النص المفهرس
صفحات 481-500
وقال بعضهم: سنة ثلاث عشرة(١). ٤٥٩- خ: يحيى بن قَزَعة المؤذِّن المكِّئُّ. عن مالك بن أنس، وسليمان بن بلال، ونافع بن أبي نُعَيْم القارىء، وجماعة. وعنه البخاري، ومحمد بن وَارَة، وأبو يحيى عبدالله بن أبي مَسَرَّة، وغيرهم(٢). ٤٦٠- يحيى بن مبارك الصَّنْعانيُّ، صنعاء دمشق. رحل وروى عن مالك، وشَرِيك، وشِبْل بن عبَّاد، وكثير بن سُلَيْم . نزل أُرْسُوف فروى عنه من أهلها: إسماعيل بن عبَّاد، وخَطَّاب بن عبدالدَّائم، وعبدالعظيم بن إبراهيم، وغيرهم. ذكره ابن عساكر(٣) . ٤٦١- يحيى بن مُصْعَب، أبو زكريّا الكلبيُّ الكوفيُّ، جار الأعمش. حكى عنه حكايات. وروى عن عمر بن نافع الثّقفي، وإسماعيل بن زياد الفأفاء. وعنه أبو زُرْعة، وأبو حاتم، وقالا (٤): صدوق. ٤٦٢- يحيى بن المغيرة السّعدي الرَّازُّ. عن شَرِيك، وعطّف بن خالد، وأبي الأحْوَص، وغيرهم. ورأى الحَجَّاج ابن أرطاة. وعنه أبو زُرْعة، وأبو حاتم، وابن وَارَة، وابن الضُّرَيْس. قال أبو حاتم(٥): صدوق. ٦٣ ٤۔ یحیی بن نصر بن حاجب المَرْوَزيُّ، نزیلُ بغداد. روى عن الكبار عاصم الأحول، وعبدالله بن شُبْرُمَة، وثور بن يزيد الحمصي، وهلال بن خَبَّاب، ووَرْقَاء بن عمر، ويونس بن يزيد الأيلي، وغيرهم. وعنه إبراهيم بن سعيد الجَوْهري، وأحمد بن منصور زاج، ورجاء بن (١) من تهذيب الكمال ٣١/ ٤٩١ - ٤٩٣. (٢) من تهذيب الكمال ٣١/ ٤٩٧ . تاريخ دمشق ٣٧١/٦٤ - ٣٧٢. (٣) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٧٩٣. (٤) (٥) كذلك ٩/ الترجمة ٧٩٨. تاريخ الإسلام ٥/م٣١ ٤٨١ الجارود، وعبدالعزيز بن عبدالله الهاشمي. قال أحمد بن سيَّار المَرْوَزي: كتبنا عنه وكان يحدِّث عن سفيان الثوري وابن شُبْرُمَة ويونس، فلما حَدَّث عن هلال بن خبَّاب وإسحاق بن سُوَيَد بَرَد أمره، وفتر الناسُ عنه. ثم خرج إلى العراق. وقال مُهَنَّا الشَّامي: سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: كان جَهْميَّاً يقول قول جَهْم . وقال أبو حاتم الرازي(١): بَلِيَّتُهُ عندي قِدَمُ رِجاله. وقال أبو زُرْعة(٢): ليس بشيء. قال عبدالعزيز الهاشمي: مات سنة خمس عشرة ومئتين(٣). ٤٦٤- خ م د ن ق: يحيى بن یعلَى بن الحارث، أبو زکریًّا المحاربيُّ. عن أبيه، وزائدة. وعنه البخاري، ومسلم والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجة عن رجلٍ عنه، وإسماعيل سَقُّوية، ويعقوب الفَسَوي، وأحمد بن مُلاعب، وطائفة . وثَّقه أبو حاتم(٤). وقال مُطَيَّن: مات سنة ستّ عشرة(٥). ٤٦٥- يزيد بن خالد بن مُرَشَل، أبو مَسْلَمَة القُرشيُّ اليافيُّ، من أهل یافا . عن عبدالرحمن بن ثابت بن ثَوْبان، وأبي خالد الأحمر، ورديح بن عطيّة، وأبان بن عَنْبَسَة. وعنه محمود بن إبراهيم بن سميع، وموسى بن سهل الرملي. قال ابن سميع : ثقة عاقل . ٤٦٦- يزيد بن محمد، أبو خالد الأيْليُّ. (١) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٨٠٥. (٢) نفسه. من تاريخ الخطيب ٢٣٧/١٦ - ٢٣٨. (٣) (٤) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٨٢١. (٥) من تهذيب الكمال ٤٦/٣٢ - ٤٨. ٤٨٢ عن يونس بن يزيد، وابن لَهِيعة. وعنه إسماعيل سَقُّوية، وابنه خالد بن یزید . ذكره أبو حاتم ولم يضعِّفْه، وقال(١): أدركته. ٤٦٧- خ: يَسَرَةُ بن صَفْوان بن جميل، أبو صَفْوان اللَّخْميُّ الدِّمشقيُّ. كذا كنَّاه النَّسائي، وغيره. وكنَّه محمد بن عَوْف الطَّائي: أبا عبدالرحمن، من أهل قرية البلاط . عن إبراهيم بن سعد، وحُدَيْج بن معاوية، ونافع بن عمر الجُمَحي، وعبدالجبّار بن الورد، وفُلَيْح بن سليمان، وطائفة. وعنه البخاري، ودُحَيْم، وأبو حاتم، وعباس التَّرقُفي، وإسماعيل سَقُّوية، وإبراهيم بن هانىء النَّيْسابوري، وأبو زُرْعة الدِّمشقي، وآخرون. وكان رجلاً صالحاً فاضلاً، وثّقه أبو حاتم (٢). ومن شعره فيما قيل : ولَرُبَّما ابتسم الكريم من الأذى وضميره من حرّه يتأوَّه ولَرُبَّما خَزَنَ التَّقِيُّ لسانَه حذَر الجواب وإنَّه لَمُفَوَّه قال الحسن بن محمد بن بكَّار بن بلال: وُلِد يَسَرَةُ بنُ صَفْوان سنة عشرٍ ومئة، ومات سنة ستّ عشرة ومئتين. وقال أبو زُرْعة الدِّمشقيُّ(٣): تُوُفِّي سنة خمس عشرة. وقال