النص المفهرس
صفحات 781-800
معن، وموسى الكاظم بن جعفر، وموسى بن عيسى الكوفي القارىء، والنَّضر ابن محمد المَرْوَزي، والنُّعْمان بن عبدالسلام الأصبهاني، ونوح بن قيس البصري، وهُشيم بن بشير، ويحيى بن حمزة قاضي دمشق، ويحيى بن أبي زائدة في قول، ویوسف بن الماجشون قاله الواقدي، ویونس بن حبیب صاحب العربية . وفيها كان خروج الخزر بسبب ابنة الخاقان، وقد كانت في العام الماضي حُملت إلى الفضل بن يحيى البرمكي وتزوَّج بها؛ فما وصلت، وماتت ببَرْذَعَة . فرجع من كان في خدمتها من العساكر إلى أبيها فأخبروه أنها قُتِلت غيلةً، فاشتد غضبه، وخرج للقتال بجيوشه من باب الأبواب، فأوقعوا بأهل الإسلام وباللِّقَة، وسفَكوا وسبوا، فيما قيل، أزْيَدَ من مئة ألف نسمة. وفي الجملة جرى على الإسلام أمر عظيم لم يُسمع قبله بمثله أبداً. فاستعمل الرشيد على أرمينية يزيد بن مَزْيَد مع أذْرَبِيجان وأمدَّه بالجيوش، وأردفه بخُزَيمة بن خازم، وساروا فدفعوا الخزر عن أرمينية وأغلقوا باب الدَّرْبَنْد. وحجَّ بالناس العباس ابن الخليفة الهادي. وأما المغرب فتمرَّد متوليها محمد بن مقاتل العكي، وظَلَم وعَسَف، واقتطع من أرزاق الأجناد وآذى العامَّة، فخرج عليه تمَّام بن تميم التميمي نائبه على تونس، فزحف إليه، وبرز لملتقاه العكِّيُّ، ووقع المَصاف، فانهزم العكِّي وتحصَّن بالقيروان في القصر. وغلب تمَّام على البلد، ثم نزل العكي بأمان وتَسَخَّبَ إلى طرابلس، فنهض لنُصْرته إِبراهيم بن الأغلب، فتقهقر تمَّام إلى تونس، ودخل ابن الأغلب القيروانَ فصلَّى بالناس وخطب وحضَّ على الطاعة والأُلْفَةِ. ثم التقى ابن الأغلب وتمَّام، فانهزم تمَّام، واشتد بغضة الناس للعكي، وكاتبوا الرشيدَ فيه، فعزله وأمّر عليهم إبراهيم بن الأغلب. سنة أربع وثمانين فيها مات إبراهيم بن سعد الزُّهْري في قول، وإبراهيم بن أبي يحيى المدني، وحُمَيْد بن الأسود، وزَيْن بن شعيب الفقيه بمصر، وصدقة بن خالد في قول، وعبدالله بن عبدالعزيز الزَّاهد العُمري، وعبدالله بن مُصْعب الزُّبَيري، وعبدالرحيم بن زيد العَمِّي، وعبدالرحيم بن سليمان الرازي، وعبدالسلام بن ٧٨١ شُعيب بن الحَبْحاب، وعبدالعزيز بن أبي حازم في قول، وعثمان بن عبدالرحمن الجُمَحي، وعلي بن غراب القاضي، ومحمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد، والمُعَافَى بن عمران المَوْصِلي، ومروان بن شجاع الجَزَري، ويوسف ابن الماحِشُون قاله البخاري، وأبو أُميَّة بن يَعْلَى قاله خليفة. وفيها خرج بشَهْرَزُور أبو عمرو الشاري، فسار لحربه زهير الأمير فقتله. وفيها وَلِيَ حمَّاد البربري مكة واليمن، ووَلِيَ داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السِّنْدَ، وابنُ الأغلب المغربَ، ومهروية الرازي طَبَرستان . وفيها طلبَ أبو الخصيب الخارجُ بخراسان الأمانَ، فأمَّنَهُ عليُّ بن عيسى بن ماهان وأكرمه . وفيها سار أحمد بن هارون الشيباني فأغار على ممالك الروم، فَغَنِم وسَلِم . وفيها سار ابن بَيْهس الكلابي إلى ملكة الروم في الفِداء. سنة خمس وثمانين ومئة فيها مات أبو إسحاق الفَزاري في قول إبراهيم بن محمد، وخالد بن يزيد ابن أبي مالك الدمشقي، وزياد بن الربيع البَصْري، وسليمان بن عُتبة الدمشقي، وصالح بن عمر الواسطي، وضِمام بن إسماعيل المصري، وعبدالله ابن صالح بن علي بسَلَمية، وعبدالصَّمد عمّ المنصور، وعبدالواحد بن مسلم العابد، وعمر بن عُبيد الطنافسي، ومحمد ابن الإمام إبراهيم بن محمد ابن عمّ المنصور، وقاضي مصر محمد بن مسروق الكِنْدي، والمُسَيب بن شريك، والمُطَّلب بن زياد، والمُعَافَى بن عِمران في قولٍ قوي، ويزيد بن مَزْيد الشَّيباني، ويوسف بن الماجشون في الأصح، ويقطين بن موسى الأمير. وفيها وثب أهل طَبَرِسْتان على مُتَوليهم مَهْرُوية فقتلوه، فولَّى الرشيد بدله عبدَالله بن سعيد الحَرَشي. وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس فانتدب لحربه عيسى بن علي بن عيسى وأباد عشرة آلاف من جموع حمزة. ٧٨٢ وفيها خرج أبو الخصيب ثانيةً وغدر وغلبَ على نَيْسابور، وطُوس، وأبيوَرْد، وزحف بجيشه إلى مَرْو، فالتقوْه، فانكسر وتأخَّر إلى سَرْخَس واستفحل أمره. قال الخُطبي : وفيها ظهر بعَبَّادان أحمد بن عيسى بن زيد بن علي الحُسيني وبناحية البصرة، وبويع سرًّا. ثم عجز وهرب، فلم يزل مُسْتَخْفِياً إلى أن مات بعد دهرٍ طويل سنة سبع وأربعين ومئتين بالبصرة. ولا أعلم أحداً في دولة الإسلام استمر في طُول هذه المدة أبداً غيره. سنة ستٍّ و ثمانین ومئة فيها مات جعفر بن المنصور، وحاتم بن إسماعيل فيها أو سنة سبع، والحارث بن عبيدة، حمصي، وحسَّان بن إبراهيم الكِرْماني، وخالد