النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوفيات المشاهير والأعلام لَِرِيَخُ الإِسْلامِ شَيْرُ الّذِين أَبِ عَبِّدِالله مَ بْن أَخْتَ بْعُثَارُالذّهَبِيّ المتوفى ٧٤٨ هـ - ١٣٧٤هـ المجَلد الخَامِسْ ٢٠١- ٢٥٠ هـ حَقّقِه، وَضَبَطَ نَّهِ، وَعلَّقْعَلَّه الدكتور بشار عواد معروف دَار الغريب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر . تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام لَِيخ الإِسْلام ◌َّخِ الّذِين ◌َوَ عَبْدِالله عَن ◌ْتَدِبْ عُثَارُ الذَّهَيّ المتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤هـ المَجَلّد الخَامِس ٢٠١ -٢٥٠ هـ الطبقة الحادية والعشرون ٢٠١ - ٢١٠ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِـ (الحوادث) الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء وصلى الله علی نبينا محمد وآله وسلم. هذا مبدأ القرن الثالث من تاريخ الإسلام، والله أسأل حسن العون على الإتمام . تاریخ سنة إحدى ومئتين إن المأمون جعل وليَّ العهد من بعده عليّ بن موسى الرِّضا، وخلع أخاه القاسم ابن الرشيد، وأمر بتَرْك السَّواد ولُبْس الخُضْرة في سائر الممالك، وتم ذلك عنده بخراسان، فعَظُم هذا على بني العباس، لا سيما أهلُ بغداد. وثاروا وخرجوا على المأمون، وطردوا الحسن بن سهل من بغداد، وبايعوا إبراهيم ابن المهدي بالخلافة وغيرها . وكتب المأمون إلى إسماعيل بن جعفر بن سُليمان العباسي أمير البصرة يأمره بِلُبْس الخُضْرةِ، فامتنع ولم يبايع بالعهد لعلي الرِّضا. فبعث المأمون عسكراً لحربه، فسلَّم نفسه بلا قتال، فَحُمِل هو وولداه إلى خُراسان وبها المأمون، فمات هناك. وفيها عسكر منصور ابن المهدي بكَلْوَاذا(١)، ونصب نفسه نائباً للمأمون ببغداد، فسمَّوْه المُرْتَضَى، وسلَّموا عليه بالخلافة، فامتنعَ من ذلك وقال: إنَّما أنا نائب للمأمون، فلمّا ضَعُف عن قبول ذلك عدلوا عنه إلى أخيه إبراهيم ابن المهدي فبايعوه. وجرت فتنة كبيرة، واختبطَ العراقُ. (١) شطح قلم المصنف فكتب ((بكَلَوْذاي))، وهو وهم لا ريب فيه، والخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٥٤٩. ٧ وفيها وَلِيَ المغربَ زيادة الله بنُ إبراهيم بن الأغلب التَّميميُّ لبني العباسي بعد موت أخيه عبدالله، وبقي في الإمرة اثنتين وعشرين سنة. وفيها تحرك بابَكُ الخُرَّمي . وفيها توفي أبو أسامة الكوفي، وحماد بن مَسعَدة، وحَرَميُّ بن عُمارة، وعلي بن عاصم. [حوادث سنة اثنتين ومئتين] (١) في سنة اثنتين ومئتين جرت أمور، توفي ضمرة بن ربيعة، وعبدالحميد الحِمّاني، وعُمر بن شبيب المُسْلي، ويحيى ابن اليزيدي، والفضل بن سهل الوزير(٢) . وفي أوَّلها بايع العباسيون وأهلُ بغداد بالخلافة إبراهيمَ ابنَ المهدي، وخلعوا المأمون لكونه أخرجهم من الأمر وبايع بولاية العهد لعلي بن موسى الرِّضا، وأمرهم والدولة بإلقاء السَّواد ولُبْس الخُضْرة، فلمَّا كان يوم الجمعة خامس المحرَّم صعد إبراهيم ابن المهدي، الملقَّب بالمبارك، المنبرَ، فأوَّل مَن بايعه عُبيدُالله بن العباس بن محمد بن علي، ثم منصور ابن المهدي أخوه، ثم بنو عمِّه، ثم القُوَّاد. وكان المطَّلِب بن عبدالله بن مالك الخُزاعي هو المتولِّي لأخذ البَيْعة، وسعى في ذلك، وقام به السِّنْدي، وصالح صاحب المُصَلَّى، ونُصَيْرِ الوَصيف، ثم بايعه أهل الكوفة والسَّواد، وعسكرَ بالمدائن، واستعمل على جانبي بغداد العباس بنَ موسى الهاشمي، وإسحاقَ بن موسى الهادي، فخرج عليه مهدي بن عُلْوان الحَرُورِي مُحَكِّماً، فجهّز لقتاله أبا