النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفيارت المشاهير والأعلام لِتَّخِ الإِسْلامِشَيْرُ الدّينِ أَبِ عَبْدِالله مَ بْأَ خْمَدَ بْعُ غَازِ الذّهَبِيّ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤م المَجَلْد السَادس ٢٥١ - ٣٠٠ هـ حَقّقِه، وَضَبَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَيْهِ الدكتور بشار عواد معروف داغ دار الغرب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطى من الناشر . تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام لِؤَخِ الإِسْلام ◌َِّ الّينِ أَبِ عَبْدِالله بَ ب ◌َأْمَدُ وْ عُثَازُ الذّهَّ المتوفى ٥٧٤٨ - ١٢٧٤م المجلد السَّادس ٢٥١ -٣٠٠ هـ . - الطبقة السادسة والعشرون ٢٥١ - ٢٦٠ هـ . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الثَ (الحوادث) دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين فيها توفي إسحاق بن منصور الكَوْسَج، وحُميد بن زَنْجُوية، وعَمرو بن عثمان الحِمْصي، ومحمد بن سهل بن عسكر، وأبو التَّقِي هشام بن عبدالملك الحِمْصي . وفيها خرج الحُسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن الأرْقَط عبدالله بن زين العابدين علي بن الحُسين بقَزْوين فغلب عليها في أيام فتنة المُستعين. وقد كان هو وأحمد بن عيسى العلوي اجتمعا على أهل الرَّي، وقتلا بها خلقًا كثيرًا، وأفسدا وعاثا، وخرج لقتالِهما جيش، فأُسِر أحدُهما وقُتِل الآخر. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبدالله بن حسن ابن حسن الحَسَني بالحجاز، وهو شابٌّ له عشرون سنة، وتَبِعه خلقٌ من العرب، فعاث في الحرمين، وأفسدَ موسم الحج، وقتلَ من الحَجِيج أكثر من ألف رجل، واستحلَّ المُحرَّمات بأفاعيله الخبيثة، وبقيَ يقطع الميرةَ عن الحرمين حتى هلكَ أهلُ الحجاز وجاعوا، ونزل الوباءُ فهلكَ في الطاعون هو وعامةُ أصحابه في السنة الآتية . وفيها فتنة المُستعين أحمد، كما هو مذكورٌ في ترجمته. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومئتين تُوفي فيها أحمد بن عبدالله بن سُوَيْد بن مَنْجُوف، والمُستعين بالله أحمد ابن المُعتصم؛ قتلوه، وإسحاق بن بُهْلُول الحافظ، وأشْنَاس الأمير، وزياد بن أيوب، وعبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث، ومحمد بن بشار بُنْدار، وأبو موسى محمد بن المُثنى العَنَزي، ومحمد بن منصور الجَوَّاز، ويعقوب الدَّوْرَقي. وفيها خُلِعَ المُستعين، ثم حُبِس، ثم قُتِلَ. وبويع المُعتز بالله فأمر الترك ٧ ببيعته، وخَلَعَ على محمد بن عبد الله بن طاهر خِلْعة المُلْك، وقلَّدهُ سيفين. فأقام بُغا ووَصِيف الأميران ببغداد على وَجَل من ابن طاهر، ثم رضيَ المُعتز عنهما، وردهما إلى مرتبتهما، ونُقل المُسْتعين إلى قصر المُخَرِّم هو وعياله، ووكَّلوا به أميرًا، وكان عنده خاتم من الجَوْهر، فأخذه ابن طاهر فبعثَ به إلى المُعْتَز. وفيها خَلَعَ المعتزُّ على أخيه أبي أحمد خِلْعِةِ المُلْك وتَوَّجَهُ بتاجٍ مِن ذَهَبِ، وقَلَنْسُوَةٍ مُجوهرة، ووِشاحَيْن مُجوهرين، وقلَّدَه سَيفين. وفي رجب خَلَعَ المعتزُّ بالله أخاه المؤيّد من العَهْد وقَيَّدَهُ وضَرَبَهُ. وفيها وَلِيَ قضاءَ القُضاة الحسن بن محمد بن عبدالملك بن أبي الشَّوارب. وفيها حُسِبَت أرزاقُ الأتراك والمغاربة والشَّاكريَّة ببغداد وغيرها، فجاءت في العام الواحد مئتي ألف ألف دينار، وذلك خَرَاجُ المملكة سنتان. وفيها قَبَضَ المعتز بالله على أخيه أبي أحمد، ثم نفاهُ إلى واسط، ثم قاموا معه فَرُدَّ إلى بغداد. وأُبُعِدَ علي ابن المُعتصم عن الحَضْرة. ووَلِيَ مُزاحم بن خاقان إمرة مصر. سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين تُوفِّي فيها أحمد بن سعيد الهَمْدانيُّ المِصْريُّ، وأحمد بن سعيد الدَّارمي، وأحمد بن المِقْدام العِجْلي، وخُشَيْش بن أصْرَم، وسَرِي السَّقَطي الزَّاهد، وعلي بن شُعَيب السِّمْسار، وعلي بن مُسلم الطُّوسي، ومحمد بن عبد الله بن طاهر الأمير، ومحمد بن عيسى بن رَزِين التَّيْمي مقرىء الري، ومحمد بن يحيى بن أبي حَزْمِ القُطِعِي، وهارون بن سعيد الأيْلي، والأمير وَصِيف التُّرْكي، ويوسف بن موسى القَطَّان، وأبو العباس القَلَوَّرِي. وفيها قَصَد يعقوب بن اللَّيْثِ الصَّفار هَرَاةَ في جَمْع، فأخذ هَرَاةَ من نُؤَاب ابن طاهر، وقيّدهم وحبسُهم. وفيها سار الأمير موسى بن بُغا، فالتقَى هو وعَسْكر عبدالعزيز ابن الأمير أبي دُلَف العِجْلي، فهزمهم وساقَ وراءَهم إلى الكَرَج، وتحصَّن منه عبدالعزيز، وأَسِرَتْ والدة عبدالعزيز، وبُعِثَ إلى سامراء بتسعين حِمْلاً من رؤوس القتلى. وفي رمضان خَلَع المعتزُّ بالله على بُغا الشَّرابي، وألبسَهُ تاجَ المُلْك. وفي شوال قُتِل وَصِيف التُّرْكي. ٨ وفي ذي القعدة كُسِف القمر. وغَزَا محمد بن مُعَاذ بلادَ الرُّوم، ودخل بالعسكر من جهة مَلَطْيَة، فَأُسِرَ وقُتِل من أصحابه خَلْقٌ . وفي ذي القعدة التقى موسى بن بُغا والكَوْكبي بأرض قَزْوين، فانهزم الكوكبي ولحِقَ بالدَّئْلَم. وفيها مات مُزَاحم بن خاقان أخو الفَتْح بمصرَ . سنة أربع وخمسين ومئتين فيها تُوُفي أحمد بنِ عبدالواحد بن عَبُّود الدِّمشقي، وإبراهيم بن مُجَشِّر الكاتب، وبُغا الصَّغير الشَّرَابي، وزياد بن يحيى الحَسَّاني، وسَلَّم بن جُنَادة، والدَّارِمي، وعلي بن محمد بن علي بن موسى الرِّضا أبو الحسن العسكري من الإثني عشر(١)، ومحمد بن عبدالله المُخَرِّمي الحافظ، ومحمد بن منصور الطُّوسي العابد، ومحمد بن هاشم البَعْلَبكي، والمَرَّار بن حَقُّوية الهَمَذاني الفقيه . ولم يجرِ فيها من الحوادث ما له صورة. سنة خمس وخمسين ومئتين فيها تُوفي عبدالله بن أبي زياد القَطَواني، وعبدالله الدَّارِمي الحافظ بخُلْف، وعبد الله بن هاشم الطُّوسي، وعبدالغني بن رِفاعة المِصْري، وعَتِيق بن محمد النَّيْسابوري، والجاحظ وأبو حاتِم بخُلْفٍ فيهما، وقد مرا سنة خمسين، والمعتز بالله محمد ابن المتوكل؛ قتلوه، ومحمد بن حرب النَّشائي، ومحمد بن عبدالرحيم أبو يحيى صاعقة، ومحمد بن كَرَّام الصُّوفي شيخ الكرامية، وموسى ابن عامر المُرِّي. وفيها فتنة الزَّنْج وخروج قائد الزَّنْجِ العَلَوي بالبصرة، خرج وعَسْكر، وانتسبَ إلى زيد بن علي، وزعمَ أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى ابن زيد بن علي، وهذا نَسَبٌ لم يَصح. وكان مبدأ ظهوره في هذه السنة والتّقَّتْ عليه عبيدُ أهل البَصْرة من الزَّنْجِ، وغيرهم. وعَظُم أمرُه وفعلَ بالمُسلمين الأفاعيل، وهزمَ الجيوشَ، وامتدَّت أيامه، وتَمادى في غَيِّه إلى أن قُتِل في سنة (١) يعني أئمة الشيعة الاثني عشر، وهو المعروف بالهادي. ٩ سبعين، على يد أبي أحمد الموفَّق. وفيها دخل مُفْلِح طَبَرِستان، فهزم الحسن بن زيد العلوي، فلَحق بالدَّيلم، ودخل مُفْلِح آمُّل، فَهَدم دُورَ الحَسن بن زيد، وساقَ في طلبه . وفيها كان بين يعقوب بن اللَّيث وطَوْق بن المُغَلِّس وَقْعةٌ كبيرة بظاهر كِرْمان، فانتصرَ يعقوب وأُسِرَ طوقٌ. وكان يعقوب قد خرجَ عن الطاعة وجبى الخَرَاجَ لنفسه . وفيها خرجَ عن الطَّاعة عليُّ بن الحُسين بن قُرِيشٍ، وكتبَ إلى المعتز بالله يسأله أن يوليه خُراسان، ويقول: إن آل طاهر قد ضَعُفُوا عن مقاومة يعقوب بن