النص المفهرس

صفحات 1021-1040

اسمه عامر بن عمارة بن خُرَيْم، وهو والد المحدِّث موسى بن عامر
صاحب الوليد بن مسلم، وراوي گُتُبه.
قال المَرْزُباني: قتلَ عامِلُ الرشيد بسجستان أخاً لأبي الهَيذام، فخرج أبو
الهيذام بالشام، وجمع جَمْعاً عظيماً، ورثى أخاه، وغلظ أمره، وأعْيَت الرشيدَ
الحِيلُ فيه، فاحتال عليه بأخ له أرغبه، فشدَّ على أبي الهيذام وقيّده، وسار به
إلى الرشيد، وهو القائل:
أبى الله ألاّ أنْ يكون لك الفضلُ
فأحسنْ أميرَ المؤمنين فإنَّه
فَمَنَّ عليه وأطلقه .
وأنشد الزُبير بن بكَّار لأبي الهَيْذام:
فإنَّ بها ما يطلُب الماجدُ الوِتْرا
سأبكيكَ بالبِيض الرِّقاق وبالقَنَا
يُعصِّرها في جَفْن مُقْلَتِهِ عَصْرا
ولستُ كمنَ يبكي أخاه بعَبْرَةٍ
على هالكِ منَّا وإِنْ قَصَم الظَّهْرا
وإنَّا أُناسٌ مِا تَفِيضُ دُموعُنا
قيل: تُوُفِّي سنة اثنتين وثمانين ومئة.
٤٤٧- القاضي أبو يوسف، هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حُبَيش
ابن سعد بن بُجَيْر بن معاوية الأنصاريُّ.
وسعد بن بُجَيْر هو سعد بن حَبْتَةَ، وحَبْتَةُ أمُّهُ ابنةُ خوَّات بن جُبَير. شهد
سعد الخندق، ونسبُهُ في بَجِيلة، وإنَّما حالف الأنصار.
وُلد أبو يوسف بالكوفة سنة ثلاث عشرة ومئة، وطلب العلم سنة نيفٍ
وثلاثين، فسمع من هشام بن عُرْوة، وعطاء بن السائب، ويحيى بن سعيد،
ويزيد بن أبي زياد، والأعمش، وأبي إسحاق الشيباني، وحَجَّاج بن أرطاة،
وعُبيدالله بن عُمَر، وطائفة. وتفقَّه بأبي حنيفة حتَّى صار المقدَّم في تلامذته.
تفقَّه بهِ محمد بن الحسن، وهلال الرّأي، ومُعَلَّى بن منصور، وعدد كثير.
وروى عنه ابن سماعة، ويحيى بن مَعِين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجَعْد،
وأحمد بن مَنِيع، وعلي بن مسلم الطُّوسي، وإبراهيم بن الجرّاح، وأسد بن
الفُرات، وعَمْرو بن أبي عَمرو الحرَّاني، وعمرو النَّاقد، وخلق سواهم.
وكان والده إبراهيم فقيراً، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبا يوسف بالمئة دِرهم
بعد المئة، يُعينه على طلب العلم، فروى علي بن حَرْمَة التَّيْمِيُّ، عن أبي
يوسف، قال: كنتُ أطلب الحديث والفقه وأنا مُقِل. فجاء أبي يوماً وأنا عند
أبي حنيفة، فقال: لا تَمُدَّثَّ يا بُنيَّ رِجْلك مع أبي حنيفة فأنت محتاجٌ إلى
١٠٢١

المَعَاش. فآثرت طاعةَ أبي. فتفقَّدني أبو حنيفة، فجعلتُ أتعاهده، فدفعَ إليَّ
مئة درهم وقال لي: إلزَم الْحَلْقة، فإذا نفدت هذه فأعْلِمْني. ثم أعطاني بعد أيام
مئة أخری، ثم كان يتعاهدني.
ويُقال: إنَّ أمّه هي التي لامته، وأنَّ أباه مات وأبو يوسف صغير، فأسْلَمته
عند قصَّار، فالله أعلم .
قال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف، فعاده أبو حنيفة، فلمَّا خرج
قال: إنْ يَمُتْ هذا الفتى فهو أعلمُ مَن عليها. وأومأ إلى الأرض.
قال عباس الدُّوري(١): سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول ما كتبتُ
الحديث اختلفت إلى أبي يوسف فكتبت عنه، ثم اختلفتُ بعدُ إلى الناس.
وكان أبو يوسف أمْيَل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمد.
إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِي: سمعتُ ابنَ مَعِين يقول: ما رأيتُ في
أصحاب الرأي أثبتّ في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصحَّ روايةً من أبي يوسف.
وروى عباس، عن ابن مَعِين، قال: أبو يوسف صاحب حديث، صاحب
سُنَّة.
محمد بن سَمَاعة، عن يحيى بن خالد البرمكي، قال: قدِم علينا أبو
يوسف وأقلَّ ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين .
وقال الخُرَيْبِيُّ: كان أبو يوسف قد أطلع الفِقه والعِلم إطلاعاً، يتناوله كيف
شاء .
قال عَمرو النَّاقد: كان أبو يوسف صاحب سُنَّةِ.
قال أحمد: كان أبو يوسف منصِفاً في الحديث.
بِشْر بن غياث: سمعت أبا يوسف يقول: صحِبت أبا حنيفة سبعَ عشرةَ
سنة،َ ثم رثعتُ في الدنيا تسع عشرة سنة، وأظنُّ أجَلي قد قَرُب. فما عَبَر إلا
يسيراً حتى مات.
وروى بكر العَمِّ الفقيه، عن هلال الرأي، قال: كان أبو يوسف يحفظ
التفسير، والمغازي، وأيَّامَ العرب. وكان أحد علومه الفقه.
وروى أحمدٍ بن عطيّة، عن محمد بن سَمَاعة، قال: كان أبو يوسف بعدما
وَلِيَ القضاء يُصلِّي كلَّ يوم مئتي ركعة.
(١) شطح قلم المصنف فكتب ((الدورقي))، وليس يشيء، والرواية في تاريخ الخطيب
١٦/ ٣٧٤ .
١٠٢٢