إسحاق ابن الرشيد، وهو المعتصم، فهزم مَهْدِيًّا، وقيل: بل وجَّه لقتاله المطَّلِب. وخرج أخو أبي السَّرايا بالكوفة، فلبسَ البياض، وتجمّع إليه طائفة، فلقِيَه غسان بن الفرج في رجب فقتلَهُ، وبعثَ برأسه إلى إبراهيم ابن المهدي، فولاًهُ (١) هذا العنوان من عندي. (٢) لكنه لم يترجم له في هذه الطبقة، وإنما ذكر مقتله في حوادث السنة . ٨ إبراهيمُ الكوفةَ، وبَيَّتَ عسكرُ إبراهيم بعضَ أصحاب الحَسَن بن سهل، وخامر حُمَيد بن عبدالحميد إلى الحَسَن بن سهل، ثم إنَّه بعثه إلى الكوفة، فولَّى عليها العباس بن موسى، وأمرَهُ أن يلبس الخُضْرةَ، وأن يدعوَ لأخيه علي الرِّضا بعد المأمون، وقال له: قاتِلْ عن أخيك عسكرَ ابن المهدي، فإنَّ أهل الكوفة شیعتکم، وأنا معك، فلمّا كان الليل خرج حُمَید وتركه. ثم تواقع بعضُ عسكر ابن المهدي وأصحاب ابن سهل، فانكسر عسكر ابن سهل، وجرت أمورٌ وحُرُوبٌ بين أهل الكوفة، وأهل العراق عند إبراهيم، ثم أمر إبراهيم عيسى بن محمد بن أبي خالد، وهو أكبر قُوَّاده، بالمسير إلى ناحية واسط، وبها الحَسَن بن سهل، وأمر ابن عائشة الهاشمي، ونُعَيم بن خازم أن يسيرا، فلحق بهم سعيد بن السَّاجور، وأبو البط، ومحمد الإفريقي، فعسكروا بقُرب واسط، وأمير الكل عيسى، وأمَّا الحَسَن بن سهل فكان متحصِّناً بواسط، فَعَبَّى أصحابه، والتقوا في رجب، فاقتتلوا أشدَّ قتال، ثم انهزمَ جيش إبراهيم ابن المهدي، فأخذَ أصحاب الحَسَن أثقالهم وأمتعتهم . وفي السنة ظفر إبراهيم ابن المهدي بسهل بن سلامة الأنصاري المطّوعي، فحبسه وعاقبه، وكان ببغداد يدعو إلى العمل بالكتاب والسُّنَّة، واجتمع له عامَّة بغداد، فكانوا ينكرون بأيديهم على الدولة ويغيرون، ولهم شوكة، وفيهم كَثْرة، حتَّى هَمَّ إبراهيم بقتاله. فلمَّا جاءت الهزيمة أقبل سهل بن سلامة يقول لأصحابه: لا طاعة المخلوقٍ في معصية الخالق، فكان كل من أجابه إلى ذلك عمل على باب داره برجاً بآجُرٍّ، وجَصٍّ وينصب عليه السِّلاح والمصاحف، فلما وصل عيسى من الهزيمة أتى هو وإخوتُه وأصحابُه نحو سهل، لأنَّه كان يذكرهم بالفِسْق ويَسُبُّهم، فقاتلوه أيَّاماً، ثم خذله أهلُ الدُّرُوب، لأنَّ عيسى وَهَبهم جُمْلَةً من الدَّراهم، فكقُوا. فلما وصل القتال إلى دار سهل بن سلامة ألقى سلاحه واختلط بالنَّظَّارة، واختفى ودخل بين النساء، فجعلوا العيون عليه، فأخذوه في الليل من بعض الذُّرُوب، فأتوا به إسحاقَ ابن الهادي، وهو ولي عهد عمِّه إبراهيم، فكلَّمَهُ وحاجَّهُ وقال: حرَّضْتَ علينا الناس وعِبْتَنَا! فقال: إنَّما كانت دعواي عباسية، وإنَّما كنت أدعو إلى الكتاب والسُّنَّة، وأنا على ما كنت عليه، أدعوكم إليه السَّاعة، فلم يقبل منه وقال: اخرج إلى الناس وقل: ما كنت ٩ أدعوكم إليه باطل، فخرج إلى الناس وقال: معشر الناس، قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من الكتاب والسُّنَّة، وأنا أدعوكم إلى ذلك السَّاعة، فوجأ الأعوان في رقبته ولطموه، فنادى: يا معشر الحربية، المغرور مَن غررتموه، ثم قُيِّد وبُعِث به إلى المدائن إلى إبراهيم بن المهدي، فجرى بينه وبين إبراهيم كنحو ما جرى بين ابن الهادي وبينه، فأمر بسجنه، وكانوا قد أخذوا رجلاً من أصحابه، يقال له: محمد الرفاعي، فضربه إبراهيم ونتف لحيته وقيّدَه. واستعمل إبراهيم على قضائه ببغداد قتيبة بن زياد الخُراساني الحنفي، فهاجت في أيَّامه العامَّة على بِشْر المَرِيسي، وسألوا إبراهيمَ ابنَ المهدي أن يستتيبه، فأمر قتيبة بذلك. قال محمد بن خلف القاضي: سمعت محمد بن عبدالرحمن الصَّيرفي، يقول: شهدتُ جامعَ الرُّصافة