النص المفهرس
صفحات 1041-1060
الهربُ أهون من الغَضَب، والموت أهْوَن من الذُل، النفيرَ النفيرَ قبل أن ينقطع الشَّمْل ويعسر المهرب. ثم قام آخر من كلب فقال نحو ذلك، فسار معه عامَّة أهل الشام وتفلّلوا وأقبل نصر بن شبيب في الزَّواقيل، وهو يقول: فرسانَ قيسٍ اصبري للموت لا ترهبَنَّ عن لقاء القوت دعي التّمنِّي بعسی ولیت ثُم حَمَل هو وأصحابه، فقاتل قتالاً شديداً، وكثُر القتل والبلاء في الزَّواقيل، وحملت الأبناء فانهزمت الزَّواقيل. ثم تُوُقِّي عبدالملك في هذه الأيام، فنادى الحسين بن علي بن عيسى في الجُنْد، فَصَيَّرِ الرَّجَّالة في السفن، والفُرسان على الظَّهْر، ووَصَّلهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة في رَجَب، ودخل بغداد. فلمَّا كان في جوف الليل طلبه الأمين، فقال للرسول: ما أنا بمُغنٍّ ولا مُسامِرٍ ولا مُضْحك، ولا ولِيتُ له عَمَلاً، فلأيِّ شيءٍ يريدني؟ انصرف فَمِن الغد آتيه. قال: فأصبح الحسين فوافى باب الجَسْر، واجتمع إليه النَّاسُ، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى عبيد الله بن علي وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إنَّ خلافة الله لا تُجاوَر بالبَطر، ونِعَمَهُ لا تُسْتَصْحب بالتجبُّر، وإنَّ محمداً يريد أن يُزيغَ أديانكم، وينكثَ بيعتكم، ويفرِّقَ أمركم، وتاللهِ إنْ طالت يده، وراجعه من أمره قوّة، لَيرجعنَّ وبَالُ ذلك عليكم، ولتعرفُنَّ ضرره، فاقطعوا أثرَه قبل أن يقطع آثاركم، وضَعُوا عِزَّهُ قبل أن يضع عزَّكُم. ثم أمر النَّاسَ بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكَّة باب خُراسان، واجتمعت الحربيَّة وأهلُ الأرباض ممَّا يلي بابَ الشام، فتسرَّعت خيولٌ من خيول الأمين من الأعراب وغيرهم إلى الحُسين، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم استظهر عليهم الحُسين وتَفَرَّقوا. فخلع الحسينُ محمداً لإحدى عشرة ليلةٍ خَلَت من رجب، وبايع للمأمون من الغد، ثم غدا إلى محمد. فوثب العباس ابن موسى بن عيسى الهاشميُّ فدخل قصرَ الخُلْد فأخرج منه محمداً إلى قصر المنصور، فحبسه هناك إلى الظُّهر. وأخرج أمَّه، أم جعفر، بعد أن أبت، وقَنَعها بالسَّوط وسَبَّها، فأُدخِلَت إلى مدينة المنصور. تاريخ الإسلام ٤ / م ٦٦ ١٠٤١ فلمّا أصبح الناسُ من الغد طلبوا من الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعضٍ، وقام محمد بن أبي خالد كبير الأبناء بباب الشام فقال: أيُّها الناس، والله ما أدري بأيِّ سببٍ تَأمَّر الحُسين علينا؟ واللهِ ما هو بأكبرنا سِنَّا، ولا أكرمنا حَسَباً، ولا أعظمنا منزلة وغَناءً، وإنَّ فينا من لا يرضى بالدَّنِيَّة، ولا ينقاد بالمخادعة، وإني أوَّلكُم نقضَ عهده، وأنكر فِعله، فمن كان رأيُه رأيي فلْيعتزل معي. وقام أسد الحَرْبي فقال نحو مقالته. فأقبل شيخٌ كبير من أبناء الكَفِّيَّة فصاح: اسكتوا أيُّها الناس؛ فسكتوا له، فقال: هل تعتدون على محمدٍ بقطع أرزاقكم؟ قالوا: لا. قال: فهل قَصَّرَ بأحدٍ من أعيانكم؟ قالوا: ما عَلِمْنا. قال: فهل عزل أحداً من قُوَّادكم؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتُم عدوه على اضطهاده وأسْره؟ أما واللهِ ما قتل قوم خليفتهم إلاّ سلَّط الله عليهم السيف، انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عنه، وقاتِلوا من أراد خلعه. فنهضت الحربيّة، ونهض معهم عامَّة أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالاً شديداً، وأكثروا في أصحابه الجِراح، وأُسِر الحُسين. فدخل أسد الحربي على الأمين، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة. فنظر محمد إلى قومٍ ليس عليهم لباس الجُنْد، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من الخزائن حاجتهم من السلاح، ووعدهم ومَنَّاهم. وأحضروا الحسين، فلامَه على خِلافه، وقال: ألم أُقَدِّم أباك على الناس، وأُشرِّف أقداركُم؟ قال: بلى. قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلعِ طاعتي، وتؤلِّب الناس على قتالي؟ قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحُسْن الظَّنِّ بصفحه. قال: فإنِّي قد فعلتُ ذلك. وولَّيْتُك الطلب بثأر أبيك. ثم خلعَ عليه وأمرَه بالمسير إلى حُلوان، فخرجَ. فلما خفَّ الناسُ قطعَ الجَسْر، وهرب في نَفَرٍ من حَشَمه ومواليه. فنادى الأمينُ في الناس فركبوا فأدركوه. فلما بَصُر بالَخَيْل نزل فصلَّى رَكْعتين ثم تهيَّأ، فلقِيهم وحمل عليهم حملات في كُلُّها يهزمهم، ثم عثرَ به فرسُهُ فسقط وابتدرهُ الناس فقتلوه، وذلك على فرسخ من بغداد للنصف من رجب، وأتوا برأسه. وقيل: إنَّ الأمين لما عفى عنه استوزَّرَهُ ودفعَ إليه خاتمه، وصبيحة قتله جدَّد الجُنْد البيعةَ للأمين، وليلة قتله هربَ الفضلُ بنُ الربيع. ١٠٤٢ ولما سار طاهر إلى الأهواز بلغه أنَّ محمد بن يزيد بن حاتم المُهَلَّبِيَّ عاملَ الأمين عليها قد توجَّه في جَمْع عظيم يريد النزول بجُنْدَيْسابور وهو ما بين حَد الأهواز والجبل، ليحمي الأهواز، فدعا طاهر عذَّة أمراء من جُنْده بأن يكمِّشوا السير(١). ثم سارت عساكره حتى أشرفوا على عسكر مُكْرَم، وبه محمد بن يزيد، فرجعَ فدخل الأهواز. ثم عَبَّى أصحابَهُ على بابها والتقوا، وطالَ الحربُ بينهم. ثم نزل محمد بن يزيد هو وغلمانه عن خيلهم وعَرْقَبُوها، وقاتلَ حتى قُتِلَ، طعنه رجل برمح. فذكر بعضُهم مصرعَه