النص المفهرس

صفحات 1021-1040

وقال عباس الدُّوري: حدَّثني علي بن أبي فَزَارة جارنا، قال: كانت أمي
مُقْعَدَة من نحو عشرين سنة، فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فَسَلْهُ
أن يدعو لي، فأتيتُ فدَقَقْت عليه وهو في دِهْليزه، فلم يفتح لي وقال: من
هذا؟ قلت: أنا رجلٌ سألتني أمي، وهي مُقْعَدَة، أن أسألك أن تدعُوَ الله لها .
فسمعتُ كلامَهُ كلام رجل مُغْضَب فقال: نحن أحْوج أن تدعُوَ الله لنا. فولَّيْت
منصرفًا، فخرجَتْ عجوزٌ فقالت: إني قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا
دققتُ الباب، فخرجت أمي على رِجْلَيها تمشي وقالت: قد وهبَ الله ليَ
العافية. رواها ثقتان، عن عباس.
وقال عبدالله بن أحمد: كان أبي يُصلي في كلِّ يوم وليلة ثلاث مئة ركْعة،
فلما مرض من تلك الأسْواط أضْعفَتْه، فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين
ركعة .
وقال عبدالله بن أحمد: حدثنا علي بن الجَهْم، قال: كان لنا جارٌ فأخرج
إلينا كتابًا فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، فكيف
كتب لك؟ قال: كنّا بمكة مُقيمين عند سُفيان بن عُيَيْنةٍ، فَفقَدْنا أحمد أيَّامًا، ثم
جئنا لنسأل عنه، فإذا الباب مردودٌ عليه، وعليه خُلْقان، فقلت: ما خَبَرُك؟
قال: سُرِقت ثيابي. فقلت له: معي دنانير، فإن شئت صلةً، وإن شئت قَرْضًا.
فأبى. فقلت: تكتب لي بأُجرةٍ؟ قال: نعم. فأخرجت دينارًا، فقال: اشترِ لي
ثوبًا واقْطَعه نصفَين، يعني إزارًا ورداءً، وجئني ببقية الدينار. ففعلتُ وجئت
بورق، فكتب لي هذا.
وقال عبدالرَّزاق: عرضت على أحمد بن حنبل دنانير، فلم يأخذها .
وقال إسحاق بن راهُوية: كنت أنا وأحمد باليمن عند عبدالرَّزاق، وكنتُ
أنا فوق في الغرفة وهو أسفل. وكنتُ إذا جئت إلى موضع اشتريت جاريةً.
قال: فاطَّلعتُ على أن نفقَته فَنِيت، فعرضت عليه، فامتنع فقلت: إن شئت
قرضًا، وإن شئت صِلَة. فأبى. فنظرت فإذا هو ينسج التُّكَك ويبيعُ ويُنْفِق.
رواها أبو إسماعيل التِّرْمذي، عنه.
وعن أبي إسماعيل، قال: أتى رجل بعشرة آلاف درهم من رِبْح تجارته
إلى أحمد، فأبى أن يقبلها، وقال: نحن في وَسعةٍ وغنى. وقال غيره: حَمل
رجل إلى أحمد ثلاثة آلاف دينار فأبى أن يَقْبلها .
١٠٢١

وقال عبدالله، عن أبيه، قال: عَرض عليَّ يزيد بن هارون نحو خمس مئة
درهم، فلم أقبلها .
وقيل: إنَّ صَيْرفيًّا وصل أحمد بخمس مئة دينار، فردَّها.
وقال صالح: دخلت على أبي أيام الواثق، والله يعلم كيف حالُنا، فإذا
تحت لبده ورقة فيها: يا أبا عبدالله، بَلَغَني ما أنتَ فيه من الضِّيق، وقد وجَّهْتُ
إليك بأربعة آلاف دِرهم. فلمَّا رَدَّ أبي من صَلاته قلت: ما هذا؟ فاحمرَّ وجهه
وقال: رَفعتها منك، ثم قال: تَذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وَصَل
كتابك، ونحن في عافية. فأمَّا الدَّيْن، فلِرَجلِ لا يُرْهِقُنا، وأما العِيال، فهم في
نعمة الله. فذهبتُ بالكتاب، فلمّا كان بعد حين، ورد كتاب الرجل بمثل ذلك،
فامتنع، فلمَّا مضى نحو سنة ذكرناها، فقال: لو كُنا قبلناها كانت قد ذَهَبَت .
وقال جماعة: حدثنا سَلَمَة بن شبيب، قال: كنا في أيام المُعْتصمِ عند
أحمد بن حنبل، فدخل رجلٌ، فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فسكتْنا،
فقال أحمد: ها أنا ذا. قال: جِئْتُ من أربع مئة فَرْسخ بَرًا وبحرًا، كنتُ ليلة
جمعة نائمًا فأتاني آتٍ، فقال لي: تعرف أحمد بن حنبل؟ قلتُ: لا، قال: فأتِ
بغداد وسَلْ عنه، فإذا رأيته فقل إن الخَضِر يُقْرِئُكَ السلام ويقول: إنَّ ساكن
السَّماء الذي على عرشه راضٍ عنك، والملائكة راضون عنك بما صبرت
نفسك لله .
فصل
مسند أحمد كتاب جليل مَشْهور أجازه لي جماعة سمعوه عاليًا، ويقال:
إن له تفسيرًا كبيرًا ما رأينا من نبّأنا عن وجوده، إلا ما قال أبو الحسين ابن
المنادي: إن تفسير أحمد مئة وعشرون ألفًا، قال: ورواه عنه ولده عبدالله بن
أحمد(١).
(١) قال المصنف معلقًا في السير ٣٢٨/١١: ((فتفسيره المذكور شيء لا وجود له، ولو وجد
لاجتهد الفضلاء في تحصيله ولاشتهر، ثم لو ألف تفسيرًا لما كان يكون أزيد من عشرة
آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات)).
١٠٢٢

فصل في آدابه
قال عبدالله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرةً من شَعَر النبيِّ مَله فيضعها
على فيه يُقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عَينه ويَغْمسها في الماء ويشربه
يَسْتَشفي به. ورأيته قد أخذ قَصْعَة النبيِّ ◌َ﴿ فغسلها في جُبِّ الماء، ثم شرب
فيها. ورأيته يشرب ماء زمزم، يَسْتَشفي به، ويَمْسح به يديه ووجهه .
وقال أحمد بن سعيد الدَّارمي: كتب إليَّ أحمدُ بن حنبل: لأبي جعفر
أكرمه الله، من أحمد بن حنبل.
وعن سعيد بن يعقوب، قال: كتب إليَّ أحمد: من أحمد بن محمد إلى
سعيد بن يعقوب، أما بعد، فإنَّ الدُّنيا داء والسُّلطان داء، والعالم طبيب، فإذا
رأيتَ الطبيب يجرُّ الداء إلى نفسه فأخْذره، والسلام عليك.
وقال عُبيدالله بن عبدالرحمن الزُّهْري: حدَّثِنِي أبي، قال: مضى عمي أبو
إبراهيم أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل: فسلّم عليه. فلما رآه وثَب قائمًا
وأكرمه .
وقال المَرُّوذي: قال لي أحمد: ما كتبتُ حديثاً إلا وقد عملت به، حتى
مرَّ بي: ((أنَّ النبيَّ وَّهَ احتجم وأعطى أبا طَيْبة دينارًا))، فأعطيت الحجَّام دينارًا
حین احتجمت .
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عبدالله بن أبي عمر البَكْري، قال: سمعت
عبدالملك المَيْمونى يقول: ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشدَّ تَعَاهُدًا
لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشَعر بَدَنه، ولا أنقى ثوبًا وشدة بياضٍ من أحمد
ابن حنبل .
وقال الخلال: أخبرني محمد بن الجُنَيْد أنَّ المَرُّوذي حدَّثهم، قال: كان
أبو عبدالله لا يدخل الحمّام. وكان إذا احتاج إلى النُّورة تَنَوَّر في البيت.
وأصلحت له غير مرة النورة، واشتريت له جلدًا ليدِهِ يُدْخل يَدَه فيه ويتنوَّر.
وقال حنبل: رأيت أبا عبدالله إذا أراد القيام قال لجُلَسائه: إذا شئتم.
وقال المَرُّوذي: رأيت أبا عبدالله قد ألقى لختَّانِ دِرهَمين في الطَّسْت.
وقال موسى بن هارون: سئل أحمد بن حنبل فقيل له: أين نطلب
البُدَلاء؟ فسكت حتى ظننا أنه لا يُجيب، ثمَّ قال: إن لم يكن من أصحاب
الحديث فلا أدري.
١٠٢٣

