنة أربع عشرة وثلاث مئة
فيها نزحَ أهلُ مكّة منها خوفًا من قُرب القِرْمِطي.
وفيها دخلت الرُّوم مَلَطْية بالسَّيف، فقتلوا وسَبوا، وبقوا بها أيّامًا .
وفيها جمدت دِجلة بالمَوْصِل، وعَبرت عليها الدَّواب، وهذا لم
يُعْهَد، وسقطت ثلوج كثيرة ببغداد.
ورَدَّ حُجَّاج خُراسان خَوْفًا من القِرْمِطي، ولم يحجّ الرَّكْب العِراقي في
هذين العامين .
وفيها قُبض على الوزير ابن الخَصِيب لاشتغاله باللَّهْو واختلال
الدَّولة، وأُحْضِرَ الوزير عليّ بن عيسى فأُعيدَ إلى الوزارة.
وفيها أُطْلِقِ الوزير أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عُبَيْد بن يحيى بن
خاقان من حبْس ابن الخَصِيب الوزير، وحُمِلَ إلى منزله، فماتَ في رجب .
وفيها جاشت الروم وأتت إلى مَلَطْية فنازلوها، وخَرَّبوا القُرى، واشتدً
القتال عليها أيّامًا، ثمّ ترخَّلوا عنها، فذهبَ أكابرها إلى السّلطان يطلبون
الغَوْث، فعادوا بغير إغاثة.
وفيها صُرِفَ عبدالرحمن بن إسحاق الجَوْهري عن القضاء، وَوَلِيَ أبو
عثمان أحمد بن إبراهيم بن حَمَّاد بن إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد؛
ولاَهُ أخوه هارون، وكان إليه قضاءُ مصرَ، فبعثَ أخاه من جهته .
سنة خمس عشرة وثلاث مئة
فيِ صَفَرَ قَدِمَ عليّ بن عيسى الوزير، فزادَ المقتدر في إكرامه، وبعثَ
إليه بالخِلَع وبعشرين ألف دينار، وركبَ من الغد في الدَّسْت، ثمّ أنشد:
٢١٠

ما النَّاسُ إلا مَع الدُّنيا وصَاحِبها فكيفَ ما انْقِلَبَتْ يومًا بهِ انْقَلَبُوا
يُعَظِّمونَ أَخَا الدُّنيا فإِنْ وَثَبَت يومًا عليهِ بِما لا يَشْتَهِي وَثَبُوا
وفيها وصلت الرُّوم إلى سُمَيْساط، وأخذوا مَن فيها وما فيها، وضَرَبوا
النَّاقوسَ في جامِعِها، فتهيَّأ مؤنس للخروج. ولمّا أراد وداع المقتدر جاءه
خادِم مِن خوَاصِّ المقتدر، فقال: إنَّ الخليفة قد حَفَر لك زُبْيَةً(١) بدار
الشَّجرة، وأمَر أن تُفْرد إذا دخلتَ، ويُمَرُّ بك على الزُّبْيَة فتكون قبرك.
فامتنع من وداع المقتدر. وركب إلى مؤنس الأمراء والغلمان كلَّهم، ولم
يبقَ بباب الخليفة أحد ولبسوا السّلاحِ، فقال له أبو الهيجاء عبدالله بن
حَمْدان: أيُّها الأستاذ، لا تخف، فلَنُقَاتِلَن بين يديك حتى تنبت لك لحية.
فبعث له المقتدر ورِقةً بخطّه يحلف بالأَيْمان المُغَلَّظة على بُطلان ما بلغه،
ويُعَرِّفه أنّه يأتي اللَّيلة ليحلف له مشافهةً. فصرفَ مؤنس القُوَّاد إلى دار
الخلافة، ولزم أبو الهيجاء بابَ مؤنس. وبعث المُقتدر نَصْرًا الحاجب،
فأحضروا مؤنسًا إلى الحضرة، فقبَّل يدي المُقْتَدر، فحلفَ له المقتدر أنه
صافي النّية له ووذَّعَهُ. وسارَ إلى الثُّغور فالتقى مع الروم، وقتلَ منهم خَلْقًا.
وفيها ظهرت الدَّيْلَم على الرَّي والجبال، وأوَّل من غلب لنكي بن
التّعمان فقتل خَلْقًا وذبح الأطفالَ.
وغلبَ على قَزْوين أسفارُ بن شِيرُوية فغشمَ وظلمَ وتَفَرْعَنَ، فقتلَهُ
حاشيتُه في الحَمَّام.