ورثاه، فقال: فإنني قد أضَرَّ بي سَهَري من ذاق طعم الرُّقادِ من فرحٍ قَلْبي وسَمْعي وغرَّني بَصري وَلّى فتى الرُّشْد فافتقدتُ به وَلَّى غمامُ الرَّبيع والمطرِ كان غياثاً لدى المحول فقد وأقامَ طاهر بالأهواز، ووَلَّى عمَّاله على اليمامة والبحرين. ثم أخذَ على طريق البر متوجهاً إلى واسط، وبها يومئذٍ السندي بن يحيى الحرسي، وجعلت المسالحُ كلَّما قرُب طاهر من واحدة هرب من يحفظها. فجمع السندي والهيثم ابن شُعبة أصحابهما وهَمَّا بالقتال، ثم هربا عن واسط، فدخلها طاهر، ووجَّه إلى الكوفة أحمد بن المهلَّب القائد، وعليها يومئذٍ العباس بن موسى الهادي، فبلغه الخبر، فخلع الأمينَ، وكتب بالطّاعة إلى طاهر. ونزلت خيله واسط ثم فم النِّيل، وكتب عاملُ البصرة، منصور بن المهدي، إلى طاهر بالطاعة. ثم نزل طاهر جَرْجرايا وخندق عليه. وكتب بالطّاعة أمير المَوْصل المُطَّلب بن عبدالله بن مالك للمأمون، كل ذلك في رَجَب . ولمَّا كتب هؤلاء إلى طاهر بالطَّاعة، أقرَّهم على أعمالِهِم، واستعملَ على مكَّة والمدينة داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، وعلى اليمن يزيد بن جرير القَسْري. ثم غلب طاهر على المدائن، ثم صار منها إلى نهر صَرْصَر، فعَقَد عليه جَسْراً، فوجَّه الأمينُ محمد بن سُليمان القائد، ومحمد بن حَمَّاد البَرْبَري ليُبيِّنا (١) أي: يسرعوا ويجدوا فيه. ١٠٤٣ يَزَكَ طاهر، فكانت بينهم وقعة شديدة، فانهزم محمد القائد. ووجَّه الأمين على الكوفة الفضلَ بنَ موسى بن عيسى الهاشمي وولاًه عليها، فالتقاهُ محمد بنُ العلاءِ بعضُ قوَّاد طاهر، فاقتتلوا وانهزم أصحاب الفَضْل، وهَمَّ في أقفيتهم قتلاً وأسْراً، فأسروا إسماعيل بن محمد القُرَشي وجمهور البُخاري. وبقي أمرُ الأمين كل يوم في إدبار، والناس معذورون في خَلْعه، لكونه نكثَ وخلعَ أخويه المأمون والمؤتمن، وأقام بَدَلَهما ابنَه طِفْلاً رضيعاً، مع ما هو فيه من الانهماك على اللعب والجهل. وأما داود بن عيسى الهاشمي فإنه كان على الحرمين، فأسرعَ في خلع الأمين تَدَيناً، وبايعَهُ للمأمون وجوهُ أهل الحرمين، فاستخلف عليهما ولده سليمان، وسار في وجوهٍ من أقاربه يريد المأمون بمَرْو. فلما قدِم عليه تيمَّن المأمون ببركة مكَّة والمدينة، إذ كانوا أوَّل مَن بايعه بعد خُراسان. ووصل داود بخمس مئة ألف درهم، ثم رجع مسرعاً ليقيم موسم الحج، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فمرًا بالعراق على طاهر، فبالغ في إكرامهما، ووجَّه معهما زيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبدالله القَسْري، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن. وأقام الموسمَ العباس بن موسى المذكور. وأحسن زيد السيرة باليمن. وفي شَعبان عقدَ الأمينُ لعلي بن محمد بن عيسى بن نَهِيك الإمرة على نحو أربع مئة قائد، وأمرَه بالمسير إلى هَرْئَمة. فساروا فالتقوا بجلولاء في رمضان، فهزمهم هَرْثَمة وأسر أمير الجيش علي بن محمد، وبعث به إلى المأمون، وزحف هَرْئَمة فنزل النَّهروان. وأقام طاهر بنهر صَرْصَر، فكان لا يأتيه جيشٌ من جهةِ الأمين إلاَّ هزمه. وأخذ الأمين يدس الجواسيسَ إلى قوَّاد طاهر يعِدهم ويُمَنِيهم، فشغبوا على طاهر، واستأمَن خلقٌ إلى الأمين فأسْنَى عطاياهم، ثم كرُّوا إلى صَرْصَر لحرب طاهر، فالتقوا ودام القتال. ثم انهزم جيش بغداد، وانتهبَ أصحاب طاهر أثقالَهم وأموالهم. فبلغ الأمين الخَبَرُ، فأخرج خزائنَهُ وذخائرَهُ، وَفَرَّق الصِّلات، وجمَع أهل الأرباض. واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحداً ١٠٤٤ وسيماً حسن الرواء إلاَّ خلع عليه وأمَّرَهُ، وغَلَّف لحيته بالغالية، فسُمُّوا قوَّاد الغالية، وأعطى كلَّ واحدٍ خمس مئة درهم وقارورة غالية . ثم كاتب طاهرٌ قوَّادَ الأمين فاستمالهم، فشغبوا على الأمين، وذلك لستِّ خلون من ذي الحجَّة، فشاور قوَّاده، فقيل له: تدارك أمرَهُم، فبذل فيهم العطاء فأسرفَ، ونزل معسكراً بالبُستان، ففتح أهلُ السجون السجونَ وخرجوا، ووثب على العامَّة الشُّطَّار، وساءت حال الناس وعظُم الشر. سنة سبع وتسعين تُؤُنِّي فيها: أحمد بن بشير أبو بكر الكوفي، بقيّة بن الوليد أبو يُحْمِد الكَلاعي، إبراهيم بن عُيَيْنَة أخو سُفيان، بهز بن أسد بَصْرٌّ ثقة، رِبعي بن عُلَيَّة أبو الحسن أخو إسماعيل، الحسن بن حبيب بن نَذْبةٍ (١) بَصْري، زيد بن أبي الزرقاء المَوْصلي، سلامة بن رَوْح الأيلي عن عُقَيْل، شُعيب بن حرب المدائني الزَّاهد، عبدالله بن وهب أبو محمد بمصر، عبدالعزيز بن عمران الزُّهري المدني، الفضل بن عَنْبَسَة الواسطي ثقة، القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّم حدَّث فيها، محمد بن فُلَيْح بن سُليمان المدني، هشام بن يوسف الصَّنْعاني الفقيه، ورش المقرىء واسمه عثمان بن سعيد، وكيع بن الجرَّاح الرُّؤاسي الإمام، أبو سعيد مولى بني هاشم هو عبدالرحمن. وفيها لحِق القاسم المُلقَّب بالمؤتمن، وهو أخو الأمين، ومنصور بن المهدي بالمأمون . وفيها نزل زُهير بن المُسَيَّب الضَّبِّي بكَلْواذَا، ونصب المجانيق، واحتفر الخندق، وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الجُند بحرب طاهر، فيرمي بالمجانيق والعَرَّادات مَنْ أقبلَ وأدبرَ، ويُعَشِّر أموال الثُّجَّار، وجعل يؤذي المسلمين، فأتوا طاهراً يشكون منه، وبلغ ذلك هَرْثَمة بن أعْيَن، فأمدَّه بالجنود . ثم نزل