وقال علي ابن المَدِيني: ما أُخِذ على أبي يوسف إلاَّ حديثه في الحَجْر،
عن هشام بن عُرْوة. وكان صدوقاً.
وقال يحيى بن يحيى التَّميمي: سمعت أبا يوسف يقول عند وفاته: كُلُّ ما
أفْتيتُ بهِ فقد رجعتُ عنه، إلاّ ما وافق الكتابَ والسُّنَّة. وفي لفظ: إلاَّ ما في
القرآن واجتمع عليه المسلمون.
وقال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: مَن تتبَّع غريبَ الحديث
كُذِّب، ومنَ طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدِّين بالكلام تَزَنْدَق.
وقال محمد بن سَمَاعة: سمعتُ أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول:
اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أنِّي لم أجُر في حُكْمٍ حكمتُ به متعمداً، ولقد اجتهدت في
الحُكْم بما وافق كتابَك وسُنَّة نبيك.
قال الفلاّس: أبو يوسف صدوق، كثير الغلط .
وقال ابن عدي(١): لا بأس به.
وقال أبو حاتم(٢): يُكْتَب حديثه.
قلت: وأبو يوسف هو أوَّل من لُقِّب قاضي القضاة، وكان عظيم الرُّتبة عند
هارون الرشيد .
قال الطَّحاوي: حدثنا بكَّار بن قُتَيبة، قال: سمعتُ أبا الوليد الطَّيالسي
يقول: لمَّا قدِم أبو يوسف البصرةَ مع الرشيد، اجتمع أصحاب الرأي وأصحاب
الحديث على بابه، فأشرف عليهم فلم يأذَن لفريقٍ منهم؛ وقال: أنا من
الفريقين جميعاً، ولا أُقَدِّم فِرْقة على فِرْقة، لكنِّي أسأل عن مسألة، فمن أصاب
دخلوا. ثم قال: رجلٌ مضغ خاتمي هذا حتى هشمه، ما لي عليه؟ فاختلف
أصحاب الحديث، فلم يُعجبه قولهم.
وقال فقيه: عليه قيمته صحيحاً، ويأخذ الفضَّة المهشومة إلاَّ أن يشاء رَبُ
الخاتم أن يمسكه لنفسِه، ولا شيءَ على هاشِمهِ. فقال أبو يوسف: يدخل
أصحاب هذا القول، فدخلتُ معهم. فسأله المستملي، فأملى حديثاً، عن
الحسن بن صالح. وقال: ما أخاف على رجل من شيء خوفي عليه من كلامه
في الحسن بن صالح. فوقع لي أنَّه أراد شُعبة، فقمتُ وقلت: لا أجلس في
مجلسٍ يُعرَّض فيه بأبي بِسْطام، ثم خرجتُ، فرجعتُ إلى نفسي، فقلت: هذا
(١) الكامل ٢٦٠٤/٧.
(٢) الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٨٤.
١٠٢٣

قاضي الآفاق، ووزير أمير المؤمنين، وزميله في حجِّهِ، وما يضُرُّه غضبي؛
فرجعتُ فجلست حتى فرغ المجلس، فأقبل علي إقبالَ رجُلٍ ما كان له همٍّ
غيري، فقال: يا هشامٍ، وإذا هو يُثَبِّتُني لأَنِّي كنت عنده ببغدادَ، واللهِ ما أردتُ
بأبي بِسْطام سوءاً، وَلَهُوَ في قلبي أكبر منه فيٍ قلبك فيما أُرى، ولكنْ لا أعلم
أَنِّي رأيت رجلاً مثل الحسن بن صالح. قال بكّار: فذكرتُ هذا لهلال الرأي،
فقال: أنا واللهِ أجَبْتُ أبا يوسف عن مسألة الخاتم.
و
محمد بن شجاع: سمعت الحسن بن أبي مالك يقول: سمعت أبا يوسف
يقول: القرآن كلام الله، مَن قال: كيف؟ ولِمَ؟ وتعاطى مِرَاءً ومجادلةً استوجبَ
الحبس والضَّرْبَ المُبْرِح، ولا يُفلح من استحلى شيئاً من الكلام، ولا يُصَلَّى
خلف مَن قال: القرآن مخلوق .
أبو حازم القاضي: حدثنا الحسن بن موسی قاضي همدان، قال: حدثنا
بِشْر بن الوليد، قال: كان أبو يوسف يقول إذا ذَكَرٍ محمد بن الحسن: أيّ سيفٍ
هو، غير أنَّ فيه صَدَأْ يحتاج إلى جلاء، وإذا ذكر الحَسَن بن زياد اللؤلؤي
يقول: هو عندي كالصَّيْدلانيِّ إذا سأله رجلٌ أن يعطيه ما يُسْهِله أعطاه ما
يُمْسكه، وإذا ذكر بِشْراً يقول:" هو كإبرة الرَّفَّاء، طرفها دقيق، ومدخلها لطيف،
وهي سريعة الانكسار، وإذا ذكر الحسنَ بن أبي مالك قال: هو كَجَمَلٍ حُمِّلَ
حملاً في يوم مَطِير، فتذهب يدُه مَرَّةً هكذا، ومَرَّةً هكذا، ثم يسلم.
أبو سليمان الجوزجاني: سمعت أبا يوسف يقول: مَن طلب المال
بالكيمياء أفلس، ومن طلب العلم بالكلام تَزَنْدق .
محمد بن سَعْدان: سمعت أبا سليمان الجوزجاني يقول: سمعتُ أبا
يوسف يقول: دخلتُ على الرشيد وفي يده دُرَّتان يقلُبهما، فقال: هل رأيتَ
أحسنَ منهما؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! قال: وما هو؟ قلت: الوعاء الذي
هما فيه. فرمي بهما إليَّ وقال: شأنك بهما .
قال المؤلِّف: قد أفردتُ سيرة القاضي أبي يوسف رحمه الله في جُزء.
قال بِشْر بن الوليد: مات أبو يوسف يوم الخميس لخمس خَلَوْن من ربيع
الأول سنةً اثنتين وثمانين ومئة. وقال غيره: في ربيع الآخر.
وعاش سبعين سنة إلاّ سنة.
وقد قال عَبَّاد بن العَوَّام يوم جنازته: ينبغي لأهل الإسلام أن يُعَزِّي بعضُهم
بعضاً بأبي يوسف.
آخر الطبقة والحمد لله وحده دائماً.
١٠٢٤