وجاء القِرْمِطي إلى الكُوفة، فجهّزَ المقتدر لحربه يوسف بن أبي السَّاج
فالتقوا، فنظرَ يوسف إلى القَرَامطة فاستقبلهم، وقاتلهم قتالاً شديداً، وجُرح
من القَرَامطة بالتُّشَّابِ المَسْموم نحو خمس مئة، وأبو طاهر القِرْمِطي في
عَمَّاريّة حوله مئتا فارس، فنزلَ وركب فَرَسًا، وحملَ على يوسف، والتحمَ
القتال، وأُسِرَ في آخر النَّهار يوسف بن أبي السّاج مَجْروحًا، وقُتِلَ من
أصحابه عدّة وانهزم جيشُه. فدَاوَت القَرَامطة جراحاته وجاءت الأخبار إلى
بغداد، فخافَ النَّاسُ، وعسكر مؤنس بباب الأنبار.
وساق القِرْمِطي إلى أن نزل غربيَّ الأنبار، فقطعوا الجَسْر بينهم وبينه
(١) الزبية: الجُب، حفرة تحفر للأسد عادة.
٢١١

على الفُرات. وأقام غَرْبي الفُرات يتحَيَّلُ في العُبُور. ثمّ عَبَر وأوقعَ بَيَزَك(١)
المُسْلمين، فخرجَ نصر الحاجب والرَّجَّالة وأهلُ بغداد إلى مؤنس، فكانوا
أربعين ألفًا وأكثر، وخرجَ أبو الهيجاء بن حَمْدان وإخوته أبو الوليد، وأبو
السَّرايا، وأبو العلاء. وتقدَّم نصر فنزل على نهر زبارا على نحو فرسخين من
بغداد، وقُطِعَت القَنْطرة في ذي القَعْدة. فلمّا أصبحوا جاءهمِ القِرْمِطي
فحاذاهم، وبعثَ بين يديه أسود ينظر إلى المَخَاض، فرموه بالنُشَّاب حتى
صار كالقُنْفُذ، فعادَ وأخبرَ أصحابَهُ بأنّ القَنْطرة مَقْطوعة. فأقامت القَرَامطة
يومين، ثم ساروا نحو الأنبار، فما جَسَرَ أحدٌ يتبعهم، وهذا خِذْلانٌ من الله،
فإنَّ القِرْمِطيَّ كان في ألف فارس وسبع مئة راجل، وجيش العراق في أربعين
ألف فارس.
وقال ثابت: إنَّ مُعظم عسكر المُقتدر انهزموا إلى بغداد قبل أن يعاينوا
القِرْمِطي لشدّة رُعْبهم. فوصلَ القِرْمِطي الأنبار، فاعتقدَ من بها من الجُنْد أنّه
جاء منهزمًا، فخرجوا وقاتلوه، فقُتِلَ منهم مئة فارس، وانهزم الباقون.
ثمّ إنَّ القِرْمِطي ضربَ عُنق ابن أبي السَّاج، وقتلَ جماعةً من أصحابه.
وهَرَبَ معظم أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشَّرقي.
وسارَ القِرْمِطي إلى هِيت فدخل مؤنس بالعساكر إلى الأنبار، وقَدِمَ
هارون بن غريب، وسعيد بن حَمْدان في جيشٍ إلى هيت، فسبقا القِرْمِطِيَّ
وصعِدا على سُورها، فقويت قلوب أهلها وحَصَّنوها. فعمل القِرْمِطي سلالم
وزحفَ، فلم يقدر على نَقبها، وقتلوا من أصحابه جماعةً، فرحل عنها إلى
البَرِّيّة، وتصدَّقَ المقتدر وأمُّه بمال.
ولمّا جاء الخَبَرُ بقَتْل ابن أبي السَّاج دخل عليّ بن عيسى على المُقْتدر
وقال: إنّه ليس في الخزائن شيء، ولم يتمّ على الإسلام شيء أعظم من هذا
الكافر، وقد تمكَّنَت هيبتُهُ من القلوب، فاتَّقِ الله وخاطِب السَّيّدة في مالٍ
تُنْفقه في الجيش وإلّ فما لَكَ ولأصحابك إلاَّ أقاصي خُراسان. فدخلَ على
والدته وأخبرها، فأخرجت خمس مئة ألف دينار، وأخرجَ المقتدر ثلاث مئة
ألف دينار. وتَجَرَّد ابنُ عيسى في استخدام العَسَاكر .