بن الحارث، ورِشْدِين بن سعد المصري، وصالح بن قُدامة الجُمَحي، وطَيْفُور الأمير مولى المنصور، وعبَّاد بن العوَّام في قول، وعبَّاس بن الفضل الواقفي المقرىء، والعبَّاس بن محمد بن علي الأمير، وعبدالرحمن بن عبدالله بن عمر المدني، وعيسى البخاري غُنْجار، والمُسَيب بن شَرِيك بخُلُف، والمغيرة بن عبدالرحمن المخزومي . وفيها سار علي بن عيسى بن ماهان من مَرْو لحرب أبي الخصيب، فالتقاه بنسا، فقُتل أبو الخصيب، وتمزَّقت جيوشه، وسُبيت حُرَمُه، واستقام أمر خُراسان. وفيها سجن الرشيد ثُمامة بن أشرس المتكلّم، لأنّه وقف منه على شيء من إعانة أحمد بن عیسی بن زید . وحجَّ الرشيد وابناه الأمين والمأمون، وفرّق الأموال بالحرمين. وفيها بايع الرشيدُ بولاية العهد لولده قاسم من بعد الأخوين الأمين والمأمون، ولقَّبه المؤتمَن، وولاَه الجزيرة والثغور وهو صبي. فلما قسّم الرشيد الدنيا بين هؤلاء الثلاثة، قال بعض العقلاء: قد ألقى بأسهم بينهم، وغائلة ذلك يضرُّ بالرعيّة. وقالت الشعراء في البيعة المدايح، ثم إنَّه علّق نسخة البيعة في البيت العتيق، وفي ذلك يقول إبراهيم المَوْصلي: ٧٨٣ وأحقُّ أمرٍ بالتمامِ خيرُ الأمور مَغَبَّةً حمنُ في البيت الحرامِ أمرٌ قضى إحكامَه الر سنة سبعٍ وثمانين ومئة فيها، أو في سنة ستٍّ بِشْر بن المفضَّل، وجعفر بن يحيى البرمكي صُلِب، ورباح بن زيد الصنعاني، وزكريا بن يحيى الذارع، وعبَّاد بن العوَّام في قول، وعبدالرحيم بن سليمان الرازي في آخرها، وعبدالسلام بن حرب المُلائي، وعبدالعزيز بن عبدالصمد العمِّي، وعبدالعزيز بن محمد الدَّراوَرْدي في رجب، وعلي بن نصر الجَهْضَمي أبو نصْر، ومحمد بن سَواء السَّدُوسي، ومحمد بن عبدالرحمن الطُّفاوي، ومرحوم بن عبدالعزيز البَصْري، ومعاذ بن مسلم النَّحْوي المعمَّر، ومُعتمر بن سليمان التَّيمي، ويوسف بن عطيّة الصَّفَّار، وأبو إسحاق الفزاري في قول. وفيها مقتل جعفر البرمكي؛ وقد اختلف في سبب قتله على أقوال، فقيل: إنّ جبريل بن بختيشوع الطبيب قال: إنّي لقاعدٌ عند أمير المؤمنين الرشيد، إذ أتى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وكان يدخل بلا إذْنٍ، فلما قَرُب سلَّمَ، فردَّ عليه الرشيدُ رَدًّا ضعيفاً، فعلم يحيى أنّ أمرهم قد تغيَّرَ، فأقبل عليَّ الرشيدُ فقال: يا جبريل، يدخل عليك أحدٌ منزلَك بلا إذْن؟ فقلت: لا! قال: فما بالُنَا يُدْخَلُ علينا بلا إذْن؟ فوثب يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، قدَّمني الله قبلك، واللهِ ما هو إلّ شيءٍ خَصَصْتَني به، والآن فأكون في الطبقة الثانية من أهل الإذْن إنْ أمرتني. فاستحيا الرشيدُ، وكان من أرَقّ الخلفاء، وأطرق ثم قال: ما أردتُ ما تكره، ولكنّ الناس يقولون. قال: فظننت أنه لم يسنح له جواب یرتضیه، ثم خرج یحیی. وقيل: إنّ ثُمامة بن أشرس قال: أول ما أُنكِر يحيى بن خالد من أمره أنّ محمد بن اللّيث رفع رسالةً إلى الرشيد يَعِظُه ويقول: إنّ يحيى لا يُغْني عنكَ من الله شيئاً، وقد جعلتَه فيما بينكَ وبين الله، فكيف بكَ إذا وقفت بين يدي الله، ٧٨٤ فسألك عَمَّا عملتَ في عباده وبلاده؟ فدعا الرشيدُ يحيى، وقد بَلَغَتْه الرسالةُ، فقال: تعرف محمد بن اللَّيث؟ قال: نعم، هو متَّهم على الإسلام، فأمر بابنِ اللَّيثِ فوُضع في المَطْبَق دهراً. فلما تنكَّر الرشيد للبرامكة أمر بإخراجه، فأحضره وقال له: أتُحِبُّني؟ قال: لا واللهِ. قال: أتقول هذا؟ قال: نعم، وَضَعْتَ في رِجْليَّ الأكْبال وحُلْتَ بيني وبين عيالي بلا ذنب، سوی قولِ حاسدٍ يكيد الإسلامَ وأهلَهُ، ويحب الإلحادَ وأهله. فأطلقه ثم قال: أَتُحِبُّني؟ قال: لا، ولكنْ قد ذهب ما في قلبي. فأمر له بمئة ألف، ثم قال: أَتُحِبُّني؟ قال: نعم، قد أحسنتَ إليَّ. فقال: انتقمَ اللهُ ممّنْ ظلمكَ وأخذ لك ممّن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا. وقيل: إنّ يحيى بن خالد دخل بَعْدُ على الرشيد، فقام الغلمان له، وقال الرشيد لمسرور: مُرْهم لا يقومون. قال: فدخل، فما قام أحد، فاربَدَّ لونٌ یحیی . وقيل: إنّ سبب قَتْل جعفر أنَّ الرشيدَ سلَّم له يحيى بن عبدالله بن حسن، فَرَقَ له بعد قليل وأطلقَهُ. وكان ابنُ حسن مربوعاً، أجلح، بطيناً، حَسَن العينين، فأتى رجل بصفته وهيئته إلى الرشيد وأنّه رآه بحلوان. فأعطى الرجل جائزة . وقيل: إن جعفراً بنى داراً أنفق عليها عشرين ألف ألف دِرْهم فأسرف. وعن موسى بن يحيى بن خالد، قال: اعتمرٍ أبي في العام الذي نُكب فيه وأنا معه، فتعلَّق بأستار الكعبة وجعل يقول: اللَّهُمَّ ذنوبي عظيمة لا يُحصيها غيرُك، إن كنتَ مُعاقبي فاجعل عقوبتي في