الطبقة العشرون
١٩١ - ٢٠٠ هـ
تاريخ الإسلام ٤ / م ٦٥

بِسْمِ اللهِ الرََّى الرّحمـ
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين ومئة ومَن تُؤُفَي فيها
خالد بن حيَّان الرَّقِّي الخَرَّاز، سَلَمَة بن الفضل الأبرش بالرَّي،
عبدالرحمن بن القاسم المِصْري الفقيه، عيسى بن يونس في قول خليفة وابن
سعد، الفضل بن موسى السِّيناني المَرْوَزِي، محمد بن سَلَمَة الحرّاني الفقيه،
مخلد بن الحُسين المهلَّبِي بالمِصِّيصة، مُطَرِّف بن مازن قاضي صنعاء، مُعَمَّر بن
سليمان النَّخَعي الرقي. وتُوُفِّي فيها جماعة مُخْتَلَفٌ فيهم سيُذكرون.
وفيها خرج ثَرْوان بن سيف بحَوْلايا، فسار إليه طَوْق بن مالك، فهزمه
طَوْق وقتل أصحابه، وهرب مجروحاً.
وفيها خرج أبو النداء بالشام، فتوجَّه لقتاله يحيى بن مُعَاذ.
وفيها غلُّظ أمر رافع بن اللَّيْث بسَمرقند، وكتب إليه أهل نَسَف بالطاعة،
وأن يُوجِّه إليهم من يُعينهم على قتال علي بن عيسى بن ماهان، فوجَّه صاحب
الشاش في أتراكه وقائداً من قُوَّاده، فأحدقوا بعيسى ولد علي وقتلوه في ذي
القَعدة .
وفيها وَلَّی الرشيد حمُّوية الخادم خُراسان.
وفيها غزا يزيد بن خالد الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه
المضيق، فقُتل بقرب طَرَسُوس، وقُتِل معه سبعون رجلاً. فولَّى الرشيد غزو
الصَّائفة هَرْثَمَة بن أعْيَن، وضمَّ إليه ثلاثين ألفاً من جُنْد خُراسان ومعه مسرور
الخادم، إليه النفقات وجميع الأمر خَلا الرياسة.
ومضى الرشيد إلى درب الحَدَث فرتَّب الأمور، ثم انصرف بعد ثلاثة أيام
في رمضان، فنزل الرَّقَّة، وأمر بهدم الكنائس بالثغور.
وعزل عليَّ بن عيسى بن ماهان عن خُراسان بهَرْثَمَة بن أعْيَن. وقد ذكرنا
سبب هلاك ولده عيسى، فلما قُتِل ولده خرج عن بَلْخ فأتى مَرْو خوفاً من رافع
أن يأتي مَرْوَ فيملكها. وكان ابنه دَفَن في بستان داره أموالاً، نحو ثلاثين ألف
١٠٢٧

ألف، ولم يَدْر بها علي، فأعلمت جارية لعيسى بعضَ الخدم، وتحدَّث به
الناسُ، فاجتمع أعيانُ البلد وأنهبوا المال هم والعامَّة، فعلم الرشيد فغَضِب،
وعزله وأخذ أمواله، فبلغت ثمانين ألف ألف. وكان علي بن عيسى قد عَتى
وتَجَبَّر على القوَّاد، وكانت كُتُبٌ قد وردت على الرشيد أنَّ رافعاً لم يخلع، ولا
نزع السواد، ولا مَن شايعه، وأنَّ غايتهم عَزل علي بن عيسى الذي قد سامهم
المكروه.
وحجَّ بالناس أمير مكة الفضل بن العباس بن محمد بن علي.
ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومئتين.
سنة اثنتين وتسعين
تُوُقِّي فيها: صعصعة بن سلَّم خطيب قُرطبة، عبد الله بن إدريس الأؤدي أبو
محمد، عبدالرحمن بن عبدالحميد المصري، عرعرة بن البِرِنْد السامي
البَصْري، علي بن ظبيان العَبْسي الكوفي، الفضل بن يحيى البرمكي تُوفِّي
مسجوناً، يحيى بن كُريب الرُّعَيني المصري، يوسف ابن القاضي أبي يوسف.
وفيها شخص هَرْثَمَة إلى خُراسان، ووجَّه إلى علي بن عيسى في الظاهر
أموالاً وخلعاً وسلاحاً، فلما نزل نَيْسابور جمعَ وجوه أصحابه فخلا بكُلِّ منهم
وأخذ عليه العهد والميثاق أن يكتم أمره، وولَّى كلَّ رجلٍ بلداً ودفع إليه عهده
وجهَّزه ◌ِرًّا إلى بلده، فَعَلَ هذا خَوْفاً من ثورة علي بن عيسى. ثم سار، فلمَّا
كان على مرحلة من مَرْو دعا ثِقاتًا من أصحابه وكتب أسماء ولد علي بن عيسى
وأهل بيته، ودَفَع إلى كل رجل رقعةً باسم من وكَّله بحِفظه إذا دخل مَرْو. ثم
وجَّه إلى علي: إنْ أحَبَّ الأميرُ أن يوجِّهه ثِقاته لقبض ما معي فعلَ، فإنَّه إذا
تقدَّمت الأموال أمام دخولي كان أقوى للأمير وأفَتَّ في عَضُد أعدائه. فوجَّه
عليٌّ جماعةً لقبض الأموال؛ فقال هَرْثَمة: اشغلوهم الليلة. ففعلوا. ثم سار
إلى مَرْو، فلمَّا صار منها على ميلين تلقَّاه عليُّ بن عيسى ووَلَدُه وقوَّادُه؛ فلما
وقعت عينُ هَرْئمة عليه ثَنَى رِجْله لينزل، فصاح عليٍّ: والله لئن نزلتَ لأنزلنَّ.
فثبت ودَنا، فاعتنقا، ثم سارا إلى قَنْطرة لا يجوزها إلا فارس. فحبس هَرْئمة
لِجام الفرس وقال لعلي: سِرْ. فقال: لا والله. فقال هَرْئمة: لا واللهِ، أنت
١٠٢٨

أميرُنا. ثم نزل منزل علي، وأكلا من السِّماط ثم دفع الخادم كتاب الرشيد إلى
علي، فلما رأى أوَّل حرفٍ منه سَقَطَ مِن يده. ثم أمرَ هَزْئمة بتقييده وتقييد ولده
وعُمَّاله. ثم صار إلى الجامع فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر أنَّ الرشيد
ولاَه ثغورهم بما بلغَهُ من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى، وإنِّي مُنْصِفكُم
منه. فأظهروا السرور وضَجُوا بالدعاء. ثم انصرف ودعا بعلي وآله فقال:
اعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونُودي ببراءة الذِّمَّة من رجلٍ عنده لعلي
وآله وديعة فأخفاها. فأحضرَ الناسُ شيئاً كثيراً إلاَّ رجلٌ واحد. واستصفى
هرثَمةُ حتى حُلِيَّ النساء والثياب، وبالغ في ذلك. ثم بعد ذلك أقامهم المظالم
الناس وشدَّد عليهم. ثم حمل عليًّا إلى الرشيد.
وفيها توجَّه الرشيد نحو خُراسان لحرب رافع؛ فذكر محمد بن الصَّبَّاح
الطبري أنَّ أباه شيَّع الرشيدَ إلى النَّهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن
قال: يا صَبَّاح، لا أحسبك تراني بعدها. فقلت: بل يردك الله سالماً. ثم قال:
ولا أحسبك تدري ما أجد. فقلت: لا، واللهِ. فقال: تعالَ حتى أريك.
وانحرَف عن الطريق، وأومأ إلى الخواصِّ فتنخّوا، ثم قال: أمانة الله يا صَبَّاح
أن تكتم عَلَيَّ. وكشف عن بطنه، فإذا عصابةُ حرير حوالي بطنه، فقال: هذه
علَّةٌ أكتمها الناسَ كلَّهم، ولكلِّ واحدٍ من وَلَدي عليَّ رقيبٌ، فمسرورٌ رقيبُ
المأمون، وجبريلُ بنُ بختيشوع رقيبُ الأمين، ونَسِيتُ الثالث، ما منهم أحدٌ إلاَّ
وهو يُحصي أنفاسي ويَعُدُّ أيامي ويستطيل دَهْري، فإنْ أردتَ أن تعرف ذلك
فالسَّاعة أدعو ببرذَوْن، فيجيئون به أعْجَفَ ليَزيد في عِلَّتي. ثم دعا ببرذَوْن،
فجاؤوا به كما وصف، فنظر إليَّ ثم ركبه وودعني.
وفيها تحرَّك الخُرَّمِيَّة ببلاد أذَرْبِيجان، فسار لحربهم عبدالله بن مالك في
عشرة آلاف، فأسرَ وسَبَى.
وفيها قَدِمَ يحيى بن معاذ على الرشيد معه أبو النِّداء أسيراً فقتلَهُ.
وفيها تحرَّك ثَرْوان الحَرُورِي فقتل عامل الطَّف.
وقُدِم بعلي بن عيسى بغدادَ، فحُبس في داره.
وقتل فيها الرشيد هَيْصَماً اليماني، وكان قد خرج.
١٠٢٩