(١) البيزك: طلائع الجيش.
٢١٢

وورد منِ هِيت نصر الحاجب ومعه ثلاثة عشر من القَرَامطة، فأمر
المقتدر لهم بِخلَع ومالٍ لكونهم خامروا على القِرْمِطي.
ووَلَّى المقتدرُ أبا الهيجاء الجزيرةَ والمَوْصِلَ.
ثمّ إنَّ الجُنْدَ اجتمعوا فشغبوا على المُقتدر، وطلبوا الزيادة وشتموه
ونهبوا القَصْر الملقَّب بالثُريا، وصاحوا: أبطلتَ حجَّنا وأخذتَ أموالنا
وجَرَّأْتَ العدو وتنامُ نومة الجارية. فبذلَ لهم المال فسكتوا. وجُدِّدَتْ على
بغداد الخنادق وأُصْلِحت الأسوار.
وفيها مات الحُسين بن عبدالله الجَوْهري ابن الجَصاص، وكان ابن
طولون قال: لا يُباع لنا شيء إلاّ على يده.
وعنه، قال: كنتُ يومًا جالسًا في الدِّهْليز، فخَرَجتْ قَهْر مانة معها مئة
حبّة جَوْهر، تساوي الحبّة ألف دينار، فقالت: يحتاج هذا إلى خَرْط ليصغُر
فأخذتُه مُسْرعًا، وجمعتُ يومي ما قدرت عليه حتى حصّلت مئة حبة من
النَّوع الصِّغار، وأتيتُ القَهْرمانة فقلت: قد خَرَطنا هذا، وتَقَوَّمت عليّ بمئة
ألف درهم. وقد أسلفنا من أخباره لمّا صودر سنة اثنتين وثلاث مئة.
قال التَّنُوخِي(١): ولَمَّا صُودر وُجِدَ في داره سبع مئة مُزَمَّلة خَيْزُران.
وبلغت مصادرته ستة آلاف ألف دينار. وأُطلق بعد المُصادرة، فلم يبقَ له
إلاّ ما قيمته سبع مئة ألف دينار.
وكان مع هذا فيه نوع بَلَه وغَفْلَة، له حكايات في المغفَّلين، مرضَ
مرَّةً بالحُمَّى فقيل: كيف أنت؟ قال: الدُّنيا كلها مَحْمُومة. ونظر في المرآة
يومًا فقال الرجل: ترى لحيتي طالت؟ فقال: المرآة في يدك. فقال: الشَّاهد
يرى ما لا يرى الحاضِر. ودخل يومًا على ابن الفُرات، فقال: أيُّها الوزير،
عندنا كلاب ما تَدَعُنا ننام. قال: لعلّهم جِرَى. قال: لا، والله ألا كلُّ كلب
مثلي ومثلك!
وقيل: كان يدعو ويقول: حَسْبي الله وأنبياؤه وملائكته، اللَّهم أعِدْ من
بركة دعائنا على أهل القُصور في قصورهم، وعلى أهل الكنائس في
(١) نشوار المحاضرة ١/ ٣٧.
٢١٣

كنائسهم. وفرغَ مرَّةً من الأكل، فقال: الحمد لله الَّذي لا يُحلف بأعظم
منه .
ونزل مع الوزير الخاقاني في المَرْكب وبيده بِطَّيخة كافور، فبصقَ في
وجه الوزير وألقى البطيخة في دِجْلة. ثمّ أخذ يعتذرَ، قال: أردتُ أن أبصقَ
في وجهك وأُلقي البطيخة في الماء، فغلطتُ فقال: هكذا فَعَلت يا جاهل.
ومع هذا كان سعيدًا متمولاً محظوظًا .