هَرْئَمة نهرتير وبنَى عليه حائطاً وخندقاً، وأعدَّ المجانيق، وأنزل (١) هكذا قيده المؤلف بخطه بسكون الدال، والمعروف بالفتح. ١٠٤٥ عُبيد الله بن الوضَّاح الشمَّاسيَّة، ونزل طاهر بن الحسين البُستان الذي بباب الأنبار فضاق الأمينُ ذَرْعاً، وتفرَّق ما كان في يده من الأموال العظيمة، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضربَ آنية الذهب والفضَّة دنانير ودراهم لينفقها. ثم أمر برمي الحربيّة بالنِّقط والمجانيق، وهلكَ جماعةٌ، وكَثُر الخرابُ والهَدْم حتَّى دَرست محاسنُ بغدادَ، وعُمِلت فيها المراثي. ولم يزل طاهر مُصابراً للأمين وجُنده، حتى مَلَّ أهلُ بغداد قتالَهُ، فاستأمن إلى طاهر الموكَّلون للأمين بقصر صالح، وسلَّموا إليه القصرَ بجميع ما فيه في جُمادى الآخرة في منتصفه. ثم استأمن إلى طاهر صاحب شُرطة الأمين محمد ابن عيسى، فضعُف ركن الأمين واستسلم. وقُتِل داخل قصر صالح، أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي وجماعةٌ من القوَّاد، وقُتِل خلقٌ من أصحاب طاهر. ثم لحِق بطاهر عبدالله بن حُمَيد الطّائي، وإخوته، وابنُ الحسن ابن قَحْطَبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطَّائي، وكاتَبهُ قوم في السِّرِّ من العباسيين. ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد على اللّهو والشُّرب، ووكّل الأمرَ إلى محمد بن عيسى بن نَهِيك وإلى الهِرْش. فأقبل أصحابُ الهِرْش يؤذون الرعيّة وينهبونهم، فلجأ خلق ونزحوا إلى طاهر، فرأوا من أصحابه الأمنَ والخيرَ، وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال، وطال الأمر. ولبعضهم: فقدتْ غَضارةَ العيش الأنيقِ بكيتُ دماً على بغدادَ لمَّا فأفْنَتْ أهلَها بالمنجنيق أصابتها من الحسَّاد عينٌ وهي طويلة . وبقي يقاتل عن الأمين غوغاء بغداد والعَيَّارون والحَرَافشة، فأنكوا في أصحاب طاهر، وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء: لا لقَحْطانها ولا لِنِزارِ خَرَّجت هذه الحروبُ رجالاً ن إلى الحرب كالأُسود الضَّواري مَعْشَراً في جواشن الصوف يَغْدو ـهم عن البِيض والتِّراسُ البَوارِي وعليهم مَغافرُ الخُوصِ تُجزيـ ـطال عاذوا من القَنا بالفرارِ ليس يدرون ما الفرارُ إذا الأبـ ١٠٤٦ واحدٌ منهم يُشدُّ على ألْ كم شريفٍ قد أخملَتْهُ وكم قد وقال آخر في غوغاء البغاددة: إذا حَضَروا قالوا بما يَعْرفونه ترى البطلَ المشهورَ في كلِّ بلدةٍ ـفين عُزْيانَ مالَهُ من إزارٍ رفعتْ من مُقامرٍ عِيَّارِ وإن لم يروا شيئاً قبيحاً تَخَرَّصوا إذا ما رأى العريان يوماً يُبَصْبِصُ ثم كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين على أصحاب طاهر، فقُتل فيها خلقٌ كثير. ثم كانت وقعة باب الشَّمَّاسية، وأُسِر فيها هَرْثَمة، وانتصر فيها أصحابُ محمد، وأسَرَ هَرْثَمَة رجلٌ مِن العُراة، ولم يعرفه، فحمل بعضُ أصحاب هَرْئَمة على الرجل فقطع بِده وخَلَّصه، فمرَّ منهزماً، وبلغ خبرهُ أهلَ عسكره فتقوَّض بما فيه، وهربَ أَهلُه نحو حُلْوان. وكان على العُراة حاتِم بن الصَّقْر. ثم نَجَدَ هَرْئَمة وأصحابَه طاهر بن الحسين وأصحابُه، وقتلوا من العُراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب من عنده عبدالله بن خازم بن خُزَيمة إلى المدائن في السُّفن بعياله. وقيل في قتل العُراة: ما سألناه لأيْشِ كم قتيلٍ قد رأينا نُ بجهلٍ وبطيشِ دارعاً تلقاه عُريا س على قطعة خَيْشِ حبشيًّا يقتل النا بالمُنَى من كلِّ عَيْشِ مرتدٍ بالشمس راضٍ ـتُلُ إلا رأس جَيْشِ يحمل الحملـة لا يقـ هرُ من كفِّ الحُبَيْشي احْذَر الزَّميةَ يا طا ودامَ حصارُ بغدادَ خمسة عشر شهراً هكذا، فلا قوّة إلّ بالله . وفيها قوي السفيانيُّ بالشام، واستولى على سائرها باليَمانية، وهربت القيسيَّة من الغوطة. ثم إنَّه توثَب عليه مَسْلَمة بن يعقوب الأُموي المَرْواني، وقبض عليه في أثناء السنة، وقيّده، واستبدَّ بالأمر وبايع لنفسه، فلم يبلع رِيقَه حتى حاصره ابن بَيْهَس بدمشق أياماً، ثم نصب على السور السلالم، كما يأتي. ١٠٤٧ سنة ثمانٍ وتسعين تُؤُفِّي فيها: إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السَّبيعي، أيوب بن تَميم التَّميمي المقرىء بدمشق، سُفيان بن عُيَيْنَة أبو محمد الهلالي، صَفْوان بن عيسى الزُّهْري والأصح بعد ذلك، عبدالرحمن بن مهدي أبو سعيد، عمر بن حفص العَبدي في قَوْل، عمرو بن الهيثم أبو قطن بَصْريٌّ ثقة، عَنْبَسَة بن خالد الأيْلي، مالك بن سُعَيْر بن الخِمْس الكوفي، محمد بن شعيب بن شابور في قَوْل، محمد بن مَعْن الغِفَاري المدني تقريباً، مسكين بن بُكَيْرِ الحرَّاني الحَذَّاء، محمد بن هارون الأمين الخليفة قُتِل، معن بن عيسى القزَّاز المدني، يحيى بن سعيد القطّان، يحيى بن عبّاد الضُّبَعي البصري ببغداد. وفيها الحصار كما هو على بغداد، ففارق محمداً خزيمةُ بنُ خازم من كبار قوَّده، وقَفّز إلى طاهر بن الحسين هو ومحمد بن علي بن عيسى بن ماهان، فوثبا على جَسْر دِجلة في ثامن المحرَّم فقطعاه، وركّزا أعلامَهُما، وخَلعَا الأمينَ، ودعيا للمأمون. فأصبح طاهر بنُ الحسين وألخَّ في القتال على أصحاب محمد الأمين، وقاتل بنفسه، فانهزم أصحاب محمد، ودخل طاهر قَسْراً بالسيف، ونادى مناديه: من لَزِم بيته فهو آمِن. ثم أحاط بمدينة المنصور، وبقصر زُبيدة، وقصر الخُلْد، فثبتَ على قتال طاهر حاتِم بن الصَّقْر