النص المفهرس
صفحات 241-260
الطبقة الثانية والعشرون ٢١١ - ٢٢٠ هـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ (الحوادث) دخلت سنة إحدى عشرة ومئتين ففيها تُوُفِّي عبدالرَّزَّاق بن همَّامِ الصَّنْعاني باليمن، ومُعَلَّى بن منصور الرازي الفقيه ببغداد، وعلي بن الحسين بن واقد بمَرْو، وعبدالله بن صالح العِجْلي المقرىء، والأحوص بن جوَّاب أبو الجوَّاب الضَّبِّي، وطَلْق بن غَنَّام؛ ثلاثتهم بالكوفة، وأبو العتاهية الشاعر ببغداد. وفيها قَدِم الأمير عبدالله بن طاهر بن الحسين الخُزاعي بغدادَ، من الدِّيار المصرية، فتلقَّاه العباس، ولد المأمون، وأبو إسحاق أخو المأمون. وقَدِم معه بالمتغلّبين على الشام وغيرها ابن أبي الجمل، وابن السَّري، وابن الصَّفْر. وفيها أمرَ المأمون بأن يُنادى: برِئت الذِّمَّة ممَّن ذكر معاوية بخير أو فضَّله على أحدٍ من الصَّحابة. وإنَّ أفضل الخلق بعد رسول الله بَليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان المأمون يبالغ في التشيّع، ولكن لم يتكلّم في الشيخين بسوء، بل كان يترضَّى عنهما، ويعتقد إمامتهما . سنة اثنتي عشرة ومئتين فيها تُوُفِّي أسد بن موسى السُّنَّة بمصر، وأبو عاصم النبيل، وعبدالرحمن ابن حمَّاد الشُّعيني، وعون بن عمارة العَبْدي بالبَصْرة، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي بقَيْسارية، ومنبِّه بن عثمان بدمشق، وأبو المغيرة عبدالقُدُّوس الخَولاني بحمص، وزكريا بن عدي ببغداد، وعبدالملك بن عبدالعزيز ابن الماجِشُون الفقيه بالمدينة، وعلي بن قادم بالكوفة، وخلَّد بن يحيى بمكّة، ٢٤٣ والحسين بن حفص الهمْداني بأصبهان، وعيسى بن دينار الغافقي الفقيه بالأندلس . وفيها وجَّه المأمون محمد بن حُمَيد الطُّوسي لمحاربة بابَك الخُزَّمي. واستعمل على اليمن أبا الدَّاري محمد بن عبدالحميد. وفيها أظهر المأمون القول بخَلْق القرآن، مُضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، فاشْمأزَّت النُّفوس منه. ثم سار إلى دمشق فَصَام بها رمضان، وتوجّه فحجّ بالناس. سنة ثلاث عشرة ومئتين فيها تُوُفِّي عُبيد الله بن موسى العَبْسي، وخالد بن مَخْلَد القَطَوَاني بالكوفة، وعبدالله بن داود الخُرَيْبِي، وعَمْرو بن عاصم الكِلابي بالبصرة، وأبو عبدالرحمن عبدالله بن يزيد المقرىء بمكة، وعَمْرو بن أبي سَلَمة التِّنِيسي بها، والهيثم بن جميل الحافظ بأنطاكية . وفيها خرج عبدالسلام وابن حَلْبَس(١) بمصر في القَيْسية واليَمَانيَّة، فاستعمل المأمون على مصر والشام أخاه أبا إسحاق المعتصم، واستعمل على الجزيرة ولده العباس. وأمر لكلّ واحدٍ منهما بخمس مئة ألف دينار، وأمرَ بمثل ذلك لعبدالله بن طاهر، فقيل: إنَّه لم يُفَرِّق ملِكٌ في يومٍ من المال مثل ذلك أبداً . واستعمل على السِّنْد الأمير غسّان بن عبّاد، وكان غسّان ذا رأي وحزم ودهاء وخبرة تامَّة، قد وَلِيَ إمرة خُراسان قبل طاهر بن الحسين. (١) هكذا وجدته مجودًا بخط المصنف، وفي تاريخ الطبري ٦٢٠/٨ والكامل لابن الأثير ٤٠٩/٦: ((جَليس)) مصحف، ولم تذكره كتب المشتبه . ٢٤٤ سنة أربع عشرة ومئتين فيها تُوُفِّي حسين بن محمد المرُّوذي ببغداد، وأحمد بن خالد الوهبي بحمص، وعبدالله بن عبدالحكم الفقيه بمصر، وسعيد بن سلام العطار بالبصرة، ومحمد بن حميد الطُّوسي الأمير قُتِل في حرب الخُرَّمِيَّة، وأبو الدَّاري أمير اليمن قُتِل أيضاً، وعُمَيْر الباذَغيسي نائب مصر خلافةً عن المعتصم قُتِل بالحَوْف في حرب ابن حَلْبَس وعبدالسَّلام، فسار أبو إسحاق المعتصم بنفسه إليهما فظفر بهما فقتلهما. وفيها خرج بلال الشاري وقويت شوكته، فسار لحربه هارون بن خلف فظفر به هارون وقتله. وفيها وَلِيَ أصبهان وأَذْرَبيجان والجبال وحرب بابَك عليُّ بن هشام، فواقَعَ بابَكَ غير مرَّة . سنة خمس عشرة ومئتين فيها تُوُقِّي أبو زيد الأنصاري صاحب العربية بالبصرة واسمه سعيد بن أوس، والعلاء بن هلال الباهلي بالرَّقَّة، ومحمد بن عبدالله الأنصاري القاضي بالبصرة، ومكِّي بن إبراهيم الحنظلي ببَلْخ، وعلي بن الحسن بن شقيق بمرو، ومحمد بن المبارك الصُّوري بدمشق، وإسحاق بن عيسى ابن الطَّبَّاع ببغداد، وقَبِيصة بن عُقبة السُّوائي بالكوفة. وفيها سار