غيره: عاش مئة سنة وأربع سنين (٤). ٤٦٨ - يعقوب بن إسحاق البَصْريُّ، ابن بنت حُمَيْد الطّويل. شيخٌ مُعَمَّر قال: وُلِدت سنة عشرين ومئة. سمع حُمَيْداً، وعبدالله بن أبي عثمان. ورأى أبان بن أبي عيَّاش على بِرْذَوْنٍ الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ١٢٣٢. (١) (٢) كذلك ٩ / الترجمة ١٣٦٢ . تاريخ أبي زرعة الدمشقى ٢/ ٧٠٧ - ٧٠٨. (٣) (٤) ينظر تهذيب الكمال ٢٩٩/٣٢ - ٣٠١. ٤٨٣ أَشْهَب. كتب عنه أبو زُرْعة. وحدَّث عنه أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة المكِّي، وغيره. وجاور بمكّة. ما عِلِمْتُ لهم فيه كلاماً. ٤٦٩- يعقوب بن إسحاق بن أبي عبَّاد المگيُّ. عن إبراهيم بن طَهْمان، وحمَّاد بن شُعَيْب، وجماعة. وعنه عبدالرحمن ابن عبدالله بن عبدالحَكَم، ومحمد بنِ الحَجَّاجِ الضَّبِّي. قال أبو حاتم(١): كان يسكن القُلُزُم فقَدِمْتُها وهو غائب، وكان لا بأس به. ٤٧٠ - يعقوب بن الجَهْم الحمصيُّ. عن عَمْرو بن جرير، ومحمد بن واقد، وعلي بن عاصم، وغيرهم. وعنه أبو التَّقِي هشام بن عبدالملك، وإبراهيم بن عُبَيَد اليَمَاني. ذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، وقال(٢): البلاء منه. ٤٧١- ق: يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبدالملك بن حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عَوْف، الفقيه أبو يوسف القُّرشيُّ الزُّهْريُّ المدنيُّ. عن إبراهيم بن سعد، وصالح بن قُدامة، وعبدالرحمن بن أبي بكر المُلَيْكي، والمُنْكَدِر بن محمد بن المُنْكَدِر، والمغيرة بن عبدالرحمن المخزومي، وعبدالعزيز الدَّراوردي، وخلق مِن الحجازيين. وعنه حَجَّاج بن محمد، وحاتم بن اللَّيث، وإسحاق الحربي، وعباس الدُّوري، والحارث بن أبي أُسامة، وأبو العيناء محمد بن القاسم، ومحمد بن يونس الكُدَيْمي، وخلق. قال ابن سعد(٣): جالسَ العُلماء وكان حافظاً. وقال ابن مَعِين(٤): ما حدَّثكم عن الثّفات فاكتبوه. (١) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٨٤٨ وفيه: ((ومحله الصدق)). (٢) الكامل ٢٦٠٧/٧ - ٢٦٠٨. (٣) طبقاته الكبرى ٤٤١/٥. (٤) الجرح والتعديل ٩ / الترجمة ٨٩٦. ٤٨٤ وقال أبو زُرْعة (١): ليس بشيء، يُقارب الواقدي. وقال حَجَّاج بن الشَّاعر(٢): حدثنا، وهو ثقة. وقال أبو حاتم(٣): هو على يدي عَدْلٌ. قلت: علَّق له البخاري مسألة في ((صحيحه)) في باب جوائز الوفد. مات سنة ثلاث عشرة؛ قاله النَّسائي (٤). ٤٧٢- يَعْلَی بنُ عبَّاد الکِلاميُّ. عن شُعْبة، وهَمَّام، وطبقتهما. وعنه أحمد بن مُلاعب، وإسحاق الحربي، وبِشْر بن موسى، وجماعة. ضعَّفه الدَّارَقُطْني. ٤٧٣- يوسف بن بُهْلُول التَّميميُّ الأنباريُّ. عن شَرِيك، ويحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، وأبي خالد الأحمر. وعنه البخاري، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم بن الهيثم البَلَدي، وأبو زُرْعة، وحنبل ابن إسحاق، وطائفة . وثَّقه مُطَيِّن . تُؤُفِّي بالكوفة سنة ثمان عشرة(٥) . ٤٧٤ - ن ق: يوسف بن المَنَازِل التَّميُّ الكوفيُّ، أبو يعقوب. عن عبدالله بن إدريس، وحفص بن غياث، وجماعة. وعنه عباس الدُّوري، وإبراهيم الحربي، وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن أبي خَيْثَمة، وعدّة. وثَّقْهُ ابن مَعِين (٦). (١) نفسه. (٢) نفسه. نفسه . (٣) ينظر تهذيب الكمالب ٣٦٧/٣٢ - ٣٧٢. (٤) من تهذيب الكمال ٣٢/ ٤١٥ - ٤١٦. (٥) (٦) الجرح والتعديل ٩ / الترجمة ٩٦٨، والترجمة من تهذيب الكمال ٤٦١/٣٢ - ٤٦٢. ٤٨٥ ٤٧٥۔ أبو عبّاد الكاتب، وزير المأمون. طوَّ ابن النَّجَّار ترجمة هذا، فقال: ثابت بن يحيى بن يَسَار أبو عبَّاد الرازي كاتب المأمون، كان من الكُفَاة. قلت: هو مشهور بالكنية . ذكره الصُّولي، ومحمد بن عَبْدوس الجَهْشياري في ((أخبار الوزراء)). وملخّص أمره أنَّه كان خبيراً بالحساب وبالكتابة، بارعاً في التصرُّف، ناهضاً في أمور المأمون على أتمّ ما يكون. ثمَّ إنَّه عجز من النّفْرِس واسْتَعْفَى. وكان جواداً نبيلاً لكنَّه كان شرِساً عَبُوساً. قال الصُّولي: مات في المحرم سنة عشرين عن خمسٍ وستِّين سنة. ٤٧٦- أبو العتاهية، الشاعر