وقد اجتمع الناس، وقُتَيبة جالس، فأُقيم بِشْر المريسيُّ على صُنْدوق، وكان مُسْتَمْلي سُفيان بن عُيَيْنَة أبو مسلم، ومستملي يزيد بن هارون يذكران أنَّ أمير المؤمنين إبراهيم أمر قاضيه أن يستتيب بِشْراً من أشياء، عذَّدها، منها ذِكْر القرآن. فرفع بِشْر صوته يقول: مَعَاذَ اللهِ لست بتائب، فكَثُر الناس عليه حتَّى كادوا يقتلونه، فأُدخل إلى باب الخَدَم. وأما المأمون، فذُكِر أنَّ علي بن موسى الرِّضا حدَّث المأمون بما فيه الناس من القتال والفِتَن منذ قُتِل الأمين، وبما كان الفَضْل بن سَهْل يستره عنه من الأخبار، وأنَّ أهلَ بيته والناس قد نَقَمُوا عليه أشياء، وأنَّهم يقولون إنَّك مسحور أو مجنون، وقد بايعوا عمّك إبراهيم. فقال: لم يبايعوه بالخلافة، وإنَّما صَيَّروه أميراً يقوم بأمرهم، فبيَّنَ له أنَّ الفضلَ قد كَتَمَهُ وَشَّهُ، فقال: ومن يَعلم هذا؟ قال: يحيى بن معاذ، وعبدالعزيز بن عمران، وعدَّة من أمرائك، فأدخلَهُم عليه، فسألهم، فأبَوْا أن يُخْبروا إلاَّ بأمانٍ من الفضل أن لا يَعْرِض لهم، فضمِن المأمون ذلك، فكتب لكلِّ واحدٍ بخطُّه كتاباً، فأخبروه بما فيه الناس من البَلاءِ، ومن غضب أهل بيته وقُوَّاده عليه في أشياء كثيرة، وبما مَوَّ عليه الفضل من أمر هَرْئَمَة، وأنَّ هَرْثَمَة إنَّما جاءه لنُصْحه ولتدارك الأمر، وأنَّ الفضل دسنَّ إلى هَرْثَمَة من قتله، وأنَّ طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك ما أبلى، وفتحَ الأمصارَ، وقاد إليك الخلافة مزمومةً، حتَّى إذا وطّأ الأمر أُخرِج من ذلك كله، وصُيِّر في زاويةٍ من الأرض بالرَّقَّة، قد مُنِعَ من الأموال حتَّى ١٠ ضعُف أمره، وشغب عليه جُنْدهُ، وأنَّه لو كان على بغداد لضبطَ المُلْك بخلاف الحَسَن بن سهل، وقد تُنُوسِي طاهر بالرَّفَّة لا يُستعان به في شيءٍ من هذه الحروب. ثمّ سألوا المأمونَ الخروجَ إلى العراق، فإنَّ بني هاشم والقُوَّاد لو رأوا غرَّتك سكنوا وأذعنوا بالطّاعة. فنادى بالمسير إلى العراق. ولمَّا عَلِمَ الفضلُ بنُ سهل بشأنهم تَعَنَّتَهُم حتَّىِ ضربَ البعض وحبسَ البعض، فعاود علي الرضا المأمونَ في أمرهم، وذَكَّرَهُ بضمانه لهم، فذكرَ المأمونُ أنَّه يُداري ما هو فيه . ثم ارتحل من مرْو وقَدِمَ سَرْخَس، فشدَّ قوم على الفضل بن سهل وهو في الحَمَّام فضربوه بالسيوف حتَّى مات في ثاني شَعْبان، وكانوا أربعةً من حَشَم المأمون: غالب الشعوذي الأسود، وقسطنطين الرُّومي، وفرج الدَّيْلمي، ومُرافق الصقلبيُّ، فعاش ستين سنة، وهرب هؤلاء، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدِّينَوَري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فضرب أعناقهم، وقد قيل: إنهم اعترفوا أنَّ علي ابن أخت الفضل بن سَهْل دسَّهم . ثم إنَّه طلب عبدالعزيز بن عِمران، وعليَّ ابن أخت الفضل، وخَلَفًا المصري، ومؤنساً، فقرّرهم، فأنكروا، فلم يقبل ذلك منهم، وضرب أعناقهم أيضاً، وبعث برؤوسهم إلى واسط، إلى الحسن بن سهل، وأعلمه بما دخل عليه من المُصيبة بقتل الفَضْل، وأنَّه قد صَيَّرَهُ مكانه فتأخر عن المسير ليُحصِّل مُغَلَّ واسط، ورحل المأمون نحو العراق . وكان عيسى بن محمد، وأبو البط، وسعيد يواقعون عسكر الحَسَن كُلَّ وقت . وأمَّا المُطَّلِب بن عبدالله فإنَّه قَدِم من المدائن من عند إبراهيم، واعْتَلَّ بأنَّه مريض، وأخذ يدعو في السِّرِّ للمأمون، على أن يكون منصور ابن المهدي خليفة للمأمون ويخلعون إبراهيم، فأجابه إلى ذلك منصور ابن المهدي وخُزَيمة ابن خازم وطائفة، فكتب إلى حُمَيد بن عبدالحميد، وعلي