الليث، فكتب المعتز إليه بعهده إلى خُراسان وأمَّرَه عليها، وكتب بمثل ذلك إلى يعقوب بن الليث. وأراد أن يُغري بينهما ليشغل كلّ منهما بصاحبه، وتسقط عنه مؤونة الهالك منهما. فسار يعقوب يريدُ كِرْمان، وبعثَ ابن قُريش المذكور طَوْق بن المُغَلِّس، فسبق يعقوب إلى كِرْمان فدخلها، ونزل يعقوب على مرحلةٍ منها، فأقامَ نَحْوًا من شهرين. فلما طال عليه أظهرَ الرحيل إلى سجسْتان، وسارَ مرحلةً. فوضعَ طَوْق عنه السِّلاح، وأحضرَ الملاهي وَالَشَّراب، وجاءت الأخبار إلى يعقوب، فأسرعَ الرَّجعة وأحاطَ بطَوْق، فأسَرَه واستولى على كِرْمان وعلى سِجِسْتان. ثم سار إلى فارس فتملَّك شِيرازَ، وحارب ابن قُرَيْش وظفرَ به وأسَرَهُ، وبَعَثَ إلى المعتزِّ بالله بتقادُمَ وتحَفٍ سَنِيَّةٍ، واستفحل أمرُهُ. وفيها أخذَ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مَخْلَد، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، فقيّدهم، وهم خاصة المعتز وكُتابه. وقد كان ابنُ وَصِيف قال: يا أمير المؤمنين ليس للجُنْد عطاء، وليس في بيت المال مال، وقد استولى هؤلاء على أموال الدُّنيا، فقال له أحمد بن إسرائيل: يا عاصي يا ابن العاصي. وتراجعَا الكلام والخِصَام، حتى احتذَّ ابنُ وَصِيف، وغُشِيَ عليه وأصحابُه بالباب، فبلغهم فصاحوا وسَلوا سيوفَهُم وهجموا، فقام المعتز ودخل إلى عند نسائِه فأخذَ ابنُ وَصِيف أحمدَ والجماعة. قال: فقال له المعتز: هَبْ لي أحمدٍ، فإنَّهُ رَباني. فلم يفعل، وضَرَبهم بداره حتى تكسرت أسنان أحمد، وأخذ خُطُوطهم بمالٍ جليلٍ وقَيَّدهم. وفيها ظهر عيسى بن جعفر وعلي بن زَيْد العلويَّان الحَسَنِيَّن، فقتلا عبدالله بنَ محمد بن داود الهاشمي الأمير. ١٠ وفي رجب خُلِعَ المعتزُّ بالله من الخلافة، ثم قُتِل، فاختفت أمُّه قَبيحة، ثم ظهرت في رمضان، وأعطت صالح بن وَصِيف مالاً عظيمًا. ثم نفاها بعدما استصفاها إلى مكة، فَكُبِسَتْ بها. وظهر لها من الذَّهَب ألف ألف وثلاث مئة ألف دينار، وسَفَط فيه مَكُوك زُمُرُّد، وسَفَط فيه مَكُّوك لؤلؤ، فيه حَبُّ كِبار عديمُ المِثْلِ، وكَيْلَجَةُ ياقوت أحمر، وغيره. فَقُوَّمت الأسفاط بألفي ألف دينار، وحُمِل الجميع إلى ابن وصيف، فلما رآه قال: قَبَّحها الله، عَرَّضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا. فأخذ الكُلَّ ونفاها. وفي رمضان قَتَل ابنُ وصيف أبا نوح، وأحمد بن إسرائيل. وبُويع المهتدي بالله محمد بالأمر . سنة ستٍّ وخمسين ومئتين تُوفي فيها الربيع بن سُليمان الجيزي، والزُبير بن بَكَّار، وعبد الله بن أحمد بن شَبُّويةِ المَرْوَزِي الحافظ، وعبدالله بن محمد الزُّهْرِي المُخَرِّمي، وعلي ابن المُنذر الطَّرِيقي، وأبو عبدالله البُخاري ليلة عيد الفِطْر، ومحمد بن أبي عبدالرحمن المُقرىء، ومحمد بن عثمان بن كَرَامة، والمهتدي بالله محمد ابن الواثق . وفي أوَّلها قدِم الأمير موسى بن بُغا وعَبَّى جيشَهُ ميمنةً ومَيْسرةً وشَهَرُوا السِّلاح، ودخلوا سامراء مُجْمِعينَ على قَتْل صالح بن وَصِيف بدم المعتز، يقولون: قتلَ أمير المؤمنين المعتز، وأخذَ أموال أمه قَبِيحة وأموال الكُتاب. وصاحت العامة والغوغاء على ابن وَصيف: ((يا فرعونَ قد جاءك موسى)). فطلب موسى بن بُغا الإذْن على المهتدي بالله، فلم يؤذَنْ له، فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العَدْل، فأقاموه وحملوه على فَرَسِ ضَعِيفةٍ، وانتهبوا القصر. فلما وصلوا إلى دار ياجور أدخلوا المهتدي إليها وهو يقول له: يا موسى اتق الله ويحك ما تريد؟ قال له: والله ما نريد إلا خيرًا، وحَلَف له: لا نالكَ سوء. ثم خَلَّفوه أن لا يمالى صالح بنَ وَصيف، فحلَف لهم، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحًا لكي يناظروه على أفعاله، فاختفى. ورُدَّ المهتدي بالله إلى داره. ثم قُتِل صالح بن وصيف بعد شهرٍ شرَّ قَتْلة . وفي آخر المحرم ظَهَرَ كتابٌ ذَكَرَ أن سِيما الشَّرَابِي، زُعِمَ أن امرأةً جاءت به، وفيه نصيحة لأمير المؤمنين: وإنْ طلبتموني فأنا في مكان كذا. فلما وقفَ ١١ عليه المهتدي طلبها في المكان فلم يوجد لها أثر. فدعا موسى بن بُغا وسُليمان بن وَهْب ومُفْلِحًا وباكِباك وياجور، ودفَع الكتاب إلى سُليمان، فقال: أتعرف هذا الخط؟ قال: نعم خط صالحٍ بن وَصيف. ثم قرأه عليهم، وفيه يذكر أنه مُسْتَخْفٍ بسامراء، وأنه استتر خَوْفًا من الفِتَن، وأن الأموال عِلْمُها عند الحسن بن مَخْلَدَ. وكان كتابه يدلُّ على قوّة نفسه. فندب المهتدي إلى الصُّلح، فاتَّهمه موسى وذووِه بأنه يدري أينَ صالح، فكان بينهم في هذا كلام. ثم من الغد تكلّموا في خَلْعه، فقال باكباكٍ: وَيْحَكُم، قتلتم ابنَ المتوكّل وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلمٍ يصوم ويُصلِّي ولا يشرب؟ والله لئن فعلتم لأصِيرنَّ إلى خُراسان ولأَشِيعنَّ أمَركُم هناك. ثم خرجَ المُهتدي إلى مجلسِه وعليه ثيابٌ بيضٌ، مُتقلدًا سَيْفًا، ثم أمرَ بإدخالهم إليه، فقال: قد بلغني شأنكُم، ولستُ كمن تقدَّمني مثل المُستعين والمُعتز، واللهِ ما خرجتُ إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيتُ، وهذا سيفي، واللهِ لأضربنَّ به ما استمسكَتْ قائمتُه بيدي. أما دِيْنٌ! أما حَيَاءٌ! أما رِعةٌ! كم يكون الخِلاف على الخُلفاء والجرأة على الله؟! ثم قال: ما أعلم عِلم صالح. قالوا: فاحلِفْ لنا. قال: إذا كان يوم الجُمُعة، وصلَّيت الجُمعة، حلفتُ لكم. فرضوا وانفصلوا على هذا. ثم ورد إذْ ذاك مالٌ من فارس نحوٌ من عشرة آلاف ألف درهم، فانتشر في العامة أن الأتراك على خَلْع المهتدي، فثار العَوَام والقُواد، وكتبوا رقاعًا وألقوها في المساجد: يا معاشر المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العَدْل الرِّضا المضاهي لعمر بن عبدالعزيز أن ينصرَهُ الله على عدوه. وراسل أهل الكَرْخ والدُّور المهتدي بالله في الوثوب بموسى بن بُغا والأتراك، فجزاهم خَيْرًا ووعدهم بالخير. وفيها تحول الزَّنْج فقربوا من البصرة، وأخذوا مراكبَ كثيرة بأموالها، فتهيَّأ سعيد الحاجب لحربهم. وفي أول جُمادى الأولى رحل موسى بن بُغا وباكِباك إلى مُساور الشاري وكانا ماكثين قريبًا من الموصل، وتقهقر مساور. وفي رجب ثار الجُنْد يطلبون العطاء، فلم يُعطوا شيئًا، ووعدهم المهتدي. وكان موسى وباكِباك في طلب مساور. وكان المهتدي قد استمال باكباك وجماعةً من الأتراك، فكتب إلى باكِباك ١٢ أن يقتل موسى ومُفْلحًا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلِّهم. فأوقف باكِباك موسى على كتابه، وقال: إني لستُ أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا. فأجمعوا على أن يسير باكِباك إلى سامراء، فإن المهتدي يطمئن إليه، لم يقتله. فسار إلى سامراء ودخل على المهتدي فغَضِبَ، وقال: أمرتك أن تقتلَ موسى ومُفلحًا فَدَاهَنْت. قال: كيف كنت أقدر عليهما وجيشُهما أعظم من جيشي، ولكن قد قدمتُ بجيشي ومَن أطاعني لأنصُركَ عليهما. فأمر المهتدي بأخذ سلاحِهِ، فقال: أذهب إلى منزلي وأعود، فليس مثلي مَن يُفعل به هذا. فأخذ سلاحه وحَبَسهُ. ولما أبطأ خبرُه على أصحابه قال لهم أحمد بن خاقان الحاجب: اطلبوا صاحبكم قبل أن يَفْرُطَ به أمرٌ. فأحاطوا بالجَوْسَق، فقال المهتدي لصالح بن علي بن يعقوب بن المنصور: ما ترى؟ فقال: قد كان أبو مسلم أعظم شأنًا من هذا العَبْد، وأنت أشجع من المنصور، فاقتله. فأمر بضرب عنقه، وألقى رأسه إليهم، فجاشوا، وأرسل المهتدي إلى الفَرَاغِنة والمغاربة والأشروسْنية، فجاؤوا واقتتلوا، فقُتِل من الأتراك أربعة آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف، في ثالث عشر رَجَب يوم السبت، وحجز بينهم الليل؛ ثم أصبحوا على القتال ومعهم أخو باكِباك وحاجبُه أحمد بن خاقان في زُهاء عشرة آلاف. وخرج المهتدي بالله ومعه صالح بن علي والمُصحف في عُنقه، وهو يقول: أيُّها الناس انصروا خليفتكم. وحمل عليه طغويا (١) أخو باكِباك في خمس مئة، فمال الأتراك الذين مع الخليفة إلى طغويا، والتحمَ الحربُ، فانهزم جَمْع الخليفة وكثُر فيهم القتل، فولى منهزمًا والسيف في يده، وهو ينادي: أيها الناس انصروا خليفتكم. ثم دخل دار صالح بن محمد بن يزداد، ورمى سلاحه ولبسَ البياض ليهرب من الأسطحة. وجاء أحمد حاجب باكِباك فأُخْبِر به، فتبعه، فهرب، فرماه بعضُهم بسهمٍ ونفجَه بالسَّيف. ثم حُمِل إلى أحمد، فأركبوه بَغْلاً، وركَّبوا خلفه سائسًا، وَأتوا به إلى دار أحمد بن خاقان، وجعلوا يضربونه ويقولون: أين الذَّهَب. فأقَرَّ لهم بست مئة ألف دينار مُودَعة ببغداد، أودعها الكَرْخي فأخذوا خطه إلى خَشَف الواضحية المُغَنية بست مئة ألف دينار، ودفعوه إلى رجلٍ، فعُصِر على خصيتيه فمات. وقيل: (١) في الطبري ٩/ ٤٦١: ((طغوتيا)). ١٣ كانت به طعنة فحملوه على برْذَوْن. وقيل: أرادوه بدار أحمد على الخَلْع، فأبى واستسلم للقتل، فقتلوه. وبايعوا أحمد ابن المتوكل ولقبوه المُعتمد على الله، وكنيته أبو العباس، وقيل: أبو جعفر، في سادس عشر رجب. وقدِم موسى بن بُغا إلى سامراء بعد أربعة أيام، وخَمدت الفتنة. وكان المعتمد محبوسًا بالجَوْسَق فأخرجوه. وقتل المهتدي مع باكِباك أبا نصر محمد بن بُغا أخا موسى. وضَيَّقِ المُعتمد على عِيال المُهتدي بالله. ثم استعملَ المعتمد أخاه الموفق طَلْحة على المشرق، وصير ابنه جعفرًا وليَّ عهده، وولاه مصر والمغرب، ولقَّبه المُفَوِّض إلى الله. وانهمك المُعتمد في اللَّهْو واللَّذَّات، واشتغل عن الرَّعية، فكرهَه الناس وأحبوا أخاه طلحة . وفي العِشرين من رجب دخلت الزَّنْج البصرة، فقتلوا وفتكوا، وفعلوا بالأهواز والأبٌلَّة أكثر مما فعلوا بالبصرة. وفيها ظهر بالكوفة علي بن زيد الطَّالبي، فبعث إليه المعتمد جيشًا هزمهم الطّالبي. وفيها غلب الحَسن بن زيد الطالبي على الرَّي، فجهز إليه المعتمد موسى ابن بُغا، وخرجَ معه مُشيِّعًا له . وفيها حجَّ بالنَّاس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور أبي جعفر العباسي. وأما صالح بن وصيف، فكان قد استطالَ على الخُلفاء وقتل المعتز، وأقام المُهتدي، وحكمَ عليه، وذكرنا استتارَهُ في أيام المهتدي. قال: فنادى عليه موسى بن بُغا: من جاء به فله عشرة آلاف دينار. فلم يظفر به أحد. فاتَّفق أنَّ بعضَ الغِلْمان دخل زُقَاقًا وقتَ الحَرِّ، فرأى بابًا مفتوحًا فدخل، فمشى في دِهْليزِ مُظلمٍ، فرأى صالحًا نائمًا، فعرفه وليس عنده أحد. فجاء إلى موسى فأخبرَهُ، فبَعْثَ جماعةً فأخذوه، ثم ذهبوا به مكشوفَ الرأس إلى الجَوْسَق، فبادره بعضُ أصحاب مُفْلح، فضربه من ورائه، واحترُّوا رأسَهُ وطافوا به. وتألَّم المهتدي في الباطن لقَتْله، وقال: رحم الله صالحًا، فلقد كان ناصحًا. وأما الصُّولي، فقال: عَذَّبوه في حَمَّام كما فُعِلَ بالمعتز حتى أقرَّ بالأموال ثم خنقوه. ١٤ سنة سبع وخمسين ومئتين تُوفي فيها أحمد بن منصور زاج، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهيد، والحسن بن