وقال المَرُّوذي: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقَتْه العَبْرة. وكان
يقول: الخوف يمنعني أكلَ الطعام والشراب.
وقال: إذا ذكرتُ الموت هان عليَّ كلُّ شيءٍ من أمر الدُّنيا. وإنما هو
طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أعْدِلُ بالفقر شيئًا .
وقال: لو وجدتُ السَّبیل لخرجت حتى لا یکون لِي ذِكْر.
وقال: أريد أن أكون في بعض تلك الشِّعاب بمكّة، حتى لا أُعْرَف، قد
بُليت بالشُّهْرة، إني لأتمنى الموت صباحًا ومساءً.
وقال المَؤُوذي: ذُكِر لأحمد أنَّ رجلاً يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره
بعضُهم اللِّقاء، يتزيَّن لي وأتزيَّن له.
وقال: لقد استرحت، ما جاءني الفرح إلا منذ حلفت أن لا أُحَدِّث،
وليتنا نُتْرَك، الطَّريق ما كان عليه بِشْرُ بن الحارث.
وقال المَرُّوذي: قلت لأبي عبدالله: إنَّ فلانًا، قال: لم يزهد أبو عبد الله
في الدَّراهم وحدها، قد زهد في الناس. فقال: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟
الناسُ يُريدون أن يزهدوا فيَّ.
وسمعت أبا عبدالله يكره للرجل أن ينام بعد العَصْر، يخاف على عقله.
وسمعته يقول: لا يفلح من تَعَاطى الكلام، ولا يخلو من أن يتجهّم.
وسُئِل عن القراءة بالألْحان، فقال: هذه بدعةٌ لا تُسْمع .
وكان قد قارب الثمانين، رحمه الله.
فصل
من قوله في ◌ُصول الدين
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الإيمان قولٌ وعمل، يزيد
وينقص. البِرُّ كلُّه من الإيمان، والمعاصي تنقصُ من الإيمان.
وقال إسحاق بن إبراهيم البَغَوي: سمعتُ أحمد بن حنبل، وسُئِل عمن
يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر.
وقال سَلَمَة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: من قال القرآن مخلوق فهو
کافر .
١٠٢٤

وقال أبو إسماعيل التِّرْمذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال
القرآن مخلوق فهو كافر .
وقال إسماعيل بن الحسن السَّراج: سألت أحمد عمَّن يقول: القرآن
مخلوق، فقال: كافر. وعمَّن يقول: لَفْظي بالقرآن مخلوق. فقال: جَهْمي.
وقال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول:
لفظي بالقرآن غير مخلوق. فأخبرتِ أبي بذلك، فقال: مَن أخبرك؟ قلت:
فلان. فقال: ابعث إلى أبي طالب. فَوَجَّهْتُ إليه، فجاء وجاء فُوران، فقال له
أبي: أنا قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب وجعل يَرْعد، فقال: قرأتُ
عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّفَ﴾ [الإخلاص] فقلتَ لي: ليس هذا بمخلوق.
فقال: فَلِمَ حكيت عني أني قلت لك: لَفْظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبَلَغَني أنَّك
وَضَعْتَ ذلك في كتاب، وكتبتَ به إلى قوم، فأمحُه، واكتب إلى القوم أني لم
أقل لك. فجعل فُوْران يعتذر إليه، وانصرفَ من عنده وهو مَرْعوبٌ، فعاد أبو
طالب، فذكر أنه قد حَكَّ ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يُخبرهم أنه وهِمَ
على أبي.
قلتُ: الذي استقرَّ عليه قول أبي عبدالله: أنَّ مَن قال: لفظي بالقرآن
مَخْلوق فهو جَهْمي، ومن قال: لَفْظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع.
وقال أحمد بن زَنْجُوية: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللّفظية شرٌّ من
الجَهْمية .
وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: افترقت الجَهْمية على ثلاث
فِرَق: فرقة قالوا: القرآن مخلوق. وفرقة قالوا: القرآن كلام الله تعالى،
وسكتوا. وفرقة قالوا: لَفْظُنا بالقرآن مخلوق. وقال أبي: لا يُصلَّى خلف
واقِفي، ولا خَلْف لَفْظي.
وقال المَرُّوذي: أخبرتُ أبا عبدالله أنَّ أبا شُعيب السُّوسي الذي كان بالرَّقَّة
فرَّق بين ابنتهِ وزوجها لما وقف في القرآن. فقال: أحسَنَ، عافاه الله، وجَعَلَ
يدعو له. وقد كان أبو شُعيب شاور التُّفَيْلي، فأمره أن يفرِّق بينهما .
قال المَرُّوذي: ولما أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذَّر أبو عبدالله عنه،
وأمَرَ بهجرانه وهجران من كلَّمه.
قلت: ولأبي عبد الله في مسألة اللَّفظ نصوصٌ متعدِّدة. وأول مَن أظهر
اللَّفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة أربع وثلاثين ومئتين، وكان
ـاريخ الإسلام ٥/م٦٥
١٠٢٥