بن هشام أن يتقدَّما إلى نهر صَرْصَرِ والنَّهْروان، ففهم إبراهيم بن المهدي حركتهم، فطلبَ بغداد وبعث إلى المُطَّلِب ومنصور وحُميد وخُزَيْمة ليحضروا، فتعلّلوا على الرسول، ١١ فبعث إبراهيم إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد وإخوته. فأمَّا منصور وخُزَيْمة فأعْطيا بأيديهم، وأمَّا المُطَّلِب فقاتل عنه أصحابه وعن منزله حتَّى كَثُر عليهم الناس، وأمر إبراهيم بنَهْب دياره واختفى هو، فلما بلغ ذلك حُمَيْداً وعليّ بن هشام، بعث حُمَيْدٌ قائداً فأخذَ المدائن، ثم نزلاها، فندِمِ إبراهيم على ما صنع بالمُطَّلِب ولم يقع به . وفي سنة ثلاثٍ ومئتين تُؤُفِّي: أزهر السَّمَّان، وحسين الجعفي، وزيد بن الحُبّاب، وعلي بن موسى الرِّضا، وأبو داود الحَفَرِيُّ، ومحمد بن بشر العَبْدي، ويحيى بن آدم، والوليد بن مَزْيَد البيروتي . ولَمَّا وصلَ المأمون إلى طُوس أقامَ بها عند قبر أبيه أيَّاماً، ثم إنَّ علي بن موسى الرِّضا أكلَ عنباً فأكثر منه فمات فجاءة في آخر صَفَرها، فدُفن عند قبر الرشيد. واغتمَّ المأمون لموته. ثم كتب إلى بغداد يُعلمهم إنَّما نقموا عليه بيعته لعلي بن موسى وها قد مات. فجاوبوه بأغلظ جواب. ولما قدِمَ المأمون الرَّي أسقط عنها ألفي ألف درهم. وفيها مرض الحَسَن بن سهل مرضاً شديداً، فأعقبه السوداء، وتغيَّر عقله حتَّى رُبِط وحُبِس. وكتب قُوَّاده بذلك إلى المأمون، فأتاهم الخبر أن يكون على عسكره دينار بن عبدالله، وها أنا قادم عليكم. وأمَّا عيسى بن محمد بن أبي خالد فشرع يكاتب حُمَيْداً، والحَسَن بنَ سهل سرًّا. وبقي إبراهيم بن المهدي كلَّما ألَّ عليه في الخروج إلى المدائن لقتال حُمَيْد يعتلّ عليه بأرزاق الجُنْد مرَّة، وحتَّى يستغلّوا مرة. حتَّى إذا توثَّق بما يريد ممَّا بينه وبين حُمَيْد والحَسَن، فارقَهُم، وكان قد ناوشهم بعض القتال في الصُّورة، ثم وعدَهُم أن يُسلَّمَ إليهم إبراهيمَ بن المهدي. فلما وصل إلى بغدادَ قال للناس: إنِّي قد سالمْتُ حُمَيْداً وضمِنْتُ له أن لا أدخلَ عملَهُ ولا يدخلَ عملي. ثم خَنْدَقَ على باب الجَسْر وباب الشَّام، فبلغ إبراهيمَ ما هو فيه فَحَذِر. وقيل: إنَّ الذي نَمَّ إليه هارون أخو عيسى، فطلبه إبراهيم، فاعتلَّ عليه ١٢ عيسى. ثم ألحّ عليه في المجيء، فأتاه، فحبسه بعد مُعاتبةٍ بينهما، وبعد أن ضربه وحبَسَ معه عدَّة من قُوَّاده في آخر شوَّال. فمضى بقيّة أصحابه ومَواليه بعضهم إلى بعض، وحرَّضوا إخوته على إبراهيم بن المهدي، فتجمَّعوا، وكان رأسَهم عباس نائب عيسى، فطردوا كلَّ عاملٍ لأبراهيم في الكَرْخ وغيره. ثم شَدُّوا على عامل باب الجسر فطردوه، فدخل إلى إبراهيم وقطعَ الجَسْر. ثم ظهر الأوباش والشُّطَّار. وكتب عباس نائب عيسى إلى حُمَيْد يحثه على المجيء ليتسلَّم بغداد، ولم يُصَلُّوا جُمعة بل ظُهْراً. فقدِم حُمَيْد وخرج لتلقيه عباس وقُوَّاد أهل بغداد، فوعدهم ومَنَّاهم وأن يُنجز لهم العطاء على أن يُصلُّوا الجُمُعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم، فأجابوه. فبلغ إبراهيمَ بن المهدي الخبرُ، فأخرج عيسى من الحَبْس، وسأله أن يكفِيَه أمرَ حُمَيْد، فأبى عليه. فلمَّا كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبي رجاء الفقيه فصلَّى بالناس ودعا للمأمون. ووصل حُمَيْد إلى الياسريّة، فعرض بعض الجُنْد وأعطاهم الخمسين دِرهماً التي وعدهم، فسألوه أن يُنْقصهم عشرةً عشرةً لأنهم تشاءموا لما أعطاهم علي بن هشام خمسين خمسين، فغدر بهم وقطع العطاءَ عنهم. فقال حُمَيْد: بل أزيدكم عشَرَةً وأُعطيكم