قال أبو عليّ التّنُوخي في ((نشواره))(١): سمعتُ الأميرَ جعفر بنِ وَرْقاء
يقول: اجتزتُ بابن الجَصَّاص، وكان بيننا مصاهرةٌ، فرأيتُه على رَوْشَنِ داره
وهو حافٍ حاسرٌ يعدو كالمَجْنون، فلمّا رآني استحيا، فقلت: ويلك ما
لك؟ فقال: يحقُّ لي أن يذهبَ عقلي، وقد أخذوا منّ كذا وكذا أمرًا
عظيمًا. فقلتُ مُسَلِّيًا له: ما سَلِمَ لكَ يكفي، وإنّما يقلق هذا القلق مَن
يخاف الحاجةَ، فاصبر حتى أُوافقك بأنَّك غني. قال: هات. فقلتُ: أليسَ
دارك هذه بفَرْشها وآلاتها لكَ؟ وعقارك بالكَرْخ وضِياعك؟ فما زلتُ أحاسبه
إلى أن بلغَ قيمة ما بقي له سبع مئة ألف دينار. ثمّ قلتُ: وأصْدِقْني عمّا سَلِمَ
لكَ من الجَوْهر والعَبيد والخَيْل وغير ذلك. فحسبنا ذلك، فإذا هو بقيمة
ثلاث مئة ألف دينار أُخرى، فقلت: فَمَن ببغداد مثلك اليوم وجاهُكَ قائم
بحالِهِ؟! فسجَدَ لله وبكى، وقال: قد أنقذني الله بكَ، وما عَزَّاني أحدٌ أنفع
منك، وما أكلتُ شيئًا منذ ثلاث، وأحبُّ أن تقيمَ عندي لنأكل ونتحدَّث .
فقلتُ: أفعل. فأقمتُ يومي عنده وتحدثنا.
قال التَّنوخي(٢): وكنتُ اجتمعتُ مع أبي عليّ ولد أبي عبدالله ابن
الجَصّاص فسألتُه عمّا يُحْكَى عن أبيه من أنَّ الإمام قرأ: ﴿ وَلَ الضَّالِينَ﴾
[الفاتحة: ٧] فقال: إيْ لَعَمري؛ بدلَ آمين، وإنّه أراد أن يُقَبّل رأس الوزير
الخاقاني، فقال: إنَّ فيه دُهْنَا فقال: لو كان فيه خرا لقبّلته، ومثل وصفه
مُصْحَفًا عتيقًا، فقال: كِسْرَويًّا. فقال(٣): غالبُهُ كذِب، وما كانت فيه سلامة
(١) النشوار ٢٦/١ - ٢٨.
(٢) النشوار ٢٩/١ - ٣٥.
(٣) القائل هو الابن يدافع عن أبيه.
٢١٤

تُخرجهُ إلى هذا، ما كان إلا من أدهَى النَّاس، ولكنَّه كان يطلق بحضرة
الوَزِير قريبًا من ذلك لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحبُّ أن يصوِّرَ نفسه
عندهم بصورة الأَبْلَه لتأمنه الوزراء لكثرة خَلْوته بالخُلفاء، فأنا أحدِّثْكَ عنه
بحديثٍ تعلم أنّه في غاية الحَزْم، ثم قال: حدَّثني أبي أنَّ ابن الفُرات لمَّا
وَلِيَ الوزارة، قال: فقصدني قصدًا قبيحًا لشيءٍ كان في نفسِه عليَّ وبالَغَ،
وتلطّفتُ معه بكلِّ طريقٍ، وكانٍ عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار
عَيْنَا وجوهرًا سوى غيرها. ففكّرتُ في أمري، فوقع لي الرأي في اللَّيل في
الثُّلُث الأخير، فركبتُ في الحال إلى داره، فدققتُ فقال البَوَّابون: ليس هذا
وقت وصول، والوزير نائم. فقلتُ: عَرِّفوا الحُجَّاب أنّي حضرتُ في مُهمٍّ.