الدنيا، وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى أبلغ رِضاكَ، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة. وكان موسى هذا أحدَ الأبطال الموصوفين. فقيل: إنّ علي بن عيسى بن ماهان قدح فيه عند الرشيد وأعلمه طاعة أهل خُراسان له ومحبَّتهم إيَّاه، وأنَّه يكاتبهم ويعمل على الذهاب إليهم، فاستوحش الرشيدُ منه. ثم ركب موسى دَيْنٌ فاستتر من الغُرماء، فتوهّم الرشيد أنَّه سار إلى خُراسان، ثم ظهر فحبسه، فكان ذلك أول نكبتهم. فأتت زوجة يحيى بن خالد إلى الرشيد ولاطَفَتْه، فقال: يَضْمنه أبوه. فضمِنه یحیی. تاريخ الإسلام ٤ / ٥٠ ٧٨٥ وكان الرشيد قد غضب على الفضل بن يحيى لتركِه الشُّرْب معه. وكان الفضل يقول: لو علمت أنّ شُرْب الماء يُنقص من مروءتي ما شربته، وكان مشغوفاً بالسماع. وأما جعفر فكان ينادم الرشيد، وأبوه يأمره بالإقلال من ذلك فيخالفه. وقد كان يحيى قال: يا أمير المؤمنين، أنا واللهِ أكره مداخلَ جعفر معك، فلو اقتصرت به على الإمرة دون العِشْرة. قال: يا أبة، ليس هذا بك، ولكنّك تريد أن تقدّم الفضل عليه . قال ابن جرير(١): حدثنا أحمد بن زهير، أظنه عن عمِّه زاهر بن حرب، أنّ سبب هلاك البرامكة أنّ الرشيد كان لا يصبر عن جعفر، وعن أخته عبَّاسة بنت المهدي. قال: وكان يُخْضرهما مجلسَ الشراب، فقال: أزوِّجكها على أن لا تَمَسَّها. فكانا يَثْمُلان من الشراب، وهما شابّان، فيقوم الرشيد، فيثب جعفر عليها، فولدت منه غُلاماً، فخافتِ الرشيدَ، فوجّهت بالطفل مع حواضن إلى مكة واختفى الأمر. ثم ضربتْ جاريةً لها فوشت بها إلى الرشيد، فلما حجَّ أرسل إلى الموضع الذي به الحواضن، وهَمَّ بقتل الصبي، ثم تأثّم من ذلك. فلما رجع إلى الحيرة وناحية الأنبار أرسل ليلة السبت لانْسِلاخ المحرَّم إلى مسرور الخادم ومعه أبو عصمة وأجنادٌ، فأحاطوا بجعفر ليلاً، فدخل عليه مسرور وهو في مجلس لَهْوه، فأخرجه بعنفٍ وقيّده بقيدِ حمارٍ وأتى به، فأعلم الرشيد. فأمر بضرب عنقه، ففعل . وحدَّث مسرور، قال: وقع على رِجْلي يُقَبِّلُهَا، وقال: دعني أدخل فَأُوصي، قلت: لا سبيلَ إلى ذلك، فأوْصِ بما شئتَ. فأوصى وأعتق مماليكه، ثم ذبحته بعد أن راجعتُ الرشيدَ فيه، وأتيته برأسه. ثم وجّه الرشيد جُنداً أحاطوا بأبيه وبجميع أولاده ومواليه، وأُخِذت أموالهم وأملاكهم. وكُتِبَ إلى سائرِ العمال بقبضٍ مالهم. وبُعثت جثَّةُ جعفر إلى بغداد، فنُصبت على خشبة، ونُودي ألاَ لا أمانَ لمن آوى أحداً من البرامكة . ثم أمر الرشيد يوم دخل الرَّقَّة بقتل أنس بن أبي شَيْخ، فقُتل وصُلب على الزَّندقة، وكان من أصحاب البرامكة. (١) تاريخه ٢٩٤/٨- ٢٩٦ بتصرف. ٧٨٦ وذكر ابن الصابىء في كتاب ((الأماثل والأعيان)) عن إسحاق المَوْصلي، عن إبراهيم بن المهدي، قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً بِنُدمائه، وأنا فيهم، فلبس الحرير وتضمَّخَ بالطِّيب، وفعل بنا مثله. فَقَدِمَ إليه عبدالملك بن صالح ابن علي، فدخل في رُصَافيَّته وسواده، فاربَدَ وجه جعفر، فدَعا غلامه فناوله سواده وقَلَنْسُوته، وأتى مجلسَنا، وقال: أشْرِكونا معكم. فألبسوه حريراً، وأُحضر له طعام وشراب، فقال لجعفر: واللهِ ما شربته قبل اليوم، فلْيُخفّف عليَّ. ثم ضُمِّخ بالخَلُوقِ، فنادَمَنَا أحسنَ منادمةٍ، وسُرِّي عن جعفر. فلما أراد الانصراف قال له: اذكر حوائجكَ، فإنَّني ما أستطيع مقابلة ما كان منك. قال: في قلبٍ أميرِ المؤمنين عليَّ مَوْجِدٌ فَتُخْرجَها؟. قال: قد رضي عنك أميرُ المؤمنين. قال: وعليَّ أربعة آلاف ألف دِرْهم دَيْناً. قال: قُضي دَيْنُك. قال: وإبراهيم ابني أحبُّ أَنْ أُزَوِّجَهُ. قال: قد زوَّجه أمير المؤمنين بالعالية بنته. قال: وأُوثِرُ أن يولَّى بلداً. قال: قد ولاَه أميرُ المؤمنين إمرةَ مصر. فخرج ونحن متعجِّبون من إقدام جعفر على هذه الأمور العظيمة من غير استئذان. وركب من الغد إلى الرشيد فدخل ووقفنا. فما كان بأسرع من أن دُعيَ بالقاضي أبي يوسف، وبمحمد بن الحسن، وإبراهيم بن عبدالملك بن صالح. ثم خرج إبراهيمُ وعليه الخِلَعَ، واللواء بين يديه، وقد زُوِّج بالعالية وزُقَّتْ إليه، وحُملتِ الأموالُ إلى دار عبدالملك. وخرج جعفر فقال لنا: وقفتُ بين يدي أمير المؤمنين وعَرَّفْتُه بأمر عبدالملك كله، وهو يقول: أحسن أحسن. ثم قال: فما صنعت معه؟ فعرَّفته ما كان من قولي، فاستصوبه وأمضاه. قال إبراهيم بن المهدي: فوالله ما أدري أيُّهم أعجب فعلاً: عبدالملك في شُرْبِه النبيذَ، ولباسه ما ليسَ من لبسِه، وكان صاحب جدٍّ ووقار، أو إقدام جعفر بما أقدم به، أو إمضاء الرشيد لِما حكم جعفر به؟! قال القاضي ابن خلكان البرمكي(١): قد بلغ جعفر من عُلُوِّ المرتبة ما لم يبلغْه أحد حتى إنَّ الرشيد انَّخذ ثوباً له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر معاً، ولم يكن له عنه صبرٌ. وكان الرشيدُ شديدَ المحبَّةِ لأخته عبَّاسة، وهي أعزّ النساء عليه، فكان متى غاب أحد منهما لا يتم سرورُ الرشيدِ فقال: إنِّي لا صبرَ (١) وفيات الأعيان ٣٣٢/١ . ٧٨٧ لي عنكما، وإنِّي سأزوِّجُكَها لأجلِ النظر فقط. فاحْذَرْ أن تخلوَ بها، فزوَّجه بها على هذا الشرط، ثم تغيَّر عليه. واختلفوا في سبب التغيُّرِ، فقيل: إنَّ عبَّاسة أحبَّت جعفراً وراودته فخاف، وأعْيتها الحيلة، فبعثت إلى أمِّ جعفر: أن ابعثيني إلى ابنك كأنَّني جاريةٌ لكِ تُتْحفيه بها، وكانت أمه تُتحفه كلَّ جمعة بجارية بِكْر، فيشرب ثم يقتضُّها، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأقولنَّ أنَّك خاطبتني بهذا، ولئِن اشتملتُ من ابنك على ولدٍ ليكوننَّ لكم الشرفُ، فأجابتها، وجاءتها عبَّاسة فأدخلتها متنكِّرة على جعفر، وكان لا يَثَّبت صورتها ولا يجسر أن يرفع طَرْفَهُ إليها من الرشيد. قال: فاقتضَّها، فلمَّا فرغ قالت له: كيف رأيت خديعةً بناتِ الخلفاء؟ قال: ومَنْ أنتِ؟ قالت: أنا مولاتُكَ. فطار الشُّكْر من رأسه، وقام إلى أمِّه فقال: بِعْتِني واللهِ رخيصاً. وعَلِقَتْ منه العَّاسةُ، فلما ولدت وكَّلت بالولد خادماً ومُرضعاً، ثم بعثت به إلى مكة. ثم وَشَت بها زُبيدة إلى الرشيد، فحجّ وكشف عن الأمر وتحقَّقه، فأضمر السوء للبرامكة. ولأبي نُواس يشير إلى ذلك : ــه وابن القادة الساسهْ ألا قُلْ لأمين اللـ كَ أن تُعْدِمَه راسهْ إذا ما ناكِثٌ سَرَّ وزوِّجه بعبَّاسَهْ فلا تقتله بالسيف وقیل: إنَّ الرشید سلّم إلیه یحیی بن عبدالله بن حسن كما ذكرنا، فقال له: اتَّقِ الله فيَّ، ولا تجعلْ خصمك غداً جَدّي. فرقَ له وأطلقه، وخَفَره إلى مأمنه. وسئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة، فقال: ما كان منهم بعض ما يوجبُ ما عَمِلَ الرشيدُ بهم، ولكن طالتْ أيامُهم، وكل طويل مملول. وقيل: رُفعت ورقةٌ إلى الرشيد فيها : ومَن إليه الحَلُّ والعَقْدُ قل لأمين الله في أرضه مثلك ما بينهما(١) حَدُّ هذا ابن يحيى قد غدا مالكاً وأمرُه ليس له ردُّ أمْرُكَ مردودٌ إلى أمرِهِ (١) كتب المصنف في الحاشية: ((خ ما بينكما)) أي أنهاكذلك في نسخة. ٧٨٨ فُرْس لها مثلاً ولا الهند وقد بنى الدار التي ما بنی الـ وتُرْبُها العنبرُ والنَّدُّ الدرُّ والياقوتُ خَصْباؤها مُلْكَكَ إنْ غيَّيَك اللحدُ ونحن نخشى أنَّه وارثٌ إلا إذا ما بَطِرَ العبدُ ولن يضاهيَ العبدُ أربابَه فلما قرأها أثّرت فيه . وقيل: إنَّ أختَ الرشيد قالت له: ما رأيتُ لك سروراً تامًّاً منذ قتلتَ جعفراً، فلأيِّ شيء قتلته؟ قال: لو علمتُ أنَّ قميصي يعلم السبب في ذلك لَمَزَّقته . ولم يزل يحيى بن خالد وابنه الفضل وعدَّة من الخدم محبوسين وحالهم حَسَن إلى أن سخط الرشيد على عبدالملك بن صالح، فعمَّهم بسخطه، وجَدَّدَ لهم التُّهْمَةَ وضَيَّقَ عليهم. وبقيت جثَّةً جعفر معلّقةً مُدَّة، وقُطِّعَتْ أعضاؤه وعُلَقت بأماكن. ثم بعد مدّة أُنزلت وأُحرقت. وحُبس يحيى وأولاده كلهم سوى محمد وبنيه، ولأبي العتاهية: في جعفرٍ عِبرةٌ ويَحياهُ قولا لمن يرتجي الحياة أما كانا وزيري خليفة الله هـ فذلكم جعفر برُمَّتِهِ والشيخ يحيى الوزير أصبح قد وشقّتَ بعد الجميع شملُهُم كذاك من يُسخِطِ الإلهَ بما سبْحانَ من دانت الملوك له طوبى لمن تاب قبل غِرَّته ــارونَ هما ما هما وزيراهُ في حالقٍ رأسُهُ ونصفاهُ نخَّاه عن نفسه وأقصاهُ فأصبحوا في البلاد قد تاهوا يُرضي به العبدَ يَجْزه اللهُ نَشهد أن لا إله إلا هو فمات قبلَ الممات طُوياهُ وفيها هاجت العصبيَّة بين القَيْسية واليمانيَّة بالشَّام، فوجَّه الرشيد محمد بن منصور بن زیاد فأصلح بينهم. وفيها خرج عبدالسلام الخارجي بآمد فظفر به يحيى العقيلي فقتله. وفيها أغزى الرشيد ولده القاسم الصائفة، ووهبه الله، وولاَه العواصم(١). (١) العواصم: هي الثغور، أي: المدن التي على حدود الدولة الإسلامية. ٧٨٩ وكان لعبدالملك بن صالح ولد وهو عبدالرحمن، فسعى هو ووزير أبيه بابنه إلى الرشيد، قالا: إنَّه عاملٌ على الخلافة، فاعتقله الرشيد في مكان مليح وفي إكرام. فما زال محبوساً حتى تُوُفِّي الرشيد فأطلقه الأمينُ، وولاَه الشام، ثم مات قبلَ الأمين، وكان من أشراف بيته وفُصحائهم ونُبلائهم. مرّ الرشيد بمَنْبِج فقال له، وبها إذا ذاك مقرّ عبدالملك: هذا منزلك؟ قال: هو لكَ يا أمير المؤمنين ولي بك. قال: كيف هو؟ قال: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج. قال: كيف ليلها؟ قال: سَحَرُ كلُّه. وفيها انتقض الصلح بين المسلمين وبين الروم، وملَّكوا عليهم نَقْفور والروم تذكر أنَّ نقفور هذا من ولد جَفْنة الغسَّاني، وأنَّ قَبْلَ المُلْك كان يلي ديوان خراجهم، وكان عقد الهدنة مع الملكة زبّني (١). فخلعتها الروم وسلطنوا نقفور . ثم ماتت زيّني بعد أشهُر، فكتب: من نَقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب، أما بعد، فإنَّ الملكة التي قبلي كانت أقامتك مقام الرُّخِّ وأقامت نفسها مقام البَيْدق، فحملت إليك من أموالها أحمالاً، وذلك لضَعف النساء وحُمقهنَّ، فإذا قرأت كتابي فاردُدْ ما حصل قِبَلك من أموالها وافْتَدِ نفسَك، وإلّ فالسيف بيننا وبينك. قال: فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً حتى لم يمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه، وتفرّق جُلساؤه من الخوف، واستعجم الرأي على الوزير. فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه)). ثم سار ليومه، فلم يزل حتى نازَل مدينة هِرَقْلة، وكانت غزوةً مشهودةً وفَتْحاً مبيناً. فطلب النقفور الموادعَة، والتزم بخراج يحمله كلَّ سنة، فأُجيبَ. فلما رجع الرشيد إلى الرَّقَّة نقض الكلبُ العهدَ لَإياسه من كَرَّةِ الرشيد في البرد، فلم يجسر أحدٌ أن يبلُّغَ الرشيد نَقْضه، بل قال عبدالله بن يوسف الثَّيْمي: (١) هكذا قيدها المؤلف بخطه. ٧٩٠ فعليه دائرةُ البَوار تَدورُ نقَضَ الذي أعطيتَهُ نقفورُ غُنْمٌ أتاك به الإلّه كبيرٌ أبشِرْ أميرَ المؤمنين فإنَّه وقال أبو العتاهية أبياتاً، وعُرضت على الرشيد، فقال: أَوَ قَدْ فعلها؟. فَكَرَّ راجعاً في مشقَّةٍ شديدة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى بلغ مُراده، وحاز جهاده، وفي ذلك يقول أبو العتاهية: ألا بادت هِرَقْلة بالخراب من المَلِكِ الموفَّق للصوابِ ويُبْرِقُ بالمذكَّرةِ العِضَابِ غدا هارون يُرْعِدُ بالمنايا تمرُّ كأنَّها قِطَعُ السحابِ وراياتٍ يَحِلُّ النَّصرُ فيها وفيها أمر الرشيد بقتل إبراهيم بن عثمان بن نَهِيك، لأنَّه بلغه عنه أنَّه إذا شرب طلب سيفه وأخذه ويقول: لأقتُلنَّ الرشيدَ أو لأقتُلَنَّ قاتلَ جعفر بن یحیی، ثم یبکي حُزْناً على جعفر . وحجّ وأقام الموسمَ عُبيدالله بن العبّاس ابن أخي المنصور. وولي دمشقَ شُعيب بن حازم بن خُزَيمة، فهاجت الأهواء بين المُضَريّة واليَمَانية، وجَرت بينهم وقعة مَهُولة، ظهرت فيها اليمانية، وقُتل نحوٌ من خمس مئة نفس. ثم عُزِل شعیب بعد عام بمحمد بن منصور . سنة ثمانٍ و ثمانين ومئة فيها تُوُفِّي إسحاق بن مِسْوَر المُرادي المصري، وجرير بن عبدالحميد الضبِّي، والحسين بن الحسن البصري، ورِشْدِين بن سعد المصري، وسُليم بن عيسى المقرىء، وعبدالملك بن ميسرة الصَّدَفي، وعبدة بن سليمان الكوفي، وعتَّب بن بشير الحزَّاني بخُلْف، وعُقبة بن خالد السَّكُوني، وعمر بن أيّوب المَوْصلي، وعيسى بن يونس السَّبيعي، ومحمد بن يزيد الواسطي أو سنة تسعين ومئة، ومرحوم بن عبدالعزيز العطَّار البَصْري، ومعروف بن حسَّان الضبي، ومهران بن أبي عمر الرَّازي، ويحيى بن عبدالملك بن أبي غَنِيَّة . وفيها غزا المسلمون الصائفة ودخلوا من درب الصفصاف، فبرز نقفور بجُمُوعه، فالتقوا فجُرح نقفور ثلاث جراحات وانهزم، وقُتل من الروم مقتلة ٧٩١ عظيمة، فقيل: بلغت القتلى أربعين ألفاً، وقيل: أربعة آلاف وسبع مئة. وحجَّ بالناس الرشيد. سنة تسع وثمانين ومئة فيها توفي حكّام بن سَلْم الرازي، وأبو خالد الأحمر، وشُعيب بن إسحاق الدمشقي، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى السامي، وعلي بن مُشْهر الكوفي، وعمر ابن أبي خليفة العبدي، ومبشِّر بن عبدالله بن رزين النَّيْسابوري، ومحمد بن الحسن قاضي القضاة، وعلي بن حمزة الكسائي شيخ القُرَّاء، وهارون بن المغيرة، ويحيى بن يمان العِجْلي، ويوسف بن خالد السمتي. وفيها سار الرشيد إلى الرَّي بسبب أنّ أهل خُراسان كتبوا يَشْكون علي بن عيسى بن ماهان وعَسْفَه وظُلمه، ويطلبون عزله. وتُحُدِّثَ بأنَّ ابنَ ماهان على نيَّة الخروج، فأقام الرشيد بالزّي أربعة أشهر حتى وافاه ابنُ ماهان بالأموالِ والجواهر والمسك والتُّحَف والخيل، ثم أهدى بعد ذلك إلى كبار القُوَّاد، ورأى منه الرشيدُ ما أعجبه وأرضاه، فردَهُ إلى إمارة خُراسان وركِب مُشَيِّعاً له. وفيها كان الفداء حتى لم يبق بممالك الروم في الأسر مسلم. سنة تسعين ومئة [فيها تُوفي](١) أسد بن عَمرو البَجَلي الفقيه، وإسماعيل بن عبدالله بن قسطنطين مقرىء مكة في قَوْلٍ، والحَكَم بن سنان الباهلي القِرَبي، وحمَّاد بن شعيب الحِمَّاني، وشُجاع بن أبي نصر البلخي المقرىء، وعائذ بن حبيب بيَّاع الهَرَوي، وعبدالله بن عمر بن غانم قاضي