النص المفهرس

صفحات 1221-1240

اختفى مدّةً بالبَصْرة بعد قَتْل أخَوَيه، ثم أُخِذَ فَحُمِلَ إلى المنصور، فضربه
سبعین سَوْطًا، ثمّ عفا عنه.
قال أبو بكر الخطيب: روى شيئًا كثيرًا عن أبيه (١).
وقال يحيى بن مَعِين(٢): قد رأيتُه وهو ثقةٌ.
وقال البخاريّ(٣): فيه نظر .
وقيل: إنّه امتنع من التحديث، وله شِعْر حَسنٌ سائر.
٣٢٥- موسى بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك.
من كبار أمراء الدولة، وَلاّه الرشيد إمرة الشام في أيام فتنة أبي الهَيْذام،
فقَدِم وأصلح بين القَيْسيّة واليَمَانية. وكان شابًّا شُجاعًا كافيًا ذا دَهاء ورأي،
عزم المأمون أن يولّيه ثغر السِّند لشجاعته. حكى عنه ابنه هارون، والأصمعيّ،
وعليّ ابن المَدِيني.
ولا أعلم متى تُوفي(٤).
٣٢٦- مؤمَّلُ بن عبدالرحمن بن العباس البَصْريُّ، أبو العباس.
حدّث بمصر عن حُميد الطَّيل، وعَوْف، وابن عَجْلان، وأبي أميّة بن
يَعْلَى. وعنه أبو يحيى الوَقَّار، وعبدالغني بن عبدالعزيز العَسّال، وعمرو بن
سَوَّاد، ومحمد بن عبدالله بن ميمون، وآخرون.
عِداده في الضُّعفاء.
قال أبو حاتم(٥): ضعيف.
وقال ابن عدي(٦): عامّة حديثه غير محفوظ.
٣٢٧- مَيْسَرة بنُ عبد ربِّه التُّسْتَرِيُّ.
عن سفيان الثَّوري، وموسى بن عُبیدة، وابن جُرَيْج. وعنه یحیی بن یزید
الخوّاص، وعَمْرو بن مَطَر السَّكسكيُّ.
(١) هكذا بخط المصنف، والذي في تاريخ الخطيب ١٢/١٥: ((روى عن أبيه شيئًا يسيرًا)).
(٢) تاريخه برواية الدوري ٢/ ٥٩٣.
(٣) الكامل لابن عدي، من طريق الدولابي عنه ٢٣٤٥/٦.
(٤) من تاريخ دمشق ٢٣٢/٦١ - ٢٣٩.
(٥) الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ١٧١٠ .
(٦) الكامل ٢٤٣٣/٦.
١٢٢١

قال البخاري(١): يُرمى بالكذب.
وقال النَّسائي(٢): متروكُ الحديث.
قلت: هو واضع كتاب ((العقل))، وقد تقدّم ذِكره أيضًا(٣).
٣٢٨- نَصْر بن باب، أبو سَهْل الخُراسانيُّ.
سمع أبا إسحاق السَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود بن أبي هند.
وعنه عليّ ابن المَدِيني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يزيد
الشُّلَمي، وعليّ بن سَلَمَة، وأهلُ نَيْسابور.
وثّقه أحمد (٤).
وقال ابن مَعِين(٥): ليس بشيء.
وقال ابن حِبّان(٦): لا يُخْتَجّ به.
وقال البخاري(٧): يرمونه بالكذب.
وقال غير واحد: متروك.
٣٢٩- دن: النَّضْر بن كَثِير، أبو سهل البَصْريُّ العابد.
عن عبدالله بن طاووس، وداود بن أبي هند، ويحيى بن سعيد،
وجماعة. وعنه أحمد بن حنبل، وعُقبة بن مُكْرَم، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقي،
وعمر بن شَبَّة .
وقال الفلّس: كان يُعَدُّ من الأبدال.
وقال أحمد: ضعيف الحديث.
وقال البخاري(٨): عنده مناكير (٩).
(١) تاريخه الكبير ٧/ الترجمة ١٦٢٠، والصغير ١٧١/٢ .
(٢) الضعفاء والمتروكين (٦٠٨).
(٣)
الطبقة ١٨/ الترجمة ٢٩٩.
قال الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢٥٩/٢: ((ما كان به بأس)).
(٤)
(٥)
تاريخ الدوري ٦٠٤/٢ .
(٦)
المجروحين ٣/ ٥٣.
تاريخه الكبير ٨/ الترجمة ٢٣٥٧، والضعفاء الصغير (٣٧٢).
(٧)
(٨) ضعفاؤه الصغير (٣٧٤).
(٩) من تهذيب الكمال ٤٠٠/٢٩ - ٤٠٢.
١٢٢٢

٣٣٠- ن: هارون بن أبي عيسى .
روى ((السّيرة النَّبويّة)) عن ابن إسحاق.
قال البخاري: يخطىء عن غير ابن إسحاق.
قلت: حدّث عنه ابنه عبدالله، ومُعَلَّى بن أسد (١).
٣٣١- الرَّشيد هارون، أميرُ المؤمنين أبو جعفر بن محمد المهدي
ابن المنصور أبي جعفر عبدالله بن محمد بن عليّ بن عبدالله بن عباس
العَبّاسيُّ البَغْداديُّ.
استُخْلِف بعهدٍ من أبيه سنة سبعين ومئة عند موت أخيه الهادي. حدَّث
عن أبيه، وجده المنصور، ومبارك بن فضالة. روى عنه ابنه المأمون، وغيرُه.
وكان من أمْيَزِ الخلفاء، وأجَلّ ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحجّ كما
قيل فيه :
فمَنْ يطلب لقاءك أو يُرِدْه فَبِالحرمينِ أو أقصى الثُّغورِ
مولده بالزّي حين كان أبوه أميرًا عليها وعلى خُراسان، في سنة ثمانٍ
وأربعين ومئة. وأُمّه أُمّ ولد واسمها الخَيْزُران.
وكان أبيض طويلاً جميلاً مليحًا، مُسمَّنًا، فصيحًا، له نظر في العلم
والآداب، وقد وَخَطَه الشَّيْبُ. أغزاه والده أرضَ الروم وهو ابن خمس عشرة
سنة .
وبلغني أنّه كان يصلّي في خلافته في اليوم مئة ركعة إلى أن مات،
ويتصدّق كلَّ يوم من صُلْب ماله بألف درهم، فالله أعلم.
وكان يحبُّ العِلمَ وأهلَهُ، ويُعظِّم حُرُمات الإسلام، ويبغضُ المِراء في
الدين، والكلامَ في معارضة النَّصّ. وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه
وذنوبه، سيّما إذا وُعِظ. وكان يحبّ المديح ويُجيز عليه الأموال الجليلة. وله
شعرٌ يروق.
دخل عليه مرّةً ابن السَّمَّاك الواعظ، فبالَغَ في احترامه، فقال له ابن
السَّمَّاك: تواضعك في شَرَفك أشرفُ من شَرَفك. ثم وعظه فأبكاه. وقد وعظه
(١) من تهذيب الكمال ١٠٢/٣٠ - ١٠٣.
١٢٢٣