فعرّفوهم، فخرِج إليَّ أحدُهم، فقال: إنّه إلى ساعةٍ ينتبه. فقلت: لا، الأمرُ
أهم من ذلك فَنَبِّهه. فدخل ثمّ خِرجَ فأدخلني إليه وهو على سريرٍ، وحوله
نحو خمسين نَفْسًا، كأنّهم حَفَظَة، وقد قاموا وهو جالسٌ مُرْتاعًا، ظن أنّ
حادثةً حَدَثَتْ، فرفعني وقال: ما الأمر؟ فقلت: خيرٌ، ما حَدَث شيء، ولا
جئتُ إلّ في أمرٍ يَخُصُّني. فسكَنَ وصَرف مَن حوله، وقال: هاتِ. فقلت :
أيُّها الوزير، إنّكَ قصدتني أقبح قَصْدٍ، وشرعتَ في هلاكي بإزالة نعمتي،
ولَعَمْري، إنّي أسأتُ في خدمتك. وقد كان في بعض هذا التَّقويم بلاغٌ
عندي، وقد جهدتُ في استصلاحك، فلم يُغْن، وليس شيء أضعف من
الهرِّ، وإذا عاثَ في دُكان الفامي(١) فظفرَ به ولَزَّه وثبَ عليه وخمشَهُ. ولستُ
أضْعَفَ من السِّنَّور، وقد جعلتُ هذا الكلام عُذرًا، فإن صلحتَ لي وإلّ
فعليَّ وعليَّ. وعقدْتُ الأيمان لأَقصدنَّ الخليفةَ الآن وأحمل إليه من خزانتي
ألفي ألف دينار وأقول: سَلِّمْ ابِن الفُرات إلى فلان وَوَلْهِ الوزارة. فيخدمني
ويرجع تدبير أموره إليَّ، فأَسَلِّمك إليه، فيعذِّبك حتى يأخذ منك الألفي
ألف، وأنتَ تعلم أنّ حالكَ يفي بها، ويعظُم قَدْري بِعَزْلي وزيرًا وتقليدي
آخر. فلمّا سمع هذا، قال: يا عدوَّ الله، وتستحلُّ هذا؟ فقلتُ: إن أحْوَجْتني
إلى هذا، وإلاّ فاحلف لي السَّاعة على معاملتي بكلِّ جميل، ولا تَبْغِ لي
الغوائل. فقال: وتحلف لي أنتَ أيضًا على مثل ذلك، وعلى حُسْن الطّاعة
(١) الفامي: البقال.
٢١٥

والمؤازرة. فقلتُ: أفعل. فقال: لعنكَ الله، فما أنت إلّ إبليس. والله لقد
سَحَرْتَني. واستدعى دَواةً، وعملنا نُسخةَ اليمين، وأحلفته بها أولاً، ثمّ
حلفتُ له. فقال: يا أبا عبدالله، لقد عَظُمْتَ في نفسي، والله ما كان المقتدر
يفرِّق بين كفايتي وموقعي، وبين أصغر كُتّابي مع الذَّهب، فاكتم ما
جرى. فقلتُ: سبحان الله. فقال: إِذا كان غدًا فتعال لترى ما أعاملكَ
به . فنهضتُ، فقال: يا غِلْمان بأسْرِكُم بين يدي أبي عبدالله. فعدت إلى
داري وما طلعَ الفَجْر.
ثم قال لي ابنه أبو عليّ: هذا فِعْلُ من يُحكى عنه تلك الحكايات؟
فقلت: لا. والله أعلم.
سنة ست عشرة وثلاث مئة
في أوّلها دخل أبو طاهر القِرْمِطي الرَّحبة بالسَّيف واستباحها. وبعثَ
أهلُ قَرْقِيسيا يطلبون الأمان فَآمَنَهُم. وَقَصَد الرَّفَّة وهو في تسع مئة فارس
وثلاث مئة راجل، فقتل فيها جماعةً بالرَّبَض، ودفعَهُ أهلُها عنها، فسار
مؤنس من بغداد إلى الرَّقَّة فأتاها بعد انصراف أبي طاهر. ثم أتى هيت،
فرموه بالحِجَارة، فقتلوا أبا الرَّوَّاد من خواص أصحابه. فسَارَ إلى الكوفة،
فنهضَ نصر الحاجب بالعساكر وراءه، فمرض نصرٌ. فاستخلف أحمد بن
كَيَغْلَغ وبعث معه بالجَيْش فانصرفَ القِرْمِطي قبل أن يلقاه. ومات نصر في
رمضان وحُمِلَ إلى بغداد.
واستُعْفيَ عليّ بن عيسى من الوزارة، فاستُوزِرَ أبو عليّ بن مُقْلَة الكاتب.
ورجع القِرْمِطي فبنى دارًا سمّاها دار الهجرة، ودعا إلى المَهْدي،
وتفاقمَ الأمرُ، وكثُر أتباعه، وبثَّ السَّرايا، فهربَ عُمَّال الكوفة عنها، فسارَ
هارون بن غريب إلى واسط، فظفر بسريةٍ لِهم فقتلَهُم، وبعث إلى بغداد
بأسارى وبمئة وسبعين رأسًا وأعلام بيض مُنكَّسة عليها مَكْتوب: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ
ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِغَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِنَ
[القصص]. ففرح النَّاس واطمأنوا.