المأمون لغزو الروم في أول العام، واستخلف على بغداد الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب. وقَدِم عليه محمد بن علي بن موسى الرِّضا، فأكرمه وأجازه بمالٍ عظيم، وأمره بالدخول بأهله، وهي أم الفضل ابنة المأمون، فدخل بها ببغداد، ثم سار المأمون إلى دابق وأنطاكية، ثم دخل المِصِّيصة، وخرج منها إلى طَرَسُوس، ثم دخل الروم في نصف جُمادى الأولى، فنازل حصن قُرَّة حتَّى فتحه عَنْوةً وهدمه، وافتتح حصن ماجدة، وتسلَّم حصنين بالأمان. وأمَّا أخوه أبو إسحاق فإنَّه هذَّب قواعد الدِّيار ٢٤٥ المصريّة، ورجع فقَدِم واجتمع بأخيه المأمون بنواحي المَوْصِل. وقَدِم المأمون دمشقَ بعد غزوته المذكورة. سنة ستّ عشرة ومئتين فيها تُوُفِّي حَبَّان بن هلال، وعبدالملك بن قُريب الأصمعي، وهَوْذة بن خليفة، ومحمد بن كَثِير المصِّيصي الصَّنْعاني، والحسن بن سَوَّار البَغَوي، وعبدالله بن نافع المدني الفقيه، وعبدالصَّمد بن النُّعْمان البزَّاز، ومحمد بن بكّار بن بلال قاضي دمشق، ومحمد بن عبَّاد بن عبَّاد المهلبي أمير البصرة، ومحمد بن سعيد بن سابق نزيل قَزْوين، وزُبيدة زوجة الرشيد وابنة عمّه. وفيها كرَّ المأمون راجعاً إلى غزو الروم، لكونه بلغه أنَّ ملك الروم قتل خلقاً من أهل طَرَسُوس والمِصِّيصة، فدخلها في جُمَادى الأولى، وأقام بها إلى نصف شعبان، وجهَّز أخاه أبا إسحاق، فافتتح عدَّة حصون، ثمّ وجَّه یحیی بن أکثم فأغار وقتل وسبی، ثم رجع . وفي آخر السنة توجّه المأمون من دمشق إلى الدِّيار المصريّة ودخلها، فهو أوَّل من دخلها من الخلفاء العباسيين . سنة سبع عشرة ومئتين فيها تُوُفِّي حَجَّاج بن مِنْهال الأنماطي بالبصرة، وسُرَيْج بن الثُّعْمان الجوهري، وموسى بن داود الضَّبِّي الكوفي ببغداد، وهشام بن إسماعيل العطَّار العابد بدمشق، وعَمْرو بن مَسْعَدة أبو الفضل الصُّولي كاتب الإنشاء للمأمون، وإسماعيل بن مُسْلَمَة أخو القَعْنَبي بمصر. وفيها دخل المأمون مصر، فأحضر بين يديه عَبْدُوُس الفِهْري فضُرِبت عنقه. قال المسعودي: وكان قد تغلَّب عليها. وعاد إلى دمشق، ثم سار إلى أَذَنَة، ودخل أرض الروم، فنَزَل على لؤلؤة وحاصرها مئة يوم، ثم رحل عنها، وخلّف عليها عُجَيْفاً، فخدعَه أهلها وأسروه، ثم أطلقوه بعد جمعةٍ. وأقبل الملك تُؤْفِيل في جيوش الروم، لعنهم الله، إلى حصن لؤلؤة فأحاط بعُجَيْف. ٢٤٦ فبلغ ذلك المأمون، فجهّز الجنود لحربه، فارتحل تُوْفِيل وكتب كتاباً إلى المأمون يطلب الصُّلْح، فبدأ بنفسه وأغلظ في المكاتبة. فاستشاط المأمون غضباً وقصد الروم، وعزم على المسير إلى قُسْطنطينية، ثم فكّر في هجوم الشتاء فرجع . وفيها وقع حريق عظيم بالبصرة يُقال: إنَّه أتى على أكثرها، وكان أمراً مزعجاً يفوق الوصف . سنة ثمان عشرة ومئتين فيها تُوُقِّي أبو مُسْهِر الغسَّاني شيخ الشام، ومُعَلَّى بن أسد العمِّي، ويحيى ابن عبدالله البابْلَتِّي على الصحيح، ومحمد بن الصَّلْت الأسَدي الكوفي، وعبدالله بن يوسف التِّنِّيسي، وحَجَّاج بن أبي منيع الرُّصافي، وإسحاق بن بكر ابن مُضر المِصْرِي، ومحمد بن نوح العِجْلي، والخليفة المأمون، وحبيب كاتب مالك، وبِشْر المَرِيْسي. وفيها اهتم المأمون ببناء طَوَانة(١) من أرض الروم، وحشد لها الرجال والصُّنَّاع، وأمر ببنائها ميلاً في ميل. وقرَّر ولده العبّاس على بنائها، ولزمه عليها أموال لا يُحْصِيها إلّ الله تعالى، وهي على فم الدَّرْب ممَّا يلي طَرَسُوس. وافتتح عدَّة حصون. ذكر المحنة في أثناء السنة كتب المأمون إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخُزاعي، ابن عم طاهر بن الحسين، في امتحان العلماء، كتاباً يقولُ فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أنَّ الجمهور الأعظم والسَّواد الأكبر مِن حَشو الرَّعيَّة، وسِفْلَة العامَّة، ممَّن لا نظر له ولا رويَّةً ولا استضاءة بنور العِلم وبرهانه، أهلُ جهالةٍ بالله وعَمىّ عنه، وضلالةٍ عن حقيقة دينه، وقُصور أن يَقْدُرُوا الله حقَّ (١) هكذا وجدتها مجودة الضبط بفتح الطاء المهملة بخط المصنف، وفي معجم البلدان بضم الطاء . ٢٤٧ قدْره، ويعرفوه كُنْه معرفته، ويُفرِّقوا بينه وبين خَلْقه، وذلك أنَّهم ساوَوْا بين الله