الفُضَيْلِ بن ◌ِياض حتى جعل يَشْهَق بالبكاء، وكان هو أتى بنفسه إلى بيت
الفُضَيْل.
ومن محاسنه أنّه لمّا بلغه موتُ ابن المبارك جلس للعزاء، وأمرَ الأعيانَ
أن يُعَزُّوه في ابن المبارك.
قال نِفْطُوية في تاريخه: حكى بعضُ أصحاب الرَّشيد أنَّ الرشيد كان
يصلِّي في اليوم مئة ركعة، لم يتركها إلاّ لِعِلّة، وكان يقتفي آثار جدِّه أبي
جعفر، إلاّ في الحِرْص.
قال أبو معاوية الضِّرير: ما ذكرت النبيَّ وَّ بين يدي الرشيد إلّ قال:
صلى الله على سيّدي. وحدَّثته بحديثه وَّهِ: ((وَدِدْتُ أنّي أقاتِلُ في سَبيل الله
فأُقتل ثم أحْيَى ثم أُقتل))، فبكى حتى انتحَبَ.
عن خُرَّزاذ القائد، قال: كنتُ عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضَّرير،
وعنده رجلٌ من وجوه قُريش، فذكر أبو معاوية حديث: ((احتجّ آدمُ وموسی))،
فقال القُرشيُّ: فأينَ لَقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النِّطْع والسَّيف، زِنْديق
يطعن في حديث النبيِّ وَّ ر. فما زال أبو معاوية يُسَكِّنه ويقول: يا أمير المؤمنين
کانت منه بادرة، حتی سکنَ.
وعن أبي معاوية، قال: أكلتُ مع الرشيد يومًا، ثمّ صَبَّ على يديّ رجلٌ
لا أعرفه. ثم قال الرشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا. قال: أنا، إجلالاً
للعِلم .
وقال منصور بن عمّار: ما رأيت أغزر دمعًا عند الذِّكر من ثلاثة: الفُضيل
ابن عِياض، والرشيد، وآخر.
وقال عُبيد الله القَواريري: لمّا لقي الرشيد فُضيلاً قال له: يا حَسنَ الوجه،
أنت المسؤول عن هذه الأمّة، حدثنا ليث، عن مجاهد: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
اَلْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة] قال: الوُصَلُ التي كانت بينهم في الدنيا. فجعل هارون
يبكي ويشهق .
قال الأصمعي: قال لي الرشيد: يا أصمعي، ما أغفلك عنّا، وأجفاك لنا؟
قلت: واللهِ يا أمير المؤمنين، ما ألاقَتْني بلادٌ بعدك حتى أتيتك. فسكتَ، فلمّا
١٢٢٤

تفرّق الناسُ قال: اجلس، فلم يبق سوى الغِلمان، فقال: ما ألاقتني؟ فقال
الأصمعي :
كفَّاك كفّ ما تُليق بدرهم جودًا وأخرى تُعْطِ بالسَّيف الدَّما
فقال: أحسنتَ، وهكذا فكنْ، وقِّرْنا في المَلأ، وعَلِّمْنا في الخلاء. وأمر
لي بخمسة آلاف دينار. رواها أبو حاتم عنه.
قال الثعالبي في كتاب ((لطائف المعارف)): قال الصُّولي: خَلَّفَ الرشيد
مئة ألف ألف دينار. قال الثَّعالبي: وحكى غيره أنَّ الرشيد خَلَّفَ من الأثاث
والعِين والوَرِق والجَوْهر والدَّواب ما قيمته مئة ألف ألف دينار وخمسة
وعشرون ألف دينار.
وفي ((مروج)) المَسْعودي، قال: رام الرشيدُ أن يوصل ما بين بحر الروم
وبحر القُلُزُم مما يلي الفَرَمَا، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: كان يختطفُ
الرومُ الناسَ من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه.
ورُوي عن إسحاق المَوْصلي أنَّ الرشيد أجازه مرة بمئتي ألف درهم.
وعن العباس بن الأحنف أنَّ الرشيد قال في حَظِيّةٍ له :
أما يكفيك أنَّكِ تملكيني وأن الناسَ كُلهم عَبِيدي
وأنَّك لو قطعت يدي ورِجْلي لقلتُ من الهَوى أحسنتِ زِيدي
قال عبدالرزاق بن همام: كنتُ مع الفُضَيل بمكة، فمر هارون، فقال
فُضَيْل: الناسُ يكرهون هذا، وما في الأرض أعز عليَّ منه، لو مات لرأيت
أمورًا عظامًا .
قال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة،
وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد
عم أبيه، وحاجبه الفَضْل بن الربيع أتْيَه الناسِ وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم
المَوْصلي، وزوجته زُبُيدة.
ويُروى أن الرشيد أعطى سُفْيان بن عُيَيْنَة مرة مئة ألف.
وأخبارُ الرشيد يطول شرحُها، ومحاسنه جَمَّة، وله أخبار في اللهو
واللَّذات المحظورة والغناء، والله يسامحه.
قال أبو محمد بن حَزْم: أُراه كان لا يشرب النَّبيذ المختلف فيه إلا الخَمْر
١٢٢٥

المتَّفق على تحريمها، ثم جاهر جهارًا قبيحًا.
قلتُ: تُوفي في الغزو بمدينة طُوس من خُراسان في ثالث شهر جمادى
الآخرة سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة، وصلى عليه ابنه صالح، ودُفن بطوس، رحمه
الله. عاش خمسًا وأربعين سنة (١).
٣٣٢- هاشم بن أبي بكر بن عبدالرحمن القُرشيُّ التَّميُّ البَكْرِيُّ،
أبو بكر المَدَنيُّ الفقیه.
وَلِيَ قضاءَ مصرَ، فقدِمَها بعد انفصال العُمَري عنها، ولاه الأمين في سنة
أربع وتسعين ومئة. وكان قد تفَقَّه بالكوفة على مذهب أبي حنيفة، وكان يتناول
النَّبيذ. لم تطل ولايته .
ومات في المحرَّم سنة ستٍّ وتسعين.
٣٣٣- هاشم بن القاسم التَّميُّ الكوفيُّ.
روى عن الأعمش. وعنه حُميد بن الربيع، والعباس بن يزيد البَحْراني.
٣٣٤- هُذَيل بن ميمون الجُعْفيُّ الكوفيُّ.
عن يحيى بن أبي أُنيسة، ومطرح الشَّامي. وعنه محمد بن الصَّبَّاح
الجَرْجَرائيُّ، وأحمد بن حنبل(٢) .
٣٣٥- م ق: هشام بن سُليمان بن عِكْرمة بن خالد المَخْزوميُّ
المکيُّ.
عن هشام بن عُرْوة، وابن جُرَيْج، ويونس بن يزيد الأيْلي. وعنه إبراهيم
ابن المُنذر، وسعيد بن عبدالرحمن المَخْزوميُّ، وسُويد بن سعيد، ومحمد
العَدَني.
صَدوق فيه أدنى شيء. وله أثر في ((البيوع)) من البُخاري(٣).
٣٣٦- هشام بن عبدالله بن عِكرمة بن خالد المَخْزوميُّ المكيُّ، ابن
عم الذي قبله.
(١) وبنظر تاريخ الخطيب ٩/١٦ - ١٨.
(٢) من تاريخ الخطيب ١٢٠/١٦ - ١٢١.
(٣) البخاري ١٠٢/٣ ولم يذكر البخاري في السند سوى ((هشام))، وهو هذا كما بيّنه
المصنف، وأيده الحافظ ابن حجر، وانظر تعليقي على تهذيب الكمال ٢١٢/٣٠،
والترجمة منه .
١٢٢٦

من نُبَلاء الشُّرَفاء، صحِب هشامَ بن عُرْوة، وكان من خاصّته، فأكثر عنه،
إلاّ أنّه لم يحدِّث.
وكان جليل القدْر يَحْتَسِبُ، ويأمرُ بالمعروف، وينهى عن المُنْكَر. ذكر
هذا ابن سَعْد(١)، ثم قال: دخل على الرشيد، فدعا له، وكلمه بكلام أعجبه،
ووعظه، فولاه قضاء المدينة، وأجازه بأربعة آلاف دينار. وكان سخيَّاً، وَصُولاً
لرحِمه.
قلت: كنيته أبو الوليد. وقد غمزه ابن حِبّان (٢) لأجل الحديث الذي
أخبرناه أحمد بن محمد الحافظ، وجماعة، قالوا: أخبرنا أبو المُنَجَّى عبد الله بن
عمر. (ح). وأخبرنا أحمد بن المؤيّد، قال: أخبرنا زكريا العُلبيُّ؛ قالا: أخبرنا
أبو الوقت، قال: أخبرتنا بِيبَى الهَرْئَميّة، قالت: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي
شُرَيْح، قال: حدثنا البَغَوي، قال: حدثنا مُصْعب بن عبدالله إملاءً سنة ثمانٍ
وعشرين ومئتين، قال: حدثني هشام بن عبدالله بن عِكْرمة المَخْزومي، عن
هشام بن عُزْوة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله وَ ل قال: ((التمسوا الرزقَ
في خبايا الأرض)). هذا حديث غريب، تفرد بن مُصْعَب، عن هشام.
قال عبدالملك بن حبيب الفقيه: قال لي مُطَرِّف بن عبدالله: أُتيَ هشامُ بن
عبدالله وهو قاضي المدينة، ومن صالح قُضَاتِها بِرجلٍ خبيثٍ معروف باتباع
الصِّبْيان، قد لصق بصبي في زحمةٍ حتى أفضى، فجلده أربع مئة سَوْط
وسجنه، فما لبث أن مات.
٣٣٧- خ ٤: هشام بن يوسف الصَّنْعانيُّ الفقيه، أبو عبدالرحمن،
قاضي صنعاء وعالمها .
روى عن ابن جُرَيْج، ومَعْمَر، والثَّوْري، والقاسم بن فَيّاض، وجماعة.
وعنه ابن المَدِيني، وإبراهيم بن موسى الفَراء، وإسحاق بن راهُوية، وابن
مَعِين، وعبدالله بن محمد المُسْنَدي، وجماعة.
قال ابن مَعِين: هو أثبت من عبدالرزاق في ابن جُرَيْج (٣).
(١) طبقاته ٥/ ٤٢٢ - ٤٢٣.
(٢) المجروحين ٣/ ٩١.
(٣) هذا القول رواه عباس الدوري عن يحيى بن معين كما في تهذيب الكمال ٢٦٧/٣٠، ولم
أجده في تاريخ الدوري .
١٢٢٧

وقال أبو حاتم(١): ثقةٌ متقرٌ.
وروى عبدالله بن أحمد، عن أبيه (٢) قال: سمعت بعض أصحابنا قال
مرةً: قال يحيى بن مَعِين: كتبَ لي عبدالرزاق إلى هشام قال: إنك تأتي رجلاً
إن كان غَيَّرِه السلطانُ، فإنه لم يغير حديثه. وقال يحيى: مكثنا على باب هشام
ابن يوسف خمسين يومًا، لا يحدثنا بحديث، نذهب معه إلى باب الأمير.
وقال أحمد(٣): سمعت عبدالرزاق قال: أتاه، يعني يحيى، فأجزَره شاةً،
وفعلَ به وفعل. قال أحمد: هشام ألأم من أن يذبح له.
قلت: تُوفي سنة سبْعٍ وتسعين ومئة.
قال إبراهيم بن موسى الفَراء: سمعت هشام بن يوسف يقول: قدِم
الثَّورِيُّ اليمنَ، فقال: اطلبوا لي كاتبًا سريع الخط. فارتادوني، فكنت أكتب.
قال أبو زرعة (٤): هشام أصح اليمانيين كتابًا .
وقال عبدالرزاق: إنْ حدثكم القاضي فلا عليكم أن لا تكتبوا عن
(٥)
غيره(٥) .
٣٣٨- ن: الهيثم بن مروان العَنْسيُّ، أبو الحَكَم الدِّمشقيُّ.
عن يونس بن مَيْسَرة. وعنه هشام بن عمار، ومحمود بن خالد، وأبو
همام السَّكُوني، وجماعة. وعُمر دهرًا.
لم أر لأحدٍ فيه كلامًا، محلُّهُ الصِّدْق(٦).
مات سنة تسع وتسعين ومئة(٧).
٣٣٩- والبة بن الحُباب، أبو أسامة الكُوفئُّ.
شاعرٌ مشهورٌ، مُحسن النَّعْت للغَزَل والخَمْر على منهاج الشُّعراء. وكان
(١) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٢٧١ .
(٢) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٣) نفسه ٣٨٤/١.
(٤)
الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٢٧١ .
(٥) من تهذيب الكمال ٢٦٥/٣٠ - ٢٦٩.
(٦) بل قال النسائي: ((لا بأس به)) كما في تهذيب الكمال ٣٩١/٣٠.
(٧) من تهذيب الكمال ٣٩٠/٣٠ - ٣٩١.
١٢٢٨