الكرابيسي من كبار الفُقَهاء. فقال المَرُّوذي في كتاب ((القَصص)»: عزم حسن
ابن البزاز، وأبو نصر بن عبدالمجيد، وغيرهما على أن يجيئوا بكتاب
((المُدلسين)) الذي وضعه الكرابيسي يطعن فيه على الأعمش، وسليمان التَّيْمي،
فمضيتُ إليه في سنة أربع وثلاثين، فقلت: إن كتابك يريدُ قومٌ أن يعرضوه على
أبي عبدالله، فأظْهِر أنَّك قَّد ندِمتَ عليه. فقال: إن أبا عبدالله رجلٌ صالح، مثله
يُوفّق لإصابة الحق، قد رضيتُ أن يُعرض عليه. لقد سألني أبو ثور أن أمحوَهُ،
فأبيت. فجيء بالكتاب إلى أبي عبدالله، وهو لا يعلم لمن هو، فعلَّموا على
مُسْتَبْشَعات من الكتاب، وموضع فيه وَضْعٌ على الأعمش، وفيه: إنْ زَعَمْتم أنَّ
الحسن بن صالح كان يرى السّيفٌ فهذا ابن الزُّبَير قد خَرَج. فقال أبو عبدالله :
هذا أراد نُصْرة الحسن بن صالح فوضع على أصحاب رسول الله مَّال، وقد جمع
للرَّوافض أحاديثَ في هذا الكتاب. فقال أبو نَصْر: إنَّ فتياننا يَخْتَلفون إلى
صاحب هذا الكتاب. فقال: حَذِّروا عنه ثمَّ انكشف أمره، فبلغ الكرابيسي،
فبلغني أنَّه قال: سمعت حُسَيْنَا الصَّائغ يقول: قال الكرابيسي: لأقولنَّ مقالةً
حتى يقول أحمد بن حنبل بخلافها فيكفر، فقال: لَفْظي بالقرآن مخلوق. فقلت
لأبي عبدالله: إنَّ الكرابيسي قال: لَفْظي بالقرآن مخلوق، وقال أيضًا: أقول: إنَّ
القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات، إلا أنَّ لَفْظي بالقرآن مخلوق،
ومن لم يقلِ إنَّ لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال أبو عبدالله: بل هو
الكافر، قاتَلَه الله، وأيُّ شيءٍ قالت الجَهْمية إلا هذا؟ قالوا كلام الله، ثمَّ قالوا:
مَخْلوق. وما ينفعه وقد نقضَ كلامه الأخير كلامه الأوَّل حين قال: لفظي
بالقرآن مخلوق. ثمَّ قال أحمد: ما كان الله ليَدَعَه وهو يقصد إلى التَّابعينِ مثل
سليمان الأعمش، وغيره، يتكلّم فيهم، ماتَ بِشْر المَرِيسي، وخَلَفَه حُسين
الكرابيسي. ثم قال: أيْش خَبر أبي ثَوْر؟ وافقَه على هذا؟ قَلَت: قد هجره. قال:
قد أحسن. قلت: إنِّي سألتُ أبا ثَوْر عمَّن قال: لَفْظي بالقرآن مخلوق، فقال:
مبتدع. فغَضبَ أبو عبدالله، وقال: أيْش مُبْتدع؟ هذا كلام جَهْمٍ بعينه. ليس
يُفْلح أصحاب الكلام.
وقال عبدالله بن حنبل: سُئِل أبي وأنا أسمع عن اللَّفظية والواقِفة، فقال:
من کان منھم یُحسن الكلام فهو جَهْمي .
وقال الحَكَم بن مَعْبَد: حدَّثني أحمد أبو عبدالله الدَّوْرقي، قال: قلت
لأحمد بن حنبل: ما تقول في هؤلاء الذين يقولون: لَفْظي بالقرآن مَخْلوق؟
١٠٢٦

فرأيته استَوى واجتمع، وقال: هذا شرٌّ من قول الجَهْمية؛ من زعم هذا فقد
زعم أنَّ جبريل تكلّم بمخلوق، وجاء إلى النبيِّ مَّ بمخلوق.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدالله بن محمد بن الفضل الأسدي: سمعتُ
أبا طالب أحمد بن حُميد، قال: قلت لأحمد بن حنبل: قد جاءت جَهْمية
رابعة. فقال: وما هي؟ قلت: قال إنسان: من زعم أنَّ في صَدره القرآن، فقد
زعم أنَّ في صَدره من الإلهيّة شيءٌ. فقال: مَن قال هذا فقد قال مثل قول
النَّصَارى في عيسى أنَّ كلمة الله فيه، ما سمعت بمثل هذا قط. قلت: أهذه
الجَهْمية؟ قال: أكبر من الجَهْمية. ثم قال: قال النبيُّ رَّه: ((يُنْزَع القرآن من
صدوركم)) .
قلتُ: المَلْفوظ كلام الله، وهو غير مَخْلوق، والتَّلقُظ مخلوق لأنَّ التَّلِفُظ
من كَسْب القارىء، وهو الحركة، والصَّوت، وإخراج الحروف، فإنَّ ذلك مما
أحدثه القارىء، ولم يُحْدِث حروف القرآن ولا مَعانيه، وإنَّما أحْدِث نُطْقَهُ به.
فاللَّفظ قَدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجوز الإمام أحمد: لَفْظي
بالقرآن مَخْلوق ولا غير مخلوق، إذ كلُّ واحدٍ من الإطلاقَيْن مُوهِمٌ. والله
أعلم(١).
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مَطَر، وزكريا بن
يحيى، أنَّ أبا طالب حدَّثهم أنَّه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طَرَسُوس أنَّ
سَرِيًّا السَّقَطي، قال: لمَّا خلق الله الحروف سَجَدَتْ إلا الألِف فإنه قال: لا
أسجد حتى أُؤمر. فقال: هذا كُفْر. فرحِم الله الإمام أحمد ما عنده في الدِّين
محاباة .
قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبي هارون أنَّ إسحاق بن إبراهيم حدَّثهم،
قال: حضرت رجلاً يسأل أبا عبدالله، فقال: يا أبا عبد الله إجماع المسلمين على
الإيمان بالقَدَر خيره وشرِّه؟ قال أبو عبدالله: نعم. قال: ولا نكفِّر أحدًا بذنب؟
فقال أبو عبدالله: اسكُتْ، من ترك الصَّلاة فقد كفَر، ومن قال: القرآن مخلوق
فهو كافر .
(١) قال المصنف معلقًا في السير ٢٩٠/١١: ((فلقد أحسن الإمام أبو عبدالله حيث منع من
الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ
موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزلٌ غير
مخلوق. والله أعلم)).
١٠٢٧

وقال الخلال: أخبرني محمد بن سليمان الجوهري، قال: حدثنا
عَبْدُوس بن مالك العطار، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أصول السُّنة عندنا
التَّمسُّك بما كان عليه الصحابة، وترك البِدَع، وترك الخصُومات، والجلوس
مع أصحاب الأهواء، وترك المِراء والجَّدَل. وليس في السُّنة قياس، ولا
يُضْرَبُ لها الأمثال، ولا تُدْرك بالعقول. والقرآن كلامُ الله غير مخلوق، وإنه
من الله ليس ببائِن منه، وإياك ومناظَرة من أحْدَثَ فيه، ومَن قال باللَّفظ وغيره،
ومن وقفَ فيه، فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس مخلوق، وإنما هو كلام الله؛
فهو صاحب بدعة. والإيمان بالرؤية يوم القيامة. وأنَّ النبيَّ بَّهْ رأى ربَّه؛ فإنه
مأثور عن رسول الله وَّل، رواه قَتَادة والحَكَم بن أبان، عن عِكْرِمة، عن ابن
عباس. ورواه علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس. والحديث
عندنا على ظاهره على ما جاء عن النبيِّ وَّر، والكلام فيه بدعة. ولكن نؤمن
على ما جاء على ظاهره، وأنَّ الله يُكلَم العباد يوم القيامة، ليس بينهم وبينه
تَرجمان(١).
قال حنبل بن إسحاق: قلت لأبي عبدالله: ما معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾
[الحديد ٤] و﴿مَا يَكُونُ مِن تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة ٧]؟ قال:
عِلمُه عِلمُه. وسمعته يقول: ربُّنا على العَرش بلا حَدٍّ ولا صفة.
قلت: معنى قوله بلا صفة، أي بلا كيف ولا وَصْف.
وقال أبو بكر المَرُّوذي: حدَّثني محمد بن إبراهيم القَيسي، قال: قلت
لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال:
في السماء السابعة على عرشه. قال أحمد: هكذا هو عندنا.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي يقول: من زعم أنَّ أسماء
الله مخلوقة فقد كفر .
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب ((الرَّد على الجَهْمية)» تأليفهُ:
سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلَّم الله موسى لم يتكلّم بصوت. فقال أبي:
بلى تكلّم، جلِّ ثناؤه، بصوتٍ، هذه الأحاديث ترويها كما جاءت. وقال أبي:
حديث ابن مسعود: إذا تكلّم الله سُمِع له صوت كمرِّ السَّلسلة على الصَّفْوان.
(١) كلام الإمام أحمد أخرجه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ١٧١ - ١٧٧ بأطول مما
هنا.
١٠٢٨