وبين خَلْقِهِ، وبين ما أُنزل من القرآن. فأطبقوا على أنَّه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا جَ﴾ [الزخرف] فكلّ ما جعله الله فقد خلقه كما قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورِثَ﴾ [الأنعام]، وقال: ﴿نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ هَ﴾ [طه] فأخبر أنَّه قصصٌ لأمورِ أحدثهُ بعدها. وقال: ﴿أُخْكِمَتْ ءَُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لَ﴾ [هود)، والله مُحْكم كتابَه ومُفَصِّلُهُ، فهو خالقه ومُبْتَدِعُهُ. ثم انتسبوا إلى الشُّنَّة، وأنَّهم أهل الحق والجماعة، وأنَّ مَن سواهم أهل الباطل والكُفْر. فاستطالوا بذلك وغرّوا به الجُهَّال، حتَّى مال قوم من أهلِ السَّمْت الكاذب والتَّخَشِّع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتَّخذوا دون الله وليجةً إلى ضلالهم. إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أنَّ أولئك شرّ الأمَّة، المنقوصون من التَّوحيد حظاً، أوعيةُ الجهالة وأعلام الكذِب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه مِن أهل دِين الله، وأحقُّ أن يُتَّهم في صِدْقه، وتُطرح شهادته، ولا يُوثَق به، من عَمِيَ عن رُشدهِ وحَظه من الإيمان بالتَّوحيد، وكان عَمَّا سِوَى ذلك أعمى وأضلّ سبيلاً. ولَعَمْرُ أمير المؤمنين، إنَّ أكذَب النَّاس مَن كذب على الله ووَحْيه، وتخرّص الباطل، ولم يعرف الله حقيقة معرفته. فاجْمَع مَن بحضرتك من القُضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عمَّا يعتقدون في خلق الله وإحداثه. وأعلمهم أنِّي غير مستعينٍ في عملٍ ولا واثقٍ بمن لا يوثق بدينه. فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا فمُرهم بنصّ مَن بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة مَن لم يقرَّ أنَّه مخلوق. واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك. وكتب المأمون إليه أيضاً في إشخاص سبعة أنفُس، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن مَعِين، وأبو خَيْئَمة، وأبو مسلم مُسْتملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقي، فأُشْخِصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردَّهم من الرَّقَّة إلى بغداد. وسبب طَلَبهم أنَّهم توقَّفوا أولاً، ثم أجابوه تَقِيَّةً. وكتب إلى إسحاق ابن إبراهيم بأن يُحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء ٢٤٨ السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون. فكان يحيى بن مَعِين وغيره يقولون: أجَبْنا خوفاً من السيف. ثم كتب المأمون كتاباً آخر من جنس الأول إلى إسحاق، وأمره بإحضار من امتنع، فأحضرَ جماعةً منهم: أحمد بن حنبل، وبِشْر بن الوليد الكِنْدي، وأبو حسَّان الزِّيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعُبيد الله بن عمر القَوَاريري، وعلي بن الجَعْد، وسَجَّادة، والذَّيَّال بن الهيثم، وقُتَيبة بن سعيد وكان حينئذٍ ببغداد، وسعدوية الواسطي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر، ومحمد بن نوح العِجْلي، ويحيى بن عبدالرحمن الغَّمَري، وأبو نصر التَّمَّار، وأبو مَعْمَر القَطِيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وغيرهم. وعُرِض عليهم كتاب المأمون فَعَرَّضوا ووَرَّوا ولم يُجيبوا ولم يُنكروا. فقال لبِشْر بن الوليد: ما تقول؟ قال، قد عرَّفْتُ أميرَ المؤمنين غيرَ مرَّة. قال: وإنْ، فقد تجدَّد من أمير المؤمنين كتاب. قال: أقول: كلام الله . قال: لم أسألك عن هذا. أمخلوقٌ هو؟ قال: ما أُحسِنُ غيرَ ما قلت لك. وقد استعهدتُ أميرَ المؤمنين أن لا أتكلّم فيه. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: القرآن كلام الله، وإنْ أمَرَنا أميرُ المؤمنين بشيءٍ سمعنا وأطعنا. وأجاب أبو حسان الزِّيادي بنحوٍ من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد على هذا. ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكَّاء الأكبر: أقول القرآن مجعولٌ ومُحْدَثٌ لوُرُود النَّصّ بذلك. فقال له إسحاق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم. قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق. ثم وجَّه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلَغَنا ما أجاب به مُتَصَنعَّةُ أهلِ القِبْلة، ومُلْتَمِسُو الرياسة، فيما ليسوا له بأهلٍ. فمن لم يُجِب أنَّه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية. ويقول في الكتاب: فأمَّا ما قال بِشْر فقد كذب، لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص، والقول بأنَّ القرآن مخلوق. فادعُ به إليك، فإنْ تاب فأشْهِرْ أمره، وإنْ أصرَّ على شِرْكه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكُفْره وإلحاده، فاضرب عُنُقَه، وابعث إلينا برأسه. وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتَحِنه، فإنْ أجاب، ٢٤٩ وإلاّ فاضرِب عُنُقه. وأمَّا علي بن أبي مقاتل، فقُل له: ألستَ القائل لأمير المؤمنين: إنَّك تحلِّل وتحرِّم. وأمَّا الذَّيَّال، فأعْلِمْه أنَّه كان في الطَّعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأمَّا أحمد بن يزيد أبو العوَّام وقوله إنَّه لا يُحْسِن الجواب في القرآن، فأعْلِمْه أنَّه صبيٌّ في عقله لا في سِنِّه، جاهلٌ سيُحْسِن الجواب إذا أُدِّب. ثم إنْ لم يفعل كان السيفُ من وراء ذلك. وأمَّا أحمد بن حنبل، فأعْلِمْه أنَّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدَّل على جَهْله وآفته بها. وأمَّا الفضل بن غانم، فأعْلِمْه أنَّه لم يَخْفَ على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، يعني في ولايته القضاء. وأمَّا الزِّيادي، فأعْلِمْه أنَّه كان مُنتحلاً ولاء دَعِيٍّ. فأنكر أبو حسَّان أن يكون مولىّ لزياد بن أبيه، وإنَّما قيل له الزِّيادي لأمرٍ من الأمور. قال: وأمَّا أبو نصر الثَّمَّار، فإنَّ أمير المؤمنين شَبَّه خساسة عقله بخساسة متجره. وأمَّا ابن نوح، وابن حاتم، فأعْلِمْهم أنَّهم مشاغيل بأكل الرِّبا عن الوقوف على التوحيد، وإنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في الله إلاّ لآرابهم(١)، وما نزل به كتابُ الله في أمثالهم لاستحلَّ ذلك. فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شِرْكاً، وصاروا للنَّصارى شِبْهَا. وأمَّا ابن شجاع، فأعْلِمْه أنَّه صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحلَّه من مال الأمير علي ابن هشام. وأمَّا سعدوية الواسطي، فقل له: قبَّح الله رجلاً بلغ به التصنّع للحديث والحرص على الرياسة فيه، أنْ يَتَمنَّى وقت المحنة. وأمَّا المعروف بسَجَّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممَّن كان يجالس من العلماء القول بأنَّ القرآن مخلوق، فأعْلِمْه أنَّ في شُغله وإعداد النَّوَى، وحُكمه لإصلاح سجَّادته(٢)، وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد. وأمَّا القواريري ففيما تَكَشَّفَ من أحواله، وقبوله الرّشا والمصانعات، ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه. وأمَّا يحيى العُمري، فإنْ كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف. وأمَّا محمد بن الحسن بن علي بن عاصم، (١) هكذا مجودة بخط المصنف، وفي تاريخ الطبري ٦٤٢/٨: ((لإربائهم)). (٢) في تاريخ الطبري ٦٤٣/٨: ((في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته)). ٢٥٠ فإنَّه لو كان مُقْتدياً بمن مضى من سلفه لم ينتحل النِّحْلَةَ التي حُكِيَتْ عنه، وأنَّه بعدُ صبيٍّ يحتاج إلى أن يُعلَّم. وقد كان أمير المؤمنين وجَّه إليك المعروف بأبي مُسْهِر، بعد أن نصَّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها ولَجْلج فيها، حتَّى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقرَّ ذميماً، فأنْصِصْه عن إقراره، فإنْ كان مقيماً عليه فأشْهِر ذلك وأظْهِره. ومَن لم يرجع عن شِرْكه ممَّن سمَّيتُ بعد بِشْر، وابن المهدي، فاحمِلْهم مُوثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم. فإنْ لَم يرجعوا حملهم على السيف. قال: فأجابوا كلّهم عند ذلك، إلّ أحمد بن حنبل، وسجَّادة، ومحمد بن نوح، والقواريري. فأمرَ بهم إسحاق فقُيِّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجَّادة. ثم عاودهم ثالثاً فأجاب القواريري، ووجَّه بأحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح المضروب إلى طَرَسُوس. ثم بلغ المأمون أنَّهم إنَّما أجابوا مُكْرَهينَ، فغضِب وأمر بإحضارهم إليه. فلما صاروا إلى الرَّقَّة تَلَقَّتهم وفاةُ المأمون. وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد. ولَطَف الله وفَرَّج. وأمَّا محمد بن نوح فكان عديلاً لأحمد بن حنبل في المَحْمل، فمات. فوليه أحمد بالرَّحْبة وصلَّى عليه ودفنه، رحمه الله تعالى. وأمَّا المأمون فمرض بالروم، فلما اشتدَّ مرضه طلب ابنَه العباس لِيَقْدم عليه، وهو يظنّ أنَّه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود، وقد نُفِّذت الكُتُب إلى البلدان، فيها: مِن عبدالله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده، بهذا النَّصّ. فقيل: إنَّ ذلك وُقِّع بأمر المأمون. وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غَشْي أصابه، فأقام العباس عنده أيَّاماً حتَّى مات. ذكر وصية المأمون هذا ما أشهد عليه عبدالله بن هارون أمير المؤمنين أنَّ الله وحده لا شريك له في مُلكه، وأنَّه خالقٌ وما سواه مخلوق. ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئاً له مثلٌ، والله لا مثل له. إلى أن قال: والبعث حقّ، وإنِّي مذنب أرجو وأخاف، فإذا متُّ فوجِّهوني وليُصَلّ علي أقربكم منّي نَسَباً، وليُكبِّرْ خمساً. وذكر وصايا ٢٥١ من هذا النَّوع. إلى أن قال: فرحِم الله عبداً اتَّعظ وفكَّر فيما حتَم الله على جميع خلقه من الفَنَاء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بدَّ منه. فالحمد لله الذي توحَّد بالبقاء. ثم لينظُر المرءُ ما كنت فيه من عزّ الخلافة، هل أغنى عنِّي شيئاً إذا جاء أمر الله؟ لا واللهِ. ولكن أُضعِف به علي الحسابُ. فيا ليتَ عبدالله بن هارون لم يَكُ بَشَراً، بل ليته لم يَكُ شيئاً. يا أبا إسحاق ادْنُ منِّي واتَّعِظُ بما ترى، وخُذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذ طوَّقَكَها اللهُ تعالى عملَ المريد لله، الخائف من عقابه، ولا تغترّ بالله وتَمْهِيله، فكأن قد نزل بك الموت. ولا تغفل أمر الرعيَّة، الرعيَّةَ الرعيَّةَ، العَوامَّ العَوَامَ، فإنَّ المُلْك بهم، اللهَ اللهَ فيهم وفي غيرهم. يا أبا إسحاق عليك عهد الله، لتقَومنَّ بحقّ اللّه في عباده، ولتؤثِرَنَّ طاعة الله على معصيته. قال: اللهمَّ نعم. قال: فانظُر مَن كنت تسمعني أُقَدِّمه فأضْعِف له التقدمة. وعبدالله بن طاهر أقرَّه على عمله، فقد عرفت بلاءه وغَنَاءه. وأبو عبدالله بن أبي دُؤاد لا يُفارقك، وأشْرِكُه في المشورة في كل أمرك، ولا تتَّخذنَّ بعدي وزيراً، فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس، وخُبْث سريرته حتَّى أبعدْتُهُ. هؤلاء بنو عمِّك من ذُرِّيّة أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه أحسِنْ صُحْبتهم، وتجاوَزْ عن مُسِيئهم، وأعطِھم الصِّلات. ثم تُوُفِّي في رجب، ودُفِن بطَرَسُوس . وكان أول من بايع المعتصم العبّاسُ بنُ المأمون. قال محمد بن عُبيد الله المُسبّحي في ((تاريخ مصر)): كتب المعتصم إلي نائبه على مصر كُنْدر، وإلى قاضي مصر هارون بن عبدالله الزُّهْري كتاباً بخط الفضل بن مروان يمتحن فيه الناس بخلق القرآن. فأحضرهم القاضي هارون، فأجاب عامّة الشهود وأكثر الفقهاء، إلاّ من هرب منهم. وكان هارون إذا شهد عندَه عدلان سألهما عن القرآن، فإنْ أقرَّا أنَّه مخلوق قبلهما، وأُخِذَ بذلك المؤذِّنون والمحدِّثون. وأُمِرَ المعلِّمون أنَّ يُعَلّموا الصِّبيانَ كتعليم القرآن، يعني القول بخلق القرآن. وبقيت المحنة إلى أن وَليَ الخلافة المتوكّل سنة اثنتين وثلاثين . وفيها وقع الوباء العظيم بمصر، فمات أكثرهم، وغلا السِّعر هذه السنة ٢٥٢ وبعض سنة تسع عشرة. قال: ولم تبقَ دارٌ ولا قرية إلّ مات أكثر أهلها. ولم يبق بمصر رئيس ولا شريف مشهور. وولَّت الدنيا عمَّن بقي من أولادهم، وركبهم الذُّلّ، وجفاهم السلطان لأنَّهم خرجوا غير مرَّة وأثاروا الفتنة. ثم سَرَد من مات من أشرافهم من أول دولة المأمون إلى آخرها، فسمَّى من كبارهم أبا نصر الوليد بن يعفُر بن الصَّبَّاح بن أبرهة تُوُفِّي سنة سبع وتسعين ومئة، وإبراهيم بن حُوَيّ تُوُفِّي