بينه وبين أبي العَتَاهية مُهَاجاة. وكان أبو نُواس يُثْني على شِعره. ولما مات
والبة رثاه أبو نُواس(١).
٣٤٠- وَرْش المقرىء، عثمان بن سعيد بن عبدالله بن عَمْرو بن
سُليمان. وقيل: عثمان بن سعيد بنِ عَدِي بن غَزْوان بن داود بن سابق
القِبْطِيُّ المِصْريُّ المقرىءُ، إمام القُراء أبو سعيد، ويقال: أبو عَمرو،
ويقال: أبو القاسم.
أصله من القَيْروان، وعِدادُه في مَوالي آل الزُّبَير بن العوام، ويقال له:
الرَّآسِ، وشيخه نافع هو الذي لقبه بِوَرْش لشدة بياضه، والوَرْش: شيء يُصْنَعُ
من اللَّبن. وقيل: بل لقبه وَرْشان، باسم طائر معروف. فكان يُعجبه هذا اللقب
ويقول: أستاذي نافع سماني به، ويفتخر بذلك.
وكان في حداثته رَآسًا (٢) في ما قيل، ثم اشتغل وبرع في التلاوة، وانتهت
إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية. وكان بصيرًا بالعربية. وكان أبيض أشقر
أزرق، سمينًا مربوعًا، يلبس ثيابًا قصارًا .
مولده سنة عشر ومئة، كذا أرخه الأهوازي، وكانت قراءته على نافع في
سنة خمسٍ وخمسين ومئة .
قال أبو عمرو الداني: تلا على نافع خَتْمات كثيرة، ثم رجع إلى مصر.
قلت: قرأ عليه أبو يعقوب الأزرق، وأحمد بن صالح، وداود بن أبي
طَيْبة، وأبو الأزهر عبدالصمد بن عبدالرحمن العُتَقي، ويونس بن عبدالأعلى،
وطائفة سواهم.
وقد وقع لي إسناد القرآن العظيم من طريقه في غاية العُلُو: تلوتُ كتابَ
الله على سُحْنُون الفقيه، عن قراءته على ابن الصَّفْراوي، عن ابن عطية، عن
ابن الفَحام، عن ابن نَفِيس، عن أبي عَدِي، عن أبي بكر بن سيف، عن
الأزرق، عن وَرْش، عن نافع، عن خمسةٍ، عن أصحاب أبي بن كعب وزيد،
عن النبي
(١) من تاريخ الخطيب ١٥/ ٦٧٦ - ٦٧٩.
(٢) وتسميه العامة: رواسًا.
١٢٢٩

وقد استوفيت أخبار وَرْش في ((طبقات القراء))(١). وهو ثَبْت حُجَّة في
القراءة .
مات بمصر في سنة سبع وتسعين ومئة؛ ولا أعلمه روى حديثاً.
٣٤١- ع: وكيع بن الجراح بن مَلِيح، الإمام أبو سُفيان الرُّؤاسي
الأعور الكُوفيُّ، أحد الأعلام.
ورُؤاس بطنٌ من قيس عَيْلان. وُلد سنة تسع وعشرين ومئة، وأصله من
خُراسان. سمع من الأعمش، وهشام بن عُرْوة، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن
عَوْن، وابن جُرَيْج، وداود بن يزيد الأوْدي، وأسود بن شَيْبان، ويونُس بن أبي
إسحاق، وهشام بن الغاز، والأوزاعي، وشُعْبة، والثُّوري، وإسرائيل، وجعفر
ابن بُرْقان، وحنظلة بن أبي سُفيان، وزكريا بن أبي زائدة، وطلحة بن عَمْرو
المكي، وطلحة بن يحيى التَّيْمي، وفُضَيْلِ بن غَزْوان، وموسى بن عُلَيّ،
وهشام الدَّسْتُوائي، وأبي جَناب الكلبي، وخلقٍ .
وعنه ابن المبارك وهو أكبر منه، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن
آدم، والحُميديُّ، ومُسدَّد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المَدِينيٍ، وابن
مَعِين، وأبو خَيْئَمة، وابنا أبي شيبة، وأبو كُرَيْب، وعبد الله بن هاشم الطّوسي،
وإبراهيم بن عبدالله القَصَّار، وأُمَمِّ سواهم.
وكان رأسًا في العِلم والعمل. وكان أبوه الجراح بن مَلِيح بن عَدِي بن
فَرَس بن جُمْجُمة ناظرًا على بيت المال بالكوفة.
وقد أراد الرشيد أن يُولي وكيعًا القضاءَ فامتنع .
قال يحيى بن يَمَان: لما مات الثَّوري، جلسَ وكيع موضعَه.
قال القَعْنَبِيُّ: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع قالوا: هذا راوية
سُفيان. فقال حماد: إن شئتم قلتُ: أرجحُ من سُفيان.
وعن يحيى بن أيوب المَقَابِري قال: ورث وكيع من أمه مئة ألف درهم.
وقال الفضل بن محمد الشَّعراني: سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحِبْت
وكيعًا في الحَضَر والسَّفَر، وكان يصوم الذَّهر، ويختم القرآن كل ليلة .
قال يحيى بن مَعِين: وكيعٌ في زمانه کالأوزاعي في زمانه .
(١) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ١٥٢ - ١٥٥ بتحقيقنا.
١٢٣٠