والهِرْش والأفارقة. فنصب المجانيق خلف السُّور وعلى القصرين ورماهم. فخرج محمد بأُمِّه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرَّق عامة جُنْده وغِلْمانه، وقلَّ عليهم القُوت والماء، وفنيت خزائنه على كَثْرتها . وذُكِر عن محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنَّه كان مع محمد بمدينة المنصور في قصر باب الذَّهَب، فخرج ليلةً من القصر من الضُّيق والضَّنك، فصار إلى قصر القرار فطلبني، فأتيتُ، فقال: ما ترى طِيبَ هذه الليلة، وحُسن القَمَر، وضوءه في الماء، فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك. فدعا برطلٍ من نبيذ فشرِبه، ثم سُقيتُ مثله، فابتدأتُ أُغنِيه من غير أن يسألني، لِعِلمي بسوء خُلُقْهِ، فغنَّيتُ، فقال: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحْوَجني إلى ذلك. فدعا بجاريةِ اسمها ضَعْف، فتطيَّرتُ من اسمها، ثم غَنَّتْ بِشِعر الثَّابغة الجَعْدي: ١٠٤٨ كُلِيبٌ لعَمْري كان أكثَرَ ناصراً وأَيْسَرَ ذَنباً منك ضُرِّج بالدَّم فتطيّر بذلك، وقال: غنِّي غيرَ هذا، فغنَّت: إِنَّ التفرُّقَ للأحباب بَكَّاءُ أبكَى فِراقُهُمُ عيني فأَرَّقَها حتى تفانَوْا وريْبُ الذَّهْرِ عَدَّاءُ ما زال يعدو عليهم رَيْبُ دَهْرِهم حتى أأوب وما في مُقلتي ماءُ فاليوم أبكيهمُ جَهْدي وأَندُبهم فقال لها: لعنكِ اللهُ، أما تعرفين غيرَ هذا؟ فقالت: ظننتُ أنَّك تحب هذا! ثم غنّت : إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ أما وَرَبِّ السُّكُون والحَرَكِ دارت نجومُ السماء في الفلكِ ما اختلف الليلُ والنهار ولا قد زالَ سلطانُه إلى مَلِكِ إلّ لنقل السلطان عن ملكٍ ليس بفانٍ ولا بمشتَركِ ومُلْكُ ذي العرش دائمٌ أبداً فقال لها: قومي لعنك الله. فقامت فتعست في قدح بِلَّور له قيمة فكسرته، فقال: وَيْحك يا إبراهيم، أما ترى، واللهِ ما أظن أمري إلّ وقد قرُّب. فقلت: بل يُطيل الله عُمرك، ويُعز مُلكَك، فسمعتُ صوتاً من دجلة: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾﴾ [يوسف]. فوثب محمد مُغْتماً، ورجع إلى موضعه بالمدينة، فَقُتِل بعد ليلةٍ أو ليلتين. وحكى المسعودي في ((المروج)»(١)، قال: ذكر إبراهيم بن المهدي، قال: استأذنتُ على الأمين في شدَّة الحصار، فإذا هو قد قطع دِجلة بالشِّباك، وكان في القصرِ بركة عظيمة، يدخُل من دجلة إليها الماءُ في شُبَّاك حديد. فسلَّمتُ وهو مقيم على الماء والخَدَم قد انتشروا في تفتيش الماء، وهو كالوَالِه، فقال: لا تؤذيني يا عم، فإنَّ مقرطتي قد ذهبت من البركة إلى دجلة. والمقرطة سمكة كانت قد صِيدت له، وهي صغيرة، فقرطها بحلقتَيْ ذَهَب، فيها جوهرتان، وقيل ياقوتتان، فخرجتُ وأنا آيس من فَلاحه. وكان محمد فيما نقل المسعودي(٢)، في نهاية الشدَّة والبَطْش والحُسْن، (١) مروج الذهب ٤٠٢/٣ - ٤٠٣. (٢) نفسه ٣/ ٤٠٣. ١٠٤٩ إلاّ أنَّه كان مَهيناً، عاجزَ الرأي، ضعيف التدبير. وحُكي أَنَّه اصطبح يوماً، فأُتي بسَبُع هائلٍ على جمل في قفص، فوُضع بباب القَصْر، فقال: افتحوه وخلّوه، فقيل: يا أمير المؤمنين، إنَّه سبعٌ هائل أسود كالثور، كثير الشَّعْر. قال: خلُّوا عنه. ففعلوا، فخرج فزأر وضرب بذَنَبه الأرضَ، فتهاربَ الناسُ، وأُغلقت الأبوابُ، وبقي الأمين وحده غير مكترِث. فأتاه الأسد وقصَده ورفع يده، فجذبه الأمين وقبض على ذنبه، وغمزَهُ وهزَّه ورماه إلى خَلْف، فوقع السَّبُع على عجزِهِ فَخَرَّ ميتاً، وجلس الأمين كأنَّه لم يعمل شيئاً، وإذا أصابعه قد تخلَّعت، فشقّوا بطن الأسد فإذا مرارته قد انشقَّت على كبده. وعن محمد بن عيسى الجُلُودي، قال: دخل على محمد بن زُبيدة حاتمُ ابنُ الصَّقْر ومحمد بن الأغلب الإفريقي وقوَّادُه، فقالوا: قد آلت حالُنا إلى ما ترى، وقد رأينا أن تختار سبعةَ آلاف رجلٍ من الجُنْد فتحملهم على هذه السبعة آلاف فَرَس التي عندك، وتخرج ليلاً، فإنَّ الليل لأهله، فتلحق بالجزيرة والشام، وتصير في مملكةٍ واسعة يتسارع إليك الناس. فعزم على ذلك، فبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سُليمان بن المنصور، وإلى محمد بن عيسى بن نَهِيك والسِّنْدي بن شاهك: لئن لم تَرُدَّوه عن هذا الرأي لا تركتُ لكم ضيعة . فدخلوا على محمد، وخوَّفوه من الذين أشاروا عليه أنَّهم يأخذونه أسيراً، ويتقرَّبون به إلى المأمون. وضربوا له الأمثال، فخاف ورجع إلى قبول ما يبذلون له من الأيمان، ويخرج إلى هَرْئَمة . وعن علي بن يزيد، قال: وفارق محمداً سليمانُ بنُ المنصور، وإبراهيمُ ابن المهدي ولحقا بعسكر المهدي، وقوي الحصار على محمد يوم الخميس والجمعة والسبت، وأشار عليه السِّنْدي بأنَّه ليس لهم فرج إلاّ عند هَرْثَمَة. فقال: وكيف لي بهَرْثَمَة وقد أحاط الموتُ بي من كل جانب؟ فلما همَّ بالخروج إليه من دون طاهر، اشتدّ ذلك على طاهر وقال: هو في حيّزي، وأنا أحرجته بالحرب، فلا أرضى أن يخرج إلى هَرْثَمَة دوني، فقالوا له: هو خائف منك، ولكن يدفع إليك الخاتم والقضيب والبُرد، فلا تُفسد هذا الأمر. فرضي بذلك. ثم إنَّ الهِرْش لمَّا علم بذلك أراد التقرُّب إلى قلب طاهر، فقال في كتاب ١٠٥٠ إليه: الذي قالوه لك مَكْرٌ، ولا يدفعون إليك شيئاً. فاغتاظ وكَمَن حول قصر أم جعفر في السلاح والرجال، وذلك لخمسٍ بقين من المحرم، فلما خرج محمد وصارَ في الحَرَّاقة رموه بالنّشَّاب والحجارة، فانكفأت الحَرَّاقة، وغرِق محمد وهَرْثَمَة، ومن كان فيها فسبح محمد حتى صار إلى بُستان موسى، فعرفه محمد ابن حُمَيد الطَّاهري، فصاح بأصحابه، فنزلوا ليأخذوه، فبادر محمد الماء، فأُخذ برِجْله وحُمِل على بِرْذَوْن، وخلفه من يُمسكه كالأسير. وعن خطَّاب بن زياد أنَّ محمداً وهَرْثَمَة لما غرِقا أتانا محمد بن حُمَيد، فأسَرَّ إلى طاهر أنَّه أسرَ محمداً، فدعا طاهر بمولاه قريش الدَّنْداني، فأمرهُ بقتل محمد . وأمَّا المدائني فروى عن محمد بن عيسى الجُلُودي: أنَّ محمداً دعا بعد العِشاء بفَرَس أدهم كان يُسميه الزُّهَيري، وقَبَّل وَلَدَيْه، ودمعت عيناه. ثم ركب وخرجنا بين يديه، فركِبْنا دوابّنا، وبين يديه شمعة، وأنا أقِيه بيدي خوفاً من أن تَجيئه ضربةُ سيف بغتَةً. ففتح لنا باب خُراسان، وخرجنا إلى المَشْرَعَة، فإذا حرَّاقة هَرْثَمَة، فنزلها فرجعنا بالفَرَس وغلَّقنا باب المدينة، ثم سمعنا الضَّجَّة، فصعدنا إلى أعلى الباب. فذُكرَ عن أحمد بن سلَّم صاحب المظالم، قال: كنت فيمن كان مع هَرْثَمَةَ من القُوَّادِ في الحَرَّاقة، فلما دخل محمد الحرَّاقة قمنا له، وجثا هَرْثَمَة على ركبتيه، فقال: يا سيِّدي، لم أقدر على القيام لمكان النِّقْرس، ثم قبَّل يديه ورِجْلَيه، وجعل يقول: يا سيِّدي ومولاي، وابن مولاي. وجعل يتصفّح وجوهنا، ونظر إلى عُبيد الله بن الوضَّاح، فقال: أيُّهم أنت؟ قال: عُبَيد الله. قال: جزاك الله خيراً، فما أشكرني لِما كان منك في أمر الثلج. فشدَّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحزَّاقات، وصَيَّحُوا، وتعلَّق بعضُهم بالحَرَّاقة، وبعضُهم يسوقها، وبعضٌ يرمي بالآجُرّ والنّشَّاب، فتُقبت الحَرَّاقة، فدخلها الماء وغرِقت. فعلِق الملاَّح بشَعر هَرْثَمَة، فأخرجه وخرجنا. وشقَّ محمد عنه ثيابه ورمى بنفسه. فطلعتُ فعلِق بي رجلٌ من أصحاب طاهر، وذهب بي إليه، فقال: ما فعل محمد؟ قلت: قد رأيته حين شقَّ ثيابَه وقذف بنفسه. فركب، وأُخِذتُ معهم وفي عنقي حبل، وأنا أعدو، فتعبتُ، فقال الذي يجنُبني: هذا ليس يعدو. فقال: انزل فجُزَّ رأسه، فقلت: جُعلتُ فِداك، ولِمَ؟ وأنا رجلٌ من الله في نعمة، ولم أقدر على العَدْوِ، وأنا أفدي نفسي بعشرة ١٠٥١ آلاف درهم. فقال: وأين هي؟ فقلت: حتى نُصبح أنا أرسلُ من ترى أنتَ إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهدي، فإنْ لم يأتِكَ بالعشرة آلاف فاقتلني. فأمر بحملي فحُملت رِدفاً، وردُّوني إلى منزلتهم. وبعد هُويٍّ من الليل إذا نحن بحركة الخَيْل، ثم دخلوا وهم يقولون: ((بَسَرَ (١) زُبيدة)). فأُدخِل عليَّ رجلٌ عُريان عليه سراويل وعمامة ملثَّم بها، وعلى كتِفَيْه خرقة خَلقة، فصيّروه معي، ووكَّلوا بنا. فلما حسَر العمامة عن وجهه إذا هو محمد. فاستعبرتُ واسترجعتُ في نفسي. ثم قال: من أنت؟ قلت: أنا مولاك أحمد بن سلّم، فقال: أعرفكَ كنتَ تأتيني بالرَّفَّة. قلت: نعم. قال: كنت تأتيني وتُلْطفني كثيراً، لستَ مولاي بل أنتَ أخي ومنِّي، أُدْنُ منِّي، فإنِّي أجدُ وحشةً شديدة. فضممته إليَّ، ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قلت: هو حي. قال: قبَّح الله صاحب البريد ما أكذبه، كان يقول لي قد مات. قلت: بل قبَّح الله وزراءك. قال: لا تقُل، فما لَهُم ذنب، ولست بأول من طلب أمراً فلم يقدر عليه. قال: ما تراهم يصنعونَ بي؟ يقتلوني أو يَقُون لي بأمانِهم؟ قلت: بل يَفُون لك يا سيِّدي. وجعل يمسك الخِرْقة بعضُدَيْه، فنزعتُ مبطَّةً عليَّ، وقلت: ألْقِها. فقال: ويحك! دعني، فهذا من الله لي في هذا الموضع خير كثير. ثم قمت أوتِر، فلما انتصف الليل دخل الدار قوم من العَجَم بالسيوف، فقام وقال: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، ذَهَبَتْ واللهِ نفسي في سبيل الله، أما من حيلةٍ، أما من مُغيث؟ فأحجموا عن التقدُّم، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدَّم، ويدفع بعضُهم بعضاً، فقمت فصرتُ وراء الحُصُرِ المُلَفَّفة، وأخذ محمدٌ بيده وسادة، وقال: ويحكم إنِّي ابن عم رسول الله، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، اللهَ اللهَ في دَمي. فوثب عليه خمارُوية، غلام لقريش الدَّنْداني، فضربه بالسيف على مقدَّم رأسه، فضربه محمد بالوسادة واتَّكى عليه ليأخذ السيف من يده، فصاح خمارُوية: قتلني قتلني، فتكاثروا عليه فذبحوه من قفاه، وذهبوا برأسه إلى طاهر. وذُكِر عن أحمد بن سلّم في هذه القصَّة، قال: فلقَّنْتُه لما حدَّثته ذِكرَ الله والاستغفارَ، فجعل يستغفر. (١) بسر: كلمة فارسية معناها ابن. ١٠٥٢ قال: ونُصِب رأسه على حائط بستان، وأقبل طاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد. ثم بعث به مع البُرْد والقضيب والمُصلَّى، وهو من سعَفٍ مُبطَّن، مع ابن عمِّه محمد بن مُصْعَب، فأُمِرَ له بألف ألف درهم. ولما رأى المأمون الرأس سَجَد. ولما بلغ إبراهيمَ بن المهدي قتلُ محمد، وأنَّ جثته جُرَّت بحبلٍ بكى طويلاً، ثم قال: عوجا بمغْنَى طللٍ دائرٍ بالخُلْد ذات الصخر والآجُرِ والمَرْمَر المسنونِ يُطلَى به والبابِ باب الذَّهَب الناضرِ وأبلغا عنِّي مقالاً إلى الـ ـمولى عن المأمور والآمرِ قولا له: يا ابنَ وليّ الهُدَى طهّر بلاد الله من طاهرِ لم يكفه أن جَزَّ أوداجَه ذبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازرِ حتى أتى تُسَخَّبُ أوصاله في شَطَنِ يُفْنِي بِه الشابرِ قد برَّد الموتُ على جفنه فطرفُه منكسِرُ الناظرِ وبلغ ذلك المأمونَ فاشتدّ عليه . ثم إنَّ طاهراً صلَّى بالناس يوم الجمعة، وخطبهم خطبةً بليغة. ثم إنَّ الجُنْد وثبوا به للأرزاق، ولم يكن في يديه مال، فضاق به أمره، فخشي وهرب من البُستان، وانتهبوا بعض مَتاعه، وأحرق الجُنْد بابَ الأنبار، وحملوا السلاح يومهم، ومن الغد نادوا: ((موسى يا منصور)). ثم تعبَّى طاهر ومَن معه لقتالهم، فأتاه الوجوه، واعتذروا بأنَّ ما جرى من فعل السُّفَهاء والأحداث، فأمرَ لهم برزق أربعة أشهر، ووصل البريد إلى المأمون في ستّة عشر يوماً وهو بمَرْو. وممَّا قيل في الأمين: لِمْ نُبِّيك لماذا لِلطَّربْ يا أبا موسى وترويج اللَّعِبْ ولِتَرْك الخَمْس في أوقاتها حرَصاً مِنك على ماء العِنَبْ وشُنَيفِ أنا لا أبكي لهُ وعلى كوثَر لا أخشى العَطَبْ لم تكن تصلُح للمُلْكِ ولا تعْطِكَ الطَّاعَةَ بالمُلك العَرَبْ لِمْ نُبَكِّيك لِمَا عرَّضْتَنا للمجانيق وطَوْراً للسَّلَبْ ١٠٥٣ وساق ابن جرير عدَّة قصائد في مراثيه(١). ولخُزَيْمة بن الحسن على لسان أم جعفر قصيدة يقول فيها : فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهّرٍ أتى طاهرٌ لا طَهَّرَ اللهُ طاهراً وأَنْهَبَ أموالي وأحرقَ آدُري فأخرجني مَكشوفةَ الوجه حاسراً وما مرَّ بي من ناقص الخَلْقِ أعورِ يَعُزُّ على هارونَ ما قد لِقِيتُهُ فَدَيْتُكَ من ذي حُرمةٍ مُتذكِّرٍ تَذَكَّرْ أميرَ المؤمنينَ قَرابتي قال ابن جرير(٢): ذُكِرَ عن محمد بن سعيد بن بَحْر، قال: لما مَلَكَ محمد، ابتاع الخِصْيان، وغالَى بهم وصَيَّرهم لخَلْوته، ورفض النِّساء والجواري. وقال حُميد: لما ملك وجَّه إلى البُلدان في طلب المُلهِين، وأجرى لهم الأرزاق، واقتنى الوحوش والسباع والطيور، واحتجبَ عن أهل بيته وأمرائه، واستخفَّ بهمٍ، ومَحَقَ ما في بيوت الأموال، وضيَّعَ الجواهر والنفائس، وبنى عدَّة قصور للَّهْو في أماكن، وعمل خمس حَرَّاقات على خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيَّة والفَرَس، وأنفق في عملها أموالاً، فقال أبو نواس(٣): لم تُسخّر لصاحب المحرابِ سَخَّر الله للأمين مطايا سار في الماء راكباً ليث غابٍ فإذا ما رِكابُه سِرْنَ برًّا أهْرَتَ الشِّدْق كالحَ الأنيابِ أسداً باسِطاً ذراعيه يهوي وعن الحسين بن الضَّخَّاك، قال: ابتنى الأمين سقيفةً عظيمة، أنفق في عملها نحو ثلاثة آلاف ألف درهم. وعن أحمد بن محمد البرمكي: أنَّ إبراهيم بن المهدي غَنَّى محمد بن زُبيدة: هجرتُكِ حتى قلتٍ: لا يعرفُ القِلَى وزُرْتك حتى قيل: ليس له صبرُ فطرِب محمد، وقال: أوقروا له زَورقه ذَهَباً. (١) تاريخ الطبري ٥٠٠/٨ فما بعدها. (٢) تاريخه ٨/ ٥٠٨ . (٣) ديوانه ٢١٦ . ١٠٥٤ وجاء عنه أخبار في مثل هذا، وكان كثير الأكل . قال أحمد بن حنبل: إنِّي لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل ابن عُلَيَّة، فإنَّه أُدخل عليه فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟! وفيها قوي محمد بن صالح بن بَيْهس الكِلابي، وظهر على السُّفياني الذي خرِج بدمشق، وحاصرِها، ثم نصب عليها السلالم وتسوَّرَها أصحابُهُ. وكان قد تغلَّب على دمشق مَسْلَمة بن يعقوب الأُموي، فهربَ وعمد إلى أبي العَمَيْطر، وكان في حَبْسه، ففكَّ قيده، ثم خرجا بزيِّ النِّساء في الأزر إلى المِزَّة. واستولى ابن بَيْهس على البلد، ثم جرى بينه وبين أهل المِزَّة ودَارَيًّا حُرُوب. وبقي حاكماً على دمشق مدَّة من جهة المأمون إلى سنة ثمانٍ ومئتين. وفي ذي الحجَّة خرج الحسن الهرج (١) في سِفْلة الناسِ وخَلْقٍ من الأعراب يدعو إلى الرضا من آل محمد، فأتى النِّيل، وجبى الخراج، وصادر التُّجَّار، ونهب القُرى والمواشي. وفيها استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على جميع ما افتتحه طاهر بن الحسين من كُوَر الجبال والعراق والحجاز واليمن. وكتب إلى طاهر أن يسير إلى الرَّقَّة لحرب نصر بن شِبْث، وولاه الجزيرة والشام ومصر والمغرب. وأمرَ هَرْثَمَة أن يردّ إلى خُراسان. وفي رمضان ثار أهل قرطبة بأميرهم الحَكَم بن هشام الأموي وحاربوه لجوره وفِسْقه، وتُسمَّى وَقْعة الرَّبْض(٢)، وهاج عليه أهل رَبْض البلد، وشهروا السلاح، وأحاطوا بالقصر، واشتدَّ القتال، وعَظُم الخطب، واستظهروا على أهل القصر. فأمر الحَكَم أمراءه فحملوا عليهم، وأمر طائفةً فَنَقبوا السُّور، وخرج منه عسكر، فأتوا القوم من وراء ظهورهم، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ونهبوا الدُّور، وأسَروا، وعملوا كلَّ قبيح. ثم أمرِ الحَكَم فانتقى من الأسرى ثلاث مئة من وجوه البلد، فصُلبوا على النهر مُنكَّسِين. وبقي النَّهْب والقَتْل (١) هكذا قيده المؤلف بخطه، وهو المعروف بالهرش، وسيأتي هكذا بعد قليل، فكأنه ينطق باللفظتین . (٢) جود المؤلف تقييدها بخطه. ١٠٥٥ والحريق في أرباض قُرطبة ثلاثة أيام ثم أمَّنهم، فهجَّ أهل قرطبة وتفرَّقوا أيادي سبأ ونُهِبوا في الطُّرُق، ومضى منهم خلقٌ إلى الإسكندرية فسكنها . سنة تسع وتسعين تُؤُقِّي فيها: إسحاق بن سليمان الرَّازي أبو يحيى، إبراهيم بن عُيَيْنَة في قَوْل وقد مرَّ، حفص بن عبدالرحمن قاضي نَيْسَابور، الحَكَم بن عبدالله أبو مطيع البَلْخي، سليمان ابن المنصور أبي جعفر في صفر، سيَّار بن حاتم، شُعيب بن اللَّيْث بن سعد في صفر، عبدالله بن نُمَيْر الخارفي الكوفي، عمر بن حفص العَبْدي بَصْري، عمرو بن محمد العَنْقَزي الكوفي، محمد