سنة ثلاثٍ وتسعين
تُوُقِّي فيها: إسماعيل بن عُلَيَّة أبو بِشْر البَصْري، زياد بن عبدالرحمن
شَبَطون، سعيد بن عبدالله المصري الفقيه، العباس بن الأحنف الشاعر
المشهور، العباس بن الحسن العلوي الشاعر، العباس بن الفضل بن الربيع
الحاجب، عبدالله بن كُلَيب المُرادي بمصر، عَوْن بن عبدالله المَسْعودي، محمد
ابن جعفر البَصْري غُنْدَر، مَخْلَد بن يزيد الحرَّاني، مروان بن معاوية الفَزاري
نزيل دمشق، نصر بن باب الخراساني بها، هارون الرشيد أبو جعفر بطوس،
أبو بكر بن عياش المقرىء بالكوفة.
وفيها وافى الرشيد جُرْجان، فأتته بها خزائن علي بن عيسى على ألفٍ
وخمس مئة بعير، ثم رحل منها في صفر وهو عليل إلى طُوس، فلم يزل بها
إلى أن تُوفِّي.
وفيها كانت وقعة بين هَرْثمة وأصحاب رافع بن الليث، فانتصر هَرْثمة
وأسر أخا رافع، وملكَ بُخارى، وقَدِم بأخي رافع على الرشيد، فسبَّهُ، ودعا
بقَصَّاب، وقال: فصِّل أعضاءه، ففصَّله.
وذكرَ بعضُهم أنَّ جبريل بن بختيشوع غلط على الرشيد في عِلَّته في علاج
عالجه به كان سبب منيَّته، فهمَّ الرشيدُ بأنْ يُفَصِّله كما فعل بأخي رافع، ودعا به
فقال: أنظرني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين، فإنَّك تصبح في عافية، فمات ذلك
اليوم .
وقيل: إنَّ الرشيد رأى مناماً أنه يَؤُم بطوس، فبكى، وقال: احفروا لي
قبراً. فحُفِرَ له، ثم حُمِل في قُبَّة على جملٍ وسيق به حتى نظر إلى القبر، فقال :
يا ابن آدم تصير إلى هذا؟ وأمرَ قوماً فنزلُوا فختموا فيه ختمةً، وهو في محفَّةٍ
على شفير القبر.
قال ابنُ جرير(١): وكان يقتفي أخلاق المنصور، ويطلبُ العملَ بها، إلاّ
في بذل المال، فإنه لم يُرَ خليفة قبله أعطى منه لوليّ. وكان يحب الشِّعرَ،
(١) تاريخه ٣٤٧/٨.
١٠٣٠

ويميلُ إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المِراء في الدِّين، ويقول: هو شيء لا
نتيجة له، وبالحري أن لا يكون فيه ثواب. وكان يحب المديحَ ويشتريه بأغلى
ثمن. أجاز مرَّةً مروانَ بن أبي حفصة على قصيدةٍ خمسة آلاف دينار، وخِلْعة،
وعشرة من رقيق الروم، وفَرَساً من مراكبه.
وقيل: إنَّه كان مع الرشيد ابنُ أبي مريم المَدَني، وكان مُضْحكاً فكِهاً
أخباريًّا، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل منه لحُسن نوادره ومُجُونه.
ورُوي أنَّ ابن السَّمَّاك دخلَ على الرشيد يوماً فاستسقى، فأُتي بكوز، فلما
أخذه، قال: على رِسْلك يا أمير المؤمنين، لو مُنِعتَ هذه الشربة بكم كنت
تَشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: اشرب هنَّاك الله. فلما شربها، قال:
أسألك لو مُنِعتَ خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع
ملكي. فقال: إنَّ مُلْكاً قيمته شَرْبة ماء لجديرٌ أن لا يُنافَس فيه. قال: فبكى
هارون .
وقد ذكرتُ الرشيدَ في الأسماء أيضاً.
وبويع لابنه الأمين محمد في العَسْكر صبيحة التي تُوُفِّي فيها الرشيد. وكان
المأمون حينئذٍ بمَرْو، والأمين ببغداد. فأتاه الخبرُ، فصلَّى بالناس الجُمُعة
وخطب، ونعَى الرشيدَ إلى الناس وبايعه الناسُ؛ فأمرَ للجُنْد برزق سنتين.
وأخذ رجاء الخادم البُرْدَ والقضيب والخاتم، وسار على البريد في اثني
عشر يوماً من مَرْو حتى قَدِم بغدادَ في نصف جُمَادى الآخرة، فدفع ذلك إلى
الأمين.
وبلغ الخبرُ المأمون فبايع لأخيه ثم لنفسه، وأعطى الجُنْد عطاء سنة،
وأخذ يتألَّف أمراءَهُ وقوَّاده ويُظْهرُ العدلَ، فأحبُّوا المأمون.
وأما الأمين فإنه بعد بيعته بيوم أمر ببناء ميدانٍ جوار قصر المنصور للعب
بالكُرة. ثم قَدِمت أمُّ جعفر زبيدة في شعبان، فتلقَّاها ابنها الأمين، قدِمت من
الرَّقَّة ومعها جميع الخزائن. وأقام المأمون على خُراسان وإمْرتها، وأهدى
للأمین تُحفاً ونفائس .
وفيها دخل هَرْثَمة حائطَ سمرقند، فلجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل
١٠٣١