وقال أحمد بن حنبل(١): ما رأيتُ أوعى للعلم ولا أحفظَ من وكيع.
وقال أحمد بن سَهْل بن بحر النَّيْسابوري الحافظ: دخلتُ على أحمد بن
حنبل بعد المِخْنة، فسمعته يقول: كان وكيع إمام المسلمين في وقته.
وروى نوح بن حبيب، عن عبدالرزاق، قال: رأيتُ الثَّوريَّ ومَعْمَرًا
ومالكًا، فما رأت عيناي مثل وكيع قط .
وقال ابنُ مَعِين: ما رأيتُ أفضل من وكيع، كان يحفظ حديثه، ويقوم
الليل، ويسرُدُ الصومَ، ويُفْتي بقول أبي حنيفة، وكان يحيى القطان يُفْتي بقول
أبي حنيفة أيضًا.
وقال قُتَيْبة: سمعت جريرًا يقول: جاءني ابن المبارك، فقلت: مَن رجل
الكوفة اليوم؟ فسكت عني ثم قال: رجل المِصْرين ابن الجراح، يعني: وكيعًا.
قال سَلْم بن جُنادة: جالستُ وكيعًا سَبْع سنين، فما رأيته بَزَق ولا مَسَّ
حَصاةً، ولا جلسَ مجلسًا فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القِبلة، وما رأيته
یحلف بالله .
وقد روى غير واحدٍ أن وكيعًا كان يترخص في شُرب النَّبيذ، قال إسحاق
ابن بُهْلُول الحافظ: قَدِم علينا وكيع، يعني الأنبارَ، فنزل في المسجد على
الفُرات، فصِرت إليه لأسمع منه، فطلب مني نبيذًا، فجئته به، فأقبل يشرب
وأنا أقرأ عليه. فلما نفد طَفَا السراج، فقلتُ: ما هذا؟ قال: لو زِدْتَنَا لِزِدْناك.
وقال أبو سعيد الأشج: كنا عند وكيع، فجاءه رجل يدعوه إلى عُرْسِ،
فقال: أَثَمَّ نبيذ؟ قال: لا. قال: لا نحضرُ عرسًا ليس فيه نبيذ. قال: فإنّي
آتیکم به. فقام.
قال ابن مَعِين: سأل رجل وكيعًا أنه شربَ نبيذًا، فرأى في النوم كأن
رجلاً يقول له: إنك شربت خَمْرًا. فقال وكيع: ذاك الشيطان.
وقال نُعَيم بن حماد: سمعتُ وكيعًا يقول: هو عندي أحل من ماء
الفُرات .
ويُروَى عن وكيع أن رجلاً أغلظ له، فدخل بيتًا فعفَّرَ وجهه ثم خرج إلى
الرجل وقال: زِد وكيعًا بذَنْبه، فلولاه ما سُلِّطت عليه .
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٥٠.
١٢٣١

وقال إبراهيم بن شَمَّاس: لو تمنيت كنت أتمنى عقلَ ابن المبارك
وورعه، وزُهد فُضيل ورِقَّته، وعِبادة وكيع وحِفظه، وخشوعَ عيسى بن يونس،
وصبرَ حُسين الجُعْفي.
وقال نصر بن المغيرة البُخاري: سمعتُ إبراهيم بن شَمَّاس يقول: رأيت
أفقه الناس وكيعًا، وأحفظَ الناس ابن المبارك، وأورعَ الناس فُضيل بن عياض.
وقال مروان بن محمد الطَّاطَرِيُّ: ما رأيتُ فيمن رأيت أخشع من وكيع .
وما وُصِفَ لي أحدٌ قط إلا رأيته دونَ الصِّفة، إلا وكيعًا، فإني رأيته فوق ما
وُصِفَ لي.
قال سعيد بن منصور: قدِم وكيع مكةَ، وكان سَمينَا، فقال له الفُضَيل بن
عِياض: ما هذا السِّمَنُ وأنت راهبُ العراق؟ قال: هذا من فرحي بالإسلام!
فأفحمه .
وقال محمد بن عبدالله بن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا
أعلم بالحدیث منه.
وقال أبو داود(١): ما رُؤيَ لوكيع كتاب قط، ولا لهُشَيم، ولا لحماد،
ولا لمَعْمَر.
قال أحمد بن حنبل: ما رأت عيني مثل وكيع قط، يحفظ الحديث،
ويذاكر بالفقه فيُحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد.
قال حماد بن مَسْعَدة: قد رأيت سُفيان الثَّوري، فما كان مثل وكيع .
وقال أحمد أيضًا: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، كان حافظًا حافظًا.
وقال ابن أبي خيثمة، وغيرُه: سمعنا يحيى بن مَعِين يقول: مَن فَضَّلَ
عبدالرحمن بن مهدي على وكيع فعليه، فَذَكَر اللعنة(٢) .
قلت: ما أدري ما عُذر يحيى في هذا اللعن.
وقال أبو حاتم(٣): وكيع أحفظ من ابن المبارك.
(١) سؤالات الآجري ١١٥/٣، وفيه: ((ما رؤي لوكيع كتاب قط)) دون ما بعده.
(٢) وقال في رواية الدوري عنه ٣٥٩/٢: ((من قدم عبدالرحمن على وكيع فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين)).
(٣) الجرح والتعديل ٩ / الترجمة ١٦٨.
١٢٣٢

وقال أحمد بن حنبل: عليكم بمُصَنَّفات وکیع .
وقال علي ابن المَدِيني: كان وكيع يَلْحَن، ولو حَدثت عنه بألفاظه لكان
عَجَبًا، كان يقول: عن عَيشة(١).
وروى أبو هشام الرِّفاعي، وغيره، عن وكيع قال: مَن زعم أن القرآن
مخلوق فقد كفر .
قال وكيع: الجهر بالبسملة بِدْعة. سمعها أبو سعيد الأشج منه .
قال أحمد بن زُهير: حدثنا محمد بن يزيد، قال: حدثني حُسين أخو
زيدان، قال: كنتُ مع وكيع، فأقبلنا جميعًا من المِصِّيصة أو طَرَسُوس فأتينا
الشام، فما أتينا بلدًا، إلا استقبلنا واليها، وشهدْنا الجُمُعة بدمشق، فلما سَلَّم
الإمام أطافوا بوكيع، فما انصرف إلى أهله. فحدثتُ به مليحًا ولدَهُ فقال:
رأيتُ في جسده آثارًا خضراء مما زُحِم.
قال الفضل بن عَنْبَسة: ما رأيت مثل وكيع من ثلاثين سنة .
محمود بن غيلان: سمعتُ وكيعًا يقول: اختلفتُ إلى الأعمش سنتين.
قال ابن راهُوية: حِفْظي وحِفْظ ابن المبارك تكلُّف، وحفظ وكيع أصليٍّ،
قام وكيع واستند فحدث بسبع مئة حديث حِفْظًا.
وقال محمود بن آدم: تذاكر بِشْر بن السَّرِي ووكيع ليلةً وأنا أراهما من
العشاء، إلى أن نُودي بالصُّبح، فقلتَ لبِشْر: كيفُ رأيته؟ قال: ما رأيتُ أحفظ
منه. وكذا قال سهل بن عثمان: ما رأيت أحفظ من وكيع.
وقال عبدالله بن أحمد (٢): سمعتُ أبي يقول: وكيع مطبوع الحِفْظ، كان
حافظًا حافظًا، كان أحفظ من عبدالرحمن بكثير.
وقال ابن نُمير: كانوا إذا رأوا وكيعًا سكتوا. يعني في الحفظ والإجلال.
وقال أبو حاتم (٣): سُئل أحمد عن وكيع، ويحيى، وابن مهدي، فقال:
كان وکیع أسردَهُم.
(١) يريد: سيدتنا عائشة، وهي لغة.
(٢) العلل ومعرفة الرجال ٢٠٨/٢ و ٣٠٨.
(٣) تقدمة المعرفة ٢٢١ .
تاريخ الإسلام ٤ / م٧٨
١٢٣٣

