النص المفهرس

صفحات 641-660

يروي عن أبي اليَمَان، وعاصم بن علي، وجماعة. وعنه أبو سهل
القَطَّان، وجماعة.
توفي سنة ثلاثٍ وسبعين(١)، ولا أعلم فيه جَرْحًا.
٤٧٤- يعقوب بن إسحاق بن مِهْران الأصبهانيُّ المعروف بابن أبي
يعقوب المُعَدَّل.
سمع محمد بن عبدالله الأنصاري، وعمر بن مَرْزوق، وأحمد بن
يونس، وجماعة. وعنه أحمد بن جعفر السِّمْسار، وأحمد بن إبراهيم بن
يوسف الأصبهانيان.
توفي سنة ست وسبعين(٢).
٤٧٥- ت ن: يعقوب بن سُفْيان بن جُوَان، الحافظ الكبير أبو
يوسف بن أبي معاوية الفَسَويُّ الفارسيُّ صاحبُ ((التاريخ)) و ((المشيخة)).
طوَّف الأقاليم، وسمع ما لا يوصف كثرَة؛ سمع أبا عاصم النَّبیل،
ومكي بن إبراهيم، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، وعُبيدالله بن موسى،
وعبد الله بن رجاء، وأبا مُسْهِرٍ، وحَبان بن هلال، وأبا نُعَيْم، وسعيد بن أبي
مريم، وعَوْن بن عُمارة، وخَّلْقاً كثيراً بالشام، والحجاز، ومصر، والعراق،
والجزيرة .
وعنه الترمذي، والنسائي وقال: لا بأس به، وإبراهيم بن أبي طالب،
وابن خُزَيْمة، وأبو بكر بن أبي داود، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، وأبو
عَوَانة، ومحمد بن حمزة بن عُمارة، وعبدالله بن جعفر بن درستُوية،
والحسن بن محمد الفَسَوي، وآخرون. وبقي في الرحلة ثلاثين سنة.
قال أبو زُرْعة الدِّمشقيُّ: قدِم علينا رجلان من نُبلاء الناس: أحدهما
يعقوب بن سُفيان، يعجز أهل العراق أن يَرَوْا مثله، والثاني حرب بن
إسماعيل، وهو ممن كتب عني.
(١) من تاريخ الخطيب أيضاً ١٦ / ٤١٩ - ٤٢٠.
(٢) من أخبار أصبهان ٢/ ٣٥٤.
تاريخ الإسلام ٤١٢/٦
٦٤١

وقال محمد بن داود الفارسي: حدثنا يعقوب بن سفيان العبدُ
الصَّالح، فذكر حديثاً.
وقال أبو بكر أحمد بن عَبْدان الشِّيرازي: كان يتشيَّع ويتكلَّم في
عثمان(١).
وعن محمد بن يزيد العطار: سمعت يعقوب الفَسَوي قال: كنت أُكْثِرُ
النَّسْخِ بالليل، وقَلَّت نَفَقَتي، فجعلتُ أستعجل، فنسختُ ليلةً حتى تصرَّمَ
اللَّيلُ، فنزل الماء في عينِي، فلم أُبصر السِّراج، فبكيتُ على انقطاعي،
وعلى ما يفوتني مِن العِلْم، فاشتد بكائي، فنمت، فرأيتُ النَّبِيَّى ◌َّل في
النوم، فناداني: يا يعقوب بن سُفيانٍ لِم بَكيت؟ فقلت: يارسول الله ذَهَب
بصري، فتحسَّرتُ على ما فاتني من كَتْبِ سُنَّتك، وعلى الانقطاع عن بلدي.
فقال: ادنُ مني. فدنوتُ منه، فأمَزَّ يَدَه على عينيَّ كأنه يقرأ عليهما، ثم
استيقظتُ، فأبصرتُ، وأخذتُ نُسَخي، وقعدت في السِّراج أكتب.
توفي يعقوب في وسط سنة سبعٍ وسبعين، قبل أبي حاتم الرَّازي
بشهر .
٤٧٦- يعقوب بن سِواك الخُتُّلِيُّ الزَّاهِدُ، صاحب بِشْر الحافي.
روى عنه ابن مِسْروق، ومحمد بن بُرَيْه الهاشمي، وغيرهما.
توفي بعد السبعين ومئتين. قاله الخطيب(٢).
٤٧٧- يعقوب بن يزيد، أبو يوسف البَغْداديُّ التَّمَّار.
أحد الشُّعراء المُحْسنين، سيما في الغَزَل. اتصل بالخليفة المُنْتَصر.
روى عنه قاسم الأنباري، وابن المَرْزُبان، وغيرهما(٣).
٤٧٨- يعقوب بن يوسف القَزْوينيُّ، ابن أخي حُسَيْنكًا.
(١) هذا كلام فيه نظر، والحكاية منقطعة، وقد قال المصنف في السير ١٣/ ١٨٣: ((وما
علمت يعقوب الفسوي إلا سلفياً، وقد صنف كتاباً صغيراً في السنة)).
(٢) هذا من تصرف المصنف رحمه الله، وإنما نقل الخطيب عن الإسكافي أنه توفي سنة
ثمان وستين، ثم نقل عن ابن قانع أنه توفي سنة اثنتين وسبعين، ولم يرجح (تاريخه
١٦ / ٤١٦) .
(٣) من تاريخ الخطيب ١٦/ ٤٢٠ - ٤٢١.
٦٤٢

سمع القاسم بن الحَكَم العُرَني، وغيره. وعنه أحمد بن محمد بن
رِزْمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغي الفقيه، وجماعة.
وكان صدوقاً.
توفي سنة ثمانٍ وسبعين.
٤٧٩- يعقوب بن يوسف بن مَعقل بن سِنان النَّيْسابوريُّ، والد أبي
العباس الأصم.
روى عن إسحاق بن راهوية، ومحمد بن حُمَيْد، وعلي بن حُجْر،
وطبقتهم. ثم رحل بابنه فلقي أصحاب ابن عُيَيْنَة، وابن وَهْب. روى عنه
ابنه، وأبو عَمْرو المُسْتملي، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن مَخْلَد
الدُّوري. وكان من أسرع الناس خَطًّا، نسخَ الكثير بالأُجْرة. ومات في
المحرَّم سنة سبع وسبعين(١) .
٤٨٠- نّ: يوسف بن سعيد بن مُسَلَّم، الحافظ أبو يعقوب
المِصِّيصيُّ.
سمع حَجاج بن محمد الأعور، ومحمد بن مُصْعَب، وعُبيدالله بن
موسى، وأبا مُسْهِر الغسَّاني، وخالد بن يزيد القَسْري، وهَوْذَة بن خليفة،
وَقبيصة بن عُقْبَة، وطائفة .
وعنه النَّسائي وقال: ثقة حافظ، وأبو عَوَانة، ويحيى بن صاعد، وأبو
بكر بن زياد النَّيْسابوري، ومحمد بن أحمد بن صَفْوة، وآخرون.
قال ابن أبي حاتم(٢): كان صدوقاً ثقة.
قلت: توفي في جُمَادَى الآخرة سنة إحدى وسبعين(٣).
٤٨١- يوسف بن الضَّحَّاك البَغْداديُّ، مولى بني أُميّة.
عن سُليمان بن حرب، ومحمد بن سِنان العَوَقي. وعنه إسماعيل
الصَّفَّار، وأبو بكر الشَّافعي.
(١) لعله اقتبس الترجمة من تاريخ نيسابور للحاكم، وقد ترجمه الخطيب ترجمة مختصرة
جداً ١٦ / ٤١٨ .
(٢) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٩٣٨.
(٣) من تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢ .
٦٤٣