إفريقية، وأبو علقمة عبد الله بن محمد الفَرْوي المدني، وعبدالحميد بن كعب بن علقمة المصري، وعثمان بن عبدالحميد اللاحقي، وعَبِيدةَ بن حُمَيد الكوفي الحذَّاء، وعطاء بن مسلم الحلبي الخَفَّاف، وعمر بن علي المُقَدَّمي، ومحمد بن بِشْر المَعَافري بحلب، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومَخْلَد بن الحسين في رواية، ومَسلمة بن عُلَيِّ (١) إضافة منا على القاعدة التي سار عليها المؤلف. ٧٩٢ الجُهَني، وميمون بن بَحْر مصري، ووهب بن واضح أبو الإخريط مقرىء مكة، ويحيى بن خالد بن بَرْمك محبوساً، ويحيى بن أبي زكريا الغسَّاني بواسط، ويحيى بن ميمون البغدادي الثَّمَّار، وأبو بحر البكراوي عبدالرحمن بن عثمان، وأبو عبيدة الحدَّاد عبدالواحد بن واصل. وفيها خلع الطَّاعَة رافعُ بنُ اللَّيث بن نصر بن سيَّار بسمرقند، فوجَّه ابنُ ماهان لحربه ابنَهُ عيسى، فالتقوا، فانهزم عيسى . وفيها أسلم الفضلُ بن سهل المجوسي على يد المأمون بن هارون الرشيد. وفيها افتتح الرشيد مدينة هِرَقْلة، وبَثَّ جيوشه بأرض الروم. وكان في مئة ألف فارس وخمسة وثلاثين ألفاً سوى المُطَّوِّعَة، وجال في أرض الكُفْر الأمير داود بن موسى بن عيسى في سبعين ألفاً. وافتتح شَراحيل بن معن بن زائدة حصنَ الصقالبة . وافتتح يزيد بن مخلد الصَّفْصاف وفلقونية. وكان فتح هِرَفْلة في شؤَّل، فأخربها وسبى أهلَها، وكان الحصارُ ثلاثين يوماً. وولَّى إمرةَ سواحلِ الشام إلى مصر حُميدَ بن مَعْيُوفٍ، فسار في البحر إلى قبرس فهدَم وحرَّق وسبى من أهلها ستّة عشر ألفاً، وأُبيعوا بالرّقّة وبلغ ثمن اُسْقُف قبرس ألفي دينار. وانَّخذ الرشيدُ قَلَنْسُوَة كان يلبسها مكتوبٌ عليها بالرُّقَم ((غازٍ حاجٌ)). وفي ذلك يقول أبو المُعلَّى الكلابي، وكان شخوص الرشيد إلى الروم في رجب : فبالحرمين أو أقصى الثغورِ فمنْ يطلبُ لقاءك أو يُرِدْهُ وفي أرض البريّة فوق كُورٍ ففي أرض العدو على طِمِرٍّ وفيها بعث نقفور إلى الرشيد بالحمل وبالجزية عن رأسه أربعة دنانير، وكتب: لعبد الله أمير المؤمنين؛ من نقفور ملك الروم، سلام عليك أمّا بعد، فإنَّ لي إليك حاجةً لا تضرُّكَ في دِينكَ ولا دُنياك، أنْ تَهَبَ لابني جاريةً من بنات مدينة هِرَقْلة قد كنتُ خطبتُها على ابني، فإنْ رأيتَ أن تُسْعِفَني بها فعلتَ، والسلامُ. واستهداه أيضاً سُرادقاً وطِيباً، فأمر الرشيد فأُحضرت الجاريةُ فحُلِّيَتْ ٧٩٣ وزُيِّنَتْ وبَعَثَ معها ما سأل من العطر والطُرَف والسُّرادق. فوهب نقفور للرسولِ خمسين ألفاً، وثلاث مئة ثوبٍ، واثني عشر بازاً، وأربعة أكلب، وثلاثة براذين، وطلب من الرشيد أن لا يُخرب حصن ذي الكَلاع ولا صملة ولا حصن سِنان، فاشترط عليه الرشيد أن لا يعمِّر هِرَقْلة، وأن يحمل إليه ثلاث مئة ألف دینار . وفيها نقض أهل قبرص (١)، فغزاهم مَعْيُوف بن يحيى، فقَتَل وسبى(٢). (١) كتبها المؤلف بالصاد، والأولى كتابتها بالسين، وإن كانت مخارج الحرفين متقاربة. (٢) كتب الصفدي بخطه على هامش نسخة المؤلف: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك على مؤلفه و کاتبه، فسح الله في مدته)). ٧٩٤ (الوفيات) تراجم أهل هذه الطبقة ١- إبراهيم بن إسحاق الواسطيُّ السَّوَّاق. عن منصور، وهشام بن حسَّان، وعمران القصير، وسُفيان الثَّوْري. وعنه محمد بن حِمْير، ومحمد بن وزير الواسطي، وغيرهما. لم يُضَعَّف. ٢- ق: إبراهيم بن أَعْيَن الشَّيْبانيُّ. حدَّث بمصر عن مَعْمَر، وشُعبة، وإسماعيل بن يحيى الشَّيباني. وعنه إسرائيل وهو شيخه، وهشام بن عمَّار، وأبو سعيد الأشج، وغيرهم. ضعَّفه أبو حاتم(١) . ٣- إبراهيم بن أبي بكر بن المُنكَدر التَّيْمِيُّ المَدَنيُّ. عن عمِّه محمد بن المُنْكَدِر، وصَفْوان بن سُلَيم، وربيعة بن أبي عبدالرحمن. وعنه ابن وَهْب، والحُمَيْديُّ، وإبراهيم بن موسى الفرَّاء، وعبدالملك بن مَسْلَمة المصري. ضعَّفه الدارقُطْني(٢) . ٤- إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مَسْلَمة الأنصاريُّ المدنيُّ. عن أبيه، وعمِّه سليمان، وصالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف. وعنه عبدالله بن عبدالوهاب، وذُؤيب بن عمامة، وعبدالعزيز الأويسي، وعلي ابن بحر، وإبراهيم بن حمزة الزُّبيري. قال أبو حاتم(٣): صالح الحديث. ٥- إبراهيم بن أبي حيّة، أبو إسماعيل المكِّي، واسم أبيه: اليَسَعُ بنُ أشعث . (١) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٢١٠، وهو من التهذيب ٥٣/٢ - ٥٦. (٢) الضعفاء والمتروكين (١٦). (٣) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٢٣٤. ٧٩٥ روى عن هشام بن عُرْوَة، وجعفر بن محمد، وابن جُرَيْج، وحُمَيد