المشهور. هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سُوَيْد بن كَيْسان العَنَزيُّ، مولاهم، الكوفيُّ، نزيلُ بغداد، وأصله من سَبْي عين الثَّمْر، ولقَّبوه بأبي العَتَاهية لاضطرابٍ كان فيه، وقيل: بل كان يحب الخَلاعة فَكُنِّيَ بأبي العَتَاهية لعُتُوِّه. وهو أحد مَن سار قولُهُ وانتشرَ شِعره. ولم يجتمع لأحدٍ ديوان شِعره لكثرته. وقد نَسَكَ بأخرة، وقال في الزُّهْد والمواعظ، فأحسَنَ وأبلغ. وكان أبو نُوَاس يُعَظِّمه ويخضع له، ويقول: واللهِ ما رأيته إلاَّ توهَّمت أنَّه سماويٌّ وأنِّي أرضيٍّ. وقد مدح أبو العتاهية الخلفاءَ والبَرَامكَةَ والكِبار. ومِن شِعره: ولقد طربت إليك حتَّى صرْتُ من فَرْط التَّصابي يجد الجليسُ إذا دنا ريحَ الصَّبَابَة من ثيابي وله : إِنَّ المَطَايا تشتكيك لأنَّها تطوي إليك سَبَاسِباً ورِمالاً فإذا رحَلْنَ بنا رَحَلْن مُخِفَّةً وإذا رجعْنَ بنا رجعن ثِقالا وله أُرْجُوزة فائقة يقولُ فيها : هي المقادير فلُمْني أَوْ فَذَرْ إنْ كنتُ أخطأتُ فما أخطا القَدَرْ لكلِّ ما يؤذي وإنْ قلَّ أَلَمْ ما أطول الليل على مَن لم يَنَمْ ٤٨٦ إِنَّ الشَّباب والفَراغ والجدَة مِفْسَدَةٌ للمَرْءِ أيّ مَفْسَدَة حسْبُكَ ممَّا تبتغيه القُوت ما أكثر القُوتَ لمن يموت وله فيما أنشدنا أبو عليّ ابن الخلَّل: أخبرنا ابن المقيِّ، قال: أخبرتنا شُهْدَة، قالت: أخبرنا النِّعالي، قال: أخبرنا محمد بن عُبَيد الله، قال: حدثنا عثمان بن السَّمَّاك، قال: حدثنا إسحاق الخُتلي، قال: حدَّثني سليمان بن أبي شيخ، قال: أنشدني أبو العتاهية: نُنَافِسُ في الدُّنيا ونحن نَعِيبُها لقد حَذَّرتناها لَعَمْري خطوبُها وما نَحْسِبُ السَّاعاتِ تقطعُ مدَّةً على أنَّها فينا سريعٌ دَبيبُها كأنِّي برَهْطي يَحمِلون جِنَازتي إلى حُفْرةٍ يُحْثى عليَّ كثيبُها وداعيةٍ حَرَّى تُنادي وإنّني لِفِي غَفْلَةٍ عن صَوْتها لا أجيبُها وإنِّي لَمِمَّن يكره الموتَ والبِلَى ويُعْجِبُهُ رِيحُ الحياةِ وطِيبُها أيا هاذِمِ اللَّذَّاتِ ما منك مَهْربٌ تحَاذِرُ مِنك النَّفْسُ ما سيصيبُها رأيتُ المنايا قُسِّمت بين أنْفُسٍ ونَفْسي سيأتي بعدهُنَّ نَصِيبُها ومن شعره: لِدُوا للموت وابْنُوا للخَرابِ فَكُلُّكُم يصير إلى ذَهابِ لمن نبني ونحنُ إلى تُراب نصير كما خُلِقنا من ترابِ ألا يا موتُ لم أرَ منكَ بُدَّاً أتيتَ فما تَحيفُ ولا تُحابي كما هَجَم المَشِيبُ على شبابي كأنَّك قد هجمت على مَشِيبي ويا دُنيايَ ما لي لا أراني اسرّ بمنزلٍ إلاّ نَبَابي بعثت الهمَّ لي من كلِّ بابِ ومالي لا أُلِحّ عليكِ إلاَّ أراكِ وإنْ ظلمتِ بكلّ لونٍ كحُلْم النَّومِ أو لَمْعِ السَّرابِ وهذا الخلْقُ منكِ على وَقارٍ وأرجُلُهم جميعاً في الرِّكابِ تقلَّدتَ العظامَ من الخطايا كأنَّك قد أمِنْتَ من العقابِ فمهما دُمتَ في الدُّنيا حريصاً فإنَّكَ لا تُوَفَّق للصوابِ سأُسأَلُ عن أمورٍ كنتُ فيها فما عُذْري هناك وما جوابي؟ بأيَّةِ حُجَّةٍ تَحْتَجُ نفسي إذا دُعيت إلى طُول الحسابِ ٤٨٧ هما أمْرانِ يوضح لي مقامي هنالك حين أنظر في كتابي فإمَّا أنْ أُخَلَّدَ في نعيمٍ وإمَّا أن أُخَلَّدَ في عذابِ ومن شعره : أنساكَ مَحْياكَ المماتا فِطَلَبْتَ في الأرضِ الثََّاتا أوَثِقْتَ بالدُّنيا وأنت ترى جماعَتَها شَتَاتا وعَزَمْتَ ويْك على الحياة وطُولِها عَزْماً بَتَاتا سيعود نَأياً وانْبِتاتا دارٌ تَوَاصُلُ أهلِها إنَّ الإلهَ يُميتُ من أحيا ويُحيي مَن أماتا يا مَن رأى أبَوَيْه في من قد رأى كانا فماتا هل فيهم لك عِبْرةٌ أم خِلْتَ أنَّ لك انْفِلاتا ومَن الذي طلب التَّفَلُّ تَ من مَنِيَّته ففاتا كلٌّ تُصَبِّحه المَنِ ـيَّة أو تبيّه بَيَاتا تُؤُفِي أبو العَتَاهية في جُمادَى الآخرة سنة إحدى عشرة ومئتين عن نَيٍِّ وثمانين سنة، وقيل: تُوُفِّي سنة ثلاث عشرة. مدح المهديَّ فَمَن بعده من الخُلفاء. أخبرنا سُنْقُر الحلبي بها، قال: أخبرنا يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن سوار، قال: أخبرنا محمد بن عبدالواحد، قال: أخبرنا أبو سعيد السِّيرافي، قال: أخبرنا محمد بن أبي الأزهر، قال: أنشدنا الزُبير بن بكَّار، لأبي العَتَاهية: يا ربِّ إِنَّ النَّاسَ لا يُنْصِفونني فكيف وإنْ أنصفتُهم ظلموني؟ وإنْ كان لي شيء تَصَدَّوا لأخْذِهِ وإنْ جئتُ أبغي شَيْئهم منعوني وإنْ نالَهم بَذْلي فلا شُكْرَ عندهم وإنْ أنا لم أبْذُل لهم شتموني وإنْ طَرَقَتْنِي نَكْبةٌ فَكِهُوا بها وإنْ صَحِبَتْني نعمةٌ حسدوني سأمنعُ قَلْبِي أنْ يَحِنَّ إليهم وأحْجبُ عنهم ناظري وجُفُوني ومن شعر أبي العتاهية: ٤٨٨ أيا مَن خَلْفَهُ الأجل ومَن قُدَّامَه الأمَلُ أما واللهِ ما يُنْجِيك إلاَّ الصِّدقُ والعملُ سَلِ الأيَّامَ عن أملاكِنا الـ ـماضينَ ما فعلوا أما شُغِلوا بأنفُسِهِم فصار بها لهم شُغُلُ وارتُهِنُوا بما عمِلوا وصاروا في بُطُونِ الأرضِ وما دفع المَنيةَ عن ـهمُ جَاهٌ ولا خَوَلُ وكانوا قبل ذاك ذَوِي المَهابة أين ما نزلوا وكانوا يأكلون أطايبَ الـ ـدنيا فقد أُكِلوا ذكرتُ الموتَ فالتَبَسَت عليَّ بذِكرِهِ السُّبُلُ ومن شعره : المرءُ في تَأْخِير مُدَّته كالثَّوبِ يَبْلَى بعد جِدَّتِهِ عجَباً لِمُنْتَبِهِ يضيِّع ما يحتاج فيه ليوم رَقْدِتِهِ وله : حسناءُ لا تبتغي حُلْياً إذا برزت لأنَّ خالقها بالحُسْن حلَّها قامت تمشَّى فَلَيَت اللهَ صَيَّرني ذاك الثُّرابَ الذِي مَسَّتهُ رِجلاها وله : وإِنِّي لَمَعْذُورٌ على طول حُبِّها لأنَّ لها وجهاً يَدُلّ على عُذْري إذا ما بدت والبدْرُ ليلةَ تَمِّهِ رأيتَ لها فضلاً مُبيناً على البدرِ وتهتزّ مِن تحت الثّاب كأنَّها قضيبٌ من الرَّيْحان في ورقٍ خُضْرِ أبى اللهُ إلاّ أن أموتَ صبابةً بساحرِة العينينِ طيِّة النَّشْرِ ذكر الصُّولي أنَّ أبا العتاهية جلس حجَّاماً ليُذلَّ نفسه ويتزهد، وكان يحجم الأيتام، فقال له بكر بن المُعْتَمِر: أتعرف مَن يحتاج إلى إخراج الدَّم من هؤلاء؟ قال: لا، قال: فتعرف مقدار ما تخرج من الدم؟ قال: لا. قال: فأنت تريد أن تتعلَّم على أكتافهم، ما تريد الأجر. قال أبو تمَّام: خمسة أبيات لأبي العتاهية ما تهيَّأ لأحدٍ مثلها: ٤٨٩ قوله : وَرَحَى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ النَّاسُ فِي غَفَلاتِهِمْ وقوله : وأنَّ الغِنَى يُخشى عليهِ مِن الفقرِ ألم تَرَ أنَّ الفقرَ يُرجَى له الغِنَى وقوله في موسی الهادي: ولما استقلُّوا بأثقالهمْ قرنْتُ التفاتِي بآثارهمْ وقوله : وقد أزْمَعُوا بالَّذي أزمعوا وأَتْبَعْتُهُم مُقْلَةً تَدْمَعُ أَلَيْسَ مصيرُ ذاك إلى زوال؟ هَبِ الدُّنيا تُسَاقُ إليك عَفْواً ٤٩٠ ٠ الطبقة الثالثة والعشرون ٢٢١ - ٢٣٠ هـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ (الحوادث) دخلت سنة إحدى وعشرين ومئتين ففيها تُوُفِّي أبو اليَمَان الحمصي، وعاصم بن عليّ بن عاصم، والقَعْنَبِي، وعَبْدان المَرْوَزي واسمه عبدالله بن عثمان، وهشام بن عُبَيْدالله الرازي. وفيها كانت وقعة هائلة بين الخُرَّمية وبين المسلمين وأميرهم بُغًا الكبير، فانكسر، ثمّ تثبَّتَ وأُمِذَّ بالجيوش، والتقى الخُزَّميَّة فهزمهم. وفيها وَلِيَ إمرةَ مَكَّة محمد بن داود بن عيسى العبّاسي، فبعث رجلاً من بني جُمَح لعَدّ المواشي، وقال: هاتوا بكُلِّ فريضةٍ ديناراً. فامتنعوا عليه، وقالوا: تريد أن تغْصِينَا أموالَنا، إنَّما في عهدك أن تأخذ الفريضة شاةً، فحاربهم وحاربوه وقتل طائفة، وقُتِل الجُمَحي، فجهّز محمد بن داود أخا الجُمَحِي، فَفتكَ وبدَّع وعاث جيشه. قال الفَسَوي(١): سمعتُ بعض السُّفَهاء الذين كانوا معه يقول: اقتضضْنا(٢) أكثر من عشرين ألف عذراء. وفيها حجَّ حنبل بن إسحاق، فيما حَدَّث أبو بكر الخلَّل، عن عصمة بن عصام، عنه، قال: فرأيتُ كسْوَة البيت الدِّيباج وهي تخفقُ في صحن المسجد، وقد كُتِب في الدَّارات: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))(٣). فلمَّا قدِمت أخبرت أحمدَ بن حنبل، فقال: قاتَلَه اللهُ، الخبيثَ عمد إلى كتابِ الله فغيَّره، يعني ابن أبي دؤاد، فإنَّه أمر بذلك. وفيها تكامل بناء سامراء . (١) المعرفة والتاريخ ٢٠٦/١ . (٢) بالقاف، وهو الصواب. (٣) هذه ليست آية واحدة إنما هو جمع بين آيتين، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ [الشورى ١١/٤٢] وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَيرُ﴾ [الملك ١٤]. ٤٩٣ ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومثتين فتُوفي فيها عمر بن حفص بن غياث، وخالد بنِ نِزار الأيْلي، وأحمد بن محمد الأزرقي الذي ذكرناه في الطبقة الماضية(١)، وعلي بن عبدالحميد المَعْني، ومسلم بن إبراهيم، والوليد بن هشام القَحْذمي. قال شباب العُصْفُري(٢): فيها كانت وقعة الأفشين بالكافرٍ بابَك الخُرَّمي، فهزمه الأفشين واستباح عسكرَه، وهرب بابَك، ثم أسروه بعد فُصُولٍ طويلة . وكان من أبطال زمانه وشُجعانهم المذكورين، عاثَ وأفسدَ وأخافَ الإسلامَ وأهلَه، وغَلَب على أذْرَبِيجان وغيرها، وأراد أن يُقيم مِلَّةِ المَجُوس، وظهر في أيَّامه المازيار القائم بَمِلَّة المَجُوس بطَبَرِسْتان، فعظُم شَرُّه وبلاؤه. وكان المعتصم في أول هذه السنة قد بعث نفقات الجيوش إلى الأفشين، فكانت ثلاثين ألف ألف درهم. وفي رمضان فُتِحَتْ البَذّ مدينة بابك، لعنه الله، بعد حصار طويل صعب، وكان بها بابَك قدِ عصى بها بعد أن عملٍ غير مُصَافٍّ مع المسلمين، فلما أُخِذَتْ اختفى في غَيْضَةٍ بالحصن، وأُسِرَ أهلُه وأولادُه، ثم جاء كتاب المعتصم بأمانِهِ، فبعث به إليه الأفشين مع رجُلَيْن، وكتب معهما: ولدُ بابَك يشيرُ على أبيه بالدخول في الأمان فهو خير، فلمَّا دخلا في الغَيْضة إلى بابَك قتل أحدَهما، وقال للآخر: اذهب إلى ابن الفاعلة ابني وقُّل له: لو كنتَ ابني للحِقْتَ بي، ثم خرَّق كتاب الأمان، وخرج من الغَيْضة وصعِد الجبَل في طريقٍ وعرة يعرفها، وكان الأفشين قد أقام الكُمَناء في المضايقِ، فأُفلت بابَك منِهِم، وصار إلى جبال أرمينية، فالتقاه رجل يقال له سهل البطريق، فقال له: الطَّلبُ وراءَك فانزلْ عندي، فنزل عنده، وبعث سهل إلى الأفشين يخبره، فجاء أصحاب الأفشين فأحاطوا به وأخذوه. وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيَّاً ألفيٍ ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم، فأعطى سهلاً ألفي ألف، وحط عنه خَراج عشرين سنة، ثم قُتل بابَكِ سنة ثلاثٍ وعشرين. قال المسعودي(٣): هربَ بابَك متنكِّراً بأخيه وأهله وولده ومَن تَبِعه مِن خاصَّته، وتزيَّوا بزِيّ الثُّجَّار السَّفَّارة، فنزل بأرض أرمينية بعمل سهل بن (١) الترجمة (١٠). (٢) هو خليفة بن خياط، والخبر في تاريخ ٤٧٧ . (٣) مروج الذهب ٤/ ٥٥-٥٦ . ٤٩٤ سِنْباط، فابتاعوا شاةً من راع فنكِرَهم وذهب إلى سهل فأخبره. فقال: هذا بَابَك بلا شكّ. وكانت قد جَّائته كُتُب الأفشين بأن لا يُفُوتهِ بابَك إن مرَّ به. فركب سهل في أجناده حتَّى أتى بابَك، فترجَّل لبابَك وسلَّم عليه بالمُلْك، وقال: قمْ إلى قصرك وأنا عبدك، فسارَ معه، وقُدِّمت الموائد، فقعد سهل يأكل معه، فقال بابَك بُعُتُوِّ وجهلٍ: أمِثْلُكَ يأكل معي، فقام سهل واعتذر وغاب، فجاء بحدَّاد ليقيِّده، فقال بابك: أغَدْراً يا سهل؟ فقال: يا ابن الخبيثة إنَّما أنت راعي بقر. وقيّد من كان مَعه، وكتب إلى الأفشين، فجهزَّ إليه أربعة آلاف فتسلّموه، وجاؤوا ومعهم سهل، فخلع عليه الأفشين توَّجه، وأسقط عنه الخراج، وبَعَثَ بطاقة إلى المعتصم بالفتح، فانقلبت بغداد بالتكبِير والضجيج، فلله الحمد . ودخلت سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين فيها تُؤُفِّي عبدالله بن صالح كاتب اللَّيث، وخالد بن خِداش، ومحمد بن سِنان العَوَقي، ومحمد بن كثير العَبْدي، وموسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي، ومُعَاذ ابن أسد المَرْوَزي. وفيها قَدِم الأفشين بغداد، في ثالث صفر ببابَك الخُرَّمي وأخيهٍ. وكان المعتصم يبعث إلى الأفشين منذ فَصَلَ عن بَرْزَنْد كلّ يوم بفَرَسٍ وخِلْعة، كلّ ذلك من فَرَحه بأسْر بابَك. ومِنِ عناية المعتصم بأمرٍ بابَك أنَّه رتَّب البريد من سامراء إلى الأفشين بحيث أنَّ الخبر يأتيه في أربعة أيَّام من مسيرة شهر، فلمَّا قَدِمٍ ببابَك أنزلوه بالمطيرة، فلما كان في جَوْف الليل أتى أحمد بن أبي دؤاد متنكِّراً، فنظر إلى بابَك وشاهدَهُ، وَرَدَّ إلى المعتصم فأخبره، فلم يَصْبر المعتصم حتَّى أتى متنكِّراً، فتأمَّلهُ وبابك لا يعرفه. وكان، لعنه الله، ثَنَوِيَّاً على دينِ ماني، ومَزْدَكْ، يقول بتناسخ الأرواح، ويَسْتَحِلّ البنت وأُمَّها. وَقيل كان