رافعٌ التُّرْكَ فوافوه، فصار هَرْثَمة في الوسط. ثم لطف الله به وردَّ التُّرْك،
فضعُف أمرُ رافع .
وفيها قُتِل نقْفور ملك الروم في حرب بُرْجان، وبقي في المملكة تسع
سنين، وملك بعده ابنه إستبراق شهرين وهلك، فملك ميخائيل بن جرجس
زوج أخته.
سنة أربعٍ وتسعين
تُؤُفِّي فيها: حفص بن غياث النَّخَعي في آخرها، الحَكَم بن عبد الله
البَصْري، سَلْم بن سالم البَلْخِي العابد ضعيف، سُوَيد بن عبدالعزيز قاضي
بعلبك، شقيق بن إبراهيم البَلْخي الزَّاهد، عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي،
عُبَيدالله بن المهدي محمد ابن المنصور، عمر بن هارون البَلْخي أبو حفص،
محمد بن حرب الخَوْلاني الأبرش، محمد بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي،
محمد بن أبي عَدِي بَصْريٌّ ثقة، يحيى بن سعيد بن أبان الأموي أخو محمد،
القاسم بن يزيد الجَرْمي.
وفيها ثار أهلُ حِمْص بعاملهم إسحاق بن سُليمان، فبرح إلى سَلَمْيَة، فَوَلَّى
عليهم الأمينُ عبدالله بن سعيد الخَرَشي، فحبس عدَّةً من وجوههم وقتل عدَّة،
وضرب النَّار في نواحي حِمْص، فسألوه الأمان فأمَّنهم، وسكنوا، ثم هاجوا
فقتل طائفةً منهم .
وفيها عزل الأمينُ أخاه القاسم عن ما كان الرشيدُ ولاَه، وذلك إمرة الشام
وقِنَّسْرين والثُّغور، ووَلَّى مكانه خُزَيمة بن خازم.
وفيها أمرَ الأمينُ بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة، بعد ذِكر
المأمون والقاسم.
وتنكَّر كل واحدٍ من الأمين والمأمون لصاحبه، وظهر الفساد بينهما. فقيل:
إنَّ الفضل بن الربيع علم أنَّ الخلافةَ إذا أفضت إلى المأمون لم يُبقِ عليه،
فأغرى الأمين به، وحَثَّه على خلعه، وأن يولي العهدَ لابنه موسى. وأعانه على
رأيه علي بن عيسى بن ماهان، والسِّنْدي. ولما بلغ المأمونَ عزْلُ أخيه القاسم
عن الشام قطع البريدية عن الأمين، وأسقط اسمه من الطُّرُز والضَّرب.
وكان رافع بن اللَّيث بن نصر بن سيَّار لما انتهى إليه حُسن سيرة المأمون
١٠٣٢

في عمله وإحسانه إلى الجيش، بعثَ في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك
هَرْثَمةُ، ولحقَ رافعٌ بالمأمون فأكرمه.
وقدِم هَرْثَمة بمن معه من الجيوش من سمرقند على المأمون. وكان معه
طاهر بن الحُسين، فتلقَّاه المأمون وولاًه حَرَسه.
ثم إنَّ الأمين أرسل وجوهاً إلى المأمون يطلب منه أن يقدِّمَ موسى على
نفسه، ويذكر أنه قد سماه: الناطقَ بالحق، فردَّ المأمون ذلك وأبَاهُ. وكان
الرسول إليه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، فبايعَ المأمون بالخلافة
سِراً، ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويُناصحه من العراق. ورجع فأخبرَ الأمين
بامتناع المأمون، فأسقط اسمه من ولاية العهد، وطلب الكتابَ الذي كتبه
الرشيد وجعله بالكعبة لعبدالله المأمون على الأمين، فأحضروه فمزَّقه وقويت
الوَحْشة. وأحضر المأمون رُسُلَ الأمين إليه وقال: إن أمير المؤمنين كتب إليَّ
في أمرٍ كتبتُ إليه جوابَهُ، فأبلغوه الكتاب، واعلموا أنِّي لا أزال على طاعته
حتى يضطرني بترك الحق الواجب إلى مخالفته. فخرجوا وقد رأوا جدًّا غير
مشوبٍ بِهَزْل .
ونصحَ الأمينَ أولو الرأي فلم يَنْتَصح، وأخذَ يستميلُ القُوَّاد بالعطاء، فقال
له خازم بن خُزيمة: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك مَن كَذَبَك، ولن يغشَّكَ مَن
صَدَقك، لا تُجَرِّىء القُوَّاد على الخَلْع فيخلعوك، ولا تَحْمِلهم على نَكْث
العهد فينكثوا بَيعَتك وعهدَك، فإنَّ الغادر مغلُولٌ، والناكث مخذول.
وفي ربيع الأول بايع الأمين بولاية العهد لابنه موسى، ولقَّبه: الناطق
بالحق، وجعل وزيره علي بن عيسى بن ماهان.
وفيها وَثَبتْ الروم على ميخائيل صاحب الروم فهرب وترهَّب، وكان مُلْكه
سنتين، فمَلَّكوا عليهم ليون القائد.
سنة خمس وتسعين
تُوُقِّي فيها: إسحاق بن يوسف الأزرق واسطيٌّ، بِشْر بن السَّري الواعظ
بمكة، عبدالرحمن بن محمد المحاربي الكوفيُّ، عُبيد الله بن المهدي فيها في
قَوْل، عَثَّام بن علي الكوفي وقيل سنة أربع، مُؤرِّج بن عَمرو السَّدُوسي
١٠٣٣

النَّحوي، محمد بن فُضَيلِ الضَّبِّي الكوفي، الوليد بن مسلم في أوَّلها بذي
المروة، يحيى بن سُلَيْم الطَّائفي بمكة، أبو معاوية الضَّرير محمد بن خازم.
وفيها قال بعض الشعراء فيما جرى من ولاية العهد لموسى وهو طفل
وذلك برأي الفضل وبكر بن المُعْتَمر.
وفِسْقُ الأميرِ وجَهْلُ المشير
أضاعَ الخلافة غِشُّ الوزيرِ
وأعجبُ منه خلاقُ الوزير
لِواطُ الخليفة أعجوبةٌ
يُريدان ما فيه حتفُ الأمير
ففضْلٌ وزيرٌ ويَكْرٌ مشيرٌ
كذاك لعَمْري خلاف الأمور
فهذا يدوسُ وهذا يُداس
لَكانا بعُرضةِ أمرٍ سَتِير
فلو يستعفان هذا بذاك
وأعجبُ من ذا وذا أنَّنا
نبايعُ للطّفل فينا الصغير
ومَن لم يَخْلُ من بَوْلِه حِجْر ظِير
ومَن ليس يُحْسِن غَسل استِهِ
في أبيات(١) .
ولما تيقّن المأمون خَلْعَه تسمَّى بإمام المؤمنين، وكُوتِبَ بذلك.
وفي ربيع الآخر عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان على بلد الجبال:
هَمَذان، ونهاوند، وقُم، وأصبهان، وأمَرَ له فيما قيل بمئتي ألف دينار، وأعطى
لجُنده مالاً عظيماً.
ولما جمعَ الأمينُ الملأ لقراءة العهد لابنه، قال: يا معشر أهل خُراسان -
يعني: الذين ببغداد - إنَّ الأمير موسى قد أمَرَ لكم من صُلْب ماله بثلاثة آلاف
ألف درهم.
وشخص عليُّ بن عيسى في نصف جمادى الآخرة من بغداد، وأخذ معه
قيد فِضَّة ليقيِّد به المأمون بزعمه. وسار معه الأمين إلى النَّهروان، فعرض بها
الجُنْدَ الذين جَهَّزهم مع علي. فسار حتى نزل هَمَذان، فاستعمل عليها عبدالله
ابن حُميد بن فَخْطبة. ثم شخص علي منها حتى بلغ الزَّي وهو على أُهبة
الحرب، فلقِيه طاهر بن الحسين وهو في أقلِّ من أربعة آلاف، كان قد جهّزه
المأمون فأشرفَ على جيش علي وهم يلبسون السِّلاح، وامتلأت بهم الصحراء
(١) الأبيات في تاريخ الطبري ٣٩٦/٨.
١٠٣٤

