النص المفهرس
صفحات 761-780
وقال حماد بن زيد: كان يونُس يحدِّث ثم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله . وقال محمد بن عبدالله الأنصاري: رأيتُ سُليمان وعبد الله ابني علي ابن عبدالله بن عباس وولدي سُليمان جعفرًا ومحمدًا يَحْملون سریر یونس ابن عُبيد على أعناقهم يوم جنازته فقال عبدالله بن علي: هذا والله الشرف. قلت: كان عبدالله هذا قد استجارَ بأخيه سُليمان ونزل عنده بالبصرة فأجاره من المنصور. وقال مُؤمَّل بن إسماعيل: جاءَ رجلٌ إلى سُوق الخَزِّ يطلب مِطْرف خَزِّ بأربع مئة فقال يونس بن عُبيد: عندنا مطرف بمئتين، فنادى المنادي بالصلاة فقام ليصلي ثم جاء وقد باعَ ابنُ أخيه المطرف بأربع مئة فقال للرجل: يا هذا المطرف الذي اشتريته بأربع مئة هو الذي قلت لك بمئتين فإن شئت خذه وخذ مئتين أو دعه. وقال أُمية بن بسطام: جاءت يونس امرأة بجبَّة خزٍّ فقال لها: بكم هي؟ قالت: بخمس مئة، قال: هي خير من ذلك، قالت: بست مئة، قال: هي خيرٌ من ذلك، فلم يزل يدرجها حتى بلغت ألفًا. وقال سعيد بن عامر الضُّبعي: قال يونُس بن عُبيد: إني لأعد مئة خَصْلة من البِر ما فيَّ منها خَصْلة. وقال هُشيم: كان أيوب إذا رأى يونس بن عُبيد، قال: هذا سيدنا. قال عبدالملك بن موسى: ما رأيتُ رجلاً قط أكثر استغفارًا من يونس. وقال حَمَّاد بن زيد: سمعتُ يونس يقول: عهدنا إلى ما يُصْلح الناس كَتَبناه، وعهدنا إلى ما يُصْلحنا فتركناه، كأنه يريد العَمَل. وروى أسماء بن عُبيد عن يونس، قال: يُرجى للرَّهَق بالبر الجَنَّة ويُخاف على المتأله النَّار بعقوقه. وعن يونس، قال: لو هَمَّتهم نفوسُهم ما اختصموا في القَدَر. روى ابن شوذب، عن يونُس: خَصْلتان إذا صَلحتا من العبد صَلُح : صلاتُهُ ولسانُه(١). (١) سبق هذا الخبر قبل قليل. ٧٦١ وروى سَلَّم بن أبي مُطيع، قال: إني لأحْسبُ ابنَ سيرين سكتَ حِسْبة، وأنَّ الحَسَن تكلم حِسْبة . وعن يونس، أنه قال لابنه: لأن تَلْقى الله بالزِّنا والسَّرقة أحبُّ إليَّ من أن تلقاه برأي عَمْرو بن عبيد. وقال أسماء بن عُبيد: سمعت يونُس بن عُبيد يقول: ليسَ شيء أعز من دِرْهم طَيِّب ورجل يعمل على سُنَّة . وبلغنا أن رجلاً شَكًا الحاجة إلى يونُس فقال له: يا هذا يَسرُّك ببصرك هذا مئة ألف؟ قال: لا، قال: فبلسانكِ الذي تنطق به؟ قال: لا، قال: فبعقلك مئة ألف؟ وهو يقول: لا، فذكَّره نِعَمَ الله عليه، وقال: أرى لك مئين ألوفًا وأنت تشكو الحاجة! قال حَمَّاد بن زيد: مرض يونس مَرَّة فقال أيوب: ما في العيش بعدك من خير . قلت: مناقب يونس كثيرة، وقد توفي سنة تسع وثلاثين ومئة(١). ٣٣٦- د ت ق: يونس بن مَيْسرة بن حَلبس الجُبْلانيُّ الأعمى، أبو حَلْبس، ويقال: أبو عُبيد، وهو أخو يزيد وأيوب. كان من كبار علماء دمشق. روى عن معاوية، وعبدالله بن عَمْرو، وواثلة بن الأسقع، وابن