فيها، وإبراهيم بن نافع الطَّائِي تُوُفِّي ◌ّسنة ثمانٍ وتسعين، وعثمان بن بلادة فيها، وهاشم بن حُدَيْج، ومحمد بن حسَّان بن عتاهية سنة تسع وتسعين، وهُبيرة بن هاشم بن حُدَيْج، وزُرْعة بن معاوية سنة مئتين. ثم سمَّى عدداً كثيراً لا نعرفهم كان لهم جاه وحشمة في عصرهم بمصرهم، انمحت آثارهم وانطوت أخبارهم. وفيها أمر المعتصم بهدم طَوَانة التي قَدَّمنا أنَّ المأمون أمر ببنائها، ثم حُمِل ما بها من الآلات والسلاح، وتفرَّق ما تعب عليه المأمون. وسافر الناس الذين أُسكِنوا بها إلى بلادهم، ثم انصرف المعتصم إلى بغداد، فدخلها في أول رمضان من السنة . وفيها عظُم الخَطْب واشتدَّ الأمر بالخُزَّمية، لعنهم الله، ودخل في دينهم خلق من أهل بلاد هَمذان وبلاد أصبهان، وجيّشوا بأرض همذان، فسار لحربهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب في ذي القعدة، فظفر بهم وقتل منهم ملحمة عُظمى. فيُقال: إنَّه قُتِل منهم ببلاد همذان ستِّين ألفاً، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم. وكان المصافّ بأرض همذان مما يلي الرَّي. وبعضهم يقول: قُتِل منهم فوق المئة ألف، وكانت ملحمة هائلة. سنة تسع عشرة ومئتين فيها تُؤُفِّي علي بن عيَّاش الألهاني بحمص، وأبو بكر عبدالله بن الزُّبير الحُمَيْدي بمكة، وأبو نُعَيم الفضل بن دُكين، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل التَّهْدي بالكوفة، وعَمْرو بن حكَّام، وإبراهيم بن حُميد الطّويل، وسعد بن شعبة بن الحَجَّاج بالبصرة، وأبو الأسود النَّضْر بن عبدالجبّار بمصر، وسليمان ٢٥٣ ابن داود الهاشمي، وغسّان بن المُفَضَّل الغلابي ببغداد. وفيها ظهر محمد بن القاسم العلوي الحُسيني بالطَّالْقان يدعو إلى الرِّضا من آل محمد. فاجتمع عليه خلق، فسار لقتاله جيش من قِبل عبدالله بن طاهر، فجرت بينهم وقعات عديدة، ثم انهزم محمد بن القاسم فقصد بعض كُوَر خُراسان، فظفر به متولِي نَسَا، فقيَّده وبعث به إلى ابن طاهر، فحبسه المعتصم. ثم إنَّه هرب من السجن ليلة عيد الفطر، ونزل في حبلٍ دُلِّيَ له. فنودي عليه: مَن أحضره فله مئة ألف درهم، فلم يقعوا به . وفي جُمادى الأولى قَدِم بغداد، إسحاق بن إبراهيم بسَبْي عظيم من أهل الخُرَّمية الذين أوقع بهم بهمذان . وفيها عائت الزُّطّ بنواحي البصرة، فانتدب لحربهم عُجَيْف بن عَنْبَسة، فظفر بهم وقتل منهم نحو الثمان مئة. ثم جرت له معهم حروب. وكان عدَّتهم خمسة عشر ألفاً . وفيها امتحن المعتصم أحمد بن حنبل، وقيل: سنة عشرين، وذلك في ترجمة أحمد رحمه الله. ثم دخلت سنة عشرين ومئتين فيها تُوُقِّي عفَّان ببغداد، وقالون عيسى بن مينا، ومُطَرِّف بن عبدالله بالمدينة، وأبو حُذَيْفة النَّهْدي، وعاصم بن يوسف اليَرْبُوعي، وخلَّد بن خالد القارىء بالكوفة، وعثمان بن الهيثم المؤذِّن، والخليل بن عمر بن إبراهيم العَبْدي، وعبدالله بن رجاء بالبصرة، وآدم بن أبي إياس بعسقلان، وعبدالله بن جعفر الرَّقِّي بالرَّقَّة، وقَرعوس بن العباس الثقفي صاحب مالك بالأندلس، ومحمد الجواد ولد عليّ بن موسى الرِّضا ببغداد. ويوم عاشوراء دخل عُجَيْف بغدادَ بسبي الزُّطِّ وأسْراهم، فعبّأهم على هيئتهم في الحرب، وكان يوماً مشهوداً. ثم نُفذوا إلى عين زَرْبة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم حتَّى لم ينج منهم أحد. وفيها عقد المعتصم على حرب بابك وعلى بلاد الجبل للأفشين، واسمه ٢٥٤ حيدر بن كاوس. ثم وجّه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل لعمارة الحصون التي خرَّبها بابَك، ففعل ذلك. وكان محمد بن البُعيث صديق بابَك في قلعة شاهي وحصن تبريز من بلاد أذْرَبيجان، فبعث بابَكُ قائدَهُ عصمة، فنزل بابن البُعيث فأكرمه وأنزل إليه الإقامات وأضافه وسقاه خمراً وأسره، وقتل جماعة من مقدّميه، فهرب عسكره، وشَرَعَ ابنُ البُعيث يناصح المعتصم، ودلَّه على عورة بلاد بابَك، ثم كانت وقعة كبيرة بين بابَك والأفشين انهزم فيها بابَك، وقُتِل من أصحابه نحو الألف، وهرب إلى مُوغان، ومنها إلى مدينته التي تُسمى البَذّ. وبعث الأفشين بالرؤوس والأسرى إلى بغداد. وفي رمضانها كانت محنة الإمام أحمد، وضُرِب بالسِّياط، ولم يُجِب. وسيأتي ذلك في ترجمته. وفي ذي