النص المفهرس
صفحات 1041-1060
ولقد ساءني أخْذُهم إيّاك. ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حَلف أن يَضْربك ضَربًا بعد ضربٍ، وأن يُلْقيَك في موضع لا ترى فيه الشَّمس، ويقول: إن أجابنِي جِئْت إليه حتى أُطلقَ عنه بيدي. وانصرفت، فلما أصْبح جاء رسولهُ فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظِروه وكُلِّموه. فجعلوا يُناظِروني، فأردُّ عليهم، فإذا جاءُوا بشيءٍ من الكلام مما ليس في الكِتاب والسُّنَّة قلت: ما أدري ما هذا. قال: يقولون: يا أمير المؤمنين إذا تَوجهتْ له الحُجَّةُ علينا ثبت، وإذا كَلَّمْناه بشيءٍ يقول لا أدري ما هذا. فقال: ناظِروه؟ فقال رجل : يا أحمد أراك تَذْكر الحديث وتَنْتَحِلِهُ. قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]؟ قال: خَصَّ الله بها المؤمنين. قلت: ما تقول إنْ كان قاتلاً أو عَبْدًا؟ فسكت. وإنَّما احتَجَجْت عليهم بهذا لأنَّهم كانوا يَحتجُّون بظاهر القرآن، وحيث قال لي: أراك تَنْتَحِل الحديث احتَجَجْت بالقرآن، فلم يزالوا كذلك إلى قُرب الزَّوال فلما ضَجر قال لهم: قوموا؛ وخَلا بي وبعبدالرحمن بن إسحاق. فلم يزل يُكلِّمني. ثم قال أبي: فقام ودخل، ورُددتُ إلى المَوضع. قال: فلمَّا كان في اللَّلة الثالثة قلت: خَليقٌ أن يَحدُث غدًا من أمري شيء، فقلتُ لبعض من كان معي، الموكَّل بي: ارتَدْ لي خَيطًا. فجاءني بخيطٍ، فشددتُ به الأفْياد، ورددتُ التّكّة إلى سَراويلي مخافةَ أن يَحْدث من أمري شيء فأتَعَرَّى. فلما كان من الغد في اليوم الثَّالث وجَّه إليَّ، فَأُدْخلت، فإذا الدار غاصَّة، فجعلت أدخل من مَوضع إلى مَوضعٍ، وقومٌ معهم السُّيوف، وقوم معهم السِّياط، وغير ذلك. ولم يُكن في اليَوْمين الماضيين كبيرُ أحدٍ من هؤلاء. فلمَّا انتَهيت إليه قال: اقعد. ثم قال: ناظِروه، كلِّموه. فجعلوا يُناظِروني، ويَتَكلَّم هذا فأرةُّ عليه، ويتكلَّم هذا فأرةُّ عليه، وجعل صَوتي يعلو أصْواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يُومىء إليَّ بيده، فلما طال المَجْلس نَخَّاني، ثم خلا بهم، ثم نَخَاهم ورَدَّني إلى عنده فقال: وَيْحك يا أحمد، أجبني حتى أُطْلِق عَنْك بيدي، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرذُ، فقال لي: عليك، وذكر اللَّعْن. وقال: خُذوه واسْحَبوه وخَلِّعوه، قال: فَسُحِبْتُ ثم خُلعتُ. قال: وقد كان صار إليَّ شَعرٌ من شَعرِ النِبِيِّ بََّ فِي كُمَّ قَميصيٍ، فوجَّه إِليَّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المَصْرور في كُمِّ قميصك؟ قلت: شَعرٌ من شَعرِ رسول الله وَّه. قال: وسَعى بعض القوم إلى القَميص ليُخرِّقه عليَّ، فقال لهم: يعني تاريخ الإسلام ٥/ م٦٦ ١٠٤١ المعتصم: لا تَخْرقوه. فِنُزِع القميص عني. قال: فَظَنَنْت أنه إنما دُرِىء عن القميص الخَرقُ بسبب الشَّعْر الذي كان فيه . قال: وجلس على كرسيٍّ، يعني المُعْتصم، ثم قال: العُقابين والسِّياط. فجيء بالعُقابين، فَمُدَّت يداي، فقال بعض من حِضَر خلفي: خُذْ ناِىء الخَشَبتين بيديك وشُدَّ عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخلَّعت يداي. وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: ذكروا أن المُعتصم لان في أمر أحمد لما عُلِّق في العُقابين، ورأى ثُبوته وتَصْميمه وصَلابته في أمرهِ، حتى أغْراه ابن أبي دُؤاد وقال له: إن تَركْتَه قيل: إنَّك تَركتَ مذهبَ المأمونِ وسخطتَ قوله. فهاجَه ذلك على ضَرْبه . قال صالح: قال أبي: لما جِيءَ بالسِّياط نظَر إليها المعتصم، فقال: ائتوني بغيرها. ثم قال للجَلَّدين: تقدَّموا. فجعل يتقدَّم إليَّ الرجل منهم فيَضْربني سَوْطَين، فيقول: شُدَّ، قَطع الله يدك. ثم يَتَنْخَّى، ويَتَقدم الآخر فَيَضْربني سَوْطين وهو يقول في كلِّ ذلك: شُدَّ، قطع الله يدك. فلما ضُربتُ تسعة عشر سوطًا قام إليَّ، يعني المعتصم، فقال: يا أحمد، عَلامَ تَقْتل نَفْسك؟ إني والله عليك لَشَفِيق. قال: فجعل عُجَيْف يَنْخَسُني بقائِمةِ سَيفه وقال: أتريد أن تَغْلب هؤلاء كلّهم. وجعل بعضهم يقول: وَيْلكِ الخَليفةُ على رأسك قائمٌ. وقال بعضهم: يا أميرَ المؤمنين دَمُهُ في عُنُقي، اقتُلْه. وجعلوا يقولون: يا أمير المُؤمنين أنتَ صائم وأنت في الشَّمس قائمٌ. فقال لي: وَيْحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعْطوني شيئًا من كتاب الله أو سُنَّة رسول الله بَل أقول به. فرجع وجلسَ، وقال للجلَّد: تقدَّم وأوْجِع، قطع الله يدك. ثم قام الثانية فجَعَل يقول: وَيْحك يا أحمد أجِبْني. فجعلوا يُقْبِلون عَليَّ ويقولون: يا أحمد إمامُك على رأسك قائمٌ. وجعلَ عبدالرحمن يقول: مَن صَنع من أصحابِكَ في هذا الأمر ما تَصَنْع؟ وجعل المعتصم يقول: وَيْحك أجِبْني إلى شيءٍ لَك فيه أدْنى فَرَج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين، أعْطوني شيئًا من كتاب الله، فَرجعَ وقال للجَلَّدين: تقدَّموا. فجعل الجَلَّ يتقدَّم ويَضْربني سَوْطين ويَتَنْخَّى، وهو في خِلال ذلك يقول: شُدَّ، قطع الله يدك. قال أبي: فَذَهب عَقْلي، فأفَقْت بعد ذلك، فإذا الأقْياد قد أُطْلِقت عني. فقال لي رجل ممَّن حَضرِ: إنا كَبَبْناك على وَجْهك، وطَرَحْنا على ظَهْرك باريةً ودُسْناك. قال أبي: فما شَعرت بذلك، وأتَوْني بسَوِيقٍ فقالوا لي: اشرب وتقيَّأْ. ١٠٤٢ فقلت: لا أُفْطر. ثم جِيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرتْ صلاة الظُّهر، فتقدَّم ابن سَماعَة فصَلى، فلما انفَتَل من الصَّلاة قال لي: صلَّيت والدَّم يَسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صَلى عمر وجُرْحِه يَثْعَبُ دمًا . قال صالح: ثمَّ خُلي عنِهِ، فصار إلى مَنْزله، وكان مُكْثُه في السِّجن منذ أُخِذ وحُمِلٍ إلى أن ضُرِب وخُلِّي عنه ثمانيةً وعشرين شَهرًا، ولقد أخبرني أحد الرَّجلين اللَّذَين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمةُ الله على أبي عبدالله، والله ما رأيت أحدًا يُشْبهه، ولقد جَعلتُ أقول له في وَقْت ما يُوجَّه إلينا بالطَّعام: يا أبا عبدالله، أنت صائمٌ وأنت في موضعٍ تَقِيَّة (١)، ولقد عَطش، فقال لصاحب الشَّراب: ناوِلْني، فناوله قدحًا فيه ماءٌ وثَلْج، فأخذه ونظر إليه هُنيَّة ثم رَدَّه ولم يَشْرب، فجعلت أعْجَب من صبره على الجُوعِ والعَطش وهو فيما هو فيه من