عُمر، والصُّنَابحي، وأبي مُسْلم الخَوْلاني، وأم الدَّرداء، وغيرِهم. روى عنه خالد بن يزيد المُرِّي، وسُليمان بن عُتْبة، والأوزاعي، وسعيد بن عبدالعزيز، ومروان بن جَناح، وعَمْرو بن واقد، وآخرون. قال المفَضَّلِ الغَلَاَبِي، وأبو عُبيد، وأبو حَسَّان الزيادي: إنه بلغ مئة وعشرين سنة . وكان يقرىء القُرآن في الجامع، وله كلامٌ نافع في الزُّهد والمعرفة فمن ذلك، قال: الزُّهد أن يكون حالك في المُصيبة وحالك إذا لم تصب سواء. وقال: إذا تَكَلَّفتَ ما لا يعنيكَ لقيتَ مَا يُعَنِّكَ. وقال هشام بن عَمَّار: حدثنا عَمْرو بن واقد، قال: حدثنا يونس بن حَلْبس، قال: سمعتُ معاوية على مِنْبر دمشق يقول: سمعتُ رسول الله لَله (١) جله من تهذيب الكمال ٣٢ / ٥١٧ - ٥٣٤ . ٧٦٢ ٠ يقول: ((إن رجلاً في بني إسرائيل قتلَ تسعًا وتسعين نَفْسًا)) ... وذكر الحديثَ(١). قال العِجْلي(٢)، والدَّارقطني(٣)، وغيرُهما: ثقة. وروى مُدْرك بن أبي سَعْد الفَزَاري، عن يونس بن حَلْبس، أنه كان يدعو: اللهم إني أسألك حَزْمًا في لين، وقوةً في دين، وإيمانًا في يقين، ونشاطًا في هُدَى، وبِرًّا في استقامة، وكسبًا من حَلالٍ . وقال الهيثم بن عِمْران: كنتُ جالسًا عند يونس بن حَلْبس وكان عند المَغِيب يدعو بدعواتٍ فيها: اللهم ارزقنا الشهادةَ في سبيلك. فأقول: من أيِن يُرْزَق هذا الشهادة وهو أعمى. فلما دخلت المُسَوِّدة دمشق قُتِل، فبلغني أنَّ الخُراسانيين اللَّذين قتلاه بكيا عليه لما أُخبرا بصلاحه، وكان من آنس الناس مَجْلسًا. رواها هشام بن عَمَّار عن الهيثم، فهذا يدلُّك على أن المُسَوِّدة فعلوا عند افتتاحهم دمشق أقبحَ مما فعلت التتار، وذلك في عام اثنين وثلاثين ومئة (٤). ٣٣٧- م د ت: أبو بكر بن نافع، مولی ابن عُمر. روى عن أبيه، وسالم بن عبدالله. وعنه مالك، والدَّراوردي. قال أحمد بن حنبل: هو أوثقُ إخوته وهم: هو وعبدالله وعَمْرو (٥) . ٣٣٨- ت ن ق: أبو الجَخَّاف التَّميُّ الكُوفيُّ، داود بن أبي عَوْفٍ. روى عن الشَّعبي، وعِكْرمة، وأبي حازم الأشجعي، وشَهْر بن حَوْشب. وعنه سُفيان، وشَرِيك، وعبدالسلام بن حَرْب، وتَلِيد بن سُليمان، وغيرهم. ٦ (١) هذا الحديث معروف من رواية أبي سعيد الخدري، فهو عنه في الصحيحين: البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦). (٢) ثقاته (٢٠٦٧). (٣) سؤالات البرقاني ٥٦٣ . (٤) هذا من تاريخ دمشق، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨. (٥) من تهذيب الكمال ٣٣/ ١٤٥ - ١٤٧. ٧٦٣ قال أحمد بن حنبل(١): صالحُ الحديث. وضعَّفه ابنُ عدي(٢)، ومَشَّاه غيرُه(٣) . ٣٣٩- د: أبو الجُودي الأسديُّ. شاميٌّ نزلَ واسطًا، يقال: اسمه الحارث بن عُمير. عن سعيد بن المهاجر، وعُمر بن عبدالعزيز، ونافع. وعنه شُعبة، وعَبْثَرَ، وهُشيم، وأبو معاوية . وثَّقه ابن مَعِين(٤). ٣٤٠ - ت ق: أبو حمزة