وفيها وقعت الوَحْشِة بين المُقتدر ومُؤنس، ووقعَ الكلام بأنَّ هارون
ابن غريب يتولَّى إمرة الأمراء، فكتب أخصَّاء مؤنس إليه إلى الرَّقَّة بذلك،
٢١٦

فَقَدِمَ بغدادَ في آخر السَّنة ولم يأت إلى المُقْتَدِر، فبعث إليه ولده والوزير ابن
مُقْلَة، فوصفا شوق المقتدر إليه، فاعتل بعلَّةٍ، وظهرت الوحشة بينه وبين
المُقتدر، فأقامَ هارون مُنابذًا لمؤنس، وجعلت الرُّسُل تتردّدُ بين المُقتدر
و مؤنس .
ولم يحجّ أحدٌ في هذه السنة خَوْفًا من القَرَامطة .
وأمّا الروم فإنَّ الدُّمُسْتُق لعنه الله، سار في ثلاث مئة ألف على ما
قرأت في تاريخ عتيق، فقصدَ ناحية خِلاط وبَدْلِيس فقتلَ وسَبَى، ثم صالحه
أهل خِلاط على قطيعةٍ، وهي عشرة آلاف دينار، وأخرجَ المنبرَ من جامعها
وجعل مكانه الصَّليب، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون.
سنة سبع عشرة وثلاث مئة
قال ثابت بن سنان(١): في ثامن المُحَرَّم، خرجَ مؤنس إلى باب
الشَّمَّاسيَّة ومعه سائر الجَيْش، وركب نازوك الوالي في جيشه من داره،
وخرج أبو الهيجاء بن حَمْدان أيضًا إلى مؤنس، فشحن المُقْتدر دارَهُ ومعه
هارون بن غريب، وأحمد بن كَيَغْلَغ، والحاشية، فلمّا كان آخر النهار انفضَّ
أكثر من في دار الخِلافة من الرَّجَّالة إلى مؤنس. وراسَلَ مؤنس المقتدر بأنَّ
الجيش عاتبٌ مُنْكِرٌ لما يُصْرَف من الذَّهَب إلى الحُرَم والخَدَم، وأنَّهم
يطلبون إخراج الحُرَم والخَدَم من دار الخلافة وإبعادهم. فكتب إليه رُقْعةً
بخطّه: ((أمتعني الله بكَ، ولا أخلاني منكَ، ولا أراني فيكَ سُوءًا. إنّي
تأمّلتُ الحالَ فوجدتُ الأولياء الذين خَرَجوا لم يريدوا إلا صيانة نَفْسي
وإعزازَ أمري، فباركَ الله عليهم، فأمّا أنت يا أبا الحسن المظفر، لا خلوتُ
منك، فشيخي وكَبِيري)). وذكر فصلاً طويلاً في الخُضُوع له، إلى أن قال:
وقبلَ هذا وبعده فَلي في أعناقكم بيعةٌ مؤكّدةٌ، ومَن بايعني فإنّما بايعَ الله،
ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وعهدَ الله نكثَ؛ ولي عليكم نِعَمٌ
وصنائعُ، وآمل أن تعترفوا بها لا تكفروها)). فلمّا وقفوا على الورقة عدلوا
إلى مطالبته بإخراج هارون عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك وقلَّده الثغور،
(١) نقله مسكوية من غير إشارة (تجارب الأمم ١٨٩/١).
٢١٧

وخرج من یومه .
ودخل في عاشر محرَّم مؤنس والجَيْش، فأُرجف بالمُقْتدر أراجيف
شديدة. ثمّ اتَّفقَ مؤنسٍ وأبو الهيجاء ونازوك على خَلْعه، فخرجَ مؤنس في
ثاني عشر محرَّم إلى الشَّمَّاسية في الأمراء والجُنود، وفي رابع عشر جاؤوا
إلى دار الخلافة، فهرب الحاجب مظفَّر، والوزيرِ ابنٍ مُقْلَة، والحَشَم،
ودخلَ مؤنس وأبو الهَيْجاء ونازوك، وحَصَل الجيشُ كلَّه في دار الخليفة،
وأُخْرِجَ المُفْتدرِ بعد العشاء ووالدته وخالته(١) وحُرَمه إلى دار مؤنس. ودخلَ
هارون من قُطْرُبُّل، فاختفى ببغداد، فأحضروا محمد بن المعتضد من
الحَرِيم، وكان مَحْبوسًا، فوصلَ في الثُّلُث الأخير، وبايَعهُ مؤنس والأمراء،
ولُقِّبَ بالقاهر بالله .