قال: وهذه الجَهْميَّة تنكره، وهؤلاء كُفار يريدون أن يموِّهوا على الناس. ثم
قال: حدثنا المحاربي: عن الأعمش، عن مسلم، عن مَسْروق، عن عبدالله،
قال: إذا تكلّم الله بالوحي سَمعَ صوته أهل السماء فيخرُونَ سُجَّدًا(١).
وقال عبدالله: وجدت بخطِ أبي مما يُحْتَج به على الجَهْمية من القرآن:
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَدَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَّهُ, كُنْ﴾ [يس ٨٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾
[آل عمران ٤٥]، ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء
١٧١]، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدَّلًا لَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ﴾ [الأنعام ١١٥]،
﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ: أَنَاَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النمل]، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلّقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف
٥٤]، ﴿كُلَّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُمْ﴾ [القصص ٨٨]، ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن
٢٧]، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ (٦٠)﴾ [طه]، ﴿وَكَلَّمَ اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾﴾ [النساء]،
يَمُوسَىّ !! إِنَّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه ١٢]، ﴿وَاُلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر ٦٧]، ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ غُلَّتْ أَيدِهِمْ
وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤].
قلت: وذكر آيات كثيرة في الصِّفات، أنا تركت كتابتها هنا.
وقال يعقوب بن إسحاق المُطَّوِّعي: سمعت أحمد بن حنبل، وسُئِل عن
التَّفضيل، فقال: على حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أبو بكر، وعمر،
وعثمان .
وقال صالح بن أحمد: سُئِل أبي وأنا شاهد، عمَّن يُقَدِّم عليًّا على عثمان
يُبَدَّع؟ فقال: هذا أهلٌ أن يُبَدَّع، أصحاب رسول الله مَ ليل قدَّموا عثمان .
وقال عبدالله بن أحمد: قلت لأبي: من الرافضي؟ قال: الذي يَشْتم رجلاً
من أصحاب رسول الله وَّه، أو يتعرَّض لهم ما أُراه على الإسلام.
وقال أبو بكر المَرُّوذي: قيل لأبي عبدالله ونحن بالعَسْكر، وقد جاء بعض
رسُل الخليفة، فقال: يا أبا عبدالله ما تقول فيما كان بين عليٍّ ومعاوية؟ فقال:
ما أقول فيهم إلا الحُسنَى.
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول السنة (٥٤٨) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم عن
الأعمش به موقوفًا، وقال: ((ورواه المحاربي (وهي رواية المصنف) وجرير وابن نمير من
قول ابن مسعود، ورواه أحمد بن حنبل عن أبي معاوية موقوفًا)). قلت: وأخرجه أبو داود
(٤٧٣٨) من طريق أبي معاوية عن الأعمش، به مرفوعًا. ولا يصح رفعه، كما بينه مفصلاً
الخطيب في تاريخه ٣٢٩/١٣ - ٣٣٠، وانظر تعليقنا عليه.
١٠٢٩

وكلام الإمام أحمد كثير طيب في أصول الدِّين، لا يتَسع هذا الباب
السياقِهِ قدِ جمعه الخلال في مصنَّفٍ سمَّاه ((كتاب السُّنة)) عن أحمد بن حنبل في
ثلاث مجلَّدات، فمما فيه:
أخبرنا المَرُّوذي: سمعتُ أبا عبدالله يقول: مَن تَعاطى الكلام لا يُفْلح،
من تعاطى الكلام لم يَخْلُ من أن يَتَجَهَّم.
وسمعتُ أبا عبدالله يقول: لست أتكلّم إلا ما كان من كِتاب أو سُنة، أو
عن الصَّحابة والتَّابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود.
وقال حنبل: سمعتُ أبا عبدالله يقول: من أحبَّ الكلام لم يُفْلح، لا
یؤول أمرُهم إلی خیر.
وسمعته يقول: عليكم بالسُّنة والحديث وإيّاكم والخَوض والجِدال
والمِراء، فإنه لا يُفْلحِ من أحبَّ الكلامِ.
وقال لي: لا تُجالِسْهم، ولا تكلّم أحدًا منهم. ثم قال: أدركنا الناس وما
يعرفون هذا، ويُجانبون أهلَ الكلام، عاقبةُ الكلام لا تؤول إلى خيرٍ.
وسمعته يقول: ما رأيتُ أحدًا طلب الكلام واشتَهاه فأفْلح لأنه يُخرجه
إلى أمرٍ عظيم. لقد تَكَلَّموا يومئذٍ بكلام، واحْتَجوا بشيءٍ ما يَقْوَى قلبي ولا
يَنْطلق لساني أن أحکیه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون، قال: حدثنا أبو الحارث:
سمعت أبا عبدالله يقول: قال أيوب: إذا تمرَّق أحدكم لم يَعد .
وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصْرَم المُزَني، قال: حضرتُ أحمد بن
حنبل قال له العباس الهَمْداني: إنِِّ رُبَّما رَدَدْت عليهم. قال أحمد: لا يَنْبغي
الجدال. ودخل أحمد المسجد وصلَّى، فلمّا انفَتَل، قال: أنت عباس؟ قال:
نعم. قال: اتقِ الله، ولا ينبغي أن تَنْصب نفسك، وتَشْتَهر بالكلام، ولا بِوَضْع
الكُتُب، لو كان هذا خيرًا لتقدَّمَنا فيه الصَّحابة، لم أرَ شيئًا من هذه الكُتُب،
وهذه كلُّها بدعة. قال: مقبولٌ منك يا أبا عبد الله، أستغفر الله وأتوبُ إليه، إنِّي
لست أطلبهم، ولا أدُقُ أبوابَهم؛ لكن أسمعهم يَتَكلَّمون بالكلام، وليس أحدٌ
يردُّ عليهم فأَغْتَمُّ ولا أصبر حتى أرُدَّ عليهم. قال: إن جاءك مُسْترشدٌ فأرشِدْه؛
قالها مرارًا .
قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أنَّ أبا
الحارث حدَّثهم، قال: سألت أبا عبدالله قلت: إنَّ ههُنا من يُناظر الجَهْميَّة
١٠٣٠