ستِّين. فدعا إبراهيم عيسى، وسأله أيضاً أن يُقابل حُمَيداً فأجابه، فخلَّى سبيله وضَمَّنَ عليه، فكلَّم عيسى الجُنْدَ أن يُعطيهم كعطاء حُمَيْد فأبَوْا عليه، فعبر إليهم هو وإخوته إلى الجانب الآخر الغربي، وقال: أزيدكم عن عطاء حُمَيْد. فسبُّوه، وقالوا: لا نريد إبراهيم. فدخل عيسى وأصحابُه المدينة، فأغلقوا الأبواب، وصعِدوا السُّور وقاتلوا ساعة. ثم انصرفوا إلى ناحية باب خُراسان، فركبوا في السفن. ورَدَّ عيسى كأنَّه يريد يقاتلهم، ثم احتال حتَّى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قُوَّاده فأتى به منزله، ورجع فرقة إلى إبراهيم فأخبروه بأسْر عيسى، فاغتمَّ. وكان قد ظفر في هذه الليالي بالمُطَّلِب بن عبدالله وحبسه ثلاثة أيَّام، ثم إنَّه خلّى عنه. وكان الناس يذكرون أنَّ إبراهيم قد قتل سهل بن سلامة المُطَّوَّعي، وإنَّما هو في حَبْسه، فأخرجه إبراهيم، فكان يدعو الناس في مسجد الرُّصافة إلى ١٣ إبراهيم بالنَّهار، فإذا كان الليل ردَّه إلى حَبْسه. فأتاه أصحابه ليكونوا معه فقال : الزموا بيوتكم فإنِّي أُداري إبراهيم. ثم إن إبراهيم خلَّى سبيله في أول ذي الحجَّة، فذهب واختفى. فلما رأى إبراهيم تفرُّقَ الجيش عليه أخرج جميع مَن عنده للقتال فالتقوا على جَسْر نهر ديالى فاقتتلوا، فهزمهم حُمَيْد. فقطعوا الجَسْر وراءهم. فلما كان يوم الأضحى أمر إبراهيم بن المهدي القاضي أن يُصلِّ بالناسِ في عِيساباذ، فلما انصرفَ الناسُ من صلاتهم اختفى الفَضْل بن الربيع، ثم تحوَّل إلى حُمَيْد، وتَبِعه على ذلك علي بن ريطة، وأخذ الهاشميون والقُوَّاد يتسلَّلون إلى حُمَيْد، فَأُسقِط في يد إبراهيم وشُقَّ عليه، وبلغه أنَّ مَن بقي عنده من القُوَّاد يعملون على قَبْضه. فلمَّا جَنَّهُ الليلُ اختفى لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجّة، وبقي مختفياً مدَّة سنين. وأمَّا سهل بن سلامة فأحضره حُمَيْد بن عبدالحميد فأكرمه، وحمله على بَغْل وردَّه إلى داره. فلمَّا قدِمَ المأمون أتاه فأجازه ووصله، وأمره أن يجلس في منزله . وكانت أيَّام إبراهيم سنتين إلاَّ بضعة عشر يوماً. ووصل المأمون إلى هَمَذان في آخر السنة . وفي سنة أربعٍ ومئتين توفي فيها: إسحاق بن الفرات الفقيه، وأشهب بن عبدالعزيز الفقيه، وأبو داود الطيالسي، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وعبدالوهاب بن عطاء، والشافعي، والنضر بن شميل، وهشام ابن الكلبي. وفيها وصل المأمون إلى النَّهروان، فتلقَّاه بنو هاشم والقُوَّاد. وقَدِم عليه من الرَّقَّة بإذنه طاهر بن الحُسين، ودخل بغداد في نصف صَفَر، ولباسهم وأعلامهم خُضْر، فنزل الرُّصافة، وبعد ثمانية أيَّام كلَّمه بنو هاشم العباسيون وقالوا له: يا أمير المؤمنين، تركت لبْس آبائك وأهل دولتك ولبست الخُضْرة. و کاتَبَه قُوَّادُ خُراسان في ذلك. ١٤ وقيل: إنَّه أمر طاهرَ بنَ الحُسين أن يسأله حوائجه فقال: أسأل طَرْحَ الخُضْرة، ولُبْس السَّواد وزيّ آبائك، فَتَوقَّفَ. ثم جلس يوماً وعليه الثياب الخُضْر، فلمَّا اجتمع الملأ دعا بسوادٍ فلبسه، ثم دعا بخِلْعة سوداء فألبسها طاهرًا، ثم ألبس عدَّة من القوَّاد أقبية وقلانس سودًا. فطرح الناس الخُضْرة ومُزِّقت، وأسرعوا إلى لُبْس السَّواد. وفيها ولَّى المأمون يحيى بن مُعاذ الجزيرةَ، فواقع بابَكَ الخُزَّمي، فلم يظفر واحدٌ منهما بصاحبه. واستعمل المأمون أبا عيسى، أخاه، على الكوفة. واستعمل صالحاً أخاه أيضاً على البصرة. ومن سنة خمس ومئتين فيها توفي روح بن عبادة، وأبو عامر العقدي، ومحمد بن عبيد، ويعقوب الحضرمي فيها