القَصَّاب الكوفيُّ الأعور، اسمه ميمون. روى عن أبي وائل، وسعيدِ بن المُسَيِّب، وإبراهيم. وعنه الثَّوري، والحَمَّادان، وعبدالوارث، وابن عُلَيَّة . ضَعَّفه أحمد(٥)، والدَّار قُطني(٦)، وغيرُهما (٧). أما أبو حمزة القصاب عِمْران، فقد مر (٨). ·- أبو رجاء الأزديُّ الحُدَّانيُّ البَصْريُّ، هو محمد بن سيف(٩). ٣٤١- م د ت ق: أبو رَبْحانة السَّعْديُّ، مولاهم، البَصْرِيُّ، عبدالله بن مَطر، ويقال: زياد بن مَطَر . روى عن سَفِينة، وابن عباس، وابن عُمر. وعنه وُهيب، وبشر بن المُفَضَّل، وابن عُلَيَّة، وعلي بن عاصم. قال ابن مَعِين: صالح (١٠). (١) العلل ١/ ٣٧٢. (٢) الكامل ٣/ ٩٥٠ - ٩٥١. (٣) من تهذيب الكمال ٨/ ٤٣٤ - ٤٣٧. (٤) من تهذيب الكمال ٣٣/ ٢١١ - ٢١٢. (٥) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ١٧٠. (٦) السنن ٢/ ١٠٧، والضعفاء والمتروكين، رقم ٥٢٨. (٧) من تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٣٧ - ٢٤٣. (٨) في هذه الطبقة، (الترجمة ٢٢٦). (٩) تقدم برقم ٢٥٦. (١٠) من تهذيب الكمال ١٦/ ١٤٦ - ١٤٩. ٧٦٤ ·- أبو الزَّعْراء الجُشَمِيُّ عَمْرو، قد مر(١). ·- أبو الزناد المدني، هو عبدالله بن ذكوان، قد ذُكر(٢). ·- أبو سُهيل بن مالك الأصبحي، هو نافع قد ذُكر(٣). ·- أبو طوالة، هو عبدالله بن عبدالرحمن، قد ذُكر (٤). ٣٤٢- خت ت: أبو ظِلال القَسْمليُّ البَصْريُّ الأعمى، اسمه هلال. روى عن أنس. وعنه حماد بن سَلَمة، وعبدالعزيز بن مُسلم، ويزيد ابن هارون . ضَعَّفه ابنُ مَعِين(٥)، وجماعة(٦). ·- أبو العَلاء القَصَّاب، اسمه أيوب، قد ذكر(٧). ٣٤٣-د ت ق: أبو غالب الباهلي الخَيَاط. بصري اسمه نافع وقيل رافع. روى عن أنس، وغيره. وعنه سَلَّم بن أبي الصَّهْباء، وهَمَّام، وعبدالوارث، وغيرُهم. قال ابنُ معين: صالح. وقال أبو حاتم (٨): شيخٌ(٩). قلت: الظاهر أنه هو الذي روی عن أبي سعيد، وعنه ثابت بن محمد العبدي، فالله أعلم. ·- أبو فَرْوة الجُهَني، اسمه مسلم. مر(١٠). (١) في هذه الطبقة، الترجمة ٢١٩. (٢) الترجمة ١٣٥. (٣) الترجمة ٢٩٦. الترجمة ١٤١ . (٤) تاريخ الدوري ٢ / ٦٢٤ . (٥) من تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٥٠ - ٣٥٢. (٦) (٧) الترجمة ٢٥. (٨) الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ٢٠٨٦. (٩) من تهذيب الكمال ٣٤/ ١٦٩ . (١٠) الترجمة ٢٧٣. ٧٦٥ ٢- أبو فَرْوة الهَمْداني، عروة بن الحارث. مر(١). ٣٤٤- أبو مسلم الخُراساني، صاحب الدعوة عبدالرحمن بن مسلم، وقيل: عبدالرحمن بن عُثمان بن يسار. ذكر ابنُ خَلِّكان(٢) أنه كان قصيرًا أسمرَ جميلاً حُلْوًا نقيَّ البَشَرة، أعور العَين، عريضَ الجَبْهة، حسنَ اللحية، طويلَ الشَّعْر والظهر، خافض الصَّوت، فصيحًا بالعربي والفارسي، حُلْوَ المنطق، راويةً للشعر، عالمًا بالأمور، لم يُرَ ضاحكًا ولا مازحًا