عبدالعزيز الجَرَوِي، والحَسن بن عَرَفَة، وزُهَير بن محمد المَرْوَزِي، وزيد بن أخزم، وسُليمان بن مَعْبَد السِّنْجي، وأبو الفضل الرِّياشي عباس، وأبو سعيد الأشج، وعلي بن خَشْرَم، ومحمد بن حَسان الأزْرق، ومحمد بن عَمْرو بن حنان الحِمْصي، ومحمد بن وزير الواسطي. وفيها دخلت الزَّنْج البصرة، وبَذَلوا السَّيفَ واستباحوا، وقتلوا بالأُبُلَّة نحوًا من ثلاثين ألفًا وأحرقوها، فحاربهم سعيد الحاجب، واستخلصَ منهم كثيرًا مما أخذوه. ثم استظهروا عليه، وقتلوا من جُنْدِه مقتلةً عظيمة، ودخلوا البصرة، فيقال: إنهم قتلوا بها اثني عشر ألفًا، وخَرَّبوا الجامع، وهرب من سَلِم في البُلدان، وخربت البصرة. وجرت بين الزَّنْج وبين عساكر الخليفة عدة وقعات. وفيها قُتِل ميخائيل بن توفيل ملك الروم، قتله بَسيل الصَّقْلَبي، وكان بَسيل من أبناء الملوك. وتَملك ميخائيل على دين النصرانية أربعًا وعشرين سنة . سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين تُوفي فيها أحمد بن بُدَيْل قاضي هَمَذَان، وأحمد بن حفص النَّيْسابوري، وأحمد بن سِنان القَطَّان، وأبو عُبَيدة بن أبي السَّفَر واسمه أحمد، وأحمد بن الفُرات الرَّازي الحافظ، وأحمد بن محمد بن يحيى القطان، وأحمد بن عُمر، يعرف بحَمْدان البَزَّاز الحميري البغدادي، وإسماعيل بن أبي الحارث، وجعفر ابن عبدالواحد الهاشمي القاضي، وحفص بن عَمْرو الرَّبالي، والعباس بن يزيد البَحْراني، وعَبْدة بن عبدالله الصَّفار، وعلي بن حرب الجُنْدَيْسابوري، وعلي بن محمد بن أبي الخَصِيب، والفضل بن يعقوب الرُّخامي، ومحمد بن إسماعيل الحَساني، ومحمد بن سَنْجر الحافظ، ومحمد بن عبدالملك بن زَنْجُوية الحافظ، ومحمد بن عمر بن أبي مَذْعور، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وهارون ابن إسحاق الهَمْداني، ويحيى بن مُعَاذ الرازي الصُّوفي. ١٥ وفيها عقدَ المعتمدُ على الله لأخيه الموفَّق أبي أحمد على الشَّام ومصر، ثم جهزه ومُفْلِحًا إلى حرب الخَبيث رأس الزَّنْج. فكانت في هذه السَّنة وقعة بين الزَّنْج وبين منصور بن جعفر بن دينار، فانهزم عن منصور عَسْكره، وساقَ وراءَهُ زنجيٌّ فضرب عُنقه، واستباحت الزَّنْج عسكره. وعرض أبو أحمد ومُفْلِح في جيشٍ لم يخرج مثله من دَهْرٍ في العَدَد والعُدَدِ والفُرسان والأموال والخزائن. فلما وصل الموفَّق أبو أحمد إلى دَيْرِ مَعْقِل انهزم جيش الخبيث مرعوبين، فلحِقوا به، لعنه الله، وقالوا: هذا جيشٌ هائل لم يأتنا مثله. فجهز عسكرًا كبيرًا، فالتقواهم ومُفْلِح، فاقتتلوا أشد قتال، وظهر مُفلح. ثم جاءه سهمٌ غَرْبٌ في صدره، فماتٍ من الغد، وانهزم الناس وركِبتهم الزَّنْجُ واستباحوهم. وتحيَّزَ الموفَّقُ إلى الأُبُلَّة وتراجع إليه الفل ونزل نهر أبي الأسد، ثم بعث جَيْشًا، فالتقوا هم وقائد الزَّنْجِ يحيى. فَنَصَر الله، وأُسِر طاغيتهم هذا، وقُتِل عامة أصحابه. وبعث به إلى المعتمد فضربه، وطوَّفَ به، ثم ذبحه وأحرق ◌ُثَّته . وسار الموقّق إلى واسط . ووقع الوباء الذي لا يكاد يتخلَّف عن الملاحم بالعراق، ومات خلقٌ، لا يُخْصون. ومات من عسكر الموفَّق خَلْقٌ. ثم تجمَّعت الزَّنْج، فالتفاهم الموفق، فقتل خلق من جنده وانهزموا، وتفرّق عنه عامة جُنده، ثم تحيّز وسَلِم وعظُم البلاءُ بالخبيث وأصحابه. وكان هذا الخَبيث المذكور كَذابًا مُمَخْرقًا يَدَّعي أنه أُرسِل إلى الخَلْق. فرد الرسالةَ، وكان يُوهِم أصحابه أنه يطَّلع على المُغَيَّبات، ويفعل ما ليس في قُدرة البشر. وكان يحيى بن محمد البحراني الأزْرق قائد جيوش الخَبِيث، فقُتِل بسامراء بعد أن قُطِعت أربعتُه . ثم كانت وقعات