وكان فقيهاً ثقة .
توفي سنة تسع وسبعين(١).
٤٨٢- يوسف بن عبدالله، أبو يعقوب الخُوارزميُّ، نزيلُ
فِلَسْطین.
محدِّث رخَّال، روى عن عَبْدان بن عثمان المَرْوَزِي، وحَرْمَلَة بن
يحيى المِصْري، وجماعة. روى عنه أبو العباس الأصم، وأبو إسحاق
إبراهيم بن محمد بن أبي ثابت، وزكريا بن يحيى التِّنِّيسي شيخ ابن عدي،
وغيرهم.
وما علمت به بأساً.
٤٨٣- يوسف بن موسى الحَرْبيُّ العطار الفقيه.
روى عن أحمد بن حنبل مسائل معروفة. روى عنه أبو بكر الخلال
وأثنى عليه، وقال: كان يهوديًّا فأسلمَ على يد الإمام أحمد، وهو حَدَث،
فَحسُن إسلامُهُ، ورحلَ في طلب العِلْم، وسمع من قوم جِلَّةٍ (٢).
٤٨٤- أبو سعيد الخَرَّاز، شيخ العارفين في وقته، واسمه أحمد
ابن عيسى .
قيل: توفي سنة سبع وسبعين، والأشْهَر أنه توفي سنة ستٍّ وثمانين
(٣)
كما سيأتي (٣).
· - أبو سعيد السُّكَّريُّ النَّحْويُّ. حسن بن حُسين(٤).
٤٨٥- أبو الهيثم الرَّازيُّ اللُّغَوُّ.
أحد أئمة العربية، له كتاب ((الشامل في اللُّغة)»، وكتاب «زيادات
معاني القرآن)»، وغير ذلك.
وكان بارعاً في الأدب، عَلامة.
توفي سنة ست وسبعين ومئتين، والله أعلم.
(١) من تاريخ الخطيب ١٦/ ٤٥٢.
(٢) من تاريخ الخطيب ١٦/ ٤٥٣.
(٣) في الطبقة الآتية (رقم ٦٠).
(٤) تقدم في هذه الطبقة، الترجمة ١٤٨.
٦٤٤

٤٨٦- أبو أحمد القلانسيُّ، أحد مشايخ القوم ببغداد.
توفي في حدود سنة إحدى وسبعين ومئتين، واسمه مُصْعَب بن أحمد
ابن مُصْعَب(١).
- أبو أحمد الموفَّق ابن المتوكل .
قد ذكرناه بلَقَبه لاختلاف اسمه(٢).
- أبو عُبَيْد البُسْريُّ الزَّاهد.
مر في عَشْر الستين ومئتين، واسمه محمد بن حَسَّان، رحمه الله(٣).
٤٨٧- أبو مُعين الرَّازيُّ الحافظ .
اسمه الحُسين بن الحَسَن على الصحيح؛ كذا سماه ابن أبي حاتم (٤)،
وهو أخبر الناس به، لأنه شیخُه ومِن بلده.
وقال أبو أحمد الحاكم: اسمه محمد بن الحُسين، سماه لنا محمد بن
أحمد بن مسعود البَذَشيُّ.
قلت: روى عن سعيد بن أبي مريم، وأبي سَلَمَة التَّبُوذكي، ويحيى بن
بُكَيْرِ، وأحمد بن يونس إليَرْبُوعي، وهشام بن عمار، ونُعَيْمَ بن حماد، وأبي
تَوْبة الربيع بن نافع، وخَلْقٍ .
طوف الشامَ، مصرَ، والعراقٍ، وبرع في الحدیث وفنونه؛ روى عنه أبو
نُعَيْم بن عدي، وأبو محمد ابن الشَّرْقي، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، ومحمد
ابن الفضل المحمَّد آباذي، ويوسف بن إبراهيم الهَمَذاني، وأحمد بن قَشْمَرد.
قال أبو عبدالله الحاكم: هو من كبار حفاظ الحديث.
قلت: توفي سنة اثنتين وسبعين ومئتين.
- أبو مَعْشَر، المُنَجِّم صاحب الزِّيج.
(١) من تاريخ الخطيب ١٥/ ١٤١ - ١٤٢، وتقدم في الطبقة السابقة (رقم ٥٠٢) استناداً
إلى قول من قال بوفاته في سنة (٢٧٠)، وهو قول السلمي في ((تاريخ الصوفية)»،
وإنما اضطرب في سنة وفاته لقوله: ((مات بمكة بعد انصراف الحاج بقليل))، فهذا
يحتمل أواخر سنة (٢٧٠) وأوائل سنة (٢٧١).
(٢)
الترجمة ٤٤٧ .
في الطبقة السادسة والعشرين (الترجمة ٦١٧).
(٣)
(٤) الجرح والتعديل ٣/ الترجمة ٢٢١.
٦٤٥