بياضاً وصُفرة من السلاح المذهَّب، فقال طاهر بن الحسين: هذا ما لا قِبل لنا
به، ولكن نجعلها خارجية، نقصدُ القلبَ. فهيَّأ سبع مئة من الخوارزمية. قال
أحمد بن هشام الأمير: فقلنا لطاهر: تُذكِّر عليَّ بن عيسى البيعةَ التي كانت،
والبيعةَ التي أخذها هو للمأمون علينا معشر أهل خُراسان. قال: نعم.
فعلَّقناهما على رُمْحين، وقمتُ بين الصَّفَّين، فقلت: الأمان، ثم قلت: يا علي
ابن عيسى ألا تتَّقي الله؟ أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصَّة؟ اتَّقِ
الله، فقد بلغتَ بابَ قبرك. قال: من أنت؟ قلت: أحمد بن هشام! وقد كان
عليٍّ ضربَهُ أربع مئة سوط - فصاح علي: يا أهل خُراسان، من جاء به فله ألف
دِرهم. وكان معنا قومٌ بُخاريّة، فرموه وزنُّوه وقالوا: نقتلك ونأخذ مالك.
وخرجٍ من عسكر علي العباسُ بنُ الليث ورجلٌ آخر، فشدَّ عليه طاهر
فضربه قتلَهُ، وشدَّ داود سياه على عليّ بن عيسى فصرعَه وهو لا يعرفه. فقال
طاهر بن النَّاجي: أَعَليُّ بن عيسى أنت؟ قال: نعم! وظنَّ أنه يُهاب فلا يقدم
عليه أحد. فشدّ عليه فذبحه بالسيف، ثم انهزم جيشه.
قال أحمد: فتبعناهم فرسخين، وواقفونا اثنتي عشرة مرَّة؛ كل ذلك
نهزمهم. فلحقني طاهر بن النَّاجي ومعه رأس علي، فصلَّيت ركْعتين شُكراً.
ووجدنا في عسكره سبع مئة كيس، في كلِّ كيس ألف درهم، ووجدنا عدَّة بِغال
عليها له خَمْر سَوَادي. فظنَّت البُخارية أنَّ مال، فكسروا تلك الصناديق فرأوه
خمراً، فضحكوا وقالوا: عملنا العمل حتى نشرب. وأعتق طاهرٍ من كان
بحضرته من غلمانه شكراً. فلما وصل البريد إلى المأمون سَلَّموا عليه
بالخلافة، وطیف بالرأس في خُراسان.
وجاء الخبر بقَتْله إلى الأمين وهو يتصيَّد السمك، فقال للذي أخبره:
ويلك دعني، فإنَّ كوثراً قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد(١).
وقال شاعرٌ من أصحاب علي:
لِقِينا اللَّيثَ مُفترشاً يديه وكنا ما يُنَهْنِهُنا اللقاءُ
نخوضُ الموتَ والغمراتِ قِدْما إذا ما كَرَّ ليس به خَفاءُ
(١) لعل هذا من وضع الشعوبية، وإلا فلا يُعقل.
١٠٣٥

فضعضَعَ رُكْنَنا لمَّا التقينا وراح الموتُ وانكشفَ الغِطَاءُ
وأودَى كَبْشَنا والرأسَ منَّا كأنَّ بِكَفِّه كان القضاءُ
ثم وجَّه الأمين عبدالرحمن بن جَبَلَة الأبناويَّ أمير الدِّينَوَر بالعُدَّة والقوّة،
فسار حتَّى نزل هَمَذان .
وعن عبدالله بن خازم أنَّه قال: يريد محمد إزالة الجبال وفلَّ العساكر
بالفضل وتدبيره، وهيهات، وهو والله كما قيل: قد ضيّع الله ذودًا أنت راعيها .
وقيل: إنَّ الجيش الذين كانوا مع عليّ بن عيسى أربعون ألفاً في هيئة لم يُر
مثلها .
وروى عبدالله بنُ مجالد أنَّ الوقعة اشتدَّ فيها القتال، وأنَّ علي بن عيسى
قُتِلَ بسهم جاءهُ، وأنَّ طاهراً بعثَ بالأسرى والرؤوس إلى المأمون.
وذكر عبدالله بنُ صالح الجَرْمي أنَّ عليَّاً لما قُتِلَ أرجفَ الناسُ ببغداد إرجافاً
شديداً، وندِم محمد على خلعه أخاه، وطَمَعَ الأمراء فيه، وشغَّبوا جُندهم
بطلب الأرزاق من الأمين، وازدحموا بالجَسْر يطلبون الأرزاق والجوائز؛ فركب
إليهم عبدالله بن خازم في طائفة من قوَّاد الأعراب فتراموا بالنشاب واقتتلوا،
فسمع الأمين الضَّجَّة، فأرسل يأمر ابن خازم بالانصراف، وأمَرَ لهم بأرزاق
أربعة أشهر وزاد في عطائهم، وأمر للقوَّاد بالجوائز. وجهَّز عبدالرحمن
الأبناوي في عشرين ألفاً، فسار إلى هَمَذَان وضَبَطَ طُرُقها، وحَصَّنَ سورَها،
وجمع فيها الأقواتَ، واستعدَّ لمحاربة طاهر .
وقد كان يحيى بن علي بن عيسى لما قُتِل أبوه أقام بين الرَّي وهَمَذان،
فكان لا يمر به أحدٌ من المنكسرين إلاّ حبسَه عنده بناءً منه أنَّ الأمين يولِّيه
مكان أبيه. فكتب إليه الأمين يأمره بالمقام مع عبدالرحمن الأبناوي، فلما سار
يحيى إلى قرب هَمَذان تفرَّق أكثر أصحابه .
وأمَّا طاهر فقصد مدينة هَمَذان فأشرفَ عليها، فالتقى الجيشان وصبر
الفريقان، وكثُرت القتلى. ثم إنَّ عبدالرحمن الأبناوي تقهقر ودخل مدينة
هَمَذان فأقام بها يلم شعث أصحابه. ثم زحف إلى طاهر، وقد خَنْدَق طاهر
على عسكره، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وجعل عبدالرحمن يُحَرِّض أصحابَهُ،
ويقاتل بيده، وحمل حملات منكرة ما منها حملة إلاَّ وهو يكثر القتل في
١٠٣٦