قال أبو زُرعة الرازي(١): سمعت أبا جعفر الجمال يقول: أتينا وكيعًا،
فخرج بعد ساعة وعليه ثيابٌ مغسولةٌ، فلما بَصُرنا به فزعنا من النور الذي رأينا
يتلألأ من وجهه. فقال رجل بجَنْبي: أهذا مَلَكٌ؟ فتعجّبنا من ذلك النُّور.
قال أحمد بن سِنان القطان: رأيتُ وكيعًا إذا قام في الصلاة ليس يتحرك
منه شيء، لا يزول ولا يميل على رجلٍ دون الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعتُ وكيعًا يقول: ما نعيش إلا في سِتْرة،
ولو كُشِف الغطاء لكُشِف عن أمرٍ عظيم. وسمعته يقول: الصِّدْق النِّية.
قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيُّهما أصلح، وكيع أو يزيد؟ فقال: ما
منهما بحمد الله إلا كُلٌّ (٢)، لكن وكيع لم يختلط بالسلطان.
قال الفلاس: ما سمعتُ وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوءٍ قط.
وقال ابنُ عَمار: أحْرَمَ وكيع من بيت المقدس.
وقال ابن سَعْد(٣): كان وكيع ثقةً مأمونًا رفيعًا كثير الحديث حُجة.
وقال محمد بن خَلَف التَّيْمي: أخبرنا وكيع، قال: أتيتُ الأعمش فقلت:
حدثني. قال: ما اسمك؟ قلت: وكيع. قال: اسمٌّ نبيلٌ، ما أحسب إلا سيكون
لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رُؤُاس. قال: أين من منزل
الجَراح؟ قلتُ: هو أبي. وكان على بيت المال. قال: اذهب فجئني بعطائي،
وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث. فجئتُ أبي، فقال: خذ نصف العطاء
واذهب، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر، حتى تكون عشرة. فأتيته
بذلك، فأملى علي حديثين، فقلت: وعدتني خمسةً. قال: فأين الدراهم
كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا ولم يدرِ أن الأعمش مدرَّب قد شهد الوقائع .
قال: فكنت إذا جئته بالعطاء في كل شهر حدثني بخمسة .
قال قاسم الحَرَميُّ: كان سُفيان يتعجب من حفظ وكيع ويقول: تعال
يا رُؤَاسي، ويَتَبَسَّم.
قال ابنُ عَمار: سمعتُ وكيعًا يقول: ما نظرتُ في كتابٍ منذ خمس عشرة
(١) نفسه ٢٢١ - ٢٢٢ .
جوّد المصنف هذا التقييد بخطه، وفى تهذيب الكمال ٤٧١/٣٠: ((صالح))، وهي بمعنى.
(٢)
(٣) طبقاته ٦/ ٣٩٤.
١٢٣٤

سنة، إلا في صحيفةٍ يومًا. فقلت له: عَدُّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث
غلطت فيها. قال: وحَدَّثتهم بعَبَّادان بنحوٍ من ألف وخمس مئة حديث، أربعة
ما هي كثيرة في ذلك.
قال ابنُ مَعِين(١): سمعتُ وكيعًا يقول: ما كتبتُ عن الثَّوري حديثاً قط،
إنما كنت أحفظ، فإذا رجعتُ كتبتها .
قال يحيى بن يَمَان: نظر سُفيان في عَيْنَي وكيع، فقال: لا يموت هذا
حتی یکون له شأن. فمات سُفیان وجلس و کیع مکانَه.
قال سُليمان الشَّاذَكُوني: قال لنا أبو نُعيم: ما دام هذا التنين حيًّا ما يُفلح
أحدٌ معه. يعني وكيعًا.
وقال يحيى بن أيوب العابد: حدثني صاحبٌ لوكيع أن وكيعًا كان لا ينام
حتى يقرأ ثُلُث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المُفَصَّل، ثم يجلس فيأخذ
في الاستغفار حتى يطلع الفجر.
قال إبراهيم بن وكيع: كان أبي يصلي الليل، فلا يبقى في دارنا أحدٌ إلا
صلى، حتى جارية لنا سوداء.
ابن مَعِين(٢): سمعت وكيعًا يقول: أي نوم لنا من الموت. وأخذ وكيعٌ
في قراءة كتاب ((الزُّهد))، فلما بلغ حديثًا منه قامٌ فلم يحدث، وكذا فعل من
الغد. وهو حديث: ((كن في الدنيا كأنك غريب)).
الدَّارِقُطْني: حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي ابن أم شيبان، عن
أبيه، عن أبي عبدالرحمن بن سُفيان بن وكيع، عن أبيه، قال: كان أبي يجلسُ
لأصحاب الحديث من بُكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف فيقيل، ثم يصلي
الظهر، ويقصد طريق المَشْرَعة التي يصعد منها أصحاب الرَّوايا، فيريحون
نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفَرْضَ إلى حدود العصر، ثم
يرجع إلى مسجده، فيصلي العصرَ، ثم يجلسُ يتلو ويذكر الله إلى آخر النهار.
ثم يدخل منزله فيُفْطر على نحو عشرة أرطال نبيذ، فيشرب منها، ثم يصلي
وِردهُ، كلما صلى ركعتين شرب منها حتى يُنْفدها ثم ينام.
(١) تاريخ الدوري ٢/ ٦٣٠ .
(٢) تاريخ الدوري ٢/ ٦٣١ .
١٢٣٥