هو جعفر بن محمد البَلْخي(١).
• - غلام خليل، أبو عبدالله .
هو أحمد بن محمد، تقدَّم(٢) .
٤٨٨- أبو مَعْشَر البُخاريُّ. حَمْدُوية بن الخطاب.
بقي إلى حدود الثمانين، روى عن حميد بن فروة. وعنه الحسن بن
محمد بن عبدالرحمن بن زَرَتْك البخاري، وغيره.
من ((الإكمال))(٣).
٤٨٩- أبو الحارث الأولاسيُّ الزّاهد.
من مشايخ الطَّريق. سماه السُّلَمي في ((تاريخ الصُّوفية)): الفَيْض بن
الخضِر بن أحمد، ويقال: الفَيْض بن محمد .
من قدماء المشايخ وأجلتهم؛ صَحِب إبراهيم بن سَعْد العلوي، وغيرَه.
قال أبو بكر الفَرغاني: اسمه الفَيْض بن الخضر.
وقال سعيد بن حاتم: قال أبو الحارث الأَوْلاسي: مَن اشتغل بما لم
يكن فكأنْ فاته من لم يزل ولا يزال.
قال السُّلَمي: سمعتُ علي بن سعيد يقول: سمعت أحمد بن عطاء
يقول: سمعت أبا صالح يقول: سمعت أبا الحارث يقول: سمع سري من
لساني ثلاثين سنة، وسمع لساني من سري ثلاثين سنة .
وقال محمد بن المنذر الهَرَوي: حدَّثني أبو الحارث الفَيْض بن
الخضِر بن أحمد التَّميمي الأولاسي، سنة سبع وسبعين ومئتين .
قلت: وقد روى عن عبدالله بن خُبَيْق الأنطاكي. حدَّث عنه أبو عَوَانة
الإسفراييني، ومحمد بن إسماعيل الفَرَغاني.
وقيل: مات سنة سبع وتسعين، فسيُعاد. وهذا أَشْبه وأصح.
مات بطَرَسُوس (٤) .
(آخر الطبقة والحمد لله)
(١) الترجمة ١٣٢.
(٢) الترجمة ٦٠.
(٣) الإكمال ٢/ ٥٥٥ و٤ / ١٨١.
(٤) وينظر تاريخ دمشق ٤٩/ ٢٤-٣١.
٦٤٦

الطبقة التاسعة والعشرون
٢٨١ - ٢٩٠ هـ

بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحـ
(الحوادث)
فمن سنة إحدى وثمانين ومئتين
فيها تُوفي: أحمد بن إسحاق الوَزَّان، وإبراهيم بن ديزِيل، وعبد الله بن
محمد بن سعيد بن أبي مَرْيم، وأبو بكر بن أبي الدُّنيا، وعبدالله بن محمد بن
التُّعْمان، وأبو زُرْعة النَّصْرِي الدِّمَشْقي، وعُثمان بن خُرَّزاذ الأنطاكي، ومحمد
ابن إبراهيم بن المَوَّازِ المالكي، ووَرِيْزَة الغَسَّاني.
وفيها دَخَلَ طُغْج بنُ جُف صاحبُ خُمَارُوية من ناحية طَرَسُوس لغزو
الرُّوم، ففتَحَ مَلُورِيَة.
وفيها غارت مياه الرّي وطَبَرِسْتان، حتى أُبيعَ الماءُ ثلاثةَ أرطالٍ بِدِرْهم،
وقُحِطَ النَّاس، وأكلُوا الجِيَفَ.
وفي رَجَب شَخُصَ المُعْتَضِد إلى الجَبَل ناحية الدِّينَور، وقَلَّدَ ابنَهُ عليًّا
الرَّيَّ، وقَزْوين، وهَمَذان، والدِّينَوَر، وجَعَلَ كاتبَهُ أحمدَ بنَ أبي الأصْبَغِ، وقَلَّدَ
عمرُ بنُ عبدالعزيز ابنَ أبي دُلَف أصبهان، وأسرعَ الانصراف من غلاءِ السِّعْر،
فَقَدِمَ بغدادَ في رمضان، ثم خَرَجَ في ذي القَعْدة إلى المَوْصل عامدًا لحَمْدان بن
حَمْدون بن الحارث بن منصور بن لُّقْمان، وهو جدُّ ناصرِ الدَّولة، وكان قد بلَغَ
المُعْتَضد أنَّه يميلُ إلى هارونَ الشَّارِيِّ الخارجي، وكانت الأعرابُ والأكراد قد
تَجَمَّعوا وتحالفوا أنَّهم يُقْتَلون على دم واحد، فالتقَوْا على الزَّاب، فحَملَ
عليهم المُعْتَضد فمَزَّق شَمْلَهم، فكان من غرق أكثر ممن قُتِلَ. ثم سارَ إلى
مارِدِين وبها حَمْدان، فهرَبَ منها، وخَلَّف بها ابنَهُ، فنازَلَها المُعْتَضد، فحاربه
مَن كان بها، فلما كان من الغدِ رَكِبَ المُعْتَضد ودنا من باب القلعة، وصاح
بنفسه: يا ابن حَمْدان، فأجابه، فقال: افتح الباب. فقال: نَعَم. ففتحه، وقعدَ
المُعْتَضد على الباب، ونقلَ ما فيها من الحَوَاصل، وأمَرَ بَهَدْمها، فَهُدِمت،
ووَجَّه وراء حَمْدان، ثم ظَفِر به وحبسَهُ.
٦٤٩

ثم سارَ المُعْتَضد إلى قلعة الحَسنية، وبها شَدَّاد الكُردي، في عشرة آلاف
مُقاتل، فحاصرَهُ حتى ظَفِر به، وهَدَمَها .
وفيها هَدَم المُعْتَضد دار النَّدْوة بمكة، وصَيَّرها مسجدًا إلى جانب
المسجد الحرام.
سنة اثنتين و ثمانين ومئتين
تُوفي فيها إسماعيل بن إسحاق القاضي الفقيه، وجعفر بن أبي عُثمان
الطَّيَالسي، والحارث بن محمد بن أبي أُسامة، وصاحب مصر خُمَارُوية بن
أحمد بن طُولون، والفَضْل بن محمد الشَّعْراني، ومحمد بن الفَرَج الأزرق،
وأبو العَيْنَاء محمد بن القاسم الأديب، ومحمد بن مَسْلَمة الواسطي، ويحيى بن
عُثمان بن صالح المِصْري.
وفيها أبطلَ المُعْتَضد ما يُفْعَلُ في النَّيْرُوز من وَقِيد النِّيران، وصَبِّ الماء
على النَّاس، وأزالَ سُنَّة المَجُوس.
وفي أوَّلها قَدِمَتْ قَطْرُ النَّدى بنت خُمَارُوية مِنْ مصر ومعها عَمُّها لِتُزَفَّ
إلى المُعْتَضد، فدخل عليها في ربيع الأوَّل، وكان في جِهَازها أربعة آلاف تِكَّة
مُجَوْهَرَة، وعشرة صناديق جواهر، وقُوَّمَ ما دَخَلَ معها فكان ألف ألف دينار
ونَيِّ، وكان صداقُها من المُعْتَضد ألف ألف درهم، وأعطي ابنُ الجَصَّاص
الذي مَشَى في الدِّلالة مئة ألف دينار، أعطاه ذلك أبوها .
وفيها خَرَجَ المُعْتَضد إلى الجَبلِ، فبلَغَ الكَرَج، وأخذ أموالَ ابنِ أبي
دُلَف .
وفيها بَعَثَ محمد بن زَيْد العَلَوي من طَبَرِسْتان إلى محمد بن الوَرْد
العَطَّارِ ببغداد ثلاثين ألف دينار، ليُفرِّقها على العَلَويين، فبلَغَ المُعْتَضد،
فسألوه، فقال محمد: إنَّه يَبْعثُ إليَّ كلَّ سنة بمثلها، فأُفرِّقها. فقال المُعْتَضد:
أنا رأيتُ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه في النَّوم، فأوصاني
بِذُرِّيته خَيْرًا، فَفَرِّق ما تُفَرِّقه من هذا المال ظاهرًا.
وفيها ذُبحَ خُمَارُوية بن أحمد على فراشه بدمشق، وكان يتعانَى الفاحشة
بغِلْمانه، راود مملوكًا في الحَمام، فامتنع عليه حَياءً من الخَدَم، فأمر أن يُدخل
في دُبُره بمثلِ الذَّكَر خَشَب، فلم يزل يصيح حتى مات في الحمام، فأبغضه
٦٥٠