وَلَدَ زنّا، وكانت أمّه عَوْراء تُعْرَف برومية العِلْجة. وكان عليّ بن مَزْكان يزعمُ أنَّ زنى بها، وأنَّ بابَك منه . وقيل: كانت فقيرة من قُرى أذْرَبِيجان، فزنى بها نَبَطَيّ، فحملت منه بابَك، ورُبِّي بابَك أجيراً في قريته. وكان راعيًا، وكان بتلك الجبال قومٌ من الخُزَّمية ولهم مُقَدَّمان: جاوِندان وعِمران. فتفرَّس جاوِنْدان في بابَك ٤٩٥ الشجاعة، فاستأجره مِن أُمِّه، فأحبَّته امرأة جاوِندان، وأطلعته على أمور زوجها، ثم قُتِل جاوِنْدان في وقعةٍ بينه وبين ابن عمِّ له، فزعمت امرأته أنَّه استخلف بابَك، فصَدَّقها الجُنْد وانقادوا له، فأمرهم أن يقتلوا بالليل مِن وجِدوا مِن رجلٍ أو صبي. فأصبحٍ خِلقٌ مُقَتَّلين. ثمّ انضمَّ إليه طائفة مِن قُطَّاع الطَّريق، وطائفةً من الفلاَّحين والشَّطَّار، ثم استفحل أمره، وعظُم شرُّه، وصار معه عشرون ألف مقاتل. وأظهر لمذهبٍ الباطنيَّة، واستولى على حصون ومدائن، وقتل وسبى إلى أن أظفر الله به،َ فأركبه المعتصم فيلاً، وألبسه قِباءً من ديباج، وقَلَتْسُوَة سَمُور مثل الشَّرْبُوش، وخَضَبوا الفِيل بالحِنَّاء، وطافوا به . ثم أمرَ المعتصم بأربعته فقُطّعَت، ثم قُطع رأسه وطِيف به بسامرَّاء. وبعث بأخيه إلى بغداد، ففُعِل به نحو ذلك، واسمه عبدالله، ويُقال: إنَّه كان أشجع من بابَك، فيُقال: إنَّه قال لأخيه بابَك قُدَّام الخليفة: يا بابَك قد عملتَ ما لم يعمله أحد، فاصبر صبراً لم يصبره أحد. فقال: سوف ترى صبري. فلمَّا قُطِعت يدُه مسح بالدَّم وجهه، فقالوا: لِمَ فعلت هذا؟ قال: قولوا للخليفة إنَّك أمرتَ بقطع أربعتي وفي نفسك أنَّك لا تكويها وتدع دمي ينزف، فخشيت إذا خرج الدَّم أن يصفرَّ وجهي، فترون أنَّ ذلكِ من جَزَع الموت، فغطّيت وجهي بالدَّم لهذا. فقال: فقال المعتصم: لولا أنَّ أفعاله لا تُوجِبِ الصَّنيعة والعَفْوَ لكان حقيقاً بالاستبقاء. ثم ضُرِبتْ عُنُقُه، وأُحْرِقت جُثَّتْه،َ وفُعِل ذلك بأخيه، فما منهما مَن صاحٍ. ويقال إنَّ بَابَك قتل مئةً وخمسين ألفاً، وما ذاك ببعيد. ووجدتُ بخط رفيقنا ابنٍ جماعة الكِناني أنَّهِ وجد بخطّ ابن الصَّلاح، رحمهِ الله، قال: اجتمع قومٌ من الأدباء، فأحصَوّا أنَّ أبا مسلم قتل ألفي ألف، وأنَّ قتلى بابَك بلغوا ألف ألف وخمس مئة ألف. وفيها سار الأفشين بالجيوش، فالتقى طاغيةَ الروم، فاقتتلوا أيَّاماً، وثبت كلا الفريقين، وقُتِلِ خلقٌ منهما، ثم انهزم الطَّاغية ونزل النَّصْر. وكان هذا الكلب قد حَصَر زَبّطَرة(١) وافتتحها عَنْوةً، وقتل وسبى، وحرَّق الجامع . وفيها خرَّب المعتصم أنْقِرة وغيرها، وأنكى في بلاد الروم وأوطأهم خوفاً وذُلاً، وافتتح عَمُّورِية بالسيف كما هو مذكور في ترجمته. وكانت نكايته في الروم مما لم يُسمَع ◌َلَخليفةِ بمثله، فإنَّه شتَّت جُموعهم، وخرَّب ديارهم، وكان (١) قيده المؤلف بخطه تقييد قلم، وفي معجم البلدان والمراصد: بالكسر ثم الفتح وسكون الطاء المهملة وراء، وهي مدينة بين ملطية وسيساط والحدث، وفي طريق بلد الروم. ٤٩٦ ملكهمٍ تُوفيل بن ميخائيل بن جرجس قد نزل على زبطرة في مئة ألف، ثم أغار على مَلَطْية، وعَمَّ بلاؤه. وفي ذلك يقول إبراهيم بن المهدي: هَتَكَ النَّساءَ وما منهنَّ يُرتكبُ يا غيرةَ الله قد عاينت فانتقمي ما بالُ أطفالها بالذَّبْحِ تُنْتَهَبُ؟ هَبِ الرجالَ على أجرامها قُتِلَتْ فلمَّا سمع المعتصم هذا الشِّعر خرج لوقته إلى الجهاد، وجرى ما جرى. وكان على مقدِّمته أشِناس التُّرْكي،ِ وعلى مَيْمنته إيْتاخ التُّركي، وعلى المَيْسرة جعفر بن دينار، وعلى السَاقة بُغَا الكبير، وعلى القلب عُجَيْف ودخل من الدُّروب الشَّاميّة، وكان في مئتي ألف على أقلّ ما قيل، والمُكْثِر يقول: كان في خمس مئة ألف. ولما افتتح عَمُّورِية صِمَّم على غزو القُسْطنطينيّة، فأتاه ما أزعجه من أمر العباس ابن المأمون، وأنَّه قد بُويع، وكاتبَ طاغية الروم، فَقَفَل المعتصم، وقبض على العباس ومُتَبعيه وسجنهم. سنة أربع وعشرين ومئتين تُؤُفِّي فيها إبراهيم بنٍ المهدي، وإبراهيم بن أبي سُوَيد الذَّارِعِ بَصْريٍّ، وسعيد بن أبي مريم، ويكّار بن محمد السِّيريني، وسليمان بن حرب، وأبو مَعْمَر عبدالله بن عَمْرو المِنْقَري المُفْعَد، وعبدالسَّلام بن مطهّر، وعبدالغفَّار بن داود الحَرَّاني، وِعليّ بن محمد المدائني، وأبو عُبَيد القاسم بن سلَّمِ، وعَمْرو ابن مرزوق، وقُرَّة بن حبيب، وأبو الجُمَاهِر محمد بن عثمان الكَفَرْسُوسي، ومحمد بن عيسى ابن الطَّبَّاع الحافظ، ومحمد بن الفضل عارِم، ويزيد بن عبد ربّه الحمصي، والعباس بن المأمون بن الرشيد. وفيها أظهر مازيار بن قارن الخلاف بطَبَرِسْتان وحارب، وكان مُبَايناً لآل طاهر، وكان المعتصم يأمره بحمل الخراج إليهم فيقول: لا أحمله إلاَّ إلى أمير المؤمنين، وكان الأفشين يسمع أحياناً من المعتصم ما يدلّ على أنَّه يريد عَزْلَ عبدالله بن طاهر، فلمّا ظفر ببابَك ونزل من المعتصم المنزلة الرفيعة، طمع في إمرة خُراسان، وبلغه منافرة المازيار لابن طاهر، فترجَّى أن يكون ذلك سبباً لعزل ابن طاهر، ثم إنَّه دسَّ كُتُباً إلى المازيار يمنيه ويستميله، وكتب المعتصم إلى ابن طاهر لمحاربة المازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يقوِّي عَزْمه. وبعث المعتصم لمحاربة المازيار جيشاً عليهم الأفشين. وجبى المازيار تاریخ الإسلام ٥/م٣٢ ٤٩٧ الأموال، وعَسَفَ، وأخرب أسوار آمُل والرَّي وجُرْجان، وهرب الناس إلى نَيْسابور، فأرسل ابنُ طاهر جيشاً، عليهم عمّه الحَسَن بن الحسين، وجرت حروب وأمور، ثم اختلف أصحاب المازيار عليه، ثم قُتِل بعد أن أهلك الحَرْث والنَّسْل . ومن سنة خمس وعشرين ومئتين فيها تُوُقِّي أصبغِ بن الفَرَج الفقيه، وأبو عمر الحَوْضي، وسَعْدُوية الواسطي، وشاذٌ بن فَيَّاضِ، وأبو عمِرِ الجَرْمي، وعمر بن سعيد الدِّمشقي الأعور، وفَرْوَةُ بن أبي المَغْراء، وأبو دُلَف الأمير، ومحمد بن سلام البِيْكَندي، ويحيى بن هاشم السّمسار. وفيها استوزر المعتصم محمد بن عبدالملك الزَّيَّات. وفيها قبض المعتصم على الأفشين لعداوته لعبدالله بن طاهر ولأحمد بن أبي دُؤَاد، فعملا عليه، وما زالا حتى ألقيا في قلب المعتصم أنَّ الأفشين يريد قتله. ونَقَلَ إليه ابن أبي دُؤَاد أنَّه يكاتب المازيار، فطلب المعتصم كاتبه وتهذَّده بالقتل، فاعترف وقال: كتبتُ إليه بأمره يقول: لم يبق غيري وغيرك وغير بابَك، وقد مضى بابَك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة سواي، فإنْ هزمتَ ابن طاهر كفيتُكِ أنا المعتصم، ويخلص لنا الدِّين الأبيض، يعني المَجُوسِيَّة، وكان يُتَّهَم بها. فَوَهب المعتصم للكاتب مالاً وأحسن إليه، وقال: إن أخبرتَ أحداً قتلتُك. فَرُوي عن أحمد بن أبي دُؤَاد، قال: دخلت على المعتصم وهو يبكي ويقلق، فقلت: لا أبكى اللهُ عينك، ما بك؟ قال: يا أبا عبدالله، رجلٌ أنفقتُ عليه ألف ألف دينار، ووهبتُ له مثلها يريد قتلي، قد تصدَّقتُ لله بعشرة آلاف ألف درهم، فِخُذها ففرِّقها. وكان الكَرْثُ قد احترق، فقلت: نفرِّق نصف المال في بناء الكَرْخ، والباقي في أهل الحَرَمَيْن. قال: افعل . وكان الأفشين قد سيَّر أموالاً عظيمة إلى مدينة أشْرُوسَنَة، فهمَّ بالهرب إليها، وأحسّ بالأمر، ثم هيَّأ دعوةً ليسُمَّ المعتصم وقُوَّاده، فإن لم يجبه دعا لها الأتراك مثل إيْتاخ وأشِناس فيسُّهم ويذهب إلى أرمينية، ويدور إلى أشرُوسَنَة، فطال به الأمر، ولم يتهيَّأْ له ذلك، فأخبر بعضُ خَوَاصِّه المعتصمَ بعزمه، فقبض حينئذ المعتصم عليه وحبسه، وكتب إلى ابن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن ابن الأفشين . ٤٩٨ وفيها أُسِر المازيار، وقُدِم به إلى بين يدي المعتصم. وعن هارون بن عيسى بن المنصور، قال: شهدت دار المعتصم وقد أُتِيَ بالأفشين، وبالمازيار، وبمُوبَذ مُوبِذان أحد ملوك السُّغْد، وبالمَرْزُبان، وأحضروا رجلين فعُرِّيا، فإذا أجنابُهَما عارية عن اللحم، فقال الوزير ابن الَّيَّات: يا حيدر(١)، تعرف هذين؟ قال: نعم. هذا مؤذِّنٌ، وهذا إمامٌ بَنَيَا مسجداً بأشْرُوسَنَة، فضربتُ كلّ واحدٍ منهما ألفَ سَوْط. قال: ولِمَ؟ قال: بيني وبين ملوك الشُّغْد عهدٌ، أنْ أترك كلّ قوم على دينهم، فوثب هذان على بيتٍ فيه أصنامُ أهلِ أشْرُوسَنَة، فأخرجا الأصنّام واتَّخذاه مسجداً، فضربتهما على تَعَدِّيهما. فقالَ ابن الزَّيَّات: فما كتابٌ عندك قد زيَّنته بالذَّهَب والجواهر، وجعِلته في الدِّيباج، فيه الكُفْرٍ بالله؟ فقال: كتابٌ ورِثْتُه عن أبي، فيه آدابٌ وحِكَم من آداب الأكاسرة، فآخُذُ منه الأدب، وأدفع ما سواه، مثل كتاب («كليلة ودِمْنة))، وما ظننتُ أنَّ هذا يُخْرجني عن الإسلام. فقال ابن الزَّيَّات للموْبِذ: ما تقول؟ فقال: إنْ هذا كان يأكل المخنوقة ويحملني على أكلها، ويزعم أنَّ لحمها أرطب لحماً من المذبوحة، وقال لي: إنِّي قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ما أكره، حتَّى أكلت الزَّيت، وركِبت الجمل، ولبست النَّعْل، غير أنِّي إلى هذا العام لم يسْقِط عنِّي شعْرٌ، يِعِني عائَتَهُ؛ ولم يختِن. وكان المُوبِذ مجوسِيَّاً، ثم بعد هذا أسلم على يد المتوكّل. فقال الأفشين: خبِّروني عن هذَا المتكلُّم، أثِقةً هو في دينه؟ قالوا: لا. قال: فما معنى قَبُولكم شهادته؟ فتقدَّم المرزبان، فقال: يا أَفشين كيف يكتبُ إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجَدِّي. قال ابن الزَّيَّات: فكيف كانوا يكتبون؟ قال: كانوا يكتبون إليه بالفارسيّة ما تفسيره بالعربيَّة: إلى الإله من عبده. قال: كذا هو؟ قال: نعم. قال: فما أبقيت لِفِرْعَوْن؟ قال: خفت أن يفسدوا عليّ بتغيّر ما يعهدونه. فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير: كيف تحلف لنا بالله فنصدِّقك، وأنت تدَّعي ما ادَّعى فِرْعَون. فقال: يا إسحاق، هذه سورة قرأها عُجَيْف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليَّ، فانظر غداً من يقرؤها عليك. ثم تقدَّم مازيار، فقالوا له: تعرف هذا؟ قال: نعم. قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا. فقالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: كتب إليَّ أخوه على لسانه أنَّه لم يكن يَنْصر هذا الدِّين الأبيض غيري وغيرك وغير بابَك، فأمَّا بابَك فإنَّه بحُمقه قتل نفسه، فإنْ خالفتَ لم يكن (١) كتب المصنف في حاشية نسخته التي بخطه: ((الحيدر هو الأفشين)). ٤٩٩ للخليفة من يَؤمّ بقتالك غيري، ومعي الفُرسان وأهل النَّجْدة والبأس، فإن وُجِّهَتُ إليك لم يبقَ أحد يحاربنا إلاّ ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك. فأمَّا العربي فبمنزلة الكلب، اطِرِح لِهِ كِسْرة ثمّ اضرب رأسِه بالدَُّّوسِ، وهؤلاء الذُّئاب، يعني المغاربة، فإنَّهم أكَلَة رأس، وأمَّا الُّرْك فإنَّما هي ساعةٌ حتى تَنْفَدَ سهامُهُم، ثمَّ تَجُول عليهم الخيلُ جَولةً، فتأتي على آخرهم، ويعود الدِّين إلى ما لم يزل عليه أيَّام العجم. فقال الأفشينِ: هذا يدَّعي على أخي، ولو كنتُ كَتَبْتُ بهذا إليه لأستميله كان غير مستنكر، لأنِّي إذا نصرت أمير المؤمنين بيدي، كنتُ أن أنصره بالحيلة أحرى لآخذ برقبة ذا. فزجره أحمد بن أبي دُؤَاد وقال: أمُطَهَّرٌ أنت؟ قال: لا. قال: ما منعك من ذلك؟ قال: خفت التَّلَف. قال: أنتَ تلقى الحروب وتخاف من قطع قَلْفَة. قال: تلك ضرورة أصبر عليها، وأمَّا القَلْفَة فلا، ولا أخرجُ بها من الإسلام. فقال أحمد: قد بان لكم أمره. قال: فرُدَّ إلى الحبس . وفيها زلزلت الأهواز، وسقط أكثر البلد والجامع، وهرب الناس إلى ظاهر البلد، ودامت الزَّلزلة أياماً، وتَصَدَّعت الجبال منها . وفيها وَلِيَ إمرة دمشق دينار بن عبدالله، وعُزِل بعد أيام بمحمد بن الجَهْم السَّامي، وكلاهما لم يترجمه ابن عساكر، ولم يذكر من أخبارهما شيئاً. ومن سنة ستٍّ وعشرين ومئتين فيها تُوقِّي إسحاق بن محمد الفَرْوي، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وجَندَل ابن وَالِق، وسعيد بن كثير بن عُفَيْر، وسُنَيْد بن داود المِصِّيصي، وعَيَّش بن الوليد الرَّقَّام، وغسَّان بنِ الربيع المَوْصِلي، ومحمد بن مقاتل المَرْوَزِي، ويحيى بن يحيى التَّميمي النَّيْسابوري. وفيها في جُمَادَى الآخرة مُطِرَ أهل تَيْماء، على ما ذكر ابن حبيب الهاشمي، بَرَدًا كالبَيْض قتل منهم ثلاث مئة وسبعين نفساً، ونظروا إلى أثر قَدَم طولها نحو ذراع، ومن الخطوة إلى الخطوة نحو خمسة أذرُع، وسمعوا صوتاً؛ ارحم عبادَك، اغْفُ عن عبادك. وكان المعتصم قد سجن الأفشين في مكان ضيِّق، فذكر حمدون بن إسماعيل، قال: بعث معي الأفشين رسالة إلى المعتصم يترَّقق له، ويحلف ٥٠٠