قال نُعَيم بن حماد: تعشَّينا عند وكيع، فقال: أي شيء تريدون أجيئكم
بنبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان؟ فقلت: تَكَلَّم بهذا؟! قال: هو عندي لأحل من
ماء الفُرات .
قلت: ماء الفرات لم يُختلف فيه، وقد اختلف في هذا.
وقال الفَسَويُّ(١): قد سُئِل أحمد إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن؟ فقال:
عبدالرحمن يوافق أكثر خاصة في سفيان، وعبدالرحمن كان يَسْلَم عليه السَّلَف
ويجتنبُ المسكِرَ، ولا يرى أن يزرعَ في أرض الفُرات.
وقال عباس(٢): قلت لابن مَعِين: إذا اختلف وكيع وأبو معاوية في
حديث الأعمش؟ قال: يوقف حتى يجيء من يتابع أحدهما. ثم قال: كانت
الرحلة إلى وكيع في زمانه.
قال ابن مَعِين: لقيتُ عند مروان بن معاوية لوحًا فيه: فلان رافضيٌّ،
وفلان كذا، ووكيع رافضيٌّ، فقلت لمروان: وكيع خيرٌ منك. فبلغ وكيعًا
ذلك، فقال: يحيى صاحبنا. وكان بعد ذلك يعرف لي ويُرَحِّب.
قال أحمد بن سِنان: كان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة. فإن
أنكر من أحدٍ شيئًا قام. وكان عبدالله بن نُمَير يغضب ويصيح، وإذا رأى من
يبري قلمًا تغير وجهه غَضَبًا .
قال تميم بن محمد الطُّوسي: سمعت أحمد يقول: عليكم بمُصَنَّفات
وكيع .
وروى عبدالله بن أحمد، عن أبيه، قال: أخطأ وكيع في خمس مئة
حدیث .
قال أبو هشام الرِّفاعي: سمعتُ وكيعًا يقول: مَن زعم أن القرآن مخلوق
فقد زعم أنه مُحْدَث، ومن زعم أن القرآن مُحدَث فقد كفر، فيقول: احتج
بعض المبتدعة بقول الله تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّنِ ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء
٢]، وبقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًّا .. ﴾ [الطلاق]، وهذا قال فيه
علماء السلف معناه: إنه أحدث إنزاله إلينا، وكذا في الحديث الصحيح: ((إن
(١) المعرفة والتاريخ ٧٢٨/١.
(٢) تاريخه ٢/ ٦٣٢.
١٢٣٦

الله يحدث من أمره ما شاء)). وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فالقرآن
العظیم کلامُ الله ووحيُهُ وتنزيلُه، وهو غير مخلوق.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعًا يقول: ما أحدثُ حديثاً قط
عَرْضًا.
قال ابن أبي الحواري: ذكرت لابن مَعِين وكيعًا، فقال: وكيع عندنا
ثَبْت .
وقال عبدالرحمن بن الحَكَم بن بشير: وكيع عن سفيان غاية الإسناد،
ليس بعده شيء، ما أعدِلُ بوكيع أحدًا. فقيل له: أبو معاوية؟ فنفَر من ذلك.
نوح بن حبيب: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال :
حضرت موت سُفيان، فكان عامة كلامه: ما أشد الموت. قال نوح: فأتيتُ ابن
مهدي فقلتُ: حدَّثنا وكيع عنك، وحَكيت له الكلام، وكان متكئًا فقعَد،
فقال: أنا حدثت أبا سفيان؟ جزى الله أبا سفيان خيرًا، ومن مثل أبي سُفيان،
وما يقال لمثل أبي سفيان.
علي بن خَشْرَم: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبدالله
البهي، أن أبا بكر الصِّديق جاء إلى النبي ◌ِّ بعد وفاته، فأكب عليه فقبله
وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك ومماتك(١). ثم قال البهي: وكان النبي
تُرِك يومًا وليلة حتى ربًا بطنُه، وانْثَنَت خِنْصراه. قال ابن خَشْرَم: فلما حدث
وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صَلْبه، ونصبوا خشبةً ليصلبوه، فجاء
ابن عُيَيْنَة، فقال لهم: الله الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه، وهذا حديث
معروف. قال: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع.
قال ابن خَشْرَم: سمعتُه من وكيع بعدما أرادوا صلبه. فتعجبتُ من
جَسَارته. وأُخْبِرتُ أن وكيعًا احتج فقال: إن عِدةً من الصحابة منهم عمر قالوا:
إن رسول الله وَ ﴿ لم يمت، فأحب الله أن يُريهم آية الموت.
رواها أحمد بن محمد بن علي بن رَزِين الباشاني، عن علي بن خَشْرم.
ورواه قُتَيبة، عن وکیع.
وهذه هفوة من وكيع، كادت تَذْهب فيها نفسُه، فما له ولرواية هذا الخبر
(١) كتب المصنف بخطه في حاشية النسخة: ((خ: ومينتك))، يعني أنها تروى كذلك أيضًا.
١٢٣٧

المنكر المنقطع؛ وقد قال النبي ◌َّ: ((كفى بالمرء إثْمًا أن يحدِّثَ بكل ما
سمع))، ولولا أن الحافظ ابن عساكر وغيره ساقوا القصة في تواريخهم لَتَركتها
ولَمَا ذكرتها، ولكنْ فيها عبرة.
قال الفَسوي في تاريخه (١): وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة عن
إسماعيل، عن البهي، وذكرَ الحديثَ. قال: فرُفِع إلى العثماني فحبسه، وعزم
على قتله، ونُصِبت خشبةٌ خارج الحرم، وبلغ وكيعًا وهو محبوس، قال
الحارث بن صدِّيق: فدخلت عليه لما بلغني، وقد سَبقَ إليه الخبر. قال: وكان
بينه وبين سُفيان بن عُيَينة يومئذٍ مُتباعَد، فقال: ما أُرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا
الرجل واحتجْنا إليه، يعني سُفيان. فقلت: دعْ هذا عنك، فإنْ لم يُدْرِكك
قُتِلْتَ. فأرسل إليه وفزع إليه. فدخل سُفيان على العثماني فكلمه فيه،
والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان: إني لك ناصحٌ، إن هذا رجل من أهل
العِلْم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، فَتُشخَص لمناظرتهم. قال:
فعمل فيه كلام سُفيان، فأمَرَ بإطلاقه. فرجعتُ إلى وكيع فأخبرته، وأُخرِجَ،
فركب حمارًا، وحملنا متاعه، وسافر، فدخلت على العثماني من الغد وقلت :
الحمد لله الذي لم تُبْتَل بهذا الرجل، وسلَّمك الله. قال: يا حارث ما ندمتُ
على شيء ندامتي على تَخْلِيته، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبدالله
قال: حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة فوجدناهم رِطابًا يُتْبُتُونَ(٢)، لم يتغير
منهم شيءٌ.
قال الفَسَويُّ(٣): فسمعت سعيد بن منصور يقول: كُنا بالمدينة، فكتب
أهلُ مكةَ إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قَدِم عليكم فلا
تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه. قال: فَعَرضوا عليَّ ذلك، وبلغنا
الذي هم عليه، فبعثنا بريدًا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق
الرَّبَدَة. وكان قد جاوزَ مفرق الطريقين، فلما أتاه البريدُ، ردًّ، ومضى إلى
الكوفة .
(١) المعرفة والتاريخ ١/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) جودها المؤلف بخطه، وفي سير أعلام النبلاء: ((يُثْنون)) خطأ، وإن استدلوا بحديث ابن
سعد ٣ / ٥٦٣.
(٣) المعرفة والتاريخ ١٧٦/١ .
١٢٣٨