الخَدَم، فذبحه جماعة وهربوا، فَمُسِكَتْ عليهم الطُّرُق، وجيءَ بهم وقُتِلوا.
وكان ذَبْحُه في ذي الحِجَّة وحُمِل في تابوتٍ إلى مصر، وصلَّى عليه ابنه جيش
ابن خُمَارُوية. وكان الذي نَهَضَ في مَسْك أولئك الخَدَم طُغْج بن جُف،
فَصَلَبَهم بعد القَتْلِ.
وولي بعده ابنُه جيش، فقتلوه بعده بيسير. وأقاموا مكانه أخاه هارون بن
خُمَارُوية، وقرّر على نفسه أن يَحْمِلَ إلى المعتضد كلَّ سنة ألفَ ألفٍ وخمسَ
مئة ألفِ دينار. فلما استُخْلِف المكتفي عزله، وولَّى محمدَ بنَ سُليمان
الواثقيَّ، فاستصفى أموالَ آلِ طُولون.
وفيها، أو قبلها، أهلكَ المعتضدُ عمَّه محمد بنَ المتوكّلِ لأنه بلغه أنه
كاتَبَ خُمَارُوية بنَ أحمد، فيما قيل. وكان عالِمًا شاعرًا.
سنة ثلاثٍ و ثمانین ومئتين
تُوفي فيها: إسحاق بن إبراهيم بن سُنَّيْن الخُتُّلي، وسهل بن عبدالله
التُّسْتَرِي الزَّاهد، والعباس بن الفضل الأسفاطي، وعبدالرحمن بن يوسف بن
خِراش، وعلي بن محمد بن عبدالملك بن أبي الشَّوارب القاضي، ومحمد بن
سُليمان الباغَنْدي، ومحمد بن غالب تَمْتَام، ومِقْدام بن داود الرُّعَيْنِي.
وفي أولها خرج المعتضد إلى المَوْصل بسبب هارونَ الشَّارِيِّ، وكان
الحُسين بن حَمْدان قد قال له: إنْ أنا جِئْتُ بهارون إليك فِليَ ثلاثُ حَوائج.
قال: اذكُرْها. قال: تُطْلق أبي، والحاجتان أذكرهما بعد أن آتي به. قال: لك
ذلك. قال: أريد أنتخب ثلاثَ مئة فارس. قال: نعم. وخرج الحُسين يطلب
هارون حتى انتهى إلى مخاضةٍ في دِجْلةَ، وكان معه وَصِيفٌ الأميرُ، فقال
الوصيف: ليس لهارونَ طريقٌ يهرب منه غير هذا، فقِف هاهنا فإنْ مرَّ بك فامنعه
من العبور. قال: نعم. ومضى الحُسين فالتقى مع هارون، فقتل جماعة وهرب
هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثًا، فقال أصحابُه: قد طال مقامُنا.
ولسنا نأمَنُ أنْ يأخُذَ الحسينُ هارونَ فيكون له الفَتْحُ له دونَنا، فالصَّواب أن
نمضيَ في آثارهم. فأطاعهم ومضوا، وجاء الشَّارِيُّ إلى المخاضة فَعَبَرَ، وجاء
الحسينُ في إثْرِهِ فلم يَرَ وَصِيفًا، ولم يَعْرف لهارون خبرًا، فبلغه أنَّه عبر دِجْلةَ،
٦٥١

فعبر خلفه. وجاء هارونُ إلى حِيٍّ من العرب، فأخذ دابَّةً ومضى، وجاء
الحسينُ فسألهم فكتموه، فقال: المعتضدُ في أثري، فأخبروه بمكانه، فأتبعه
في مئة فارس، فأدركه. فناشده هارون الشَّارِي وتوعَّده، فألقى الحسينُ نفسَه
عليه، وأسَرَه، وجاء به إلى المعتضد، فأمر بفك قيود حَمْدان والتوسِعة عليه .
ورجع بهارونَ إلى بغدادَ، وخلع على الحُسين بن حمدان وطَوَّقَه، وعُمِلَت
قبابُ الزّينة، وركَّبوا هارون فيلاً بين يدي المعتضد، وازدحم الخَلْق حتى سقط
كُرْسي الجَسْرِ الأعلى ببغداد، فَغَرِقَ خَلْقٌ كثيرٌ. وكان على المعتضد قِباءٌ
أسْوَدُ، وعِمامَةٌ سَوْداءُ، وجميعُ الأمَرَاءِ يمشونَ بينَ یدیه.
وفيها وَلِيَ طُغْجُ بنُ جُف إمرةَ دمشق لجَيْش الطُولونيِّ.
وفيها وصلت تَقَادُم عَمرو بن اللَّيث أمير خراسان، فكانت مئتي حِمْل
مال، ومئتي جُمَّارةٍ، وغير ذلك من التُّحَف.
وفيها خَلَعَ المعتضدُ على حَمْدان بن حَمْدون وأطلقه .
وفيها كُتِبَتِ الكُتُبُ إلى الآفاق، بأن يُؤَرَّث ذَوُو الأرحام، وأنْ يُبْطَلَ
ديوانُ المواريثِ، وكثُر الدُّعاء للمعتضد. وكان قد سأل أبا حازم القاضي عن
ذلك، فقال: ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]. فقال
المعتضد: قدِ رُويَ عدمُ الرَّدِّ عن الخُلفاء الأربعة. فقال أبو حازم: كَذَب النَّاقلُ
عنهم؛ بل كلَّهم رَدُّوا، هم وجميع الصحابة، سوى زيد بن ثابت، وكان زيد
يُخْفيه حتى مات عمر، وهو مذهب فقهاء التابعين ومَنْ بَعْدَهم. ولم يذهب إلى
قول زيد غيرُ الشَّافعيِّ في أحد القولين، والقول الآخر كالجماعة. فقال
المعتضد: اكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وفيها خرج عمرو بن اللَّيْث من نَيْسابور، فهاجمها رافع بن هَرْثَمَة
وخطب بها لمحمد بن يزيد العلويِّ، فعاد عَمرو ونزل بظاهر نَيْسابور محاصرًا
لها .
وفيها وثب الجُنْدُ من البَرْبَرِ على جيش بن خُمَارُوية، وقالوا: تَنَخَّ عن
الأمر لنُولِّيَ عمَّك، فكلَّمَهم كاتِبُهُ عليُّ بنُ أحمد المادَرَائيُّ، وسألهم أن
ينصرفوا عنهم يَوْمَهم، فانصرفوا. فغدا جيش على عمِّه أبي العشائر، فضرب
عُنُقه وعُنُقَ عمَّ له آخَر، ورَمَى برؤوسهما إليهم. فهجم الجُنْدُ على جيش
٦٥٢