ويُبيِّن خَطأهم، ويُدقِّق عليهم المسائل، فما ترى؟ قال: لستُ أرى الكلام في
شيء من هذه الأهواء، ولا أرى لأحدٍ أن يُنَاظرهم، أليس قال معاوية بن قُرَّة:
الخُّصومات تُخْبِط الأعمال؟ والكلام رديء لا يدعو إلى خَير، تجنّبوا أهل
الجدال والكلام، وعليكم بالسُّنَن، وما كان عليه أهل العلم قَبلكم، فإنَّهم كانوا
يكرهون الكلام والخَوض مع أهل البِدَع. وإنَّما السلامة في تَرْك هذا، لم نؤمر
بالجِدال والخصومات .
وقال: إذا رأيتم من يحبُّ الكلام فاحذروه.
قال ابن أبي داود: حدثنا موسى أبو عمران الأصبهاني، قال: سمعت
أحمد بن حنبل يقول: لا تجالس أصحاب الكلام، وإنْ ذَبُوا عن السُّنة .
وقال الميموني: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ما زال الكلام عند أهل
الخَيرِ مَذْمومًا .
قلت: ذَمُ الكلام وتَعلُّمه قد جاء من طُرُقٍ كثيرة عن الإمام أحمد، وغيره.
فصل في سيرته
قال الخلال: قلت لزُهَير بن صالح بن أحمد: هل رأيت جدَّك؟ قال:
نعم، مات وقد دخلت في عشر سنين، كُنَّا ندخل إليه كل يوم جمعة أنا
وأخواتي، وكان بَيْننا وبينه باب، وكان يكتب لكلِّ واحدٍ منا حَبَّتين حَبَّتين من
فِضةٍ في رُقْعة إلى فاميٍّ يعامله، فنأخذ منه الحبّتين، وتأخذ الأخوات. وكان
ربَّما مررت به وهو قاعد في الشَّمس، وظهره مَكْشوف، وأثر الضَّرْب بيِّنٌ في
ظهره، وكان لي أخٌ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يَخْتِنه، فاتخذ له طعامًا
كثيرًا، ودعا قومًا، فلما أراد أن يَخْتنه وجَّه إليه جدي، فقال له: بَلَغَنِي ما
أحدَثْته لهذا الأمر، وقد بلغني أنَّك أسْرفتَ، فأبدأ بالفُقراء والضُّعفاء
فأطْعِمْهم. فلما أن كان من الغَد، وأحْضَر الحَجَّام أهلنا، فجاء جدي حتى
جلس في المَوْضع الذي فيه الصَّبي، وأخرج صُرَيْرةً فدفعها إلى الحَجَّامِ،
وصُرَيْرةً دفعها إلى الصَّبي، وقام فدخل منزله، فنظر الحَجَّام في الصُرَيْرة فإذا
درهم واحدٌ، وكنا قد رَفَعْنا كثيرًا مما أَفْتُرِش، وكان الصَّبي على مَصْطَبَةٍ مُرتفعة
على شيءٍ من الثّاب الملوّنة، فلم يُنْكِرِ ذَلك. وقدِم علينا من خُراسان ابن خالة
جدي، فنزل على أبي، وكان يُكْنى بأبي أحمد، فدخلت معه إلى جدي،
١٠٣١

فجاءت الجارية بطَبق خلاف، وعليه خُبز وبَقْل وخلٌّ وملح، ثم جَاءت
بغضارة(١) فوَضَعَتْها بين أيدينا، فيها مَصْليَّة، فيها لحم وسِلْق كثير، فجعلنا
تأكل وهو يأكل معنا، ويسأل أبا أحمد عمَّن بقي من أهْلهم بخُراسان في خلال
ما يأكل، فربَّما استَعْجم الشَّيء على أبي أحمد، فيكلمه جدي بالفارسية،
ويضع القِطْعة اللَّحِم بين يديه وبين يديَّ. ثم رفع الغِضارة بيده، فوضعها
ناحيةً، ثم أخذ طَبَقًّا إلى جَنْبه، فوضعَه بين أيدينا، فإذا تمرٌ بَرْنِيٌّ، وجوز
مُكَسَّر. وجعل يأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد.
وقال عبدالملك الميموني: كثيرًا ما كنتُ أسأل أبا عبدالله عن الشيء
فيقول: لبَّيْك لبَّيْك.
وعن المَرُّوذي، قال: لم أر الفقير في مجلس أعزَّ منه عند أبي عبد الله،
كان مائلاً إليهم، مُقْصِرًا عن أهل الدُّنيا. وكان فيه حِلمٌ، ولم يكن بالعَجُول،
وكان كثير التَّواضع، تَعْلُوه السَّكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر
للفتيا، لا يتكلّم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يَتَصدَّر، يقعد حيث
انتھی به المجلس.
وقال الطَّبَراني: حدثنا موسى بن هارون، قال: سمعت إسحاق بن راهُوية
يقول: لمَّا خرج أحمد بن حنبل إلى عبدالرَّزاق انقطعت به النَّفَقة، فأكرى نفسه من
جَمالين إلى أن وافى صَنْعاء، وعَرض عليه أصحابه المواساة، فلم يقبل .
قال الفقيه علي بن محمد بن عمر الرَّازي: سمعتُ أبا عمر غلام ثَعْلب،
قال: سمعتُ أبا القاسم بن بشار الأنْماطي، قال: سمعت المُزَني، قال:
سمعت الشافعي يقول: رأيتُ ببغداد ثلاث أُعْجُوبات: رأيت فيها نَبَطيًّا
يَتَنحى(٢) عليَّ حتى كأنَّه عَربي وكأني نبطي، ورأيت أعرابيًا يَلْحن كأنه نَبَطي،
ورأيت شابًّا وَخَطَه الشَّيْب، فإذا قالَ: حدَّثنا. قال الناس كلُّهم: صَدَق. قال
المُزَني: فسألته، فقال: الأول الزَّعْفراني، والثاني أبو ثَوْرِ الكَلْبِي وكان لَخَانًا،
وأما الشَّاب فأحمد بن حنبل .
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي حَرَّج على النَّمل أن يُخْرَج
الثَّمْل من داره. ثمَّ رأيت النَّمْلِ قد خَرَجْن بعد ذلك نَمْلاً سودًا، فلم أرهم بعد
ذلك. رواها أحمد بن محمد اللّنْباني، عنه.
(١) هو الإناء.
(٢) أي يتكلم بالنحو كأنه عربي.
١٠٣٢

قال أبوِ الفَرَج بن الجوزي: لما وقع الغَرَق سنة أربع وخمسين وخمس
مئة، غرقت كُتُبي، وسلم لي مجلّد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد.
ومن نهي أبي عبدالله عن الكلام، قال المَرُّوذي: أُخْبِرت قبل موت أبي
عبدالله بسنتين أنَّ رجلاً كتب كتابًا إلى أبي عبدالله يُشاوره في أن يضَع كتابًا
يشرح فيه الرَّدَّ على أهل البِدَع، فكتب إليه أبو عبدالله.
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أنَّ حَنْبلاً حدثهم، قال: كتب رجل
إلى أبي عبدالله. قال: وأخبرني محمد بن علي الورَّاق، قال: حدثنا صالح بن
أحمد قال: كتب رجلٌ إلى أبي يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجُلُوس معهم،
فأملى عليَّ أبي جوابَ كتابه: أحسنَ الله عاقبتك، الذي كُنَّا نسمع عليه من
أدركنا أنَّهم كانوا يكرَهُون الكلام والجُلُوس مع أهل الزَّيْغ، وإنَّما الأمر في
التَّسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله، لا تَعْدُ ذلك، ولم يزل النَّاس يكرهون
كلَّ مُحْدَثٍ، من وَضْعِ كتابٍ، وجلوسٍ مع مبتدع، ليُورد عليه بعض ما يُلْبس
عليه في دينه .
وقال المَرُّوذي: بَلَغَني أنَّ أبا عبدالله أنكر على وليد الكرابيسي مناظَرَته
لأهلِ البدع .
وقال المَرُّوذي: قلت لأبي عبدالله: قد جاءوا بكلام فلان ليُعْرَض عليك،
وأعطيته الرُّقْعة، فكان فيها: والإيمانُ يزيد ويَنْقص فهوَ مخلوق، وإنَّما قلت إنَّه
مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال: الإيمانُ مَخْلوق، وأراد
القول، فهو كافر. فلمَّا قرأها أحمد وانتهى إلى قوله: الحَركة والفعل، غَضِب،
فرمى بها وقال: هذا مثل قول الكرابيسي؛ وإنَّما أراد الحركات مخلوقةٌ، إذا
قال الإيمان مخلوق، وأيُّ شيءٍ بقي؟ ليس يُفْلح أصحابُ الكلام.
قلت: إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاضَ وأفتى وقَسَّم، وفي هذا
عبرة وزاجر، والله أعلم. فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصَّة الرُّفْعةِ التي
في الإيمان، وهي والله بحثٌ صَحيح، وتقسيمٌ مليح. وبعد هذا فقد ذَمَّ من
أطلق الخَلْق على الإيمان، باعتبار قول العبد لا باعتبار مَقُوله، لأنَّ ذلك نوعٌ
من الكلام، وهو كان يذُّ الكلام وأهله وإنْ أصابوا، ونهى عن تدقيق النَّظر في
أسماء الله وصفاته، مع أنَّ محمد بن نصر المَرْوَزي قد سمع إسحاق بن راهُوية
يقول: خلق الله الإيمان والكفرَ، والخيرَ والشَّر.
١٠٣٣