إلّا في وَقْته، ولا يكاد يقطّب في شيءٍ من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السُّرور وتنزل به الفادحة فلا يُرى مكتئبًا، وإذا غضب لم يستفزَّه الغَضَبُ، ولا يأتي النساء إلا مرة في السنة . ولد سنة مئة من الهجرة، وأول ظهوره بمرو كان في سنة تسع وعشرين، فظهر في خمسينٍ رجلاً وآل أمرُه إلى أن هرب منه نَصْر بن سيار أميرُ خراسان، وصَفَت ممالكُها لأبي مُسلم في سنتين وأربعة أشهر. قال محمد بن أحمد بن القَوَّاس في ((تاريخه)): قَدِمَ أبو مُسلم وحفص ابن سُليمان الخَلَّل على إبراهيم الإمام وهو بالحُمَيمة فأمرهما بالمَصير إلى خُراسان. وقد روى أبو مُسلم عن عكرمة مُرْسلاً، وعن ثابت البُناني، وأبي الزُبير، وإسماعيل السُّدِّي، ومحمد بن علي العباسي، وجماعة. روى عنه إبراهيم الصَّائغ، وابن شُبْرُمة، وابن المُبارك، وغيرُهم. روى مصعب بن بِشْر، عن أبيه، قال: قامَ رجل إلى أبي مُسلم وهو يخطب، فقال: ما هذا الَسَّوَاد؟ قال: حدثني أبو الزُّبير عن جابر أنَّ النبيَّ ◌َِّل دخل مكةَ يوم الفَتْح وعليه عِمامة سوداء، وهذه ثيابُ الهيبة وثياب الدَّولة، يا غلام اضرب عنقه . ويروى أن سُليمان بن كَثِير ومالك بن الهَيْثم ولاهِز وقَحْطبة توجَّهوا من خُراسان إلى الحج سنة أربع وعشرين فدخلوا الكوفة فأتوا عاصم بن يونس وهو في الحَبْس، فدعاهم إلى وَلَد العباس ومعه عيسى وإدریس ابنا (١) الترجمة ١٨٦. (٢) وفيات الأعيان ٣/ ١٤٨ نقلاً عن المدائني. ٧٦٦ مَعْقِل حَبَسَهُم يوسف بن عُمر فيمن حَبَس من عُمَّال خالد القَسْري، ومع هذين الأخوين أبو مُسلم يخدمهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: من ذا؟ قالوا: غُلام من السَّرَّاجين يخدمنا، وقد كان أبو مسلم سمع الأخوين يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بَكَى فدعواه إلى القيام بالأمر فأجابَ. قال ابن خَلِّكان(١): كانا قد حُبسا على مال الخَراج، وعيسى هو جد الأمير أبي دُلَف، فكان أبو مسلم يختلفُ إلى الحَيْس يتَعَهدهما فقدم الكوفةً جماعةٌ من نُقباء الإمام محمد بن علي فدخلوا يُسلِّمون على الأخوين، فرأوا أبا مُسلم فأعجبهم عَقْلُه وكلامُه، ومالَ هو إليهم، ثم عرفَ أمرَهُم ودعوتَهُم. وهربَ الأخوان من الحَبْس فصَحِب هو النُّقباء إلى مكةَ ثم أحضروا عشرة آلاف دينار ومئتي ألف دِرْهم إلى إبراهيم بن محمد وقد مات أبوه، وأهدوا له أبا مُسلم فأُعْجب به وقال لهم: هذا عضلة من العُضل، فأقام يخدمُ إبراهيم الإمام، وعادَ النقباء إلى خُراسان فقال إبراهيم: إني قد جربتُ هذا وعرفتُ ظاهرَ كلامِه وباطنه فوجدتهِ حَجَر الأرض، ثم قَلَّده الأمرَ ونَفَّذه إلى خُراسان. قال المأمون: أجَل الملوك ثلاثة قاموا بنقل الدُّول: الإسكندر وأزدشير وأبو مسلم. ويروى أن أبا مُسلم من ولد بَزر جمهر، ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، أوصى به أبوه إلى عيسى السّرّاج فحملَهُ إلى الكوفة وهو ابنٍ سبع سنين، فقال إبراهيم لما عزم على توجّهه إلى خُراسان: غيِّرِ اسمكَ وكان اسمه إبراهيم بن عثمان، فقال: قد سَمَّيتُ نفسي أبا مُسلم عبدالرحمن بن مُسلم، ثم مَضَى وله ذؤابة وهو على حِمَارٍ وله تسع عشرة سنة . وعن بعضهم، قال: كنتُ أَطلب العلمَ فلا آتي موضعًا إلا وجدتُ أبا مسلم قد سبقني إليه، فألفتُهُ فدَعَاني إلى منزِلِهِ، ثم لاعبني بالشطرنج، وكان یلھجُ بهذين البيتين : ذرُوني ذَروني ما قررت فإني مَتَى ما أُهَجِ حَرْبًا تَضِيقُ بكم أرضي وأبعث في سُود الحديد إليكم كتائب سُودًا طالما انتظرتُ نَهْضي قال علي بن عَثَّام: قال إبراهيم الصَّائغ: لما رأيتُ العَرَب وضَيْعَتها (١) وفيات الأعيان ٣/ ١٤٦ - ١٤٧. ٧٦٧ خِفْتُ أن لا تكون الله فيهم حاجة، فلما سَلَّط الله عليهم أبا مُسلم رجوتُ أن تكون لله فيهم حاجة . وقال حَسَن بن رُشَيْد: سمعتُ يزيد النَّحوي يقول: أتاني إبراهيم الصائغ فقال: أما ترى ما يعمل هذا الطاغية إن الناس معه في سَعَةٍ غيرنا أهل العِلْم. قلت: لو عَلِمتُ أنه يصنع بي إحدى الخَصْلتين لفعلتُ، إن أمرتُ ونهيتُ يقبل منا أو يقتلنا، ولكني أخافُ أن يَبْسط عليَّ العَذَاب وأنا شيخٌ كبير لا صَبْر لي على السِّياط، فقال الصائغ: لكني لا أنتهي عنه فدخل عليه فأمره ونهاه فقَتَلَهُ. وقيل: كان أبو مُسلم يجتمعُ بإبراهيم الصَّائغ وهو عالم أهل مَرْو ويَعِدُه بإقامة الحق، فلما ظهرَ بَسَطِ يَدَهُ، يعني في القَتْلِ فدخلَ عليه فوعظهِ . وقد ذكرنا جُملةً من أخبار أبي مُسلم في الحوادث وكيف قَتَلَهُ المنصور، وكان ذلك في سنة سبع وثلاثین بالمدائن . ٣٤٥ - د ت: أبو نُصيرة الواسطيُّ، مُسلم بن عُبيد. عن أنس، وأبي عسيب، وأبي رجاء العطاردي. وعنه حَشْرج بن نباتة، وسُوید بن عبدالعزیز، وهُشیم، ویزید بن هارون. وثّقه أحمد بن حنبل. وقال ابن مَعِين: صالحٌ، ولَيَّنه الأزدي. له في ((الجامع)) (١) و ((السُّنن))(٢) هذا الحديث فقط: قال عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيْرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، قال: قال رسول الله ◌َيقول: ((لم يصر من استغفر الله، ولو عادَ في اليوم سبعين مرة)). وقال التِّرمذي: ليس إسناده بالقوي(٣) . ·- أبو هارون العَبْديُّ، عُمارة بن جوين. قد مر (٤). آخر الطبقة الرابعة عشرة. (١) يعني: الجامع الكبير للترمذي (٣٥٥٩). (٢) يعني: سنن أبي داود (١٥١٤). وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي. (٣) من تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٤٥ - ٣٤٧. (٤) الترجمة ٢٠٧ . ٧٦٨ الطبقة الخامسة عشرة ١٤١ - ١٥٠ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحَـ (الحوادث) سنة إحدى وأربعين ومئة فيها توفي