فذبحوه، وذبحوا أمّه، وانتهبوا الدَّار، وأجلسوا أخاه هارونَ مكانه.
وفيها هزم عَمرو بنُ الليث رافعَ بن هَرْثَمَة، وساقَ وراءه إلى أن أدركه
بخُوارِزْم فقتله بها. وكان المعتضد قد عزله سنةً سبع وسبعين عن خُراسانَ،
ووَلَّىَ عليها عَمْرَو بنَ اللَّيث، فبقي رافعٌ بالرَّيِّ. ثم إنهَ هَادَنَ الملوكَ المجاورين
له يَسْتعينُ بهم على عَمْرو، ودعا إلى العلويِّ. ثُمَّ سار إلى نَيْسابور. فواقَعَه
عَمْرٌو في ربيع الآخر من هذه السَّنةِ، وهزمه إلى أبيْوَرْد. وقصد رافعٌ أن يخرج
إِلى مَرْو أو هَرَاةَ، ثُمَّ دخل نَيْسابور. فأتى عَمْرٌو فحاصره بها، فهرب رافعٌ
وأصحابُه على الجَمَّازاتِ إلى خُوارِزْم في رمضان، فأحاط به أميرُ خُوارِزم وقَتَلَه
في سابع شؤَّل، وبعث برأسه إلى عَمْرو بن اللَّيْث، فنفَّذه إلى المعتضد.
وَلَم يكن رافعٌ ولدًا لهرثمة، وإنما هو زوجُ أمِّه، فنُسِبَ إليه، وهو رافعُ
ابنُ تُومَرْد. وصَفَتْ خُراسانُ لعَمْرِو بن اللَّيْث.
وفيها دخل جَيْش بن خُمارُوية مصرَ، فقال الأمراء: لا نرضى بك ونريد
عَمَّكَ أبا العشائر، فوثب وقتل عَمَّه، فشاش الناس ووقع حريق ونهبٌ، فوثب
هارون في جماعة على أخيه فقتله، واستولى على مصر. قال ربيعة بن أحمد
ابن طولون: لما دخل ابن أخي جيش مصر، قَبَضَ عليَّ وعلى عمَّيْه مُضَرَ
وشَيْبانَ، وحَبَسَنا، ثم إنّه أخذ أخانا مُضَرَ فأدخله بيتًا، وجَوَّعه خمسة أيام، ثم
دخل علينا ثلاثةٌ من غِلْمان جيش، فقالوا: مات أخوكم؟ قلنا: لا ندري.
فدخلوا عليه البيت، فرماه كلُّ واحدٍ بِسَهْمٍ، فقتلوه وأغلقوا علينا البابَ،
وتركونا يومين بلا طعام، فظنًا أنَّهم يُفْلِكوَنَنا بالجوع. فَسَمِعْنا صُراخًا في
الدَّار، ففتحوا علينا، وأدخلوا إلينا جَيْشَ بن خُمَارُويةَ، فقلنا: ما جاء بك؟
قال: غَلَبَني أخي هارونُ على مصر. فقلنا: الحمد لله الذي قَبَضَ يَدَكَ وأضرعَ
خدَّك. فقال: ما كان في عَزْمي إلا أنْ أُلْحِقَكُما بأخيكُما. وبعث إلينا هارون أن
نقتله بأخينا، فلم نفعل، وانصرفنا إلى دُورِنا، فبعث إليه من قتله.
سنة أربع وثمانين ومئتين
فيها تُوفي: أبو عمرو أحمد بن المبارك المُسْتَملي، وإسحاق بن الحسن
الحربيُّ، وأبو خالد عبدالعزيز بن معاوية القُرَشيُّ، ومحمود بن الفرج
الأصبهاني الزاهد، وهشام بن علي السِّيرافيُّ، ويزيد بن الهيثم أبو خالد البادا .
٦٥٣