القعدة نزل المعتصم بالقاطول وأمر بإنشاء مدينة سُرَّ من رأى، فاشترى أرضها من رُهبان لهم دير هناك. وقد كان الرشيد يَتَنَّه بالقاطول لِطيبه. واستخلف المعتصم على بغداد ولده الواثق. وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وصادره، وأخذ منه أموالاً عظيمة تفوتُ الوصف، حتَّى قيل: إنَّه أخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، واستأصله وأهل بيته ونفاه إلى السّنّ، قرية بطريق الموصل. ووَلَّى بعده الوزارة محمد بن عبدالملك ابن الزَّيَّات. واعتنى المعتصم باقتناء الثُّرْك، فبعث إلى سمرقند وفَرغانة والنَّواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الدِّيباج ومناطق الذهب. فكانوا يطردون خيلهم ببغداد ويُؤْذُون الناس. فربّما ثار أهل البلد بالتركيّ فقتلوه عند صدمه للمرأة والشيخ. فعزم المعتصم على التحوّل من بغداد وتنقل على دجلة، والقاطول هو نهر منها، فانتهى إلى موضع سامراء، وفي مكانها دير عادي لرهبان. فرأى فضاءً واسعاً جدًا، وهواءً طيّباً فاستمرأه، وتصيَّد ثلاثاً فوجد نفسه تطلب أكثر من أكله، فعلم أنَّ ذلك لتأثير الهواء والُّرْبة والماء. فاشترى من أهل الدَّيْر أرضهم بأربعة آلاف دينار، وأسَّس قصره بالوزيريّة التي يُنسب إليها التِّين الوزيري العديم النظير في الحسن. فجمع عليها الفَعَلَةَ ٢٥٥ والصُّنَّاع من الممالك. ونقل إليها أنواع الأشجار والغُرُوس، واختُطَّت الخِطَط والدُّروب، وجدّوا في بنائها، وشُيِّدت القصور، واستُنْبطت المياه من دجلة وغيرها، وتَسَامع النَّاس وقصدوها، وكثُرت بها المعايش. ٢٥٦ ذكر أهل هذه الطبقة على الحروف ١ - م د ت ن: أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبدالله بن أبي إسحاق، أبو إسحاق الحضرميُّ، مولاهم، البَصْريُّ، أخو المقرىء يعقوب كان أسنّ من يعقوب . روى عن عِكْرمة بن عمَّار، وحمَّاد بن سَلمَة، وهمَّام، ووُهَيْب، وأبي عَوَانة، وجماعة. وعنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وإبراهيم الجوزجاني، وإسحاق الحربي، وأبو خَيْئمة، وولده أحمد بن أبي خَيْثمة، والحارث بن أبي أسامة، وعبد بن حُمَيْد، وطائفة . وثَّقه أبو حاتم (١)، والنَّسائي(٢). ومات سنة إحدى عشرة، وكان يحفظ حديثه. ٢- خ: أحمد بن إشكاب الصَّفَّار، أبو عبدالله، كوفيٌّ نزلَ مصر، قيل: اسمه أحمد بن مَعْمَر بن إشْكاب، وقيل: أحمد بن عبيدالله بن إشكاب. سمع شَرِيكاً، وعبدالسَّلام بن حرب، ورِفاعة بن إياس الضَّبِّي، ومحمد بن فُضَيل، وأبا بكر بن عيَّاش، وجماعة. وعنه البخاري، ويعقوب الفَسَوي، وأحمد بن عيسى اللَّخْمي الخشَّاب، وبكر بن سهل الدِّمياطي، وعباس الدُّوري، وأبو حاتم الرازي، وجماعة . قال أبو حاتم (٣): ثقة مأمون. الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٨. (١) (٢) وقال النسائي في موضع آخر: ((ليس به بأس)) (تهذيب الكمال ٢٦٤/١ والترجمة منه). (٣) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ١٦٥ . تاريخ الإسلام ٥/ م١٧ ٢٥٧ وقال ابن يونس في تاريخه: تُوُفِّي سنة سَبْع أو ثمان عشرة(١). ٣- أحمد بن أو فى الأهوازيُّ. عن عَبَّاد بن منصور، وشُعْبة. وعنه مَعْمَر بن سهل، وغيره. ٤- أحمد بن أيُّوب السَّمَرْقَنْدُّ، نزیلُ مَرْو. عن أبي حمزة الشُّكَّري. وعنه إسحاق بن راهُوية، والنَّضْر بن سَلَمَة، وغيرهما . ٥- أحمد بن تَوْبة السُّلَميُّ المَرْوَزيُّ المُطَوِّعيُّ، الغازي الأمير المجاهد البطل الزّاهد. سمع ابن المبارك، وإبراهيم بن المغيرة، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، وحَرْمَلة بن عبدالعزيز. وعنه إسحاق الكَوْسج، وعبدالله بن أحمد بن شَبوية، ويحيى بن المُثَنَّى . ذكره ابن ماكولا فقال: لم يتهذَّف للتحديث. قال: وكان يقال إنَّه مُستجاب الدَّعوة. فتح أسبيجاب في أربعين رجلاً. بها أولادهم تُعرف بأولاد الأربعين، يُشار إليهم في أسبيجاب(٢). قال غُنْجار: سكن أحمد بن توبة بِيْكَنْد، وبها تُوُفِّي. ٦ - أحمد بن جعفر، أبو عبدالرحمن الوكيعيُّ الكوفيُّ الضَّرير الحافظ. عن حفص بن غِیاٹ، ووکیع، وغيرهما. وكان أبو نُعَيْم يقول: ما رأيت أحفظ منه. وعنه إبراهيم الحربي، وقال: كان يحفظ مئة ألف حديث، وما