فصل في زوجاته وأولاده
قال زهير بن صالح بن أحمد: تزوَّج جدي بأمِّ أبي عبَّاسة بنت الفَضْل من
العرب من الرَّبَض، لم يولد له منها غير أبي، ثم ماتت.
قال المَرُّوذي: سمعتُ أبا عبدالله يقول: أقامت معي أمُّ صالح ثلاثين
سنة، فما اختلفتُ أنا وهي في كلمة.
وقال زهير: لما ماتت عبَّاسة تزوَّج جدي بعدها امرأة من العرب، يقال
لها: ريحانة، فولدت له عبدالله وحده.
وقال أبو بكر الخلال: حدثنا أحمد بن محمد بن خَلف البَراثي، قال:
أخبرني أحمد بن عَبْثَرَ، قال: لما ماتت أمُّ صالح قال أحمد لامرأةٍ عندهم:
اذهبي إلى فلانة ابنة عمي فاخطبيها لي من نفسها. قالت: فأتيتها فأجابته. فلما
رَجَعتُ إليه، قال: كانت أختها تسمع كلامك؟ قال: وكانت بعينٍ واحدة.
فقالت له: نعم. قال: فاذهبي فاخطبي تلك التي بعينٍ واحدة. فأتَتْهاً فأجابته .
وهي أمُّ عبدالله ابنه، فأقام معها سبعًا، ثم قالت له: كيف رأيت يا ابنَ عمي؟
أنكرت شيئًا؟ قال: لا، إلا أن نَعْلِك هذه تَصِرُّ.
فيما تَقدَّم وَهْم من أن أحمد، رحمه الله، تزوَّج بهذه بعد موت أمِّ صالح،
وذلك لا يستقيم؛ لأنَّ عبدالله وُلِد لأحمد، ولأحمد خَمْسون سنة غير أشهرُ،
وكان صالح أكبر من عبدالله بسنوات، لأنه سمع من عَفَّان، وأبي الوليد. وذكر
أبو يعقوب الهَرَوي، وغيره أن صالحًا وُلد سنة ثلاثٍ ومئتين، ولأبيه إذ ذاك
تسعٌ وثلاثون سنة. فصالح أكبر من عبدالله بعشر سِنين، والله أعلم.
وقال الخلال: حدَّثني محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن علي،
قال: حدَّثني أبو بكر بن يحيى، قال: قال أبو يوسف بن بُخْتان: لمَّا أمرنا أبو
عبدالله أنْ نشتري له الجارية مضيت أنا وفُوران، فتَبِعني، أبو عبدالله فقال لي:
يا أبا يوسف، ويكون لها لحمٌ.
قال زُهير بن صالح: لما تُوَفيت أمُّ عبدالله اشترى حُسْن، فولدت منه
زَيْنب، ثمَّ الحسن والحُسين تَوْأمًا، وماتا بالقُرب من ولادتها، ثم وَلَدت
الحسن، ومحمدًا، فعاشا حتى صارا من السِّنِّ إلى نَحوٍ من الأربعين سنة. ثم
ولدت بَعْدَهما سعيدًا.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن علي بن بحر، قال: سمعت حُسْن، أمّ .
١٠٣٤

ولد أبي عبدالله تقول: قلت لمولاي: يا مَوْلاي اصرِفْ فَرْدَ خَلْخَالي. قال:
وتَطيب نَفْسك؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي وفّقك لهذا. قالت:
فأعطَيته أبا الحسن بن صالح، فباعه بثمانية دنانير ونصف، وفرَّقها وقت
حَمْلي، فلما ولدتُ حَسَنًا أعطى مولاتي كَرَّامة درهمًا، وهي امرأة كبيرة كانت
تَخْدمهم، وقال لها: اذهبي إلى ابن شجاع القَصَّاب يشتري لك بهذا رأسًا،
فاشترى لنا رأسًا وجاءت به، فأكلنا. فقال لي: يا حُسْن، ما أملك غير هذا
الدِّرهم، وما لَكِ عندي غير هذا اليوم. قالت: وكان إذا لم يكن عند مَوْلاي
شيء فرحَ يومَه ذلك، فدخل يومًا فقال لي: أريد أن أحْتَجم اليومَ وليس مَعي
شيء، فجئتُ إلى جَرَّة لي فيها غَزْل، فبعته بأربعة دراهم، فاشتريت لحمًا
بنصف درهم، وأعطى الحَجَّامِ درهمًا، واشتريت طِيبًا بدِرهم. ولما خَرج إلى
سُرَّ مَنْ رأى كنتُ قد غَزلت غَزْلاً لينًا، وعَمِلت ثوبًا حَسَنًا، فلما قدِم أخرجته
إليه، قال: ما أريده. فدفعته إلى فُوْران، فباعه باثنين وأربعين درهمًا،
واشتريت منه قُطنًا، فغزلته ثَوبًا كبيرًا، فلما أعلمته قال: لا تَقْطَعيه دَعيه. فكان
كَفَنه، كُفِّن فيه. وأخرجتُ الغَليظ فقَطعه.
وعن أحمد بن جعفر ابن المنادي أنَّ أبا عبدالله اشترى جاريةً بثمنٍ يَسيرٍ،
سمَّاها رَيْحانة ليَتَسرى بها.
لم يُتابع ابن المنادي على هذا.
قال حنبل: وُلد سعيد قبل موت أحمد بنحوٍ من خمسين يومًا.
وقال بعض الناس: ولي سَعيد قضاء الكوفة، ومات سنة ثلاثٍ وثلاث
مئة .
وهذا لا يصح. فإنَّ سعيدًا وُلد قبل موت أبيه، ومات قبل موت أخيه
عبدالله بدَهْر. لأنَّ إبراهيم الحَربي عَزَّى عبد الله بأخيه سعيد. وأما الحسن
ومحمد. قال ابن الجَوْزي(١): فلا نعرف من أخبارهما شيئًا وأمَّا زينب فكبرت
وتزوَّجت؛ وله بنت اسمها فاطمة، إن صحَّ ذلك.
(١) مناقب الإمام أحمد ٣٠٦ - ٣٠٧، وقد استفاد المصنف جل هذا الفصل من كتابه.
١٠٣٥