وفي رابعِ المُحَرَّم قُدِم على المعتضد برأس رافع بن هَرْثَمَة، فَنُصِبَ يومًا
ببغداد .
وفي كانت وقعةٌ بينَ عيسى التُّوشَريِّ المعتضدِيِّ وبينَ بَكْر بن عبدالعزيز
ابن أبي دُلَف، وكان قد أظهرَ العِصْيان، فهزمه التُّوْشَرِيُّ بقُرب أصبهانَ،
واستباحَ عسكره.
وفي ربيع الأوَّل وَلَّى القضاءَ أبا عُمَرَ محمدَ بنَ يوسف على مدينة
المنصور .
وفيها ظهرت بمِصْرَ حُمْرةٌ عظيمة، حتى كان الرَّجلُ ينظر إلى وجه الرَّجل
فيراه أحْمَرَ، وكذا الحِيطان. فتضرَّعِ النَّاسُ بالدُّعاء إلى الله. وكانت من العَصْرِ
إلى اللّيلِ.
وفيها بعث عَمْرُو بن اللَّيث بألفِ ألفِ دِرْهَمٍ لِتُنْفَقَ على إصلاحِ درب مَّةً
من العراق.
قال ابنُ جريرِ الطََّريّ(١): وفيها عزم المعتضد على لعنة معاوية على
المنابر، فخوَّفه عُبيدالله الوزيرُ اضطرابَ العامَّةِ. فلم يلتفت، وتقدَّم إلى العامَّة
بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومَنع القُصَّاص من القعود في الأماكن. ومَنَعَ
من اجتماع الخَلْقِ في الجوامع، وكتب المعتضد كتابًا في ذلك. واجتمع النَّاسُ
يومَ الجمعة بناءً على أنَّ الخطيبَ يَقْرؤُه، فما قُرىء، وكان من إنشاء الوزيرِ
عُبيد الله، وفيه: ((وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامَّةِ من
شُبْهة دَخَلَتْهم في أديانهم، على غير معرفة ولا رَوِيَّة، خالفوا السُّنَنِ، وقلَّدوا
فيها أئمّةَ الضَّلالة، ومالوا إلى الأهواءِ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ
هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠] خروجًا عن الجماعة، ومسارعةً إلى
الفتنة، وإظهارًا لموالاةٍ من قَطَعَ اللهُ عنه الموالاةَ، وبَتَر منه العصمةَ، وأخرجه
من المِلَّة، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اَلْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء ٦٠] وإنما أراد
بني أُمَيَّةَ الملعونين على لسان نَبِّه. وهم كانوا أشدَّ عداوةً له من جميع الكُفَّار.
ولم يرفع الكُفَّار رايةً يوم بدرٍ وأُحُد والخندقِ إلاَّ وأبو سفيان وأشياعُه أصحابُها
وقادتَها)).
(١) تاريخه ١٠/ ٥٤ - ٦٢ .
٦٥٤

ثم ذكر أحاديث واهيةً وموضوعة في ذَمِّ أبي سفيان وبني أميّة، وحديث:
((لا أشْبَعَ اللهُ بطنَه))، عن معاوية، وأنه نازع عليًّا حقَّه، وقد قال عليه السَّلام
لعمَّار: ((تقتُلُك الفئةُ الباغيةُ))، وأنَّ معاويةَ سفك الدِّماء، وسَبَى الحَرِيمَ،
وانتهب الأموال المحرَّمة، وقتل حُجْرًا، وعَمْرو بنَ الحَمِقِ، وادَّعى زيادَ بن
أبيه جَرَاءةً على الله، والله يقول: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآنِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥] والنبيُّ ◌َل
يقول: ((الولد للفراش))، ثم دَعَى إلى بَيْعة ابنه يزيدَ، وقد عَلِمَ فِسْقَه، ففعل
بالحُسين وآلِهِ ما فعل؛ ويوم الحَرَّة، وحرق البيتَ الحرام.
وهو كتاب طويل فيه مَصَائبُ. فلمَّا كتبه الوزير قال للقاضي يوسف بن
يعقوب: كلُّم المعتضد في هذا. فقال له: يا أمير المؤمنين، أخاُف الفتنةَ عند
سماعه. فقال: إنْ تحرَّكتِ العامَّةُ وضعتُ السَّيفَ فيها. قال: فما نصنع
بالعلويِّينَ الذين هم في كلِّ ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من
فضائل أهل البيت كانوا إليهم أمْيَل وصاروا أبسطَ ألْسِنَةً. فأمسك المعتضدُ.
وفيها ظهر في دار المعتضد شخصٌ في يده سيفٌ مسلولٌ، فقصده بعضُ
الخَدَم فضربه بالسَّيف فجرحه، واختفى في البُسْتان. وطُلِبَ فلم يُوجَدْ له أثرٌ.
فَعَظُم ذلك على المعتضد واحترزَ وقيل هو من الجنِّ، وساءتِ الظُّنون. وأقام
الشخص يظهر مرارًا ثمَّ يختفي. ولم يظهر خبرُه حتى مات المعتضد
والمكتفي، فإذا هو خادمٌ أبيضُ كان يميلُ إلى بعض الجواري التي في الدُّور.
وكان مَنْ بَلَغَ من الخُدَّامِ يُمْنَعون من الحَرَمِ، وكان خارجَ دُور الحَرَم بستانٌ
كبير، فاتَّخذ هذا الخادمُ لِحيةً بيضاءَ، فبقي تَارةً يظهر في صورة راهبٍ، وتارة
يظهر بزِيِّ جُنْديٍّ بيده سيفٌ، وانَّخذ عدَّةَ لِحَى مختلفة الهيئاتِ، فإذا ظهر
خرجت الجارية مع الجواري لتراهُ، يعنى فيخلو بها بينَ الشَّجَر، ويُحدثها
خُلْسَةً. فإذا طُلِبَ دَخَلَ بين الشَّجر ونَزَعَ اللُّحيةَ والبُرْنُسَ ونحو ذلك، وخبَأها،
وترك السَّيفَ في يده مسلولاً كأنَّه من جملةِ الطَّالبين لذلك الشَّخص. وبقي إلى
أن وَليَ المقتدرُ، وخرج الخادم إلى طَرَسُوس فتحدَّثت الجاريةُ بحديثِهِ بَعْدَ
ذلك .
٦٥٥

سنة خمس و ثمانین ومئتين
فيها تُوفي: إبراهيم الحربيُّ، وإسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيُّ، وعُبيد بن
عبدالواحد بن شَرِيك، وأبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد.
وفي المحرَّم قطعَ صالحُ بن مدرك الطائي الطَّريقَ على الحُجَّاجِ بالأجْفُر،
وأخذ للرَّكْب ما قيمتُه ألفُ ألفِ دينارٍ، وأسَرَ الحرائرَ.
وفي المحرَّم عُزِل إسماعيلُ بن أحمد عن ما وراءَ النَّهر، وولِيَه عَمْرُو بن
الليث .
وفي ربيع الأوَّل هبّت رِيحٌ صفراءُ بالبصرة، ثمَّ صارتْ خضراءَ، ثمَّ
سوداءَ، وامتدَّتَ في الأمصار، ووقع عَقيبها بَرَدٌ، وَزْن البَرَدة مئةٌ وخمسون
دِرهمًا. وقلعت الرِّيح نحوَ سِتِّ مئةِ نَخْلة، ومُطِرَت قريةٌ حجارةً سوداءَ
وبيضاءَ.
وفيها استعمل المعتضد على أرمينية وأذْرَبِيْجَان ابنَ أبي السَّاج.
وفيها غزا راغبٌ الموفَّقيُّ الخادمُ الرُّومَ في البحر، فظفر بمراكبَ كثيرةٍ،
ضرب منها ثلاثة آلاف رَقَبَة، وفتح حُصُونًا كثيرة .
وفي ذي الحِجَّة قَدِم عليُّ ابن المعتضد بغدادَ، وكان قد جَهَّزه لقتال
محمد بنِ زيد العلويٍّ، فدفعَ محمدًا عن الجبال وتحيَّز إلى طَبَرستان، ففرح به
أبوه وقالَ: بعثناك ولدًا فرجعت أخّا، كرامةً له منه بهذا القول. ثم أعطاه ألفَ
ألفٍ دینار.
وفي ذي الحِجَّة خرج المعتضد وابنه يريد آمِدَ، لما بلغه موتُ أحمدَ بن
عيسى ابن الشَّيخ.
وصلى بالناس يومَ الأضحى ببغدادَ عليُّ ابن المعتضد، ورکب کما ترکبُ
ؤُلاة العُهودِ.
٦٥٦