الهَوْل . قال صالح: كنتُ ألْتمس وأحتالُ أن أُوصل إليه طَعامًا أو رَغيفًا في تلك الأيَّام، فلم أقْدِر، وأخبرني رجلٌ حضره أنَّه تَفَقَّده في هذه الأيام الثلاثة وهم يُناظرونَهِ، فما لَحَن في كلمة، قال: وما ظننتُ أنَّ أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدّة قَلْبه. وقال حَنْبل: سمعت أبا عبدالله يقول: ذهبَ عَقْلي مِرارًا، فكان إذا رُفِع عني الضَّرب رجعتُ إلى نَفْسي. وإذا استَرْخيتُ وسقطتُ، رُفع الضَّربِ، أصابني ذلك مِرارًا، ورأيتهُ، يعني المعتصم، قاعدًا في الشَّمس بغير مِظَلَّة، فسمعته وقد أفَقْتُ يقول لابن أبي دُؤاد: لقد ارتكَبْتُ في أمر هذا الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين إنَّه والله كافرٌ مُشْرك، قد أشركَ من غير وجه. فلا يزال به حتى يَصْرفه عَمَّا يريد. وقد كان أراد تَخْليتي بغير ضَرْب، فلم يَدَعْه ولا إسحاق بن إبراهيم، وعَزم حينئذٍ على ضَرْبي . قال حنبل: وبلغني أنَّ المُعْتصم قال لابن أبي دُؤاد بعدما ضُرِبَ أبو عبدالله: كم ضُرِب؟ فقال ابن أبي دُؤاد: نَيِّف وثلاثين أو أربعة وثلاثين سوطًا. وقال أبو عبدالله: قال لي إنسانٌ ممَّن كان: ثُمَّ ألْقينا على صدرك باريةً، وأكْبَيْناك على وجَهْك ودِسْناك. (١) في السير ١١/ ٢٥٢ ((تفئة))، وقال محققه: ((كذا في الأصل))، وما أثبتناه من النسخ وهو الموافق لما في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ٣٢٨، وجاء في حلية الأولياء ٢٠٣/٩: «مسغبة)) . ١٠٤٣ قال أبو الفضل عُبيدالله الزُّهْري: قال المَرُّوذي: قلت، وأحمد بين الهُنْبازين: يا أُسْتاذ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]. قال: يا مَرُّوذي، اخرج انظُر. فخرجت إلى رَحْبة دار الخَليفة، فرأيت خَلْقًا لا يُحصيهم إلا الله، والصُحُف في أيْديهم، والأفْلام والمَحابر. فقال لهم المَرُّوذي: أيُّ شيء تَعْملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فَتَكْتبه. فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال: يا مَرُّوذي أُضلُّ هؤلاء كلَّهم؟ قلت: هذه حكاية مُنْقطعة لا تَصِح. قال ابن أبي حاتم(١): حدثنا عبدالله بن محمد بن الفَضْل الأسديُّ، قال: لما حُمل أحمد ليُضْرَب جاءوا إلى بِشْر بن الحارثِ فقالوا: قد حُمِل أحمد بن حنبل وحُملت السِّياط، وقد وَجَبَ عليك أن تتكلّم. فقال: تُريدون مني مقامَ الأنبياء؟ ليس ذا عندي، حَفِظ الله أحمد من بين يديه ومن خَلْفه . وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفَسَوي: حدَّثني داود بن عَرَفة: قال: حدثنا مَيْمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعتُ ضَجَّة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أحمد يُمْتَحن، فأخذتُ مالاً له خطر، فذهبتُ به إلى من يُدْخلني إلى المَجْلس فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جُرِّدت، وبالرماح قد رُكَّزت، وبالتّراس قد صُفِّفْت، وبالسِّياط قد طُرِحت، فألبسوني قِباءً أسود ومِنْطَقَة وسيفًا، ووَقَّفوني حيث أسمع الكلام، فأتَى أمير المؤمنين فجلسَ على كرسيٍّ، وأُتّيَ بأحمد بن حنبل، فقال له: وقَرابتي من رسول الله وٍَّ لأضْربنَّك بالسِّياط، أو تقول كما أقول. ثم التَفَتُّ إلى جَلاد فقال: خُذْه إليك. فأخذه، فلما ضرب سوطًا، قال: بسم الله. فلما ضُرِب الثاني، قال: لا حَول ولا قوَّة إلا بالله. فلما ضُرِبِ الثالث قال: القُرآن كلام الله غيرُ مَخلوق. فلما ضُرِب الرابع، قال: ﴿ قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة ٥١]. فضَرَبَه تسعة وعشرين سوطًا. وكانت تِكَّة أحمد حاشيةَ ثوبٍ، فانقطعت، فنزل السَّراويل إلى عائَتِهِ، فقلت: السَّاعة يَنْهتِك. فرمى بطَرْفِه إلَى السَّماء وحَرَّك شَفَتيه، فما كان بأسرعَ من أن بقي السَّراويل لم ينزل. فدخلت عليه بعد سَبعة أيَّام، فقلت: يا أبا عبدالله رأيتك وقد انحل سَراويلك، فرفعتَ طَرْفَك نحو السَّماء، فما قلت؟ (١) تقدمة الجرح والتعديل ٣١٠. ١٠٤٤ قال: قلت: اللَّهم إنِّي أسألكَ باسمك الذي ملأتَ به العَرْش إنْ كنت تَعْلم أني على الصَّواب، فلا تَهْتِكْ لي سترًا(١). وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصْبهاني: حدثنا أحمد بن أبي عُبيد الله، قال: قال أحمد بن الفَرَج: حضرتُ أحمد بن حنبل لما ضُرِب، فتقدَّم أبو الدَّنِّ فضربه بِضْعة عشر سَوطًا، فأقبل الدَّمُ من أكتافِه، وكان عليه سراويل، فانقطع خَيْطه، فنزل السَّراويل، فلَحَظْتُه وقد حرَّك شَفَتيه، فعاد السَّراويل كما كان، فسألته عن ذلك فقال: قلت: إلهي وسَيِّدي، وقَفْتَني هذا الموقف، فَتَهْتِكُنِي على رؤوس الخلائق. هذه حكاية لا تصحُّ (٢). ولقد ساق فيها أبو نُعَيْم الحافظ من الخُرافات والكذب ما يُسْتحى من ذكره. وأضعف منها ما رواه أبو نُعَيْم في ((الحلية))(٣): حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضي، قال: حدَّثني أبو عبدالله الجَوهري، قال: حدَّثني يوسف بن يعقوب، قال: سمعت علي بن محمد القُرَشي، قال: لما قُدِّمَ أحمد ليُضْرِب وجُرِّد وبَقي في سَراويلهِ، فبينا هو يُضرب انحلَّ سَراويله، فجعل يُحرِّك شَفَتيهِ بِشيءٍ، فرأيت يَدَين خَرجتا من تَحْته وهو يُضرب، فشَدَّتا السَّراويل. فلما فَرغُوا من الضَّرب قلنا له: ما كنتَ تقول؟ قال: قلت: يا مَنْ لا يَعْلم العَرْش منه أين هو إلا هو، إن كنتُ على الحَقِّ فلا تُبْدِ عَوْرتي . قلت: هذه مَكْذوبة ذكَرتُها للمعرفة، ذكرها البَيْهقي، وما جَسَر على تَضْعيفها. ثم روى بَعْدِها حِكاية في المِحْنة، عن أبي مَسْعود البَجَلي إجازةً، عن ابن جَهْضَم، وهو كَذُوب، عن النَّجاد، عن ابن أبي العِوَّامِ الرِّياحي، فيها من الرَّكاكة والخَبط ما لا يَرِوج إلا على الجُهَّال، وفيها أنَّ مِثْزَره اضطرَب، فحرَّك شَفَتيه، فما استتمَّ الدُّعاء حتى رأيتُ كفّا من ذهب قد خَرج من تحت مِثْزَره بقدرة الله، فصاحت العامَّة . وقال محمد بن إسماعيل بن أبي سَمينة: سمعتُ شاباص التَّائب يقول: (١) قال المؤلف معلقًا في السير ٢٥٥/١١: ((هذه حكاية منكرة، أخاف أن يكون داود وضعها)) . (٢) أخرجها أبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦. (٣) الحلية ١٩٥/٩ - ١٩٦، ونقلها عنه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ٣٣٢. ١٠٤٥ لقد ضَربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربتُه فِيلاً لَهَدَّتْه. قال ابنٍ أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: قال إبراهيم بن الحارث العُبادي: قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد: يا أبا عبدالله، أخبِرْني عمَّا صَنَعوا بك. قال: لما ضُرِبت جاء ذاك الطَّويل اللِّحْية، يعني عُجَيفًا، فَضَرَبني بقائمٍ سيفه، فقلت: جاءَ الفَرَج، يَضْرب عُنقي وأسْتَريح. فقال ابن سماعة: يَا أمير المؤمنين اضرب عنقه، ودَمُهُ في رقبتي. قال ابن أبي دُؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنَّه إن قُتِل أو مات في دارك قال النَّاس: صَبَر حتى قُتل، واتَّخَذوه إمامًا، وثَبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلِقْه الساعة، فإنْ مات خارجًا من مَنْزِلك شَكَّ النَّاس في أمره. قال ابن أبي حاتم(١): وسمعت أبا زُرْعة يقول: دعى المُعْتصم بعمّ أحمد ابن حنبل ثم قال للناس: تَعْرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل. قال: فانظرُوا إليه أليس هو صحيح البَدَن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعلَ ذلك لكنتُ أخاف أن يقع شيء(٢) لا يُقام له. قال: فلما قال: قد سلَّمته إليكم صحيح البَدَن، هدأ الناس وسَكَنوا(٣). قال صالح: صار أبي إلى المَنْزل ووُجِّه إليه من السَّحَر من يُبْصِرِ الضَّرْب والجِراحات ويُعالج منها، فنظر إليه فقال لنا: والله لقد رأيت من ضُرِب ألف سَوطٍ، ما رأيت ضربًا أشدَّ من هذا، لقد جُرَّ عليه من خلفه ومن قُدَّامِه، ثم أدخل ميلاً في بعض تلك الجراحات وقال: لم يُنْقَب. فجعل يأتيه ويُعالجه، وكان قد أصاب وجهَه غير ضَربة، ثم مكثَ يعالجه ما شاء الله. ثم قال: إن ههنا شيئًا أريد أن أقْطعه، فجاء بحديدةٍ، فجعل يُعَلَّقِ اللَّحم بها ويَقْطَعه بسكِّين، وهو صابر يحمد الله، فبرأ. ولم يزل يتوجَّع من مَواضع منه، وكان أثر الضَّرب بينًا في ظهرهِ إلى أن تُوفي . وسمعت أبي يقول: والله لقد أعطيتُ المَجْهود من نَفْسي، وودِدْتُ أني أنجو من هذا الأمرِ كَفافًا لا عَليَّ ولا لي. ودخلتُ على أبي يومًا فقلت له: بَلَغَني (١) تقدمة الجرح والتعديل ٣٠٩ . (٢) في الجرح والتعديل ((شر)». (٣) قال المصنف معلقًا في السير ١١/ ٢٦٠: ((ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير، كأنه خاف أن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة، ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم» . ١٠٤٦ أن رجلاً جاء إلى فَضْل الأنْماطي فقال له: اجعلني في حِلِّ إذ لم أقُم بنُصْرتك. فقال فَضْلٍ: لا جعلتُ أحدًا في حِلِّ. فتبسَّم أبي وسِكت. فلما كان بعد أيام، قال: مَررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] فنظرتُ في تَفْسيرها، فإذا هو ما حدَّثني أبو النَّضْر، قال: حدثنا ابن فَضَالة المبارك، قال: حدَّثني من سمع الحسن يقول: إذا جَثَت الأُمم بين يدي الله رب العالمين نودوا: لِيَقم من أجْرُه على الله. فلا يقوم إلا من عَفا في الدُّنيا. قال أبي: فجعلتُ الميت في حلٍّ من ضَربه إياي. ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يُعذّب الله بسببه أحدًا . وقال حنبل بن إسحاق: لما أمرَ المُعْتصم بتَخْلية أبي عبدالله خَلَع عليه مُبطَّنة وقميصًا وطَيْلَسانًا وخُفًا وقَلَنْسُوة، فبينا نحن على باب الدار والناس في المَيْدان والدُّرُوب وغيرها، وأُغْلِقت الأسواق، إذ خرج أبو عبدالله على دابَّةٍ من دار أبي إسحاق المُعْتصم، وعليه تلك الثَّاب، وابن أبي دُؤاد عن يمينه، وإسحاق بن إبراهيم، يعني نائب بغداد، عن يساره، فلما صار في دِهْليز المُعْتصِمِ قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دُؤاد: اكشفوا رَأْسه. فكَشَفوه، يعني من الطَّيْلُسان، وذهبوا يَأْخذون به ناحية المَيْدان نحو طريق الحَبْس. فقال لهم إسحاق: خذوا به ههنا، يريد دجلة، فَذُهب به إلى الزَّورق، وحُمِل إلى دار إسحاق، فأقامَ عنده إلى أن صُلِّيت الظُّهْر، وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومَشايخ المَحالِّ، فجُمِعوا وأُدْخِلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يَعرفه، وإلا فَلْيعرفه . وقال ابن سماعة حين دَخل الجماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإنَّ أمير المؤمنين ناظَرَهُ في أمْره، وقد خَلَّى سَبيله، وهاهو ذا. فأُخرج على دابَّةٍ الإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشَّمس، فصار إلى مَنْزله ومعه السُّلطان والناس، وهو مُنْحنٍ، فلما ذهب لِيَنْزل احتضنْتُهِ ولم أعْلم، فوَقَعتْ يدي على مَوضع الضَّرْب فصاح، فنَخَّيت يدي، فنزل متوكِّئًا عليَّ، وأغلق الباب ودخلنا معه، ورَمَى بنفسه على وَجْهه لا يَقْدر يتحرَّك إلا بجهدٍ، وخَلع ما كان خُلِعَ عليه، فأمرَ به فبيع، وأخذ ثمنه وتصدَّق به. وكان المُعْتصم أمر إسحاق بن إبراهيم أن لا يَقْطع عنه خبره، وذلك أنه تُرِك فيما حُكي لنا عند الإياس منه. وبَلَغَنا أنَّ المُعْتصم نَدِم وأُسقِط في يده حتى صَلُح. فكان صاحب خبر إسحاق يأتينا كلَّ يوم يَتعرَّف خبره حتى صَحَّ، وبَقِيَتْ إبهاماه مُنْخَلعتين يضربان عليه في ١٠٤٧ البرد حتى يُسَخَّن له الماء. ولما أردنا عِلاجه خِفْنا أن يدسَّ ابن أبي دُؤاد سُمَّا إلى المُعالج، فعملنا الدَّواء والمرهم في منزلنا. وسمعته يقول: كل من ذَكَرني في حِلِّ إلاَ مُبتدع، وقد جعلتِ أبا إسحاق، يعني المُعْتصم، في حِلِّ. ورأيتُ الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢] وأمَرَ النبيُّ وَ لَ أبا بكر بالعفو في قصَّة مِسْطح. قال أبو عبدالله: العَقْو أفْضل، وما يَنْفِعُك أن يُعَذَّب أخوك المسلم في سَببك؟! فصل في محنته زمن الواثق قال حَنْبل: ولم يزل أبو عبدالله بعد أن برىء من مَرضه يَحْضر الجمعة والجماعة ويُفْتي ويحدِّث حتى مات المُعْتصم، ووَلي ابنه الواثق، فأظهر ما أظهر من المِخْنة والميل إلى ابن أبي دُؤاد وأصحابه، فلما اشتدَّ الأمر على أهل بغداد، وأظهرت القُضاة المحنة، وَفُرِّق بين فَضْل الأنْماطي وامرأته، وبين أبي صالح وامرأته، كان أبو عبدالله يَشْهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول: الجمعة تُؤتى لفَضْلها، والصلاة تُعاد خلف من قال بهذه المقالة. وجاء نَفر إلى أبي عبدالله وقالوا: هذا الأمر قد فَشَا وتَفاقَم، ونحن نخافه على أكثر من هذا. وذكروا أنَّ ابن أبي دُؤاد على أن يأمر المُعلمين بتَعْليم الصِّبيان في الكُتَّاب مع القرآن، القرآنُ كذا وكذا، فنحن لا نرضى بإمارته. فمَنَعهم من ذلك وناظَرَهم، وحكى حنبل قَصْده في مناظرَتهم، وأمرهم بالصَّبْر. فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلاً برسالة إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبدالله؛ يقول لك الأمير: إِنَّ أميرَ المؤمنين قد ذَكَرك، فلا يَجْتَمعن إليك أحد، ولا تُسَاكِنِّي بأرضٍ ولا مدينة أنا فيها. فاذهب حيث شِئت من أرض الله. فاختفى أبو عبدالله بقيةَ حياة الواثق. وكانت تلك الفتنة، وقُتل أحمد بن نصر، فلم يزل أبو عبدالله مُخْتفيًا في غير مَنْزله في القُرب. ثم عاد إلى منزله بعد أشْهُر أو سَنَة لما طَفىء خَبَره. ولم يزل في البيت مُخْتفيًا لا يخرج إلى الصَّلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق. وعن إبراهيم بن هانىء، قال: اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام ثم قال: اطلُبْ لي مَوْضعًا. قلت: لا آمنُ عليك. قال: افعل، فإذا فعلت أفَدتُك. فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله بَ لَّ في الغار ثلاثة أيام، ثم تحوّل . ١٠٤٨ قلتُ: أنا أتعجَّب من الحافظ أبي القاسم كيف لم يَسُقِ المحنة ولا شيئًا منها في ((تاريخ دمشق)) مع فرط استِقْصائه، ومع صِحَّة أسانيدها، ولعلَّ له نِيّة في تَرْكها(١). فصل في حال أبي عبدالله أيام المُتوكل قال حنبل: وَلي جعفر المتوكل فأظهرَ الله السُّنَّة وفرَّج عن الناس، وكان أبو عبدالله يحدِّثنا ويحدِّث أصحابه في أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحْوج منهم في زَمَاننا. ثم إنَّ المتوكل ذكره وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه. فجاء رسول إسحاق إلى أبي عبدالله يَأْمُره بالحضُور، فمضى أبو عبدالله ثم رجع فسأله أبي عمَّا دُعي له فقال: قرأ عليَّ كتاب جعفر يَأْمرني بالخروج إلى العَسْكر. قال: وقال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟ فقلت: إنَّ أمير المؤمنين قد نَهى عن هذا. فقال: لا تُعلِمْ أحدًا أني سَأَلْتك. فقلت له: مسألة مُسْتَرشِد أو مَسْألة مُتعنّت؟ قال: بل مسألة مُسْتَرشد. فقلت له: القرآن كلام الله ليس بمَخْلوق، وقد نهى أمير المؤمنين عن هذا. وخرج إسحاق إلى العَسْكر، وقَدِم ابنه محمدٌ خَليفةً له ببغداد، ولم يكن عند أبي عبدالله ما يَتجمّل به ويُنْفقه، وكانت عندي مئة درهم، فأتيت بها أبي، فذهب بها إليه، فأخذَها وأصْلح بها ما احتاج إليه، واكْتَرى منها، وخرج ولم يَلقَ محمد بن إسحاق بن إبراهيم، ولا سلَّم عليه، فكتب بذلك محمد إلى أبيه، فحَقَدَها إسحاق عليه، فقال للمتوكل: يا أمير المؤمنين إنَّ أحمد بن حنبل خرج من بغداد ولم يأتِ محمدًا مولاك. فقال المتوكل: يُرَدُّ ولو وَطىء بِساطي. وكان أبو عبدالله قد بلغ بُصْرَى، فوجَّه إليه رَسولاً يأمُرُه بالرُّجوعِ، فرجع وامتنع من الحديث إلا لِوَلده ولنا. وربَّما قرأ علينا في منزلنا. ثم إنَّ رافعًا رفع إلى المتوكل أن أحمد بن حنبل رَبَّصَ علويًّا في منزله، وأنه يريد أن يُخرجه ويُبایع عليه، ولم يكن عندنا عِلم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصَّيف سمعنا الجَلَبة، (١) زاد المصنف في السير ٢٦٤/١١: ((فإن حنبلاً ألفها في جزءين، وكذلك فعل صالح بن أحمد وجماعة)). ١٠٤٩ ورأينا النِّيران في دار أبي عبدالله، فأسْرعنا، وإذا أبو عبدالله قاعدٌ في إزار، ومُظفَّر ابن الكلْبي صاحب الخبر وجماعة معهم. فقرأ صاحب الخَبر كتاب المتوكل: وَرَدَ على أمير المؤمنين أنَّ عِنْدكم عَلَويًا ربَّصْتَه لتُبايع له وتُظهره. في كلام طويل، ثم قالِ له مُظفَّر: ما تقول؟ قال: ما أعرف من هذا شيئًا، وإني لأرىٌّ له السَّمع والطّاعة في عُسْري ويُسْري، ومَنْشَطي ومَكْرَهي، وإني لأُوثره عليَّ، وإني لأدعو الله له بالتَّسْديد والتَّوْفيق في الليل والنهار في كلام كثير غير هذا. وقال ابن الكَلْبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أُحَلِّفك. قالَ: فأحْلَفه بالطّلاق ثلاثًا أن ما عنده طَلِبَة أمير المؤمنين. وفتّشوا منزل أبي عبدالله والسَّرَب(١) والغُرَف والشُّطُوح، وفَتَّشوا تابوت الكُتُب،َ وفتّشوا النِّساء والمنازل، فلم يروا شيئًا ولم يُحِسُّوا بشيء، وردّ الله الذين كفروا بغَيْظهم. وكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه مَوْقعًا حسنًا، وعلم أن أبا عبدالله مَكْذوبٌ عليه .. وكان الذي دَسَّ عليه رجل من أهلِ البِدَع، ولم يَمُتْ حتى بيَّن الله أمرَهُ للمسلمين، وهو ابن الثلجي. فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوسٌ بباب الدار إذا يعقوب أحد حُجَّاب المتوكِّل قد جاء، فاستأذن على أبي عبدالله، فدخل ودخل أبي وأنا، ومع بعض غِلْمانه بَدْرةٌ على بَغْلِ، ومعه كتاب المُتَوكل، فقرأه على أبي عبدالله : إنه صَحَّ عند أمير المؤمنين بَرَّاءة ساحَتِك، وقد وَجَّه إليك بهذا المال تَسْتعين به، فأبى أن يَقْبله وقال: ما لي إليه حاجة. فقال: يا أبا عبدالله، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به فإنَّ هذا خير لك عنده، فاقبَلْه ولا تَردَّه. فإنك إنْ رددته خِفْتُ أن يُظَنَّ بك ظَنَّ سَوْء. فحينئذ قَبِلَها. فلما خرج، قال: يا أبا علي. قلت: لبّيك. قال: اِرفع هذه الإجانة وضَعْهَا، يعني البَدْرة، تحتها. فوَضَعتها وخرجنا، فلما كان اللَّيلَ إذا أمُّ ولد أبي عبدالله تدقُّ علينا الحائط، فقلت لها: ما لكِ؟ قالت: مولاي يدعو عمَّه. فأعلمت أبي، وخرجنا فدخلنا على أبي عبدالله، وذلك في جوف الليل. فقال: ياعم، ما أخذني النَّوم هذه الليلة. فقال له أبي: ولِمَ؟ قال: لهذا المال. وجعل يَتوجَّع لأخْذه، وجعل أبي يُسَكِّنه ويُسَهِّل عليه، وقال: حتى تُصبح وترى فيه رأيك، فإن هذا لَيْل والناس في منازلهم، فأمسَك، وخرجنا. فلما كان في السَّحَر وجَّه إلى عَبْدُوس بن مالك، والحسن بن البزار، فحَضَرا، (١) وهو خباءٌ تحت الأرض، ويُسمى أيضًا السِّرداب. ١٠٥٠ وحضر جماعة، منهم: هارون الحَمَّال، وأحمد بن مَنِيع، وابن الدَّوْرقي، وأنا، وأبي، وصالح، وعبدالله فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل العفاف والصَّلاح ببغداد والكوفة، فوجَّه منها إلى أبي سعيد الأشَجِ، وإلى أبي كُرَيْب، وإلى من ذُكِر من أهل العِلم والسُّنة ممن يعلمون أنه مُحْتَاج. ففَرَّقها كُلَّها ما بين الخمسين إلى المئة والمئتين، فما بقي في الكيس دِرهم. ثم تصدَّق بالكيس على مِسْكين. فلما كان بعد ذلك مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد، وولي بغداد عبدالله بن إسحاق، فجاء رسوله إلى أبي عبدالله، فذهب إليه، فقرأ عليه كتابَ المتوكّل وقال له: يأمرك بالخروج. فقال: أنا شَيخ ضعيف عَليل. فكتب عبدالله بما ردَّ عليه، فوَرَد جواب الكتاب أنَّ أمير المؤمنين يأمره بالخروج. فوجَّه عبدالله جُنوده، فباتوا على بابنا أيَّامًا حتى تهيَّ أبو عبدالله للخروج، فخرج وخَرج صالح، وعبدالله، وأبي زُمَيْلةً(١). قال صالح: كان حَمْل أبي إلى المتوكّل سنة سبع وثلاثين ومئتين، ثم عاش إلى سنة إحدى وأربعين، فكان قلَّ يوم يَمْضي إلاّ ورسول المتوكل يأتيه. قال حنبل في حديثه: وقال أبي: ارجع. فرجَعْت، فأخبرني أبي، قال: لما دخلنا إلى العَسْكر إذا نحن بمَوْكب عظيم مُقْبل، فلما حاذى بنا قالوا: هذا وَصِيف، وإذا بفارس قد أقبل، فقال لأحمد: الأمير وَصيف يُقْرئك السَّلام، ويقول لك: إنَّ الله قَد أمكنكَ مِن عدوِّك، يعني ابن أبي دُؤاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تَدَع شيئًا إلا تكلَّمت به. فما ردًّ عليه أبو عبدالله شَيْئًا، وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين، ودعوتُ لوَصِيف، ومضينا، فأُنْزلنا في دار إيتاخ (٢)، ولم يعلم أبو عبدالله، فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دار إيتاخ. فقال: حَولوني، اكْتَروا لي دارًا. فلم نزل حتى اكتَرَيْنا له دارًا، وكانت تَأْتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمرُ بها المُتوكل، والفاكهة والثّلج، وغير ذلك. فما نظر إليها أبو عبدالله، ولا ذاق منها شيئًا. وكانت نَفَقة المائدة كل يوم مئة وعشرين درهمًا. وكان يحيى بن خاقان، وابنه عُبَيد الله، وعلي بن الجَهْم يأتون أبا عبدالله ويَخْتَلفون إليه برسالة المتوكل. ودامت العِلَّةُ بأبي عبدالله وضَعُف ضَعْفًا شديدًا. وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يَشْرب. فلما كان في اليوم الثامن دَخَلت عليه، وقد كاد أن يُطْفأ، فقلت: يا أبا عبدالله، ابنُ (١) الزميلة: الرفقة الصغيرة . (٢) في أ ((التياح))، وما أثبتناه من النسخ والسير ١١/ ٢٧٠، وإيتاخ هو القائد المعروف. ١٠٥١ الزُّبَير كان يُواصِل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام. قال: إني مُطِيق. قلت: بِحَقي عليك. قال: فإني أفعل. فأتيته بسَوِيق فشرب. ووجَّه إليه المتوكل بمالٍ عظيم فرَدَّه، فقال له عُبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفَعَها إلى ولدك وأهلك. قال: هم مُسْتَغْنون فردَها عليه. فأخذها عُبَيدالله فقسمها على ولده وأهْله. ثم أجْرى المتوكل على أهله وولَده أربعة آلاف في كلِّ شَهْر، فبعث إليه أبو عبدالله: إنهم في كِفاية، وليست بهم حاجة. فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لِوَلدك، ما لكَ ولهذا؟ فأمسَك أبو عبد الله. فلم يزل يُجْري علينا حتى مات المتوكل . وجَرى بين أبي عبدالله وبين أبي في ذلك كلامٌ كثير، وقال: يا عمُّ، ما بقي من أعمارنا؟ كأنك بالأمْر قد نزل بنا، فالله الله فإن أولادَنا إنما يُريدون يَتَأْكَّلون بنا، وإنَّما هي أيام قلائل، لو كُشِفَ للعبد عما قد حُجب عنه لعَرف ما هو عليه من خيرٍ أو شَرٍّ، صَبرٌ قليلٍ وثوابٌ طويل، وإنما هذه فِتْنة. قال أبي: فقلت: أرجو أنّ يُؤَمِّنكَ الله مما تَحْذَر. قال: فكيف وأنتم لا تَتْركون طَعامَّهم ولا جَوائزهم، لو تَرَكتموِها لتَرَكوكم. وقال: ماذا ننتظر؟ إنما هو الموت، فإما إِلى جَنَّة وإما إلى نار؛ فطُوبَى لمن قَدِم على خير. قال أبي: فقلت له: أليس قد أُمِرْت، ما جاءك من هذا المال من غير مَسْألة ولا إشْرافِ نَفس أن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرّة بلا إشراف نفسٍ فالثانية والثالثة؛ فما بال نفسك ألم تَسْتَشْرف؟ فقلت: ألم يأخذ ابن عُمَر وابن عباس؟ فقال: ما هذا وذاك؟ وقال: لو أعلم أنَّ هذا المال يُؤْخذ من وَجْهه ولا يكون فيه ظُلم ولا حَيْف لم أُبالٍ . قال حنبل: فلما طالت عِلَّة أبي عبدالله كان المتوكل يَبْعث بابن ماسُوية المُتَطبِّب فيَصف له الأدوية، فلا يَتَعالج، ويَدْخل المُتَطَبِّب على المتوكل فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد ليست به عِلَّة في بدنه، إنما هو من قلّة الطعام والصِّيام والعبادة. فسكت المتوكل. وبلغ أمّ المتوكل خبرُ أبي عبدالله، فقالت لابنها: أشْتهي أن أرى هذا الرجل. فوَجَّه المتوكل إلى أبي عبدالله يسأله أن يَدْخل على ابنه الْمُعْتز ويُسلِّم عليه ويَدعو له ويجعله في حجره. فامتنع أبو عبدالله من ذلك، ثم أجابَ رجاء أن يُطْلق ويَنْحدر إلى بغداد. فوجَّه إليه المتوكل خِلْعة، وأتوه بدابَّة يَرْكبها إلى المُعتز، فامتنع، وكانت عليها مِيْثَرة نُمُور. فقُدِّم إليه بَغْل لرجل من الُّجار فركبه، وجلس المتوكل مع أمه في مجلسٍ من المكان، وعلى المجلس ◌ِترٌ رقيق، فدخل أبو عبدالله على المُعْتز، ونظر إليه المتوكل وأُمه، ١٠٥٢ فلما رأته قالت: يا بُني، الله الله في هذا الرَّجل، فليسَ هذا ممن يُريد ما عِندكم، ولا المَصْلحةَ أن تَحْبسه عن مَنْزِله، فأُذَن له فَلْيَذْهب. فدخل أبو عبدالله على المُعْتز فقال: السَّلام عليكم، وجلسَ ولم يسلم عليه بالإِمْرة. قال: فسمعت أبا عبدالله بعد ذلك ببغداد يقول: لما دخلت عليه وجلست قال مؤدِّب الصَّبي: أصلحَ الله الأميرِ، هذا الذي أمَره أميرُ المؤمنين يُؤدِّبك ويُعلِّمك؟ فردَّ عليه الغلام وقال: إن علَّمني شيئًا تعلَّمته. قال أبو عبد الله: فعجبتُ من ذكائه وجوابه على صِغَره، وكان صغيرًا. قال: ودامت عِلةُ أبي عبد الله وبلغ الخليفة ما هو فيه، وكلَّمه يحيى بن خاقان أيضًا وأخبره أنَّه رجل لا يُريد الدُّنيا. فأذن له في الانصراف. فجاء عُبيد الله بن يحيى وقت العصر فقال: إن أمير المؤمنين قد أذِن لك، وأمرَ أن تُفرش لك حَرَّاقة(١) تَنْحدر فيها. فقال أبو عبدالله: اطلبوا لي زَورقًا فأنْحدر فيه السَّاعة. فطلبوا له زورًا فانحدر فيه من ساعَتهِ . قال حنبل: فما عَلِمنا بِقُدومه حتى قيل لي: إنَّه قد وافى، فاستَقْبَلته بناحية القَطيعة، وقد خرج من الزَّورق، فمشيت معه فقال لي: تقدَّم لا يراك الناس فيَعْرفوني. فتقدَّمت بين يديه حتى وصل إلى المَنْزل، فلما دَخل ألْقى نَفْسه على قَفاه من التَّعب والعَناء. وكان في حياته ربما استعار الشيء من مَنْزلنا ومنزل ولده. فلما صار إلينا من مال السُّلطان ما صار، امتنع من ذلك، حتى لقد وُصف له في عِلَّته قَرْعة تُشْوَى ويؤخذ ماؤُها، فلما جاءوا بالقَرْعة قال بعض من حضر: اجعلوها في تَنور، يعني في دار صالح، فإنَّهم قد خَبَزوا. فقال بيده: لا. ومثل هذا كثير. وقد ذكر صالح بن أحمد قِصَّة خروج أبيه إلى العسكر ورجُوعه، وتَفْتيش بيوتهم على العَلوي، ثم ورود يعقوب قَرْقَرَة ومعه العشرة آلاف، وأن بَعْضها كان مئتي دينار والباقي دراهم. قال: فجئت بإجانة خَضْراء، فأكْبَبتها على البَدْرة، فلما كان عند المَغْرب قال: يا صالح خذ هذا صَيِّرْه عندك. فصَيَّرته عند رأسي فوق البيت، فلما كان سَحَر إذا هو ينادي: يا صالح. فقمت وصَعدت إليه، فقال: ما نِمْت. قلت: لِمَ يا أبه؟ فجعل يبكي وقال: سَلِمتُ من هؤلاء، حتى إذا كان في آخر عمري بُليتُ بهم؟ وقد عزمتُ عليك أن تُفرِّق هذا الشيء إذا أصبحتَ. فقلت: ذاك إليك. فلما أصبح جاءه الحسن ابن البزَّار فقال: (١) نوع من السُّفن. ١٠٥٣ جئني يا صالح بميزان. وجِّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنْصار. ثم قال: وجِّهْ إلى فلانٍ حتى يُفرِّق في ناحيتهِ، وإلى فلان، حتى فرَّقها كلها، ونحن في حالةٍ الله بها عليم. فجاءني ابنٌ لي فقال: يا أبَه أعطني درهمًا. فأخْرجت قطعةً فأعْطَيته. فكتبَ صاحب البَريد إنه تصدَّق بالدَّراهم في يومه، حتى تصدَّق بالکِیس. قال علي بن الجَهْم: فقلت: يا أمير المؤمنين قد تصدَّق بها، وعلم الناس أنه قد قبلَ منك. ما يَصْنع أحمد بالمال وإنما قُوتُه رَغيف؟ قال: فقال لي: صدقت يا علي. قال صالح: ثم أُخرجَ أبي ليلاً، ومعنا حُراس معهم النَّفَّطات، فلما أصْبح وأضاء الفجر قال لي: صالحُ معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعْطِهم. فلما أصْبحنا جعل يعقوب يسيرُ معه، فقال له: يا أبا عبدالله، ابن الثَّلْجي، بَلَغَني أنه كان يَذْكرك. فقال له: يا أبا يوسف سَل الله العافية. فقال له: يا أبا عبد الله تُريد أن نُؤدِّي عنك رسالةً إلى أمير المؤمنين؟ فسكت. فقال: إن عبدالله ابن إسحاق أخبرني أنَّ الوابصي قال له: إني أشْهد عليه أنه قال: إن أحمد يَعْبُد ماني. فقال: ياأبا يوسف يكفي الله. فغضب يعقوب والتَّفَتَ إليَّ فقال: ما رأيت أعْجب مما نحن فيه، أسْأله أن يُطْلق لي كلمةً أُخْبر أميرَ المؤمنين، فلا يفعل . قال: ووجَّه يعقوب إلى المتوكل بما عَمل، ودخلنا العَسْكر وأبي منَكَّس الرّأس، ورأسه مُغَطّى، فقال له يعقوب: اكشف رَأْسك يا أبا عبدالله، فكشفه. ثم جاء وَصيف يريد الدار، ووجَّه إليه بعدما جازَ بيحيى بن هَرْئَمة فقال: يُقرئكَ أمير المؤمنين السلام ويقول: الحمد لله الذي لمٍ يُشْمت بك أهل البِدَع، قد علمتَ ما كان من حال ابن أبي دُؤاد، فينبغي أن تَتكلّم بما يَجِبُ لله. ومضى يحيى وأُنْزل أبي دار إيتاخ، فجاء عليُّ بن الجَهْم وقال: قد أمرَ لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان تلك التي فَرَّقها، وأمرَ أن لا يُعلم شَيخكم بذلك فيغتَمُّ. ثم جاءه محمد بن معاوية فقال: إن أميرَ المؤمنين يُكثر من ذِكْرِك ويقول: تُقيم ههنا تُحَدِّث. فقال: أنا ضَعيف. ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبدالله قد أمرَ أمير المؤمنين أن أصير إليكَ لتَرْكب إلى ابنه أبي عبدالله، يعني المُعْتِز. ثم قال لي: قد أمرني أميرُ المؤمنين، يُجْرى عليكم وعلى قَراباتكم أربعةُ آلاف درهم، تُفَرقها عليهم. ١٠٥٤ ثم عاد يحيى من الغَد فقال: يا أبا عبدالله تَرْكب؟ فقال: ذاك إليكم. ولبس إزارَهُ وخُفَّه، وكان خُقُه له عنده نحو من خمسة عشر عامًا، قد رُقَّع بِرِقاع عِدِّة. فأشار يحيى أن يلبس قَلَتْسُوة. قلت: ما له قَلَنْسُوَة. إلى أن قال: فدخل دار المُعْتز، وكان قاعدًا على دُكَّان في الدار، فلما صَعِد الذُّكَّان قَعد فقال له يحيى: يا أبا عبدالله إن أمير المؤمنين جاء بك ليُسَرَّ بقُرْبك، ويُصيِّرَ أبا عبد الله ابنه في حِجْرك. فأخبرني بعض الخَدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء سِترٍ. فلما دخل أبي الدار قال لأُمِّه: يا أُمَّه قد نارت الدار. ثم جاء خادم بِمِنْديل، فأخذَ يحيى المِنْديل وذكر قصَّةً في إلباسِهِ القَميص والطَّيْلِسان والقَلَتْسُوَة وهو لا يُحرِّك يده، ثم انصَرَف. وكانوا قد تَحدَّثوا أنه يَخْلع عليه سَوادًا. فلما صار إلى الدار نَزَع الثَّاب، ثم جعل يَبْكي وقال: سَلِمْتُ من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عُمري بُليتُ بهم، ما أحْسَبني سَلمتُ من دخولي على هذا الغُلام، فكيف بمن يَجب عليَّ نُصْحه من وقت تَقعِ عَيني عليه، إلى أن أخْرج من عنده. يا صالح وَجِّه بهذه الثِّب إلى بغداد تُباع ويُتصدَّق بثمنها، ولا يَشْتري أحد منكم منها شيئًا. فوجَّهتُ بها إلى يعقوب بن بُخْتان، فباعَها وفرَّقَ ثَمنها، وبقيت عندي القَلَنْسُوَة. قال: ومكَثَ خمسة عشر يومًا يُفْطر في كلِّ ثلاثةٍ على ثُمْن سَوِيق، ثم جَعلِ بعد ذلك يُفطر ليلةً على رَغيف، وليلة لا يُفْطر. وكان إذا جِيء بالمائدة تُوضع بالدِّهْليز لِئِلَّ يراها، فيأكل من حَضَر، فكان إذا أجْهَده الحَرُّ بَلَّ خِرْقةً فيضعها على صَدْره، وفي كل يوم يُوجَّه إليه بابن ما سُوية فينظر إليه ويقول: يا أبا عبدالله أنا أميلُ إليك وإلى أصْحابك، وما بك عِلَّة إلا الضَّعف وقلَّةِ الرِّزّ(١). إلى أن قال: وجعل يعقوب وغِياث يَصِيران إليه ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُؤاد وفي مالهِ؟ فلا يُجيب في ذلك بشيءٍ. وجعل يعقوب ويحيى يُخْبرانه بما يَحدثُ في أمر ابن أبي دُؤاد في كل يوم، ثم أُحْدِر إلى بغداد بعدما أُشْهِد عليه بِبَيع ضياعه. وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يُصلي، فَيَجْلس فَي الدِّهْليز حتى يفرغ. وأمر المتوكل أن تُشترى لنا دار فقال: يا صالح. قلت: لبَّيْك. قال: لئن أَقْررت لهم بشراء دار لتكونَنَّ القَطيعةُ بيني وبَيْنكم. إنما يُريدونَ أن يُصيِّروا هذا البلد لي مأوَى ومسكنًا. فلم يَزل يدفع بشراء الدار حتى اندفعَ. وجَعَلَتْ رُسُل (١) الرز: حركة الأمعاء وقرقرة البطن . ١٠٥٥ المتوكل تأتيه يَسْألونه عن خَبره، ويَصيرون إليه فيقولون: هو ضَعيفٌ. وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبدالله لابدَّ من أن يراك. وجاءه يعقوب فقال: يا أبا عبدالله، أمير المؤمنين مُشْتاق إليك ويقول: انظر يومًا تصير فيه أيَّ يوم هو، حتى أُعَرِّفه. فقال: ذاك إليكم. فقال: يوم الأربعاء يوم خالٍ. وخرج يعقوب، فلما كان من الغَدِ جاء فقال: البُشْرَى يا أبا عبدالله، أميرُ المؤمنين يَقْرأ عليك السلام ويقول: قد أعْفَيتك عن لُبْس السَّواد والرُّكُوب إلى وُلاة العهود وإلى الدار. فإنْ شئت فالْبَس القُطْن، وإن شئت فالْبَس الصوف. فجعل يحمد الله على ذلك. ثم قال يعقوب: إنَّ لي ابنًا وأنا به مُعْجَب، وإن له من قَلبي موقعًا، فأُحبُّ أن تحدِّثه بأحاديث. فسكت، فلما خرج، قال: أتَراه لا يرى ما أنا فيه؟ وكان يَخْتم من جُمعة إلى جمعة. فإذا ختم دعا فيدعو ونُؤمِّن، فلما كان غداة الجمعة وَجَّه إليَّ وإلى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نُؤَمِّن، فلما فَرِغ جعل يقول: أسْتَخير الله، مرَّات. فجعلتُ أقول ما يريد. ثم قال: إني أُعْطي الله عهدًا، إن عَهْده كان مسؤولاً، وقال الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ٢] إني لا أُحدِّث حديث تَمام أبدًا حتى ألقى الله، ولا أسْتثني منكم أحدًا. فخرجنا وجاء علي بن الجَهْمَ، فأخبرناه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وأخبر المتوكل بذلك وقال: إنما يُريدون أُحدِّث ويكون هذا البلد حَبْسي. وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أُعطوا فقَبِلوا وأُمِروا فحذَّثوا. وجعل أبي يقول: والله لقد تَمنَّيت الموت في الأمر الذي كان، وإني لأَتَمنى المَوْت في هذا، وذلك لأن هذا فِتْنة الدُّنيا، وذاك كان فتنة الدِّين. ثم جعل يَضُمُّ أصابعه ويقول: لو كان نفسي في يدي لأَرْسَلتها، ثم يَفْتح أصابعه. وكان المتوكل يُوجِّه في كلِّ وقتٍ يَسْأله عن حالهِ، وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال ويقول: يُوصَل إليهم، ولا يُعلَم شيخُهم فيَغْتمَّ. ما يريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدُّنيا، فلِمَ يمنعهم؟ وقالوا للمتوكل : إنه لا يأكل من طعامِك، ولا يجلسِ على فراشِك، ويحرِّم الذي تَشْرب. فقال لهم: لو نُشِر لي المُعْتصم وقال فيه شيئًا لم أقبَلْ مِنه. قال صالح: ثم انحدَرْتُ إلى بغداد، وخلّفتُ عبدالله عنده، فإذا عبد الله قد قَدِم، وجاء بثيابي التي كانت عنده. فقلت: ما جاء بك؟ فقال: قال لي: انحدِرْ، وقُلْ لصالح لا يخرج، فأنتم كنتم آفَتي. والله، لو استقبَلْتِ مِن أمْري ما استدبرتُ ما أخرجتُ واحدًا منكم معي، لولاكم لِمِنْ كانت تُوضَع هذه ١٠٥٦ المائِدة؟ ولمن كانت تُفرش هذه الفُرُش وتُجْرى الأجْراء؟ فكتبتُ إليه أُعْلِمُه ما قال لي عبدالله، فكتب إليَّ بخَطه: أحسنَ الله عاقبتِك، ودفع عنك كل مَكْروه ومَحْذور، الذي حَمَلني على الكتاب إليك الذي قلت لعبدالله: لا يأتيني منكم أحدٌ رجاء أن ينقطعَ ذِكْرِي ويَخْمُل، إذا كنتم هاهنا فشا ذِكْري، وكان يجتمعُ إليكم قوم يَنْقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خَير، فإن أقمتَ فلم تَأْتني أنتَ ولا أخوك فهو رِضائي، ولا تجعل في نفسك إلا خيرًا، والسلام عليك ورحمة الله. قال: ولما خَرجنا من العسكر رُفعت المائدة والفُرُش وكل ما أُقيم لنا. ثم ذَكرَ صالح كتاب وَصيَّته ثم قال: وبعث إليه المتوكل بألف دينار ليقْسِمَها، فجاءه علي بن الجَهْم في جَوف اللَّيل، فأخبره بأنه يُهَيءُ له حَرَّاقة لِيَنخْدر فيها، ثم جاء عُبيدالله ومعه ألف دينار فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وقد أمر لك بهذه، فقال: قد أعْفاني أمير المؤمنين مما أكره، فردَها. وقال: أنا رَقيق على البَرْد، والظُّهر أرْفَقُ بي. فكتب له جَواز، وكتب إلى محمد بن عبدالله في برِّه وتَعَاهُده، فقدم علينا. ثم قال بعد قليل: يا صالح. قلت: لبَّيْك. قال: أحبُّ أن تَدع هذا الرِّزق، فإنما تَأْخذونَه بسببي. فسكتُّ، فقال: ما لك؟ فقلتُ: أكره أن أُعْطيك شيئًا بلساني وأُخالِف إلى غيره، وليس في القَوم أكثر عيالاً منِّي ولا أعْذَر. وقد كنت أَشْكو إليك، وتقول: أمرك مُنْعقد بأمْري، ولعل الله أن يَحل عني هذه العُقْدة، وقد كنتَ تدعو لي، فأرجو أن يكون الله قد استَجابَ لك. فقال: والله لا تَفْعل. فقلت: لا. فقال: لِمَ فعل الله بك وفعل؟ ثم ذكر قِصَّة في دخول عبدالله عليه، وقوله له وجوابه له، ثم دخول عَمِّه عليه وإنْكاره الأخْذ، إلى أن قال: فهجَرنا وسدَّ الباب بيننا وبَيْنه، وتحامى(١) منازلنا أن يدخل منا إلى مَنْزله شيء. ثم أُخْبِرَ بأخذ عَمِّه فقال: نافَقْتَنِي وكَذَبْتَني. ثم هجره وترك الصلاة في المَسْجد، وخرج إلى مسجدٍ خارج يُصلِّي فیه . ثم ذكر قصة دُعائِه صالحًا ومعاتبتهِ في ذلك، ثم في كِتْبَتَهِ إلى يحيى بن خاقان ليتْرك مَعونَة أوْلادهِ، وبلوغ الخَبر إلى المتوكل، فأمَر بِحَمْل ما اجتمع لهم في عشرة أشَهْر، وهو أربعون ألف درهم إليهم، وأنَّه أُخْبرَ بذلك، فسكت (١) يعني تَوقَّى. تاريخ الإسلام ٥/ م٦٧ ١٠٥٧ قليلاً وضَرب بذِقْنه على صَدْره، ثم رفع رأسه وقال: ما حيلتي إن أردت أمرًا وأراد الله أمرًا؟ قال أبو الفضل صالح: وكان رسول المتوكل يأتي أبي يُبْلغه السلام، ويسأله عن حاله، فَتَأْخُذه نَفْضَة حتى نُدَثِّره، ثم يقول: والله، لو أن نَفْسي في يدي لأرْسَلتها. وجاء رسول المتوكل إلى أبي يقول: لو سَلِم أحد من الناس سلمتَ. رَفَع رجلٌ إليَّ أن علويًا قدم من خُراسان، وأنَّك وجَّهت إليه مَنْ يلقاه، وقدٍ حَبَسْتُ الرجلَ وأردتُ ضربه فكرهتُ أن تَغْتمَّ فَمُرْ فيه. قال: هذا باطل، ◌ُخلَّی سبیله. ثم ذكر قصَّةً في قُدوم المتوكل بغداد، وإشارته(١) على صالح بأن لا يَذْهب إليهم، ثم في مجيء يحيى بن خاقان من عند المتوكل، وما كان من احترامه ومَجيئه بألف دينار ليفرِّقَها، وقوله: قد أعْفاني أمير المؤمنين من كل ما أكْره. وفي توجيه محمد بن عبدالله بن طاهر ليُحْضره وامتناعه من حضوره وقوله: أنا رجل لم أُخالط السُّلطان، وقد أعْفاني أمير المؤمنين مما أكره، وهذا مما أكره. قال: وكان قد أدْمن الصَّوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدَّسم، وكان قبل ذلك يُشْتَرى له الشَّحم بدرهم، فيأكل منه شهرًا، فترك أكل الشَّحم وأدمنَ الصَّوم والعمل، فتَوهَّمت أنه قد كان جعل على نفسه إن سلم أن يفعل ذلك. وقال الخلال أبو بكر: حدَّثني محمد بن الحسين أن أبا بكر المَرُّوذي حدَّثهم، قال: كان أبو عبدالله بالعسكر يقول: انظر هل تَجد لي ماء الباقِلاء. فكنت ربما بَلَلْت خُبزه بالماء فيأكله بالمِلح. ومنذ دخلنا العَسْكر إلى أن خرجنا ما ذاقَ طَبِيخًا ولا دَسَمًا . وعن المَرُّوذي، قال: أنْبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصَل، فإذا هو قاعد فقال: هوذا يُدَارُ بي من الجُوعِ، فَأَطْعِمْني شيئًا. فجئته بأقل من رَغيف، فأكله وقال: لولا أني أخاف العَوْن على نفسي ما أكلتُ. وكان يقوم من فراشِه إلىِ المَخْرج، فيقعد يستَريح من الضَّعف من الجُوع حتىٍ إن كنت لأبُّ الخِرْقة فَيُلْقِها على وجهه لترجع إليه نَفْسُه، حتى أوصى من الضَّعف من غير مرض، فسمعته يقول عند وصيّته ونحن بالعَسْكر، وأشهدَ على وصيّته: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنَّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا (١) أراد إشارة أحمد بن حنبل على صالح، كما هو بين في السير ٢٧٩/١١ . ١٠٥٨ شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وذكر ما يأتي. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: مكث أبي بالعَسْكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق شيئًا إلا مقدار رُبع سَوِيق، ورأيت ماقِي عَيْنيه قد دخلا في حَدَقتیه . وقال صالح بن أحمد: وأوصى أبي بالعَسْكر هذه الوَصية : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله أرسَله بالهدى ودِين الحقِّ ليُظْهره على الدِّين كله ولو كَرِهِ المُشركون. وأوصى من أطاعه من أهلهِ وقَرابتِهِ أن يعبدوا الله في العابدين، ويَحْمدوه في الحامدين، وأن يَنْصحوا لجماعة المسلمين. وأوصي أني قد رَضیتُ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا. وأوصي أن لعبدالله بن محمد المعروف بفوران عليَّ نحوَّاً من خمسين دينارًا، وهو مصدَّقٌ فيما قال، فَيُقْضى ما له عليَّ من غَلَّة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أُعطِيَ ولدُ صالح وعبدالله ابني أحمد بن محمد ابن حنبل، كلَّ ذَكَرٍ وأنثى عشرة دراهم بعد وفاء مال أبي محمد. شهد أبو یوسف، وصالح، وعبدالله ابنا أحمد. أُنْبِثْتُ عمن سمع أبا علي الحَداد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم في ((الحلية))، قال(١): حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال : كتب عُبيدالله ابن يحيى إلى أبي يُخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وتَبْصرة. فأملى عليَّ أبي رحمه الله؛ إلى عُبيدالله بن يحيى وحدي ما معي أحد: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنَ الله عاقِبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودَفَع عنك مَكاره الدُّنيا والآخرة برحمته، قد كتبتُ إليك رضي الله عنك بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حَضَرني، وإني أسالُ الله أن يُديمٍ تَوفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خَوضٍ من الباطل واختلافٍ شديد يَنْغُمِسون فيه، حتى أفْضَت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كل بِدْعة، وانجَلى عن الناس ما كانوا فيه من الذُّلِّ وضِيق المجالس، فصرف الله ذلك كله وذهبَ به بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعًا عظيمًا، (١) حلية الأولياء ٢١٦/٩ - ٢١٩. ١٠٥٩ ودعوا الله لأمير المؤمنين، وأن يزيد في نِيَّته، وأن يُعينه على ما هو عليه، فقد ذُكر عن عبدالله بن عباس أنه قال: لا تَضْربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنَّ ذلك يوقع الشَّكَّ في قلوبكم. وذُكر عن عبد الله بن عَمرو أن نفرًا كانوا جُلوسًا بباب النبي ◌َّ﴾. فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع ذلك رسول الله وَ ل﴿، فخرج كأنما فُقِىء في وَجْهِهِ حَبُّ الِرُّمان، فقال: ((أبهذا أُمِرتم؛ أن تَضْربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضَلَّت الأُمَم قبلكم في مثل هذا، إنَّكم لستم مما ههنا في شيء. انظروا الذي أُمِرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نُهيتم عنه، فانتهوا عنه))(٦) . وروي عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((مِرَاءٌ في القرآن كفرٌ))(٢). ورُوي عن أبي جُهَيِم، رجلٍ مِن أصحاب النبي وَّل، عن النبي ◌َّ قال: ((لا تَمَارَوا في القُرآنْ، فإنَّ مِراءً فيَهَ كُفرٌ))(٣) . وقال ابن عباس: قدم على عُمر بن الخطاب رجل، فجعل عُمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين قد قَرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقال ابن عباس: فقلتُ: والله ما أحبُّ أن يَتَسارعوا يومَهم هذا في القرآن هذه المُسارعة. قال: فَزَبَرَني عُمر وقال: مَهْ فانطلقت إلى مَنْزلي مُكْتَئبًا حَزينًا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجِبْ أمير المؤمنين. فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخَلا بي، وقال: ما الذي كَرهتَ؟ قلت: يا أمير المؤمنين متى يَتَسارعوا هذه المُسارَعة يَحْتَقُوا، ومتى ما يَحْتَقوا يَخْتَصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يَقْتَتلوا. قال: لله أبوك، والله إن كنتُ لأكتُمها النَّاسَ حتى جئتَ بها . ورُوي عن جابر، قال: كان النبي ◌َّ يَعْرض نفسَه على الناس بالمَوقف (١) أخرجه أحمد ١٧٨/٢ و١٩٦، وابن ماجة (٨٥) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإسناده صحيح، وانظر تعليقنا على ابن ماجة . (٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٢٨٦/٢ و٣٠٠ و٤٢٤ و٤٧٥ و٤٧٨ و٤٩٤، و٥٠٣ و٥٢٨، وأبو داود (٤٦٠٣)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٣)، وهو في فضائل القرآن (١١٨) من طريق أبي سلمة عنه. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على تاريخ الخطيب ١٣٠/٥ في ترجمة أحمد بن الحسن بن الجعد. (٣) أخرجه أحمد ١٦٩/٤ من طريق بُسر بن سعيد عنه بإسناد صحيح. وانظر المسند الجامع ٥١/١٦ حديث (١٢٢١٥). ١٠٦٠