بين الخَبيث والموفَّق كانوا فيها متكافِئَيْن . وفيها كانت هَذَّات عظيمة بالصَّيْمرة، وزلازل سقطت منها المنازل، ومات تحت الرَّدْم ألوف من الناس. ١٦ سنة تسع وخمسين ومئتين فيها تُوفي أبو إسحاق الجُوزجاني الحافظ، وإسحاق بن وَهْب العَلاف، وأحمد بن إسماعيل السَّهْمي، وإسحاق البَغَوي لؤلؤ، وبِشْر بن مَطَر السَّامرِي، وحَجاج بن الشَّاعر، وعلي بن مَعْبَد نزيل مصر، ومحمد بن يزيد السُّلَمي النَّيْسابوري، ومحمود بنِ سُمَيع الدِّمشقي، ومحمد بن آدمِ المَرْوَزي. وفيها عرض الموفَّق عسكره بواسط، وجاءته النجدةُ، وهيأ السُّفن ليدخل إلى الخبيث رأس الزَّنْج. وكان قد نزل البطيحة وبثقَ حوله الأنهار وتَحَصَّن. فهجم عليه الموفق، فأحرق أكواخَهُ، وقتل من أصحابه مقتلةً كبيرة. واستنقذ من النُّسْوان جَمْعًا كبيرًا، ورد إلى بغداد، واستخلف على حرب الخبيث محمد ابن المُولَّد. فسار الخبيث إلى الأهواز وقتل خمسين ألفًا وسبى أربعين ألفًا، وأهلكَ الأمة. فسار لحربه موسى بن بُغا، فأقامَ يحاربه بضعة عشر شهرًا، وقُتِل خلْقٌ من الطَّائفتين. وفيها قُتِل كَنْجور، وكان على إمرة الكوفة، فانصرف منها يريد سامراء بغير إذْن المُعتمد، فأرسل إليه يأمرُه بالرجوع، فامتنع. فبعث إليه مالاً ليفرقه في أصحابه، فلم يقنع به، وقويت نفسُه. فجهز المُعتمد لحربه ساتكين، وعبدالرحمن بن مُفْلِح، وموسى بن أتامش، وجماعة من الأمراء، فأحاطوا به، وأنزلوه عن فرسه وذبحوه. وفيها نزلت الروم، لعنهم الله، على مَلَطْية وسُمَيْساط، فخرج أحمد بن محمد القابوس بأهل مَلَطْية، فهزموا الروم وقُتِل مقدمهم الإقريطشي، وفتحَ اللهُ ونَصَرَ . وفي شوال مَلَكَ يعقوب بن اللَّيْث الصَّفار نَيْسابور، فركب إلى خدمته محمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر، فأخذ يعقوب يُوبِّخه ويعنِّفه على تفريطه في البلاد، حتى غلب عليها العدو. ثم اعتقلَهُ ورسمَ عليه وعلى أهل بيته. فبعث المعتمد يُنْكِرُ على يعقوب ويأمره بالانصراف إلى ولايته، فلم يقبل، واستولى على خُراسان، واستفحل أمرُه وشرُّه. سنة ستین و مئتين فيها توفي أحمد بن عثمان بن حكيم الأؤدي، وأيوب بن إسحاق بن سافري، وحَجاج بن يوسف بن قُتيبة الأصبهاني، والحسن بن محمد بن تاریخ الإسلام ٦/ م٢ ١٧ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَراني، والحَسن بن علي بن محمد ابن الرضا علي بن موسى العلويُّ الحُسيني أحد الاثني عشر، وعبدالرحمن بن بِشْر بن الحَكَم، وعُبَيْد الله ابن سَعْد الزُّهْري، ومالك بن طَوْق التَّغْلبي صاحب الرَّحبة . وفيها سار يعقوب بن الليث فواقَعَ الحسن بن زيد العلوي فهزمَهُ، ودخل طَبَرِستان والدَّيْلَم وراءَهُ، فصعد الحَسن في جبال الدَّيْلَم، ونزل الثََّجُ والأمطار على أصحاب يعقوب، فتلف منهم خَلْقٌ واندَعكوا. ورجع يعقوب بأسوأ حال، وقد عُدِم من أصحابه أربعون ألفًا، وذهب عامة خيله. وفيها كان الغلاء المُفْرِط في الحِجاز والعراق، وبلغ كُرُّ الحِنْطة ببغداد مئة وخمسین دینارًا . وفيها أغارت الأعراب على حِمْص، فخرجَ لحربهم منجور التُّرْكي أميرُها، فقتلوه، فجاء على إمرتها بكْتُمر التُّركي المُعتمدي. وفيها أخذت الرُّوم بلد لؤلؤة. وفيها جرت وقعات عديدة للمُسلمين مع الخَبيث. وفي بعضها يقول الخبيث هذا : مَن لم ير الأتراكَ في جَمْعهم قد واقفوا جَيْشًا من الزَّنْجِ وكلُّهم تصرف أنيابه حيوان يرجو ظفرَ العلجِ وزَنْجُنا رقْعةَ شطرَنْجِ كأنَّهم إذا وقفتْ تُزْكُهُم ١٨ رجال هذه الطبقة على الترتيب ١ - أحمد بن إبراهيم بن مِهْران البُوشَنْجيُّ (١). عن سُفيان بن عُيَيْنة، وأبي ضَمْرة. وعنه