سنة ست و ثمانین ومئتين
فيها تُوفي: أحمد بن سَلَمَة النَّيْسابوريُّ الحافظ، وأحمد بن عليٍّ الخزَّاز،
وأبو سعيد الخرّاز شيخ الصُّوفية، وأحمد بن المُعَلَّى الدِّمشقيُّ، وإبراهيم بن
سُوَيْد الشِّبامي، وإبراهيم بن بَرَّة الصَّنْعانيُّ، والحسن بن عبد الأعلى البَوْسيُّ
أصحاب(١) عبدالرزاق، وعبدالرَّحيم بن عبدالله البَرْقيُّ، وعلي بن عبدالعزيز
البَغَويُّ، ومحمد بن وضَّاحِ القُرْطُبيُّ، ومحمد بن يوسف البنَّاء الزاهد، ومحمد
ابن يونس الكُدَيْمِيُّ، وأبو عُبَادَة البُخْتُريُّ الشَّاعر.
وفي ربيع الآخر نازل المعتضد آمِدَ، وبها محمدُ بن أحمد ابن الشَّيخِ؛
فَنَصَبَ عليها المجانيقَ، ودام الحصارُ أربعين يومًا. ثم ضَعُف محمدٌ، وتخاذَل
أصحابُه، فطلب الأمانَ، ثم خرجَ فخُلِعَ عليه.
وفيها قبض المعتضدُ على راغبِ الخادمِ أميرِ طَرَسُوسَ واستأصله، فمات
بعد أيام.
وفيها، في جُمادى الآخرة، قدِمتْ هدايا عمرو بن اللَّيث، وهي أربعة
آلافٍ ألفِ درهم، وعشرة من الدوابِّ بسُرُوجها ولُجُمِها المُذَهَّبة، وخمسون
أخرى بجلالها .
وفيها التقى جيشُ عَمرو بن الليث الصَّفَّار، وإسماعيل بن أحمد بن أسد
بما وراءَ النَّهْر، فانكسر أصحابُ عَمْرٍو. ثم في آخِر السنة عَبَرَ إسماعيلُ بن
أحمد جَيْحُونَ بعساكره، ثم التقى هو وعمرو بن اللَّيْث على بَلْخ. وكان أهل
بَلْخ قد ملُّوا عَمْرًا وأصحابَهُ، وضجروا من نزولهم في دُورهم وأخْذهم
لأموالهم، وتعرُّضهم لنسائهم. فلما التقوا حَمَلَ عليهم إسماعيلُ، فانهزم عَمْرٌو
إلى بَلْخ، فوجد أبوابها مُغْلَقة، ففتحوا له ولجماعة معه، فوثب عليه أهل بَلْخ
فأوثقوه، وحملوه إلى إسماعيل. فلمّا دخل عليه قام إسماعيل واعتنقه، وقبَّل
ما بين عينيه، وخلع عليه، وحلف أنَّه لا يؤذيه.
وقيل: إنَّ إسماعيل لما كان على ما وراء النَّهر، سأل عمرو بن اللَّيث
(١) يعني: الشبامي، وابن برة، والحسن هذا.
تاريخ الإسلام ٦/ م ٤٢
٦٥٧

المعتضدَ أن يولِّيَه ما وراء النَّهر، فولاه فعزم عَمْرٌو على محاربته، فكتب إليه
إسماعيل: إنَّك قد وُلِّيت الدُّنيا، وإنما في يدي ثَغْر، فاقنع بما في يدك ودعني.
فأبى، فقيل له: بين يديك جَيْكُون كيف تعبره؟ فقال: لو شئتُ أن أُسْكِرَهُ
بِبِدَرِ(١) الأموال لَفَعَلْتُ حتى أعبره. فقال إسماعيل: أنا أعبرُ إليه. فجمع
الذَّهاقينَ وغيرَهم، وجاوز النَّهر. فجاء عَمْرو فنزل بَلْخ. فأخذ إسماعيل عليه
الطُّرُق، فصار كالمحاصَرِ. وندِم عَمرو، وطلب المُحاجَزةَ، فلم يُجِبْهُ، واقتتلوا
يسيرًا، فانهزم عَمرو، فتبِعوه، فتوخَّلت دابَتُه، فأُخِذَ أسيرًا.
وبلغ المعتضد، فخلع على إسماعيل خِلَع السَّلْطنة وقال: يُقَلَّد أبو
إبراهيم كلَّ ما كان في يدِ عَمرو بن اللَّيث.
ثم بعث يطلب من إسماعيل عَمْرًا، ويعزم عليه. فما رأى بُدًّا من
تسليمه، فبعث به إلى المعتضد، فدَخَلَ بغدادَ على جَمَل ليشهروه، فقال
الحُسين بن محمد بن الجهم :
ألم تَرَ هذا الدَّهْرِ كيفَ صُرُوفُهُ يكون يسيرًا مرَّةً وعَسيرا
وحَسْبُكَ بالصَّفَّارِ نُبْلاً وعِزَّةً يرُوحُ ويَغْدُو في الجيوش أميرا
حَبَاهُم بأجْمالٍ، ولم يَدْرِ أنهُ على جَمَلٍ منها يُقادُ أسيرا
ثم حبسه المعتضد في مطمورة، فكان يقول: لو أردت أن أعمل على
جَيْحون جسرًا من ذَهَب لَفَعلتُ، وكان مَطبخي يُحْمل على ستِّ مئةٍ جَمَل،
وأركَبُ في مئة ألف، أصارَتي الذَّهرُ إلى القيد والدُّلِّ!
فقيل: إنه خُنِقَ عند موت المعتضد، وقيل: قبلَ موته بيسير. وقيل: إن
إسماعيل خيَّره بين أن يقعد عنده معتَقَلاً، وبين توجيهه إلى المعتضد، فاختار
توجيهَه إلى المعتضد. فأُدْخِلَ بغدادَ في سنة ثمانٍ وثمانين على جَمَل له
سَنامان، وعلى الجَمَل الديباجُ والحُلي، وطِيفَ به في شوارع بغدادَ. فأُدْخِل
على المعتضد، فقال له: يا عَمْرُو هذا ببَغْيِك. ثمَّ سَجَنه.
وبعث المعتضد إلى إسماعيل ببدنة من لُؤْلُؤْ، وتاجٍ مُرَصَّع، وسيفٍ،
وعشرةِ آلافٍ ألف درهم.
(١) جمع بدرة، وهو الكيس الذي يحتوي على عشرة آلاف.
٦٥٨