وكان عليّ بن عيسى مَحْبوسًا فأطلِقٍ إلى بيته، وقَلَّدِوا أبا عليّ بن مُقْلة
وزارة القاهر بالله، وقَلَّدوا نازوك الحِجَابة والشرطة، وقَلَّدوا أبا الهيجاء إمرة
الدِّينَوَر، وهَمَذان، ونهاوند مع ما بيده من الجزيرة والمَوصل.
ووقعَ الثَّهْبُ في دار الشُّلطان وبغداد، ونُهب لأمّ المقتدر ست مئة
ألف دينار، وأشهدَ المقتدرُ على نفسه بالخَلْع، وذلك يوم السَّبت .
وجلسَ القاهر يوم الأحد، وكتبَ الوزير عنه إلى البلاد، وعَمِلَ النَّاسُ
المَوْكب يوم الاثنين، فامتلأت دهاليز الدَّار بالعَسْكر، فطلبوا رزق البَيْعة
ورزق سنة، ولم يأت مؤنس يومئذٍ إلى الدَّار، فارتفعت أصوات الرَّجالة،
فخاف نازوك أن يتمَّ قتال، فهجم الرَّجَّالة، فلم يكفّهم أحد، فقتلوا نازوك
وخادمه عجيبًا وصاحوا: المُقْتَدر يا منصور. فتهاربَ مَن في الدَّار حتى
الوزير والحُجّاب. وصاروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردُّوه إلى
الخلافة، وأغلق بعضهم باب دار الخِلافة لأنّهم كانوا كلُّهم خَدَم المُقتدر،
فأراد أبو الهيجاء الخروج، فتعلَّق به القاهر، وقال: تُسَلِّمني وتخرج؟
فداخَلَتْه الحَمِيَّة فقال: لا، والله. ورجع معه فدخلا الفِرْدَوْس، وخرجا إلى
الرَّحْبة التي يُسلك منها إلى باب النُّوبي. ونزعَ أبو الهيجاء سواده وأخذَ جُبَّة
(١) في النسخة الحلبية: ((خاله))، وهو خطأ، وما هنا من أ ويعضده ما في تجارب الأمم
(١٩٣/١) نقلاً من تاريخ ثابت.
٢١٨

صوف، وذهب على فَرَسه. فوقف القاهر مع خدم له، فعاد إليه أبو
الهيجاء، فأخبَرهُ بقتل نازوك. وسُدَّت المسالك على أبي الهيجاء والقاهر
فرجعا إلى الدَّار يتسللون، وبقي من خدم المُقْتدر جماعة بالسّيوف، فخافَهُم
أبو الهيجاء، فثبتوا فرجع القَهْقَرَى ودخل بيتًا. فجاء خماجور، وشتمَ أبا
الهيجاء الغِلْمانُ، فغضِبَ وخرج كالجَمَل الهائج وصاح: يال تَغْلِب، أَأُقْتَلُ
بين الحيطان. أين الكُمَيْتِ؟ أين الدَّهْماء؟ فرماه خماجور بسهم في ثَدْيه،
ثمّ رماه آخر فأصاب تَرْقُوَتَه، وآخر في فَخْذِهِ، فنزعَ عنه الأَسُّهُم، وقتل
واحدًا منهم، وكان مع خماجور، أسودان، فبادرا إلى أبي الهيجاء، فحَّ
أحدهما رأسَهُ.
وأمّا أولئك فإنّهم حملوا المُقْتدر على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر
الخِلافة، فقال: ما فعل أبو الهيجاء؟ فجاءوا برأسه إلى المُقْتدر، فقال: مَن
قتله؟ قالوا: لا ندري. فاسترجع وتأسَّفٍ عليه، ثمّ سمع ضجّةً، وجاءه
خادم يعدو، فقال: هذا محمد القاهر قد أُخِذ، فجيء به فأُجْلِسَ بین یدیه،
فاستدناه وقبّل جبينه، وقال له: يا أخي أنتَ والله لا ذَنْب لك. هذا والقاهر
يبكي ويقول: الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي. فقال: والله لا جَرَى عليك
منّي سوء أبدًا. فطِب نَفْسًا .
وطيفَ برأسٍ نازوك ورأس أبي الهيجاء ببغداد، ونُودي: هذا جزاء
من عَصَى مولاه وكَفَرِ نعمَتْهُ، فسكنَ النَّاسُ. وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم
بعَود الخِلافة إلى المُقْتدر.