ذِكرُ محنة الإمام أحمد بن حنبل
ما زال المسلمون على قانون السَّلَف من أنَّ القرآن كلام الله تعالى ووَحْیه
وتَنْزيله غير مَخْلوق، حتى نَبَغَتِ المُعْتزلة والجَهْمية، فقالوا بخلق القرآن،
مُتَستِّرِين بذلك في دولة الرَّشيد، فروى أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، عن محمد
ابن نوح، أنَّ هارون الرشيد قال: بَلَغَني أنَّ بِشْر بن غياث يقول: القرآن
مخلوق، لله عليَّ إنْ أظفرني به لأقتلنَّه. قال الدَّوْرقي: وكان بِشْر مُتَواريًا أيام
الرَّشيد، فلما مات ظهر بِشْر ودعى إلى الضَّلالة .
قلت: ثم إنَّ المأمون نَظَر في الكلام، وباحث المُعْتزلة، وبقي يقدِّم
رِجْلاً ويؤخِّر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، إلى أنْ قوي عزمه
على ذلك في السَّنة التي مات فيها، كما سُقْناه(١).
قال صالح بن أحمد بن حنبل : حُمِل أبي، ومحمد بن نوح مقیَّدین، فصرنا
معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال: يا أبا عبدالله، إن عُرِضتَ
على السَّيف تُجيب؟ قال: لا. ثمِ سُيِّرا، فسمعت أبي يقول: صرنا إلى الرَّحْبة
ورحلنا منها، وذلك في جوف اللَّيل، فعَرَض لنا رجلٌ فقال: أيُّكم أحمد بن
حنبل؟ فقيل له: هذا. فقال للجمَّال: على رِسْلك. ثمّ قال: يا هذا، ما عليك
أن تُقتل ههُنا وتدخل الجنَّة. ثم قال: أستَوْدِعُك الله، ومضى. قال أبي:
فسألتُ عنه، فقيل لي: هذا رجل من العَرب من رَبيعة يعمل الشِّعْر في البادية،
يقال له جابر بن عامر، يُذكر بخير .
وروى أحمد بن أبي الحَواري: حدثنا إبراهيم بن عبدالله، قال: قال
أحمد بن حنبل: ما سمعتُ كلمة منذ وَقَعْتُ في هذا الأمر أقوى منِ كَلمةِ
أعرابي كلَّمني بها في رَحْبة طَوْق، قال: يا أحمد، إنْ يَقْتُلك الحقُّ مُتَّ شَهِيدًا،
وإن عِشْت عِشْت حميدًا. فقوَّى قلبي.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: صِرْنا إلى أذَنَة، ورَحَلْنا منها في جوف
اللَّيل، وفُتح لنا بابُها، فإذا رجل قد دخل، فقال: البُشْرَى، قد ماتَ الرَّجل،
يعني المأمون. قال أبي: وكنتُ أدعو الله أن لا أراه.
(١) من بداية هذا الفصل نقله المصنف عن ابن الجوزي من كتابه مناقب الإمام أحمد
٣٠٨-٣٠٩، باختصار.
١٠٣٦

وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: تَبيَّنْت
الإجابة في دَعْوتين: دعوتُ الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوتُه أن لا
أرى المُتَوكلِ. فلم أرَ المأمون، ماتَ بالبَذَنْدُون وهو نهر الرُّوم، وأحمد
محبوسٌ بالرَّقَّة حتى بُويع المُعْتصم بالروم، ورجَع فردًّ أحمد إلى بغداد. وأما
المتوكل فإنَّه لما أحْضر أحمد دار الخلافة ليحدِّث ولده، فَعَد لَهُ المُتوكل في
خَوْخِةٍ حتى نظر إلى أحمد، ولم يره أحمد.
قال صالح: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طَرَسُوس ردًّا في
أقيادِهما، فلما صارا إلى الرَّقَّة حُمِلا في سفينة، فلمَّا وصلا إلى عانات تُوفي
محمد، فأُطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي .
وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيتُ أحدًا على حداثةِ سِنِّهِ وقدر عِلْمه
أقْوَم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد خُتِمَ له بخير، قال لي
ذات يوم: يا أبا عبدالله، الله، الله، إنَّك لستَ مثلي، أنت رجل يُقْتَدى بك، قد
مَدَّ الخَلْقِ أعناقَهم إليك لِما يكون منك، فأَتَّقِ الله واثْبت لأمرِ الله، أو نحو هذا،
فمات وصَلَّيت عليه ودَفنته. أظنُّه قال: بعانةَ.
قال صالح: وصار أبي إلى بغداد مقيّدًا، فمكث بالياسِريّة أيامًا، ثم
حُبِس في دارِ اكْتُرِيَت له عند دار عُمارة، ثم نُقِل بعد ذلك إلى حَبْس العامَّة في
درَب المَوْصِلَيَّة، فقال أبي: كنتُ أُصلي بأهل السجن وأنا مُقيّد. فلما كان في
رَمَضان سنة تسع عشرة حُوَّلْتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
وأما حنبل بن إسحاق، فقال: حُبس أبو عبدالله في دار عُمارة ببغداد في
إسْطبلٍ لمحمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم، وكان في حَبْس ضَيِّق؛
ومرض في رمضان، فحُبِس في ذلك الحَبْس قليلاً، ثم حُوِّل إلى سجن العامَّة،
فمكث في السِّجن نَحوًّا من ثلاثين شهرًا، فكنا نأتيه، وقرأ عليَّ كتاب الإرجاءِ
وغيره في الحَبْس، ورأيته يصلي بأهل الحَبْس وعليه القَيْد، فكان يُخْرِجِ رِجْله
من حلقة القيد وقتَ الصلاة والنوم.
رجَعْنا إلى ما حكاه صالح بن أحمد، عن أبيه: فكان يوجَّه إليَّ كل يوم
برجلين، أحدُهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحَجَّام، فلاً
يزالان يُناظِراني حتى إذا أرادا الانصراف دُعي بقَيدٍ، فزيد في قيودي، قال:
فصار في رِجْله أربعة أقياد، قال أبي: فلما كان اليوم الثالث دَخل عليَّ أحد
الرَّجُلين فناَظَرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مَخْلوق،
١٠٣٧

فقلتُ له: كفرت، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم:
إنَّ هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة
الرَّابعة وجَّه، يعني المُعْتِصم، بِبُغَا الذي كان يقال له: الكبير، إلى إسحاق،
فأمره بحَمْلي إليه، فأدخِلْت على إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسُك،
إنه لا يَقْتلك بالسَّيف، إنه قد آلى إن لم تُجِبْهُ أن يضربك ضَرْبًا بعد ضَرب، وأن
يقتلك في موضع لا يُرى فيه شَمس ولا قَمر. أليس قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَ انَّا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، أَفَيَكُون مَجْعولاً إلا مخلوقًا؟ فقلتُ: قد قال
الله تعالى: ﴿فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأَكُولٍخَ﴾ [الفيل] أَفَخَلَقَهم؟ قال: فسكت،
فلما صِرْنا إلى الموضع المعروف بباب البُستان أُخْرِجْتُ وجيء بداَّة، فَحُمِلْتُ
عليها وعليَّ الأقْيادُ، ما معي أحد يُمسكُّني، فَكِدْتَ غير مرة أن أخِرَّ على وَجْهي
لثِقَل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم، فَأُدْخِلْتُ حُجرة، وأدخلت إلى بيتٍ،
وأُقْفِل الباب عليَّ، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سِراج، فأردتُ أن
أتمسَّح للصلاة، فمدَدْتُ يدي فإذا أنا بإِناء فيه ماءٌ وَطَسْتٌ مَوْضوع، فتوضَّأْت
وصلّيت. فلما كان من الغد أخْرَجْتُ تِكَّتي من سَرْاويلي، وشددت بها الأقْياد
أحملها، وعَطَفت سَراويلي. فجاء رسول المعتصم فقال: أجِبْ. فأخذ بيدي
وأدخلني عليه، والتّكَّة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس، وابن أبي
دُؤاد حاضرٌ، وقد جمع خَلْقًا كثيرًا من أصحابه، فقال لي: يعني المعتصم:
ادنُه، ادنُه، فلم يزل يُدْنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس، فجلستُ وقد
أثْقلتني الأقياد، فمكثتُ قليلاً ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم.
فقلتُ: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هُنَيَّة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا
الله. فقلت: فأنا أشْهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدَّك ابن عباس يقول:
لما قدِم وَفْد عَبْد القَيس على رسول اللهِ وَ لهَ سألوه عن الإيمان فقال: ((أَتَدْرون
ما الإيمان))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((شَهادةُ أن لا إله إلا الله وأنَّ
محمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، وأن تُعْطوا الخُمْس من
المَغْنَم) (١)، قال أبي: قال، يعني المعتصم: لولا أني وجدتُك في يد من كان
قَبْلي ما عَرَضْت لك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمُرك بِرَفع
(١) الحديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها في ٢٠/١ و٣٢ و٣٩، ومسلم
٣٥/١ و٣٦ و٩٤/٦، وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي (١٥٩٩).
١٠٣٨