وقد ساق ابنُ عدي هذه الواقعة في ترجمة عبدالمجيد بن أبي رواد،
ونقل أنه هو الذي أفتى بقتل وكيع، فقال(١): أخبرنا محمد بن عيسى المَرْوَزِي
فيما كتب إليّ، قال: حدثنا أبي عيسى بن محمد، قال: حدثنا العباس بنُ
مصْعَب، قال: حدثنا قُتَيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا ابن أبي خالد،
فساق الحديثَ. ثم قال قُتَيبة: حدث وكيع بهذا بمكة سنة حجَّ الرشيد، فقدموه
إليه، فدعا الرشيد سُفيان بن عُيَينة وعبدالمجيد، فأما عبدالمجيد فإنه قال:
يجب أن يُقْتَل، فإنه لم يروِ هذا إلا مَن في قلبه غشٌ للنبيِ نَّهِ. وقال سفيان:
لا قتْلَ عليه، رجلٌ سَمِعَ حديثًا فرواه، المدينة شديدة الحر، تُوفي النبيَِّ
فَتُرك ليلتين لأن القوم كانوا في إصلاح أمر الأمة. واختلفت قريش والأنصار،
فمن ذلك تغيَّر. قال قُتيبة: فكان وكيع إذا ذَكَر فِعل عبدالمجيد قال: ذاك جاهلٌ
سمعَ حديثًا لم يَعرف وجهه، فتكلَّم بما تكلّم .
عن مَلِيح بن وكيع، قال: لما نزل بأبي الموت أخرج يديه، فقال: يا بُني
ترى يدي ما ضربتُ بها شيئًا قط .
قال مليح: فحدثني داود بن يحيى بن يَمَان، قال: رأيتُ رسولَ الله وَل
في النوم، فقلت: يا رسولَ الله مَن الأبدال؟ قال: الذين لا يضربون بأيديهم
شيئًا، وإن و کیعًا منهم.
قلتُ: بل مَن ضربَ بيديه في سبيل الله فهو أفضل.
قال عليٌّ بن عَثام: مرض وكيع فدخلنا عليه، فقال: إن سُفيان أتاني
فبشرني بجواره، فأنا مبادِرٌ إليه.
غُنْجار في تاريخه: حدثنا أحمد بن سهل: سمعتُ قيس بن أُنْيف:
سمعت يحيى بن جعفر: سمعت عبدالرزاق يقول: يا أهل خراسان، إنه نُعِيَ لي
إمام خُراسان، يعني وكيعًا. قال: فاهتممنا لذلك. ثم قال: بُعْدًا لكم يا معشر
الكلاب، إذا سمعتم من أحدٍ شيئًا اشتهیتم موته.
قلتُ: ومن جسارته كونه حج بعد تيك المحنة.
قال أبو هشام الرفاعي: مات وكيع سنة سَبْعٍ وتسعين ومئة يوم عاشوراء
ودُفِنَ بفَيْد، يعني راجعًا من الحج.
(١) الكامل ١٩٨٣/٥.
١٢٣٩

وقال أحمد: حج وكيع سنة ستٍّ وتسعين ومات بفَيْد (١).
٣٤٢- د: الوليد بن عُقبة بن المغيرة الشَّيْبانيُّ الطحان الكُونيُّ، أخو
محمد .
روى عن حنظلة بن أبي سفيان، وحمزة الزيات، وزائدة. وعنه أحمد،
وإسحاق، وعلي بن محمد الطنافسي، ومحمد بن رافع، وجماعة.
قال أبو حاتم(٢): صَدُوق.
وقال أبو داود: ليس به بأس(٣).
٣٤٣- ن: الوليد بن كثير المُزَنِيُّ المَدَنيُّ، نزيلُ الكوفة.
روى عن ربيعة الرأي، وعُبيد الله بن عمر، والضحاك بن عثمان. وعنه أبو
سعيد الأشج، ومحمد بن عبدالله بن عمار، ويوسف بن عدي، وأخوه زكريا .
قال أبو حاتم(٤): يُكْتَب حديثه(٥).
٣٤٤- ع: الوليد بن مُسلم، الإمام أبو العباس الأمويُّ، مولاهم،
الدمشقيُّ، أحدُ الأعلام.
قرأ القرآن على يحيى الذِّماري، وحدث عنه، وعن ثور بن يزيد، وابن
جُرَيْج، وابن عَجْلان، والمُثَنَّى بن الصباح، ويزيد بن أبي مريم، وصَفْوان بن
عَمرو، وعبدالله بن العلاء بن زَبّر، والأوزاعي، والثَّوري، ومالك، واللَّيث،
وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وأبي بكر بن أبي مريم، وعُفَير بن مَعْدان،
ومروان بن جَناحِ، وعثمان بن أبي العاتكة، وخَلْقٍ .
وعنه اللَّيث بن سعد شيخُه، وبقية، وابن وَهْب، وأحمد بن حنبل،
ودُحَيم، وأبو خيثمة، وعلي بن محمد الطَّنافسي، وإسحاق بن موسى
الخَطْمي، وموسى بن عامر المُرِّي ومحمد بن مُصَفَّى، ومحمود بن غيلان،
وعمرو بن عثمان، وخَلْقٌ كثير. وصنف التصانيف.
(١) جل الترجمة من تهذيب الكمال ٤٦٢/٣٠-٤٨٤. وينظر تاريخ الخطيب ٦٤٧/١٥ -٦٦٧ .
(٢)
الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٥٣ .
(٣) من تهذيب الكمال ٦١/٣١ - ٦٢.
(٤) الجرح والتعديل ٩ / الترجمة ٦٣ .
(٥) من تهذيب الكمال ٧١/٣١ - ٧٣.
١٢٤٠