الأعرج، وعدَّة. وقرأ القرآن على حُمَيد الأعرج. روى عنه الحُمَيْدي، وقُتَيبة، وأحمد بن عيسى، ونُعَيم بن حمَّاد، وابن أبي مَسَرَّة والد أبي يحيى، وداود بن حمّاد. ضعَّفه ابن عَدِي(١)، والنَّسائي(٢). وقال الدارَقُطْني(٣): متروك. ومن مناكيره: قُتَيبة، قال: أخبرنا إبراهيم، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنَّها استأذنت رسولَ الله وَّهَ في كنيفٍ بِمِنَى، فلم يأذن لها (٤). وقُتَيْبة: عنه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعاً: ((يوم الأربعاء يومُ نَحْسٍ مستمر))(٥). ٦- ع: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزُّهْريُّ الإمامُ، أبو إسحاق القُرَشيُّ المدنيُّ. سمع أباه، والزُّهري، وصَفْوان بن سُلَیم، وصالح بن کَیْسان، ويزيد بن الهاد، وابن إسحاق، والوليد بن كثير، وطائفة. وعنه ابناه يعقوب وسعد، وأحمد بن حنبل، ومنصور بن أبي مُزاحم، ومحمد بن الصبّاح الدُّولابي، ولُوَيْن، والحسين بنِ سيّار الحرَّاني، وهو آخر من مات من أصحابه. وقد حدَّث عنه شُعبة، واللَّيث بن سعد، وقيس بن الربيع، وهم أكبر منه. وكان من العلماء الثقات، عاش خمساً وسبعين سنة، وولي قضاء المدينة، وقد كان أبوه أيضاً قاضيها، وكان إبراهيم أسودَ اللون. قال عُبيد الله بن سعيد بن عُفَير، عن أبيه، قال: قَدِمَ إبراهيمُ بن سعد العراقَ سنة أربع وثمانين ومئة، فأكرمه الرشيد وأظهر بِرَّهُ، وسُئل عن الغناء فأفتى بتحليله، فَأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمعَ منه، فسمعه يتغنَّى فقال: لقد كنتُ حريصاً على أنْ أسمعَ منك، فأمَّا الآن فلا أسمع منك. فقال: إذاً لا (١) الكامل ٢٣٩/١. (٢) كذلك ٢٣٨/١. (٣) الضعفاء والمتروكين (١٧). (٤) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣٨/١. (٥) كذلك ٢٣٩/١. ٧٩٦ أفقدُ إلا شخصك، وعليَّ وعليَّ إن حدَّثت ببغداد حديثاً حتى أُغَنِّيَ قبله. وشاعت هذه عنه ببغداد، فبلغت الرشيدَ، فدعا به فسأله عن حديث المخزوميَّة التي قطعها رسول الله وَّه في السَّرقة، فدعا بعُود، فقال الرشيد: أعود البخور؟ قال: لا ولكن عُود الطَّرَب. فتبسَّم، ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعلَّك بلغك يا أميرَ المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أنْ حلفتُ؟ قال: نعم. ودعا له الرشيد بعود، فغنّاه: يا أمَّ طلْحة إنَّ البَيْن قد أزفا قَلَّ الثواء لئن كان الرحيل غدا فقال له الرشيد: مَن كان مِن فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه الله، قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شيء؟ قال: أخبرني أبي أنَّهم اجتمعوا في مَدْعاة كانت في بني يربوع، وهم يومئذٍ جِلّة، ومعهم دفوف ومعازف وعِدان يغنّون ويلعبون، ومع مالك دُفّ مُربَّع وهو يغنِّيهم: فأين لقاؤها أينا سليمى أجمعت بَيْنَا لها زهر تلاقينا وقد قالت لأترابٍ لنا العيش تعالينا تعالَين فقد طاب فضحك الرشيد ووصلَهُ بمالٍ عظيم . رواها غير واحد، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصَّفَّار، قال: حدثنا علي ابن الحسن بن خلف بمصر، قال: حدثنا عُبيدالله، فذكرها. قال أحمد العِجْلي(١): كان إبراهيم بن سعد ثقة، يقال: كان أسود. وقال إبراهيم بن حمزة الزُّبَيري: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، نحوٌ من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي. قلت : وكان عنده عنه مغازيه، رواه عن إبراهيم: أحمد بن محمد بن أيوب. ومات سنة أربع وثمانين ومئة، وقيل: سنة ثلاثٍ. وهو من صغارً أصحاب الزُّهْري. وقع لي من عواليه، وقد روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، حدَّثه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً: ((الحُمَّى من فَيْح جهَّم فَأَبْرِدوها بالماء)). ثم قال إبراهيم بن سعد: لم أسمع من هشام سواه . (١) الثقات (٢٤). ٧٩٧ قال أبو عُبَيد الآجُريُّ: سمعتُ أبا داود يقول: وليَ إبراهيمُ بن سعد بَيتَ المال ببغداد . قال عبدالله بن أحمد: مولدُ إبراهيم سنة ثمانٍ ومئة. وقال صالح جزَرة: سَماعه من الزُّهْري ليس بذاك لأنَّه كان صغيراً. وقال ابن مَعِين: هو أَثْبَتُ من الوليدِ بن كثير وابن إسحاق، وهو أحبُّ إليَّ من ابن أبي ذئبٍ في الزُّهْري. وقال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن سعد ثقة. وقال عبدالرحمن بن خِراش: صَدُوق(١). ٧- إبراهيم بن عطيّة الثقفيُّ البغداديُّ ثمَّ الواسطيُّ، أبو إسماعيل. عن منصور بن المعتمر، ويونس بن خَبّاب. وعنه الربيع بن ثَعْلب(٢)، ویوسف بن عدي، وقيل: إن هشيماً روى عنه. ضعفه ابن مَعِین . وقد