أصحاب طاهر. فشدَّ رجل على صاحب عَلَم عبدالرحمن فقتله. وحَمَل أصحاب
طاهر حملةً صادقةً حتى ألجأوهم إلى مدينة هَمَذان، ونزل طاهر محاصراً لها .
وكان عبدالرحمن يخرج كل يوم فيقاتل على باب المدينة. وتضرَّر بهم أهل
البلد وجهدوا، فطلب عبدالرحمن من طاهر الأمان، فآمنه ووفى له.
وفيها ظهر بدمشق السُّفياني أبو العَمَيْطر علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد
ابن معاوية فدعا إلى نفسه، وطردَ عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حَصْره إيّاه
بالبلد، وكان عامل الأمين، فلم يُفلت منه إلاّ بعد اليأس. فوجَّه الأمين لحربه
الحُسين بن علي بن عيسى بن ماهان فلم ينفذ إليه، ولكنَّه وصل إِلى الرَّقَّة فأقام
بها .
وعن صالح بن محمد بن صالح بن بَيْهَس، قال: ضبط أبو العَمَيْطر دمشقَ
وانضمَّت إليه اليَمَانيةُ من كلِّ ناحيةٍ، وبايعه أهلُ الغُوطة والساحل وحِمْص
وقِنَّسْرين، واستقام له الأمرُ؛ إلاَّ أنَّ قَيْساً لم تُبايعه وهربوا من دمشق.
وجاء عن عبدالله بن طاهر أنَّه لما قَدِمَ دمشق قال لمحمد بن حنظلة: عندك
مِن عظام أبي العَميطر شيء؟ قال: هو أقل عندنا من هذا، ولكن هربَ إلينا
وخلع نفسه فسترناه.
وغلب طاهر بن الحسين على قزوين وطردَ عنها عاملَ الأمين، وغلب على
سائر گُورِ الجبال.
وذكر عبدالله بن صالح أنَّ الأمين لما وَجَّه عبدالرحمن الأبناوي إلى هَمَذان
أتبعه بعبدالله وأحمد ابني الخُرْسي في جيش مدداً له. فلما خرج بالأمان هو
وأصحابه، أقام يُري طاهراً وجُنْده أنَّه لهم مُسالم راضٍ بعهودهم، ثم اغترَّهم
وهم آمنون فركب في أصحابه، فلم يشعر طاهر وأصحابُه بهم إلّ وقد هجموا
عليهم فوضعوا فيهم السيف، فقاتلوهم وردّت عنهم بالأترسة رَجَّالتهم حتى
أخذت الفُرسان عُددها وصَدَقُوهم القتالَ حتى تقطّعت السيوف بين الفريقين.
ثمّ هرب أصحاب عبدالرحمن فترجَّل هو وجماعة فقاتل حتى قُتِل. ووصل
المنهزمةُ إلى عسكر ابني الخُرْسي، فداخَلَهم الرُّعبُ فولَّوا منهزمين من غير
قتال حتى أتوا بغداد .
١٠٣٧

وسار طاهر بن الحسين وقد خَلَتْ له البلاد حتى قارب حُلْوان فعسكر بها
وخَنْدَقَ علی جُنده .
سنة ستّ وتسعین
تُوُفِّي فيها: الحسين بن علي بن عيسى قُتِل كما يأتي، سعد بن الصَّلت
قاضي شيراز، عبدالله بن كثير الطويل الدمشقي، عبدالملك بن صالح بن علي
الأمير، عَتَّاب بن بشير الجَزري في قَوْل، مَخْلَد بن الحُسين في قولٍ، وكِلاهما
مَزَّ، مُعَاذ بن مُعاذ العنبري القاضي، الوليد بن خالد بالشام قاله ابن قانع، أبو
نُوَاس الشاعر هو الحسن بن هانیء.
وفيها رُوي عن عبدالرحمن بن رئاب، قال: حدَّثني أسد بن يزيد بن مَزْيد،
أنَّ الفضل بن الربيع الحاجب بعث إليه بعد مقتل عبدالرحمن الأبناوي، قال:
فأتيتُه فوجدته مُغْضَباً، فقال: يا أبا الحارث أنا وإيّاكَ نَجْري إلى غايةٍ إنْ قِصَّرنا
عنها ذُمِمْنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنَّما نحن شعب من أصلٍ، إنْ
قوي قوينا، وإنْ ضَعُف ضَعُفنا، إنَّ هذا الرجل، يعني الأمين، قد ألقى بيده
إلقاء الأمَة الوَكْعاء، يشاورُ النِّساء ويعترض على الرؤساء، وقد أمكن مسامعه
من اللَّهو والخسارة فهم يَعِدونه الظَّفَر، والهلاكُ أسرعُ إليه من السَّيْل إلى قِعان
الرمل، وقد خشِيتُ واللهِ أن نَهْلك بهَلاكه، ونَعْطبَ بعطبه، وأنت فارسُ العرب
وابنُ فارسها، قد فَزَعَ إليك في لقاء هذا الرجل، وأطمعه فيما قبلك أمران: أمّا
أحدُهما فصِدق طاعتك وفَضْلُ نصيحتك، والثاني يُمن نقيبتك وشدَّة بأسك.
وقد أمرني بإزاحة علَّتك وبَسْط يدك فيما أحببتَ، فعَجِّل المبادرةَ إلى عدوّك،
فإنِّي أرجو أن يولِّيك اللهُ شرف هذا الفتح، ويَلُمَّ بك شعثَ هذه الخلافة.
فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين مُقْدِمٌ، ولكل ما أدخل الوَهْن والذُلَّ على عدوِّه
حريصٌ، غير أنَّ المحاربَ لا يعمل بالغرر، ولا يفتتح أمرَه بالتقصير والخَلَل،
وإنَّما ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، وأمير المؤمنين فقد ملأ
أيدي مَن عنده من العَسْكر، وتابع لهم الأرزاق والصِّلات، فإنْ سرتُ بأصحابي
وقلوبهم متطلِّعة إلى مَنْ خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء، وقد فُضّل
أهل السِّلم على أهل الحرب. والذي أسأل أن يُؤْمَر لأصحابي برزق سنة،
١٠٣٨