أحسبه سمع حديثاً إلاّ وحَفِظَه . قلت: وروى عنه أحمد بن القاسم الأنماطي. وقال إبراهيم الحربي: قال أحمد بن حنبل لأحمد بن جعفر الوكيعي: يا أبا عبدالرحمن إنِّي لأَحِبُّك؛ حدثنا يحيى، عن ثور، عن حبيب بن عُبَيد، عن (١) من تهذيب الكمال ٢٦٧/١- ٢٦٩. (٢) نقله عن ابن ماكولا أيضًا السمعاني في ((المطوعي)) من الأنساب. ٢٥٨ المِقْدام، قال: قال النبي ◌َّ: ((إذا أحبّ أحدُكم أخاه فَلْيُعْلِمْهُ)(١). وقال أبو داود: كان أبو عبدالرحمن الوكيعي يحفظ العِلْم على الوجه. وقال الدَّارَقُطْني: هو ثقة، وابنه محمد ثقة. وقال الحربي: مات سنة خمس عشرة. ٧- أحمد بن حفص، أبو حفص البخاريُّ الفقيه الحنفيُّ. عالم أهل بُخَارَى في زمانه. ووالد شيخ بُخَارَى أبي عبدالله محمد بن أحمد بن حفص الفقيه . لم أظفر بأخباره، وقد تُوُفِّي في المحرَّم سنة سبع عشرة ومئتين . رحل وتفقَّه بمحمد بن الحسن. وسمع من وكيع وطبقته. قال محمد بن أبي رجاء البخاري: سمعت أبا حفص أحمد بن حفص يقول: رأيتُ النبيَّ بَّهَ في النَّوم، عليه قميصٌ، وامرأة إلى جَنْبه تبكي. فقال لها: لا تبكي، فإذا مِثُّ فابكي. قال: فلم أجد من يُعبِّرها لي، حتَّى قال لي إسماعيل والد البخاري: إنَّ السُّنَّة قائمة بعدُ. وقال عبدالله بن محمد بن عمر الأديب: سمعت اللَّيث بن نصر الشاعر يقول: تَذَاكرنا الحديث: ((إنَّ على رأس كلّ مئة سنة مَن يصلُحُ أن يكون عَلَم الزَّمان)). فبدأتُ بأبي حفص أحمد بن حفص فقلت: هو في فِقْهه وورعه وعمله يصلُح أن يكون عَلَم الزَّمان. ثم ثنَّيت بمحمد بن إسماعيل فقلت: هو في معرفة الحديث وطُرُقه يصلُح أن يكون عَلَماً. ثم ثلَّثْتُ بأحمد بن إسحاق السُّرماري فقلت: رجلٌ يقرأ على منبر الخليفة ههنا يقول: شهدت مرَّةً أَنَّ رجلاً وحده كسَر جُنْدَ العدو، فإنَّه يصلُح أن يكون عَلَمَ الزَّمان. قالوا: نعم. وُلد أحمد بن حفص سنة خمسين ومئة، ولِقِيَ أيضاً هُشَيْماً، وجرير بن عبدالحميد . أخبرنا أبو عليّ ابن الخلاَّل، قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا السِّلَفي، قال: أخبرنا ابن الطَّيُوري، قال: أخبرنا هَنَّد بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد (١) حديث حسن صحيح غريب كما قال الترمذي (٢٣٩٢)، وانظر تمام تخريجه في تعليقنا عليه، وتعليقنا على تاريخ الخطيب ٩٦/٥ الذي استفاد منه الترجمة . ٢٥٩ ابن أحمد الحافظ بِبُخَارَى، قال: حدثنا أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدوية، قال: أخبرنا أحمد بن عمر بن داود، قال: حدثنا أبو حفص أحمد بن حفص، عن جرير، عن منصور، عن رِبْعي، عن عليّ، قال: قال رسول الله ◌ِصَلٍّ: ((لا يؤمن عبدٌ حتَّى يؤمن بأربعة: بالله وحده لا شريك له، وأنَّ الله بعثني بالحق، وبالبعث بعد الموت، وبالقَدَر خيره وشرِّه من الله))(١). ٨ - خ ن: أحمد بن حُمَيْدٍ، أبو الحسن الطَّرَيْثِنِيُّ الكوفيُّ خَتَنُ عُبَيد الله ابن موسى، ويُعرف بدار أُمّ سَلَمَة . كان من حُفَّاظ الكوفة. سمع حفص بن غياث، وابن المبارك، وعُبيد الله الأشجعي، ومحمد بن فُضَيْل، ويحيى بن أبي زائدة، وجماعة. وعنه البخاري، وحنبل بن إسحاق، والدَّارمي، وعباس الدُّوري، ومحمد بن إسماعيل التِّرمِذِي، وآخرون. وثَّقه أبو حاتم(٢). وقال مُطَيَّن: مات سنة عشرين(٣). ٩- ٤: أحمد بن خالد بن موسى، ويقال: ابن محمد، أبو سعيد الوَهْبيُّ، الكِنْديُّ الحمصيُّ، أخو محمد بن خالد. روى عن محمد بن إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق، وشَيْيان، وعبدالعزيز الماجِشُون، وإسرائيل، وجماعة. وعنه البخاري خارج ((الصَّحيح))(٤)، ومحمد بن يحيى، وسَلَمَة بن شبيب، ومحمد بن مُصَفَّى، ويحيى وعَمْرو ابنا عثمان بن سعيد، وصَفْوان بن عَمْرو، ومحمد بن خالد بن خَلِيّ، وموسى بن عيسى بن المُنْذر، وعِمران بن بكَّار، وأحمد بن علي الدِّمشقي الخرّاز، وأحمد ابن عبدالوهّاب بن نَجْدَة، وأبو زُرْعة الدِّمشقي. وقال ابن مَعِين في رواية أبي زُرْعة عنه: ثقة . (١) حديث صحيح. وانظر تخريجه في تعليقنا على جامع الترمذي (٢١٤٥). (٢) الجرح والتعديل ٦ / الترجمة ٣١. (٣) من تهذيب الكمال ٢٩٨/١-٢٩٩. (٤) في الأدب المفرد وفي كتاب القراءة خلف الإمام. ٢٦٠