المَحَاملي، ومحمد بن مخلَد. قال الدَّار قطني : لا بأس به . ٢- أحمد بن آدم، أبو جعفر الخَلَنْجيُّ الجُرْجانيُّ، عَبْدَك الحافظ . روى عن عبدالرزاق، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي، وأبي نُعَيْم، وعثمان ابن عبدالحميد، وجماعة كثيرة. وعنه عمران بن موسى بن مُجاشِعٍ، والحَسن ابن سُفْيان، وأبو جعفر الجُزْجاني المقرىء، وآخرون. وثقه حمزة السَّهْمي(٢) . ٣- أحمد بن إسرائيل بن حُسين الأنباريُّ الكاتب(٣). وَلِيَ ديوان الخراج للمتوكل وللمُنتصر، ثم ولي كتابة المعتز قبل خلافته. فلما وَلِيَ الخلافة استوزَرَهُ، وكان يحبُّه ويركنُ في الأمور إليه، فخلعَ عليه للوزارة في شعبان سنة اثنتين وخمسين. وكان أحمد بن إسرائيل من أذكياء العالم لا يسمع شيئًا إلا حَفِظَه. وكان آية في حساب الدِّيوان، أول من قدمه وأظهره محمد بن عبدالملك الزيات. قال الصُّولي: حدثنا الحُسين بن علي الباقطائي (٤)، قال: قال لنا أحمد ابن إسرائيل يومًا: كنت في الديوان في آخر أيام الأمين، وما كان أحدٌ يدخل الدِّيوان أصغر مني. ولقد كنت أنسخ الكتاب، فلا أفْرَغُهُ حتى أحفظه بما فيه حرفًا حرفًا؛ فعْلتُ هذا مراتٍ كثيرة. وسمعت أحمد بن إسرائيل ينشد مرة: لا يكون السَّرِيُّ مثلَ الذَّني لا ولا ذُو الذَّكاء مثل الغبي (١) تقدمت ترجمته في الطبقة السابقة (الترجمة ٢) نقلاً من تاريخ الخطيب ١٣/٥، وقال هناك: ولعله بقي إلى بعد الخمسين . (٢) تاريخ جرجان للسهمي ٦٩ . (٣) كتب المؤلف ملخصًا لهذه الترجمة، ثم أعادها مفصلة، فقال في الأولى: ((أحمد بن إسرائيل، أبو جعفر الكاتب وزير المعتز بالله صودر وهلك تحت الضرب في سنة خمس وخمسين)). ما دوناه هي الترجمة المفصلة التي كتبها بعدُ. (٤) منسوب إلى باقطايا، من قرى بغداد. وهذه النسبة لم يذكرها السمعاني في ((الأنساب)) ولا استدركها عليه ابن الأثير في ((اللباب))، وهي في ((معجم البلدان)) لياقوت. ١٩ قيمةُ المرءِ مثل ما يُحسن المرء قضاء من الإمام علي قال الصُّولي: لم يزل أحمد بن إسرائيل وزيرًا للمعتز إلى سنة خمسٍ وخمسين، وكانت وزارته دون ثلاث سنين، قتله صالح بن وَصيف بالضَّرْب في رمضان . ترجَمَهُ ابنُ النجار(١). ٤- ق: أحمد بن إسماعيل بن محمد بن نُبَيْه، أبو حُذَافة السَّهْميُّ القُرَشِيُّ المَدَنيُّ، نزیلُ بغداد. حدَّث عن مالك، وعبدالرحمن بن أبي الزِّناد، ومُسلم بن خالد الزَّنْجي، وعبدالعزيز الدَّرَاوَرْدي، وحاتم بن إسماعيل، وهو آخر مَن حَدَّث عنهم، ولعله عاش مئة سنة . روى عنه ابن ماجة، وابنُ صاعد، وعبدالوَهَّاب بن أبي عِصْمَة، وإسماعيل بن العباس الوَرَّاق، والمَحَاملي، وابن مَخْلَد، وآخرون. قال المَحَاملي: سمعتُ أبي يقول: سألتُ أبا مُصْعَب عن أبي حُذَافة السَّهْمي، فقال: كان يحضر معنا العَرْض على مالك. وقال الدَّارِ قُطْني: هو قويُّ السَّماع عن مالك. وقال البَرْقاني: كان الدَّارِقُطْني حسن الرأي في أبي حُذَافة، وأمرني أن أُخرِّج حديثَهُ في الصحيح. قال الخطيب(٢): وقرأتُ بخط الدَّارِقُطْني: أحمد بن إسماعيل أبو حُذافةً ضعيفُ الحديث، كان مُغَفَّلاً، روى ((الموطأ)) عن مالك مُستقيمًا، فَأُدْخِلتْ عليه أحاديث عن مالك في غير ((الموطأ)) فقَبِلَها، لا يُحتج به . وقال ابنُ عَدِي(٣): حدَّث عن مالك ((بالموطأ))، وحَدَّث عنه، وعن غيره بالبواطيل. وقال الخطيب(٤): لم يكن ممَّن يتعمَّد الباطل . قلتُ: مما نُقِم على أبي حُذَافة روايته عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (١) لم يصل إلينا هذا القسم من تاريخ ابن النجار. (٢) تاريخه ٤١/٥. (٣) الكامل ١٧٩/١ . (٤) تاريخه ٥/ ٤١ . ٢٠