المِحْنة؟ فقلت: اللهُ أكبرٍ إنَّ في هذا لَفَرَجًا للمسلمين، ثم قال لهم: ناظِروه
كَلِّموه، يا عبدالرحمن كلِّمه. فقال لي عبدالرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت
له: ما تقول في عِلْم الله؟ فسكت. فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى:
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد ١٦] والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله:
﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٥] فدمَّرت إلا ما أراد الله. فقال
بعضهم: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢] أفيكون محدثٌ إلا
مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: ﴿صََّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص] فالذِّكْر هو القرآن،
وتلك ليس فيها ألف ولام، وذكر بعضهم حديث عمران بن حُصَيْن أنَّ الله خلق
الذِّكْر. فقلت: هذا خطأ حدَّثنا غير واحد: ((إنَّ الله كتب الذِّكْر))(١).
واحتَجُّوا بحديث ابن مسعود: «ما خلق الله من جنَّة ولا نارٍ ولا سماءٍ ولا
أرضٍ أعظمَ من آية الكرسي))(٢). فقلت: إنَّما وقع الخَلْق علىَ الجَنة والنارِ
والسّماءِ والأرضِ، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خَبَّاب:
يا هَنَتَاه، تقرَّب إلَى اللهِ بما استَطَعْت، فإنَّك لن تتقرَّب إليه بشيء أحب إليه من
كَلامِهِ(٣). فقلت: هكذا هو .
قال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دُؤاد ينظرُ إلى أبي كالمُغْضَب، قال
أبي: وكان يتكلّم هذا، فأردُّ عليه، ويتكلَّم هذا، فأردُّ عليه، فإذا انقَطَع الرَّجلُ
منهم اعترضٍ ابن أبي دُؤاد فيقول: يا أميرَ المؤمنين هو والله ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ.
فيقول: كلِّموه، ناظِروه. فيُكلِّمني هذا، فأردُّ عليه، ويُكلِّمني هذا، فأردُّ عليه،
فإذا انقَطَعوا يقول لي المُعتصم، وَيْحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أميرَ
المؤمنين، أعطُوني شيئًا من كتاب الله أو سُنَّة رسول الله حتى أقول به. فيقول
ابن أبي دُؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتابِ اللهِ أو سُنَّة رسول الله؟ فقلت له:
تأوَّلتَ تأويلاً، فأنتَ أعلم، وما تأوَّلتُ ما يُخْبَس عليه وما يُقَيِّد عليه.
قال حنبل: قال أبو عبدالله: لقد احتَجُّوا عليَّ بشيءٍ ما يقوى قَلْبي ولا
يَنْطَلق لساني أنْ أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظَنَنْتهم على هذا حتى سمعتُ
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤٣١/٤، ولفظه فيه: ((وكتب في اللوح ذكر كل شيء))، وأخرجه
البخاري في صحيحه ١٥٢/٩ ولفظه: ((وكتب في الذكر كل شيء)). وانظر تمام تخريجه
في تعليقنا على الترمذي (٣٩٥١).
(٢) أخرجه أبو عبيد وابن الضريس ومحمد بن نصر كما في الدر المنثور ٧/٢. وذكره الترمذي
في جامعه (٢٨٨٤) ونقل عن ابن عيينة تفسيره للحديث.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة ٧٧ من طريق فروة بن نوفل عن خباب.
١٠٣٩

مقالَتَهم، وجعلوا يُرْغون، يقول الخَصم: كذا وكذا. فأحتَجَجْت عليهم بالقرآن
بقوله: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا ﴾﴾ [مريم] فذمَّ
إبراهيمُ أباه بأنْ عَبد ما لا يَسْمع ولا يُبْصر، ولا يُغني عنه شيئًا فَهَذا مُنْكَرٌ
عندكم؟ فقالوا: شَبَّه يا أميرَ المؤمنين، شَبَّه يا أميرَ المؤمنين.
وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: حدَّثني بعض أصحابنا أنَّ ابن أبي
دُؤاد أقبل على أحمد يُكلمُه فلم يلتفت إليه حتى قال المعتصم: يا أحمد ألا
تُكلِّم أبا عبدالله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمهُ.
وقال صالح بن أحمد : وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين، واللهِ
لئن أجابك لَهُو أحب إليَّ من مئة ألف دينار، ومئة ألف دينار، فيَعُد من ذلك ما
شاء الله أن يَعُد. فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأُطْلِقن عنه بيدي، ولأرْكبن
إليه بجُنْدي، ولأطأنَّ عَقِبَه. ثم قال: يا أحمد، والله إني عَليكٍ لَشَفيق، وإني
لأُشْفِقِ عليك كشَفَقَتي على هارون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطُوني شيئًا من
كتاب الله وسُنَّة رسوله. فلمّا طال المجلس ضَجر وقال: قوموا، وحَبَسني،
يعني عنده، وعبدالرحمن بن إسحاق يُكلِّمني، وقال: وَيْحك أجِبْني. وقال: ما
أعرفك، ألم تكن تَأْتينا؟ فقال له عبدالرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين
أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعَتَك والجهاد معك والحجَّ. فيقول: والله إنَّه
لَعالم، وإنه لَفَقيه، وما يَسوءُني أن يكون معي يردُّ عني أهل المِلَل. ثم قال
لي: ما كنت تَعرف صالحًا الرَّشِيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان
مُؤدِّبي، وكان في ذلك الموضع جالسًا، وأشار إلى ناحيةٍ من الدار، فسألتُه عن
القرآن فخالفني، فأمرتُ به فوُطىء وسُحِب. ثم قال: يا أحمد أجِبْني إلى شَيءٍ
لك فيه أدنى فرج حتى أُطْلق عنك بيدي. قلت: أعطُوني شيئًا من كتاب الله
وسُنَّة رسوله. فطال المجلس وقام، ورُدِدْت إلى المَوضع الذي كنتُ فيه. فلما
كان بعد المَغْرب وجَّه إليَّ رَجلين من أصحاب ابن أبي دُؤادٍ يَبيتان عِنْدي
ويُناظِراني ويُقيمان معي، حتى إذا كان وَقْت الإفْطار جيء بالطَّعام وِيَجْتَهدان
بي أن أُفْطِر، فلا أفعل. ووجَّه إليَّ المعتصم ابن أبي دُؤاد في بعض اللَّيل فقال:
يقول لك أميرُ المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا ممَّا كنت أردُّ. فقال ابن أبي
دُؤاد: والله لقد كَتبَ اسمَك في السَّبْعة: يحيى بن مَعِين، وغيره(١)، فمحوته.
(١) السبعة ذكرهم ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ٣٢٤، وهم: ((يحيى بن معين، وأبو
خيثمة، وأحمد الدورقي، والقواريري، وسعدوية، وسجادة، وأحمد بن حنبل)).
١٠٤٠