وقيلَ: إنَّ الذي قتل نازوكًا سعيد ومظفَّر مِن شُطَّار بغداد، ثم أتى
مؤنس وبايع المقتدر هو والقُوَّاد والقُضاة .
وقيل: إنَّ المقتدر لما أُحِيط به ورأى الغَلبة نشرَ المُصْحَف، وقال:
أنا فاعلٌ ما فعل عثمان رضي الله عنه، ولا أنزع قميصًا ألبسنيه الله .
ولمّا رجع إليه مُلْكه بَذَل الأموال في الجُنْدِ حتى أنفذَ الخزائن، وباع
ضياعًا وأمتعةً وتمَّمَ عَطَاياهم. وبيعت ضياع بُخْتَيْشُوعِ بالثَّمن اليَسِير.
قال ثابت بن سِنان: كان قد وَصَل إلى الطَّبيب بُخْتَيْشُوع في مدة
خدمته للرشيد ستّة وخمسون ألف ألف درهم من الرَّشيد والبرامكة.
وظهر هارون بن غريب ودخل على مؤنس وسلَّم عليه وقُلِّد الجَبَل،
مصر
٢١٩

فخِرِج إلى عَمَله. وقَلَّد المقتدر إبراهيم ومحمد ابني رائق شرطة بغداد.
وقلّد مظفَّر بن ياقوت الحِجَابةَ.
وفي رجب ماتت ثَمَل القَهْرمانة.
وفيها سَيَّر المُقْتدر الرَّكبَ مع منصور الذَّيْلَمي، فوصلوا إلى مكة
سالمين، فوافاهم يوم التَّروية عدو الله أبو طاهر القِرْمِطي، فقتل الحجيجَ في
المسجد الحرام قَتْلاً ذريعًا، وفي فجاج مكة وفي داخل البيت، وقتلَ ابن
محارب أمير مكة، وعَزَّى البيتَ، وقلعَ بابَه، واقتلعَ الحجرَ الأسود فأخذَهُ،
وطَرَحِ القَتْلَى في بئر زمزم، ورجع إلى بلاد هَجَر ومعه الحَجَر الأسود.
وامتلأت فِجاج مكة بالقَتْلی.
وقال أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذَّهبي في ((تاريخه)): إنَّ أبا
طاهر سُليمان بن حسن القِرْمِطي صاحب البَحْرين دخل مكة في سبع مئة
رجل، فقتلوا في المسجد الحرام نحو ألف وسبع مئة من الرجال والنِّساء
وهم يتعلّقون بأستار الكعبة. وردم منهم بئرَ زمزم، وصعدَ على باب
الكعبة، واستقبل النَّاس وهو يقول:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأُفْنيهم أنا
وقَتَلَ في سكك مكة وشِعابها زُهاء ثلاثين ألفًا، وسَبَى من النِّساء
والصِّبيان مثل ذلك. وأقامَ بمكةَ ستة أيّام، وأوقع بهم في سابع ذي الحجة.
ولمٍ يقف أحدٌ تلك السّنة وقفةً، فرماهُ الله في جسده وطالَ عذابهُ حتى
تقطّعت أوصاله.
قال محمود الأصبهانيُّ: دخل رجلٌ من القَرَامطة وهو سَكْران فصَفَر
لفرسه، فبالِ عند البيت وقتلَ جماعة. ثم ضربَ الحَجَر الأسود بدَبُّوس
فكسَرَهُ ثم قَلَعه. وأقام القِرْمِطي بمكة أحدَ عشر يومًا، ثمّ رحلوا وبقي
الحَجَر الأسود عندهم نحو عشرين سنة. وقيل: هلك تحته إلى هَجَر أربعون
جملاً. فلمّا أُعيد إلى مكة حُمِل على قَعُود هزيل فَسَمِن. وكان بجكم
التُّرْكي قد دفع فيه خمسين ألف دينار فلم يردُّوه وقالوا: أخذناه بأمرٍ وما
نردُّه إلّ بأمر.
وقيل: إن الذي اقتلعَه صاحَ: يا حَمِير أنتم قُلتم: ومَن دخله كان
آمنًا. فأين الأمن؟ قال رجلٌ: فَلَويْتُ رأسَ فرسه واستسلمت للقَتْل وقلتُ
٢٢٠