کتب عنه أحمد وتر که. وقال البخاري(٣): له مناكير. قيل: مات سنة إحدى وثمانين ومئة. ٨- ع: أبو إسحاق الفَزَاري. هو الإمامُ إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الكُوفيُّ، أحد الأعلام. سكنَ المِصِّيصةِ مُرابطاً في سبيل الله. وروى عن عبدالملك بن عُمَير، وعطاء بن السائب، وسُهيل بن أبي صالح، وعُبيدالله بن عمر، والأعمش، وسليمان الشَّيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحُمَيد الطويل، وخلق كثير من صغار التابعين . وعنه الأوزاعي، والثَّوْرِي، وهما من شيوخه، وعيسى بن يونس، وبقيّة، (١) من تهذيب الكمال ٨٨/٢ - ٩٤. (٢) أوله ثاء مثلثة، قيده ابن ماكولا في الإكمال ١/ ٥١٠. (٣) تاريخه الكبير ١ / الترجمة ٩٨٨، وأخذ المصنف من تاريخ الخطيب ٢٦/٧ - ٢٨. ٧٩٨ والوليد بن مسلم، وموسى بن أيّوب النَّصيبي، والمسيب بن واضح، ومحمد ابن عبدالرحمن بن سَهْم، وعبدالله بن عون الخَرَّاز، وأبو نُعَيم الحلبي، ومحمد بن سلام البيكندي، وطائفة. حدَّث بدمشق وبالثغور. قال ابن سعد(١): كان ثقة فاضلاً صاحب سُنَّة وغزو، كثير الخطأ في حديثه . وقال النَّسائي: ثقة مأمون، أحد الأئمة، روى عنه ابن المبارك. وقال أبو حاتم (٢): ثقة مأمون إمام. وقال علي بن الحسن بن شقيق: ذُكر أبو إسحاق الفزاري عند سفيان بن عُيَيْنة، فقال: ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسُّنَّة منه . وقال عبدالله الخُرَيبي: قول أبي إسحاق الفَزاري أحبُّ إليَّ من قول إبراهيم النَّخعي . وقال: وقال ابن المبارك: ما رأيتُ رجلاً أفضلَ من أبي إسحاق. وقال عبدالرحمن بن مهدي: الأوزاعي، والفَزَاري إمامان في السُّنَّة . وقال الحسن بن الربيع: ما رِأيت أورعَ من أبي إسحاق الفَزاري، هو أفضل من مَعْمَر، حدَّثني علي بن بكَّار أنَّه سمع أبا إسحاق يقول: كنت عند الأوزاعي، فَذُكر سُفيان الثَّوري، فقال: لو خُيِّرتُ لهذه الأمَّة مَنْ ينظرُ لها ويختارُ لها، ما أختارُ لها إلّ سُفيان أو ابن عون. فقلت في نفسي: وأنا لو خُيِّرتُ لهذه الأمّة من ينظر لها ويختار لها ما اخترتُ لها غيرَك، يعني الأوزاعي. قال ابن بكّار: فقلتُ أنا في نفسي: لو خُيِّرتُ أنا ما اخترتُ لها غيرك، يعني أبا إسحاق الفَزَاري. عُبيد بن جَنَّاد الحلبي: سمعت محمد بن يوسف الأصبهاني يقول: حَدَّث الأوزاعي بحديث، فقال له رجلٌ: من حدَّثك يا أبا عمرو؟ قال: حدَّثني به الصَّادق المصدوق أبو إسحاق الفَزاري. محبوب بن موسى الفرَّاء: سألت ابن عُيَيْنة عن حديثٍ كنتُ سمعته من أبي (١) الطبقات الكبرى ٤٨٨/٧ . (٢) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٤٠٢ . ٧٩٩ إسحاق الفزاري، فقال: واللهِ ما رأيتُ مَنْ أُقدِّمه على أبي إسحاق الفزاري. وعن الأوزاعي أنَّه قال لكاتبه: اكتب إلى أبي إسحاق الفَزَاري، وابدأ به، فإنَّه واللهِ خيرٌ مِنِّي . وعن محبوب بن موسى، قال: لِقِيت الفضيل بن عياض، فعزَّاني بأبي إسحاق وقال: كان واللهِ كريماً، اشتقتُ إلى المصِّيصة، ما بي فضل الرباط إلّ لأری أبا إسحاق. قال محبوب: سمعت عليَّ بن بكَّار يقول: لِقِيتُ الذين لقِيهم أبو إسحاق: ابن عَوْنٍ وغيره، واللهِ ما رأيت فيهم أفْقَهَ من أبي إسحاق. إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير: سمعت ابن عُيَيْنَة يقول: كان أبو إسحاق الفَزاري إماماً. وقال نصر الجَهْضمي: قال الخُرَيبي: كان الأوزاعي أفضلَ أهل زمانه، وكان بعده أبو إسحاق الفَزاري أفضل أهل زمانه. قال نصر: وأنا أقول: كان أحمد بن حنبل أفضل أهل زمانه. قال أحمد العِجْلي(١): أبو إسحاق أَدَّبَ أهل الثغر وعلَّمهم السُّنَّة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخلَ الثغرَ مُبتدعٌ أخرجَهُ. وكان كثيرَ الحديث فقيهاً، وكان عربيّاً فَزَارياً، أمَر سلطاناً يوماً ونهاه، فضربه مئتي سوط، فغضِب له الأوزاعي فتكلم في أمره. وقال ابن مهدي: إذا رأيت الشامي يحب الأوزاعي وأبا إسحاق الفَزاري فهو صاحب سُنَّة. وقال مرّة: فاطمئنَّ إليه. سُفيان بن عُيَيْنة: قال لي أبو إسحاق الفزاري: أُدخلت على هارون، فلمّا رآني رفع رأسه إليَّ ثم قال: يا أبا إسحاق، إنَّك في موضع وفي شرفٍ. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ ذلك لا يُغني عنِّي في الآخرة شيئاً. ابن الأنباري: حدثنا ابن المرزبان، قال: حدثنا يزيد بن محمد المهلبي، قال: حدثنا الأصمعي، قال: كنت جالساً بين يدي الرشيد وأبو يوسف جالس، فأُدْخِلَ أبو إسحاق الفَزاري، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلَّم الله عليك ولا قَرَّبَ داركَ ولا حَبَا مَزَارك. قال: لِمَ؟ قال: أنت الذي تحرِّم (١) الثقات (٣٨). ٨٠٠