ويُحْمَل معهم أرزاق سنة، ولا أُسألُ عن محاسبة ما افتتحتُ من المدن. فقال:
قد اشتططت، ولا بدَّ من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب معي إليه فدخلتُ،
فما دار بيني وبينه إلاَّ كلمتان حتَّى غَضِبَ وأمر بحبسي.
وذكر زياد، قال: ثم قال الأمين: هل في أهل بيت هذا مَن يقوم مقامه؟
فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وطاعتهم. قالوا: نعم، فيهم أحمد بن
مَزْيد عَقُّهُ؛ وأثنوا عليه، فاستقدمه على البريد. قال أحمد: فبدأتُ بالفضل بن
الربيع، فإذا عنده عبدالله بن حُمَيد بن قَخْطبة، وهو يريده على الشخوص إلى
طاهر بن الحسين؛ وعبدالله يشتط في طلب المال والإكثار من الرجال. فلما
رآني رخَّب وصَيَّرني معه على صدر المجلس، فكلَّمني ثمَّ قام معي حتَّى دخلنا
على الأمين، فلم يزل يأمرني بالدُّنُوِّ حتى كدتُ أُلاصقُه، فقال: إنه قد كثُر عليَّ
تخليط ابن أخيك وتنكُّره، وطالَ خِلافُه، وقد وُصِفْتَ لي بخيرٍ، وأحببتُ أن
أرفعَ قَدْرك وأُعْلي منزلتك، وأنْ أُوَلِّيك جهاد هذه الفئة الباغية. فقلت: سأبذل
في طاعتكم مُهْجتي .
قال: وانتخبتُ الرِّجال، فبلغ عدَّة من صحَّحتُ اسمَه عشرين ألف رجل،
ثم سرتُ بهم إلى حُلْوان، ودخلتُ عليه قبل ذلك فقلتُ: أوصِني. قال: إِيَّاك
والبَغْي، فإنه عِقال النصرِ، ولا تُقدِّم رِجْلاً إلا بالاستخارة، ولا تُشْهِر سيفاً إلاّ
بعد إعذار، ومهما قدرتَ عليه باللِّينَ فلا تتعدّه بالخَرْق(١)، في كلامٍ طويلٍ،
وأطلق له ابن أخيه أسداً.
وذكر يزيد بن الحارث أنَّ الأمين وجَّه معه عشرين ألفاً من الأعراب، ومع
عبدالله بن حُميد عشرين ألفاً من الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حُلْوان ويدفعا طاهراً
عنها، ويَنْصبا له الحربَ، فنزلا بخانقين، فدَسَّ طاهر العيونَ إلى عسكرهما،
فكانوا يأتون الجيشين بالأراجيف ويخبرونهما أنَّ الأمين قد وضعَ العطاء
لأصحابه، وقد أمر لهم بالأرزاق. ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغب
بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضاً، ورجعوا.
ثم دخل طاهر حُلوان، وأتاه هَرْئَمة بنُ أعْيَن بكتابي المأمون والفضل بن
(١) هذا كلام رجل عاقل، لا كما صوره الشعوبيون.
١٠٣٩

سَهْل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن إلى هَرْثَمة، والتَّوُّه إلى الأهواز.
فسلَّم ذلك إليه، وأقام هَرْثَمَة بحُلوان فحصَّنها وأحكمَ أمورَهُ، ومضى طاهر إلى
الأهواز. ودعا المأمون الفضل بن سهل فولاه على جميع المشرق من هَمَذان
إلى جبل سَفْيان والتُبْتِ طولاً، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الدَّيْلم وجُرْجان
عرضاً، وقرَّر له على ذلك ثلاثة آلاف ألف درهم، ولقَّبه ذا الرياستين. ثم ولَّى
أخاه الحسن بن سهل ديوان الخَرَاج.
وكان في حبس الرشيد عبدالملك بن صالح بن علي، فأطلقه الأمين
وقَرَّبه، فدخل عليه هذه الأيام وقال: يا أمير المؤمنين إنِّي أرى الناسَ قد طمعوا
فيك، وقد بذلتَ سماحتكَ، فإنْ بقيت على أمرك أبطَرْتهم، وإنْ كَفَفْتَ عن
البَذْل أسخطتهم، ومع هذا فإنَّ جُنْدك قد داخلَهم الرُّعبُ وأضْعَفَتْهُمُ الوقائعُ،
وهابوا عدوَّهُم، فإنْ سَيَّرتهم إلى طاهر غلب بقليلِ مَنْ معه كثيرَهم، وأهلُ
الشام قومٌ قد ضرستهم الحروب وأذَّبَتْهم الشدائد، وجُلَّهم مُنْقَادٌ لي، مُسارعٌ
إلى طاعتي، فإنْ وجَّهتني اتَّخذتُ لك منهم جُنْداً تعظمُ نكايته في عدوّه. فولاَه
الشام والجزيرة واستحثَّه بالخروج. فلمَّا بلغ الرَّقَّة أقامَ بها، وأنفذَ رُسُلَه وكُتُبَه
إلى رؤساء الأجناد بجمع الأمداد والرجال والزواقيل والأعراب من كلِّ فَج،
وخلع عليهم. ثم إنَّ بعض جُنْده الخُراسانية نظر إلى فرسٍ كانتِ أُخِذت منه في
وقعة سُليمان بن أبي جعفر بالشام تحت بعض الزَّواقيلَ، فتعلَّق بها، فتنازعا
الفَرَس، واجتمعت الناسُ وتلاحموا، وأعان كلُ فئة صاحبها، وتضاربوا
بالأيدي. فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بن أبي خالد الحربي، فقالوا: أنت
شيخُنا، وقد ركب الزَّواقيلُ منَّا ما سمعت، فاجمع أمرنا وإلاّ استذلُّونا، فقال:
ما كنتُ لأدخل في شَغب، ولا أشاهدكم على مثل هذه الحال. فاستعذَّ الأبناء
وأتوا الزَّواقيل وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيف، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً،
فتنادى الزَّواقيلُ ولبسوا لأمَة الحرب، وشبت الحربُ بينهم، فوجَّه عبدالملك
رسولاً يأمرهم بالكَفِّ، فرموه بالحجارة. وكان عبدالملك مريضاً مُدْنَفاً، فقال:
واذُلآه! تُستضام العربُ في دُورها وبلادها وتُقُتل؟! فغضِب من كان أمْسك عن
الشرِّ من الأبناء، وتفاقم الأمرُ. وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن
ماهان، وأصبح الزَّواقيل وقد جَيَّشوا بالرَّفَّة، واجتمع الأبناء والخُراسانِيَّة
بالرافقة. وقام رجلٌ من أهل حِمْص، فقال: يا أهل حِمْص،
١٠٤٠