وفيها ظهر بالبحرين أبو سعيد الجَنَّبيُّ القِرْمِطيُّ في أوَّلِ السَّنة. وفي
وسطها قويت شوكته، وانضمَّ إليه طائفةٌ من الأعراب، فَقَتَلَ أهلَ تلك القرى،
وقَصَدَ البَصْرةَ. فبنى المعتضد عليها سورًا وحصَّنها.
وكان أبو سعيد كَيَّالاً بالبصرةِ، وجَنابة: من قرى الأهواز، وقيل: من
البحرين؛ وقال الصُّوليُّ: كان أبو سعيد فقيرًا يرفو أعدال الدَّقيق بالبَصْرة،
وكان يُسْخَر منه ويُسْتَخَفُّ به، فخرج إلى البحرين، وانضاف إليه جماعة من
بقايا الزَّنْج والخُزَّميَّة، فعاثَ وأفسدَ وتفاقم أمرُه، حتى بعث إليه الخليفةُ جيوشًا
وهو يهزمها. وهو جَدُّ أبي عليٍّ المستولي على الشام الذي مات بالرَّملة سنة
خمسٍ وستين وثلاث مئة.
وقال غيره: أقام أبو سعيد مدَّةً، ثم ذُبح في حمَّام بقصره. ثم خَلَفَه ابنُه
أبو طاهر سُليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجَنَّبيِ القِرْمِطي، وهو الذي
يأتي أنه قَتل الحجيجَ واقتلع الحَجَرَ الأسودَ.
سنة سَبْع و ثمانین ومئتين
تُوفي فيها: أحمد بن إسحاق بن نُبَيْط، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي
عاصم، وزكريا بن يحيى السِّجْزي خياط السنة، ومحمد بن عَمرو الجُرَشيُّ أبو
علي قَشْمرد، وموسى بن الحسن الجَلاجليُّ، وأبو سعد يحيى بن منصور
الهَرَويُّ .
وفي المُحرَّم واقَعَتْ طيِّ رَكْبَ الحاجِّ العراقيِّ بأرض المَعْدَن. وكانت
الأعراب في ثلاثةِ آلافٍ ما بين فارس وراجل، وكان أميرَ الحاجِّ أبو الأغرِّ،
فأقاموا يقاتلونهم يومًا وليلة، واشتدَّ القتالُ، ثم إنَّ الله أيَّدَ الرَّكْبَ وهزموهم،
وقُتِل صالحُ بن مُدْرِك الذي نهب الحاجَّ فيما مضى؛ وقُتِل معه أعيان طي،
ودخل الرَّكْبُ بغداد بالرُّؤوس على الرِّماح وبالأسرى.
وفي نصف ربيع الأوَّل كانت الوقعة على بَلْخ بين عمرو بن اللَّيْث
وإسماعيل بن أحمد، فأسره إسماعيل .
وفيها غَلُط أمرُ القَرامِطةِ، وأغاروا على البَصْرة ونواحيها، فسار لحربهم
العبَّاسُ بن عَمْرِو الغَنَويُّ، فالتقَوا فَأُسِرِ الغَنَويُّ، وقُتِل خَلْقٌ من جُنْده.
٦٥٩

ثم إنَّ أبا سعيد بعد أن ضيَّق عليه أطلقه، وقال: بلِّغ المعتضدَ عِّي
رسالةً. ومضمونُها أنه يكفُّ عنه ويحفظ حُرْمَته، فأنا قد قنعتُ بالبَرِّيَّة، فلا
يتعرَّض لي .
قال ابن خَلِّكان(١): كان من حديث العباس أنَّ القرامطة لما اشتدَّ أمرهم
وبالغوا في القتل، أرسل إليهم المعتضد جيشًا عليه العباس بن عمرو، فالتقوا،
فأسره أبو سعيد القِرْمطيُّ في الوَقْعة، وأسَرَ جميعَ مَن معه من الجيش. ثم من
الغد أحضر الأسرى فقتلهم بأسرهم وحَرَّقهم، رحمهم الله، وأطلق العبّاسَ
فجاء إلى المعتضد وحدَه. وكانت الوقعةُ بين البَصْرة والبحرين.
وفي شؤَّال خرج المعتضدُ من بغدادَ، وسار إلى عين زَرْبَة، فأسَرَ وصيفًا
الخادمَ. ثم قدم المِصِّيصةَ ونزل طَرَسُوسِ، ثم رحل إلى أنطاكِيةَ. ثم جاء إلى
حلب، ثم إلى بالِسَ، وأقامَ بالرَّقَّة إلى سَلْخِ السَّنةِ .
وفيها مات صاحبُ طَبَرِسْتان محمدُ بن زيد العَلَويُّ.
وفيها أوقعَ بَدْرٌ بالقرامطةِ على غِرَّةٍ منهم، فقتل منهم مَقْتَلةً عظيمةً.
سنة ثمانٍ وثمانین ومئتين
فيها تُوفي: إسحاق بن إسماعيل الرَّملي بأصبهان، وبِشْر بن موسى
الأسدي، وجعفر بن محمد بن سوَّار الحافظ، وعثمان بن سعيد بن بشَّار
الأنماطي، ومُمعاذ بن المُثَنَّى العنْبَري، وخَلْق سواهم .
وفي جُمادى الأولى أُدْخِل عَمْرُو بن اللَّيْثِ الصَّفَّار بغدادَ أسيرًا على
جَمَل، فسُجِن إلى سنة تسع وثمانين، وأُهْلِكَ عند موت المعتضد.
وزُلْزِلَّتْ دَبِيل ليلاً؛ قال أبو الفرج ابن الجَوْزي (٢): فأُخْرِجَ من تحت
الهَدْم خمسون ومئة ألف ميِّت.
وقيل: كان ذلك في العام الماضي.
وفيها وَقَعَ وباءٌ عظيم بأذْرَبِيجان حتى فُقِدَت الأكفان، حتى كفَّنوا في
(١) وفيات الأعيان ٦/ ٤٣١.
(٢) المنتظم ٦ / ٢٧.
٦٦٠