استعمل المأمون على جميع خُراسان والمشرق طاهرَ بنَ الحسين. فسار إلى عمله في ذي القَعدة، وأعطاه عشرة آلاف ألف درهم. وكان ولده عبدالله بن طاهر قد قَدِم على المأمون بعد أبيه من الرقة، فولاَه الجزيرة. وولَّى على أذْرَبِيجان وأرمينية عيسى بن محمد بن أبي خالد، وأمَره بقتال بابَك. واستعمل على السِّنْد بِشْرَ بنَ داود، على أن يحمل إليه في كلِّ سنة ألف ألف درهم. واستعمل على محاربة الزُّط عيسى بن يزيد الجُلُودي. وحجَّ بالنَّاس عُبيدالله بن الحسن العلوي أمير الحَرَمَيْن. ومن سنة ستٍّ ومئتين فيها كان المد الذي غرق منه السَّواد، وذهبت الغلَّت، وغرقت قطيعة أمّ جعفر، وقطيعة العباس. وفيها نَكَبَ بابَكُ عيسى بنَ محمد بن أبي خالد وبَيِّته . وفيها، ويُقال في التي قبلها، دعا المأمون عبدَالله بنَ طاهر فقال: إني أستخير الله منذ شهر، وقد رأيت أنَّ الرجلَ يصف ابنه ليُطْريه وليرفعه، وقد ١٥ رأيتك فوق ما وصَفَكَ أبوك. وقد مات يحيى بن معاذ واستخلف ابنه أحمد وليس بشيء، وقد رأيت تَوْلِيَتَك مِصْرَ، ومُحاربةَ نصر بن شَبَث. فقال: السَّمعُ والطاعة، وأرجو أن يجعل الله الخيرة لأمير المؤمنين. فعقد له لواءً مكتوباً عليه فزاد فيه المأمون: ((يا منصور)). وركب الفضل بن الربيع إلى داره تکرمةً له . وفيها استعمل المأمون على بغداد إسحاقَ بنَ إبراهيم. وفيها توفي أبو حذيفة البخاري صاحب ((المبتدأ))، وحجاج الأعور، وشبابة بن سَوَّار، ومحاضر بن المورِّع، وقطرب النحوي، ومؤمل بن إسماعیل، ووهب بن جریر، ویزید بن هارون. ومن سنة سَبْعٍ ومئتين فيها توفي جعفر بن عون، وطاهر بن الحسين الأمير، وأبو قتادة الحرّاني، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وعمر بن حبيب العَدوي، وقُراد أبو نوح، وكثير ابن هشام، والواقدي: ومحمد بن كناسة، وهاشم بن القاسم، والهيثم بن عدي والفَرَّاء النَّحوي . وفيها، وقيل قبلها، خرج عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عَكّ من اليمن يدعو إلى الرِّضا من آل محمد بَلَه، خرج لأنَّ عامل اليمن أساء السِّيرة. فبايع عبدالرحمن خلقٌ. فوجَّه المأمون لحربه دینارَ بنَ عبدالله، وکتب معهُ بأمانه، وحج دینار، ثم سار إلى اليمن حتى قرُب من عبدالرحمن، فبعث إليه بأمانه فقَبِله، وجاء مع دينارٍ إلى المأمون. وعند ظهوره منع المأمون الطَّالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلُبْس السَّواد. وفيها أصابت طاهر بن الحسين حُمَّى وحرارة فوُجِدَ على فراشه ميتاً، فذُكِرَ أنَّ عَمّيه علي بن مُصْعَب وحُمَيْد بن مُصْعَب عاداه بِغَلَس، فقال الخادم: هو نائم. فانتظروا ساعة، فلمّا انبسط الفجر قالا للخادم: أيْقِظْه. قال: لا أجسر. فدخلا فوجداه ميتاً. وقيل: إنَّه قطع الدُّعاء يوم جمعة للمأمون ولم يزد على: اللهم أصْلِحِ أُمَّةَ محمد بما أصلحتَ به أولياءك، واكْفِها مَؤُونة مَن بَغَى عليها. وطرح عنه السَّواد. فعرض له عارضٌ فمات لليلته، فأتى الخبر على المأمون بخلعه أوَّل ١٦ النَّهار من التُّصَحاء، ووافى الخبر بموته ليلاً. وقام بعده ابنه طلحة بن طاهر، فأقرَّه المأمون، فبقي على خُراسان سَبْعَ سِنين، ثم تُوُفِّي، فتولَّى بعده أخوه عبدالله بن طاهر وهو يحارب بابَك، فسار إلى خُراسان وولي حربَ بابَك عليُّ ابن هشام . وقيل: لما جاء نعيُ طاهر بن الحسين قال المأمون لليدين والفم: الحمد لله الذي قدَّمه وأخَّرنا. وقد كان في نفس المأمون منه شيء لكونه قتل أخاه الأمين لمّا ظفر به، ولم يبعث به إلى المأمون ليرى فيه رأيه. ومات طاهر في جمادى الأولى . وفيها وَلِيَ موسى بن حفص طَبَرِسْتان، والرُّويان، ودُنْباوَنْد. وحجَّ بالناس أبو عيسى أخو المأمون. وفيها ظهر الصناديقي باليمن فاستولى عليها وقتل النساء والولدان، واذَّعى النُّبُوَّة، وتبعه خلق وارتدُّوا عن الإسلام، ثم أهلكه الله بالطاعون، وهلك أيضًا في دولة المأمون. ومن سنة ثمانٍ ومئتين فيها توفي الأسود بن عامر، وأشهل بن حاتم، وحماد بن عيسى الجُهني، وسعيد بن عامر الضُّبعي، وعبدالله بن بكر السَّهميُّ، والقاسم بن الحكم العرني، وقريش بن أنس، ومحمد بن مصعب القَرْقَساني، والست نفسية، ويحيى بن حسان التنيسي، ويحيى بن أبي بكير الكِزْماني، ويعقوب بن إبراهيم الزهري، ويونس بن محمد المؤدب. وفيها صار الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين من خُراسان إلى كِرْمان ممتنعاً بها، فسار خلفه أحمد بن أبي خالد حتى أخذه وقَدِم به على المأمون، فعفا عنه. وفيها ولَّى المأمون محمدَ بنَ عبدالرحمن المخزوميّ قضاءَ عسكر المهدي. وفيها استعفى محمد بن سماعة من القضاء فأُعفيَ، ووُلّي مكانه إسماعيل ريخ الإسلام ٥ / م٢ ١٧ ابن حمَّاد بن أبي حنيفة، ثم عُزل المخزومي المذكور عن القضاء، ووليه بشْر ابن الوليد الکندي. وفيها حجَّ بالنَّاس صالح بن هارون الرشيد. ومن سنة تسع ومئتين فيها توفي الحسن بن موسى الأشيب، وحفص بن عبدالله النَّيسابوري، وأبو علي الحنفي، وعثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وعثمان بن عمر بن فارس، ويعلى بن عبيد الطنافسي. وفيها كان المأمون يقرِّب أهل الكلام، ويأمرهم بالمُناظرة بحضرته، وينصُر ما دلّ عليه العقل. ويجالسُهُ بِشْر بن غياث المَرِيسي، وثُمامة بن أشرس، وهؤلاء الجُنُوس النُّجُوس. وكان قد طال القتال بين عبدالله بن طاهر، ونصر بن شَبَث العُقَيْلي. ثمّ إنَّ عبدالله استظهر عليه وحصره في حِصْنٍ له، وضيَّق عليه حتَّى طلب الأمان . فقال المأمون لثُمامة بن أشرس: ألا تدُلُّني على رجلٍ من أهل الجزيرة له عَقْلٌ وبيان يؤدِّي عنِّي رسالة إلى نصر بن شَبَك. فقال: بلى يا أمير المؤمنين: جعفر ابن محمد من بني عامر. قال جعفر: فأحضرني ثُمامة، فكلَّمني المأمون بكلام كثير لأبلِّغه نَصْراً. قال: فأتيته وهو بسَرُوج فأبلغته، فأذعن، وشرط أن لا يطأّ له بساطاً. فأتيت المأمون فأخبرته. فقال: لا أجيبه والله حتَّى يطأ بساطي، وما باله ينفر منِّي؟ قلت: لجُرْمه. قال: أتراه أعظم جُرْماً عندي من الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن أبي خالد؟ أتدري ما صنع بي الفضل؟ أخذ قُوَّادي وأموالي وجنودي فذهب بذلك إلى أخي وتركني وحيداً، وأفسد عليَّ أخي حتَّى جرى ما جرى. وعيسى طرد خليفتي عن بغداد، وذهبَ بخَراجي وفَيْئي، وأقعد إبراهيم في الخلافة. قلت: الفضل وعيسى لهم سوابق ولسلفهم وهم مواليكم. وهذا رجل لم يكن له يد قط فيُحْتَمَلُ عليها ولا لسَلَفه، إنَّما كانوا جُنْد بني أُميَّة. قال: إنْ ذلك كما تقول فكيف بالحَنَق والغيظ؟ فأتيت نصراً فأخبرتهُ بأنَّه لا بدَّ أن يطأ بساطه. فصاح بالخيل صيحة فجالت، وقال: ويلي عليه! هو لم يقو على أربع مئة ضِفْدع تحت جناحه يعني الزُّطّ يقوى على جَلبة العرب ! . ١٨ ثُمَّ إِنَّ عبدالله بن طاهر حَصَرَهُ ونالَ منه، فطلب الأمانَ، وخرج إلى عبد الله ابن طاهر، وكتب له المأمون أماناً. فهدم عبدالله كَيْسُوم وخَرَّبها. وفيها وَلَّى المأمون صدقة على أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابَك، وأعانه بأحمد بن الجُنَيد الإسكافي، فأسره بابَك. فولَّى إبراهيم بن ليث أذربيجان. وحجَّ بالناس أميرُ مَّةَ صالحُ بن العباس بن محمد بن علي. وفيها مات طاغية الروم ميخائيل بن جورجس، وكان مُلكه تسع سنين، ومَلَكَ بعده ابنه توفيل، لعنهما الله . ومن سنة عشر ومئتين فيها توفي أبو عمرو الشيباني صاحب العربية، والحسن بن محمد بن أعين الحرَّاني، وعبدالصمد بن حسان المروزي، ومحمد بن صالح بن بيهس أمير العرب، ومروان بن محمد الطاطري، وأبو عبيدة اللغوي، ويحيى بن إسحاق السَّيْلَحیني. وفي صفر أُدْخِلَ بغداد نصر بن شَبَث، فأنزله المأمون بمدينة أبي جعفر وعليه الحَرَس. وفيها ظهر المأمون على إبراهيم بن عائشة، وهو إبراهيم بن محمد بن عبدالوهاب بن إبراهيم الإمام، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، وملك بن شاهي، وفرج البغواري، ومن كان معهم ممَّن كان يسعى في البيعة لإبراهيم ابن المهدي ثانياً. فَأَطْلعه عليهم عِمران القُطْرُبُّلي، فأرسل إليهم المأمون في صفر، وأمر بابن عائشة أن يُقام ثلاثة أيَّام في الشمس على باب المأمون، ثم ضربه بالسِّياط وحبسه في المُطْبَق، وضرب الباقين. وفي ربيع الآخر أُخذ إبراهيم ابن المَهدي وهو منتقب بين امرأتين. أخذه حارس بالليل، وقال: مَن أنتنَّ واين تُرِدْنَ؟ فأعطاه إبراهيم فيما قيل خاتم ياقوت له قيمة ليخليهم. فلما رأى الياقوت استراب وقال: هذا خاتمُ من له شأن. فرفعهنَّ إلى صاحب الجَسْر، فبدت لحية إبراهيم فعرفه، فذهب به إلى المأمون. فلما كان في الغد وحضر الأمراء أقعده والمقنعة في رقبته والملحفة ١٩ على جسده يوهِنه بذلك. ثمَّ إنَّ الحسن بن سهل كلَّمه فيه، فرضي عنه. وقيل: إنَّ المأمون استشار الملأ في قَتْل إبراهيم، فقال بعضهم: اقْطَعْ أطرافه، وقال بعضهم: اصلُبْه. فقال أحمد بن أبي خالد: إنْ قتلته وجدتَ مثلكَ قتلَ مثلَهُ كثيراً، وإنْ عفوت عنه لم تجد مثلك عفا عن مثله، فأيُّما أحب إليك؟ وكان اختفاؤه ثمان سنين، فصيَّره عند أحمد بن أبي خالد في سَعَة، وعنده أُمُّه وعياله. وكان يركب إلى المأمون ومعه قائدان يحفظانه. وأمَّا إبراهيم بن عائشة ومن معه في الحبس فإنَّهم همُّوا بنقب السجن، وسدُّوا بابه من عندهم. فركب المأمون بنفسه، فدعا بإبراهيم وبثلاثة فقتلهم صبراً وصُلِبوا على الجَسْر. وفيها في رمضان سار الخليفة المأمون إلى واسط، ودخل ببُوران بنت الحَسَن بن سهل، وأقام عنده سبعة عشر يوماً. وخلع الحسن على القُوَّاد على مراتبهم. وتكلّف هذه الأيام بكل ما ينوب جيش المأمون، فكان مبلغ النّفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم، فوصله المأمون بعشرة آلاف ألف درهم، وأعطاه مدينة فم الصِّلْح. فذكر أحمد بن الحسن بن سهل قال: كان أهلنا يتحدَّثون أنَّ الحسن كتب رِقاعاً فيها أسماء ضِياع له ونثرها على القُوَّاد والعباسيين، فمن وقعت في يده رقعة باسم ضَيْعة تسلّمها. ونثر صينيّة مَلأى جوهرًا بين يدي المأمون عندما زُقَّت إليه. وفيها كتب المأمون إلى عبدالله بن طاهر بن الحسين أن يسير إلى مصر. فلما قرُّب منها، كان بها ابن السَّرِي، فخندق عليها وتهيّأ للحرب. ثم التقوا فانهزم ابن السَّرِي، وتساقط عامَّةُ جُنْده في خَنْدَقه، ودخل هو الفُسْطاط وتحصَّن. ثم خرج إلى ابن طاهر بالأمان، وبذل له أموالاً . ثم فتح عبدالله بن طاهر الإسكندرية، وكان قد تغلّب عليهم طائفة أتوا من الأندلس في المراكب، وعليهم رجلٌ يُكْنَى أبا حفص، وأنهم نزحوا عنها خوفاً من ابن طاهر، ونزلوا جزيرة أَقْرِيطش فسكنوها، وبها بقايا من أولادهم. وفيها امتنع أهلُ قُم، فوجَّه المأمون إليهم علي بن هشام فحاربهم وظفر بهم، وهَدَمَ سورَها، واستخرج منهم سبعة ألف ألف درهم. ٢٠