بن شعيب بن شابور ببيروت، الهيثم بن مروان العَنْسي الدمشقي، يونس بن بُكَيْر الكوفي راوي (المغازي)). وفيها قَدِم الحسن بن سهل من عند المأمون إلى بغداد، ففرَّق عمالَهُ في البلاد. وجهَّز أزهر بن زهير بن المُسَيَّب إلى الهِرش في المُحرم فقُتِلَ الهِرش. وفي جمادى الآخرة خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن طباطبا، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يدعو إلى الرضا من آل محمد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة. وكان القائم بأمره أبو السرايا سري بن منصور الشيباني. فهاجت الفِتَن، وتسرَّع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت له الكوفة، وأتاه الأعراب وأهل النواحي. فجهّز الحسنُ بنُ سهل لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف، فالتقوا، فَهُزِم زُهير واستباحوا عسكره، وغنموا السلاحَ والخَيْل، وقووا، وذلك في سَلْخ جُمادى الآخرة. فلمَّا كان من الغد أصبح محمد بن إبراهيم بن طباطبا ميتاً فُجاءةً، فقيل: إنَّ أبا السرايا سمَّه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة ولم يُحسن جائزة أبي السرايا، أو لغير ذلك. وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شاباً أمرد اسمه محمد بن محمد ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ثم جهّز الحسن بن سهل جيشاً، عليهم عبدوس بن محمد المَرْوَرُوذي لحرب أبي السرايا، فالتقوا في رجب، فقُتل عبدوس، وأُسِر عمُّه هارون بن أبي خالد، وقُتل أكثر جيشه ١٠٥٦ وأُسِروا. وقويَ الطالبيون، وضربَ أبو السرايا على الدراهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ، صَفًا﴾ ... الآية [الصف ٤]. ثم سار أبو السرايا قُدُماً حتى نزل بقصر ابن هُبَيرة، وجهَّز جيوشاً إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وواقعوا أمير واسط من جهة الحسن بن سهل فهزموه، وانحاز إلى بغداد،، وعظُم ذلك على الحسن، فبعث يَردُّ هَرْثَمَة بن أعْيَن من حُلوان لحرب أبي السرايا، فامتنع، فأرسل إليه ثانياً يلاطفه، فرجع هَرْثَمَة، وعقد له الحسن بن سهل على حرب أبي السرايا، وجهَّز معه منصور ابن المهدي. فَعَسكر بنهر صَرْصَر بإزاء أبي السرايا، والنهر بينهما. ثم تقهقر أبو السرايا فطلبه هَرْثَمَة، وقتل من تطرَّف من جُنْده. ثم كانت بينه وبينه وقعة عند قصر ابن هبيرة قُتِل فيها خلقٌ من أصحاب أبي السرايا، فتحيَّز إلى الكوفة، وعمد محمد بن محمد والطالبيون إلى دُور العباسيين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من الكوفة . ثم وجّه أبو السرايا على المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسين(١) بن علي بن أبي طالب، فدخلها ولم يقاتله أحدٌ. ووجَّه على مكة والموسم حُسين بن حسن الأفطسٍ بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فلما قرُّب توقَّف عن مكَّة هيبةً لمن فيها، وأميرها داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي، فلما بلغ أميرَها داودَ ذلك، جمع موالي بني العباس وعبيدَ حوائطهم(٢). وكان مسرور الخادم قد حجَّ في تلك السنة في مئتي فارس، فقال لداود : أقِم لي شخصك أو شخص بعض وَلَدك، وأنا أكفيك قتالهم. فقال داود: لا أستحل القتال في الحرم، ولئن دخلوا من هذا الفج لأخرجنَّ من الفجِّ الآخر. فقال: تُسلِّم مكة وولايتك إلى عدوك؟ فقال داود: أي حال لي؟ والله لقد (١) هكذا بخط المؤلف وعدد من التواريخ، وما نظنه إلا من الوهم، فإن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما لم يعقب إلا من علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، ولعل الصواب أن لا يكون النسب متصلاً. (٢) الحائط : البستان. تاريخ الإسلام ٤ / م ٦٧ ١٠٥٧ أقمت معكم حتى شختُ، فما وليتُ ولايةً؛ حتى كبرت وفني عُمري، فولوني من الحجاز ما فيه القوت، وإنَّما هذا الملك لك ولأشباهك، فقاتل عليه أو دَعْ. ثم انحاز داود إلى جهة المُشاش بأثقاله، فوجَّه بها على درب العراق، وافتعل كتاباً من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم؛ وقال له: اخرج فَصَلِّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبِتْ بمنى، وصلِّ الصبح، ثم اركب دوابَّك فانزل طريق عَرَفَة، وخُذ على يسارك في شِعْب عمرو حتى تأخذ طريق المُشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر. ففعل ذلك، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعاً إلى العراق، وبقي الوفد بعَرَفَة. فلمَّا زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم من أهل مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وهو المؤذِّن وقاصُ الجماعة: إذا لم تحضر الولاة يا أهل مكة، فليُصَلِّ قاضي مكة محمد بن عبدالرحمن المخزومي، وليخطب بهم. قال: فلمن أدعو، وقد هرب هؤلاء، وأطلَّ هؤلاء على الدخول؟ قال: لا تَدْعُ لأحد. قال: بل تقدَّم أنت. فأبى الأزرقي، حتى قدَّموا رجلاً فصلَّى الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعَرَفَة، ثم دفعوا بلا إمام، وحسين بن حسن متوقِّف بسَرف، فبلغَهُ خُلُو مكة وهروب داود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وسَعَوا، ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلاً، فوقفوا ساعة، وأتى مُزْدلفة فصلّى بالناس الفجر. ثم إنه أقام بمكة وعسَف وظلم وصادرَ التجار، وكانت أعوانه تهجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتَّهمون البريء ويعذِّبونه، وأخذَ ما في خزائن الكعبة من مال. وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانياً فانكسر، ثم ثبت وانهزم أصحاب أبي السرايا، ثم أخذ هَرْثَمَة يكاتب رؤساء الكوفة. وفيها وثب علي بن محمد بن جعفر الصَّادق بالبصرة، واستولى عليها من غير حرب . وظهر باليمن إبراهيم أخو علي بن موسى الرضا، فنفى عاملها عنها، وسبى، وأخذ الأموال. وكان يقال له الجَزَّار لكثرة من قتل. ١٠٥٨ سنة مئتين تُؤُفِّي فيها: أسباط بن محمد الكوفي في المحرّم، أُميَّة بن خالد البَصْري أخو هدبة، أيوب بن المتوكل البَصْري المقرىء، أنس بن عياض أبو ضَمْرة اللَّيْثِي، سَلْم بن قُتَيْبة الخُراساني بالبصرة، سيَّر بن حاتم العَنَزي فيها بخُلْف، صَفْوان بن عيسى الزُّهْري البَصْري، عمر بن عبدالواحد السُّلَمي الدمشقي، عبدالملك بن الصَّبَّاحِ المِسْمَعِي بَصْري، عمارة بن بِشْر فيها حدَّث بدمشق، قَتَادة بن الفضيل الزُّهاوي، مُبَشِّر بن إسماعيل الحلبي، محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك المدني، محمد بن الحسن الأسدي ابن التَل، محمد بن حِمْير السَّلِيحي الحِمْصي، محمد بن شُعيب بن شابور قاله دُخَيْم، مُعاذ بن هشام الدَّسْتُوائي، معروف الكَرْخِي العابد على الأصح، المغيرة بن سَلَمَة المخزومي بَصْريٌّ، أبو البَخْتري القاضي وَهْب بن وَهْب. وفيها هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة في المحرَّم إلى القادسية، فدخلها هَرْثَمة ومنصور بن المهدي وأمَّنوا أهلَها. ثم أتى أبو السرايا إلى ناحية واسط، ثم مضى حتى أتى السُّوس وأنفقَ الأموال، فجاءهم الحسن بن علي الباذغيسي فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فلا حاجة لي في قتالكم، ولست بتابعكم. فأبى أبو السرايا إلاّ قتاله، فالتقوا، فهزمهم الحسن واستباحَ عسكرهم، وجُرِح أبو السرايا، وهرب هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك، وطلبوا ناحية رأس العين والجزيرة. فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم حمَّاد الكُنْدُغُوش فأخذهم، وجاء بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنَّهْروان، فقتل أبا السرايا في عاشر ربيع الأول، وبعث محمد بن محمد بن زيد بن علي إلى مَرْو إلى المأمون . وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فافتتحها، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر أخو علي بن موسى الرضا، وهو الذي يُقال له زيد النار، سُمِّي بذلك لكثرة ما حَرَّق من دُور العباسيين بالبصرة، وكان يؤتى بالرجل من المُسَوِّدَة فيُحَرِّقه بالنار، وانتهب تُجَّار البصرة، فأسره علي بن أبي سعيد، واختفى العلويون . وأما حُسين بن حسن الأفطس فَبَذَّعَ بمكةَ حتى نزح طائفة من أهلها، فهدم ١٠٥٩ دُورهم، وأخذ أبناءَهم، وجعل أصحابُه يَحكّون ما على الأساطين من الذَّهَب اليسير، ويقلعون الشبابيك، فبلغهم قَتْلُ أبي السرايا، فأتى حسين إلى محمد ابن جعفر الصَّادق، وكان شيخاً فاضلاً مُحبَّباً إلى الناس تاركاً للخروج قد روى العلم عن أبيه، فقال: قد تعلم حالك في الناس، فابرز نبايعك بالخلافة، فلا يختلف عليك اثنان،، فأبى ذلك. فلم يزل به ابنه علي وحسين بن حسن حتى غلبا الشيخ على رأيه، فأقاموه يوم الجمعة في ربيع الآخر، فبايعوه، وحشروا الناسَ لمبايعته طَوْعاً وكرهاً، فأقام كذلك أشهراً. ووثب حُسين على امرأة قُرَشِيَّة بارعة الحُسن، فأخذها قَهْراً من بيت زوجها، وبقيت عنده أياماً، ثم هربت. ووثب علي بن محمد على أمْرَدَ بديع الجمال، فأخذه من دارهم، وأركبه فَرَسه في السَّرْج، وركب على الكفل، وذهب به في السُّوق حتى خرج به إلى بئر ميمون في طريق مِنى. فاجتمع أهل مكة والمجاورون، وغُلَّقت الأسواق، وأتوا محمد بن جعفر وقالوا: واللهِ لنخلعنَّك، ولنقتلتَك، أو لتُردنَّ هذا الغلام الذي أخذه ابنك جهرةً. فقال: واللهِ ما علمتُ. وأمَرَ حُسَيْناً أن يذهب إلى ابنه، فقال: إنَّك واللهِ لَتَعلم أنِّي لا أقوى على ابنك، وأخاف محاربته. فقال محمد بن جعفر لأهل مكةٍ: أمِّنوني حتى أركب إليه، فأمَّنوه، فركب حتى صار إلى ابنه وأخذ الغلام، فسلّمه إلى أهله . وبعد قليل أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد العباسي فارّاً عن اليمن، لِتَغَلَّب إبراهيم بن موسى بن جعفر عليها، فنزل المُشَاش؛ فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر، فقالوا: قد رأينا أن نُخَنْدِق علينا بأعلى مكَّة. ثم حشدوا الأعراب، فقاتلهم إسحاق أياماً، ثم كرِهِ الحربَ وطلب العراقَ. فلقيه ورقاء بن جميل في جُنْدٍ، فقال: ارجع بنا إلى مكَّة، فرجع. واجتمع إلى محمد غَوْغَاء أهل مكة، وسُودان أهل المياه والأعراب، فعَبَّأهم ببئر ميمون، وأقبلَ ورقاءُ وإسحاق بن موسى بمن معهما من القُوَّاد والجُنْد فالتقوا وقُتِل جماعة، ثم تحاجزوا؛ ثم التقوا من الغد، فانهزم محمد وأهلُ مكَّة، وطلب محمد الأمان، فأجَّلوه ثلاثاً، ثم نزح عن مكة، ودخلها إسحاق وورقاء في جُمادى الآخرة. وتفرَّق الطالبيون عن مكَّة كلُّ قوم ناحية، فأخذ محمد ناحية جُدَّة، ثم طلب الجُخْفة. فخرج عليه محمد بن حكيم، من موالي آل العباس قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وبالغوا في عذابه، فجمع ١٠٦٠