أسماء بن عُبيد والد جويرية بن أسماء، وأبان بن تَغْلب الكُوفي، وإسحاق بن راشد، والحُسين بن عبدالله بن عبيدالله الهاشمي العباسي، والحُسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد، وأبو إسحاق الشَّيباني سُليمان بن فِيْروز، وسُليمان الأحول قاضي المدائن بخُلْفٍ فيه، وعاصم الأحول في قول الهيثم بن عَدِي، وعثمان البتِّي في قَوْلٍ، والقاسم بن الوليد الهَمْداني الكوفي، وموسى بن عُقبة صاحب ((المغازي))، وموسى بن كعب أمير ديار مصر . وفيها كان ظهور الريوندية(١)؛ قال أبو الحسن المدائني: هم قومٌ من خراسان على رأي أبي مُسلم الخُراساني صاحب الدعوة، يقولون فيما زعمَ بتناسخ الأرواح؛ فيزعمون أنَّ روحَ آدم عليه السلام حلَّت في عُثمان بن نَهِيك، وأنَّ المنصور هو ربُّهم الذي يطعمهم ويسقيهم، وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل. قال: فأتوا قصرَ المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون هذا، فقبضَ المنصورُ منهم نحو المئتين من الكبار، فغضب الباقون وقالوا: عَلامَ حُبِسوا؟ ثم عهدوا إلى نعش فحقُّوا به. يوهِمون أنها جنازة قد اجتمعوا لها. ثم إنَّهم مرُّوا بها على باب السِّجن فعنده شدُّوا على الناس بالسلاح واقتحموا السجن، فأخرجوا أصحابهم الذين قبض عليهم المنصور، وقصدوا نحو المنصور، وهم نحو من ست مئة، فتنادى الناس، وأغلقت المدينة، وخرجَ المنصور من قصره ماشيًا لم يجد فَرَسًا، فأُتيَ بدابَّة وهو يريدهم، فجاءه مَعْن بن زائدة فترجَّل له وعزم عليه وأخذ بلجام الدائَّة. (١) هكذا تلفظ، وتلفظ أيضًا بالألف بدل الياء ((الراوندية)). ٧٧١ وقال: إنك تُكْفَى يا أمير المؤمنين. وجاء مالك ابن الهيثم فوقفَ على باب القصر، ثم قاتلوهم حتى أثخنوهم. وجاء خازم بن خريمة، فقال: يا أمير المؤمنين أقْتُلُهم؟ قال: نعم. فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط، فكرُّوا على خازم فهزموه، ثم كرَّ عليهم هو والهيثم بن شعبة بجُنْدِهما، وأحاطوا بهم، ووضعوا فيهم السيف فأبادوهم، فلا رحمهم الله. وقد جاءهم يومئذ عثمان بن نَهِيك فكلَّمهم، فرموه بنشَّابة، فمرض منها ومات، فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى بن نَهِيك. وكان هذا كله في المدينة الملقَّة بالهاشمية وهي بقرب الكوفة. ثم إنَّ المنصور قَدَّم سماطًا بعد العصر وبالغ في إكرام مَعْن. وروى المدائني عن أبي بكر الهُذَليِّ، قال: إني لواقف بباب القصر إذ اطّلعَ رجل إلى المنصور، فقال: هذا رب العزة الذي يرزقُنا ويطعمنا. قال: فحدَّثْتُ المنصور بعد ذلك فقال: يا هُذَلي يُدْخِلُهم الله النار في طاعتنا ونقتلهم، أحبُّ إلينا من أن يدخلهم الله الجنة في معصيتنا. وعن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه سمع المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطآت وَقَى الله شَرَّها؛ قتلتُ أبا مسلم وأنا في خِرَقٍ، ومَن حولي يقدِّم طاعته ويُؤْثِرِها ولو هُتِكت الخِرَق لذهبتُ ضياعًا وخَرَجْتُ(١) يوم الريوندية ولو أصابني سهم غَرْبٌ لذهبتُ ضياعًا، وخرجتُ إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذَهَبت الخِلافةُ ضياعًا . وقيل: كان معن بن زائدة ممن قاتل المُسَوِّدة مع ابن هُبيرة، فلما قامت دولة المُسَوِّدة اختفى مَعن إلى أن ظهر يوم الريوندية، فأبلى يومئذ وبَيَّن حتى كان النصر على يديه، ثم اختفى كما هو، فتطلَّبه المنصور ونودي بأمانه فأُتي به فأمر له بمال جليل وولاَه اليمن(٢) . وفيها أمَّر المنصور ابنه المهديَّ وجعله وَليَّ عهد المسلمين وبعثه على (١) من هنا إلى قوله: ((لذهبت ضياعًا)) سقط كله من د، والنص في تاريخ الطبري ٧/ ٥٠٧ . (٢) استفاد المصنف هذه الأخبار من تاريخ الطبري ٧/ ٥٠٥ - ٥٠٨ . ٧٧٢ خُراسان وأن ينزل الريَّ، ففعل، وبلغ المنصورَ أن أميرَ خراسان عبدالجبار الأزديَّ يقتل رؤساء الخُراسانيين، فقال لأبي أيوب الخُوزي: إنَّ هذا قد أفنى شيعَتَنا ولم يفعل هذا إلا وهو يريدُ أن يخلعَ الطاعةَ. فقال: اكتب إليه أنك تريد غَزْو الروم فليوجِّه إليك الجُنْدَ والفرسان، فإذا خرجوا بعثْتَ إليه من شئتَ، فليس به امتناع، فكتب إليه بذلك فكان جوابه أن التّرك قد جاشت، وإن فَرَّقْتُ الجنود ذهبت خُراسان، فكتب المنصور إليه بمشورة أبي أيوب: إن خُراسان أهمُّ من غيرها، وإنِّي مُوَجِّه إليك جيشًا مَدَدًا من عندي. يريد المنصور بهذا أن عبدالجبار إنْ هَمَّ بالخُروج وثبوا عليه؛ فكان جوابه: إنَّ خراسان مُجدِبَةٌ وأخاف من الغلاء على الجُنْد. فقال أبو أيوب للمنصور: هذا رجل قد أبدى صفحته وقد خلع فلا تناظره. فوجَّه إليه خازم ابن خُزيمة. قال: فجهّز المهدي من الريِّ خازم بن خُزيمة لحربه مقدِّمة، ثم سار المهديُّ إلى أن قدِم نَيْسابور، فلما بلغ ذلك أهل مَرْو الرُّوذ ساروا إلى عبدالجبار فقاتلوه فهزموه، فالتجأ إلى مكان، فعبر إليه المجَشَّر بن مزاحم بجند مَرْو الرُّوذ فأسره، ثم أتى به خازمَ بن خزيمة فألبسه عباءة وأركِبه بعيرًا مَقْلوبًا وسيَّره إلى المنصور في طائفة من أصحابه وأولاده، فبسطَ عليهم العذاب، واستخرج منهم الأموال، ثم قتل عبدالجبار وسَيَّر أولاده إلى جزيرة دَهْلَك ببحر اليمن، فلم يزالوا بها حتى أغارت الهند عليهم فأسروهم ونجا منه عبدالرحمن ولد عبدالجبار، فجاء فكتب في الديوان وبقي بمصر حيًّا إلى سنة تسعين(١) ومئة(٢). وفيها انتهى بناء مدينة المصِّيصة بتولِّي جبريل بن يحيى الخُراسانيِّ. وفيها افتتح المسلمون طَبَرَسْتان وغنموا غنائم عظيمة بعد حروبٍ جَرَتْ. وفيها عُزل عن المدينة ومكة زياد بن عبيد الله. ثم وَلِيَ المدينةَ محمدٌ ابن خالد بن عبدالله القسريٍّ، ووَلِيَ مكةَ الهيثمُ بن معاوية العَتَكيُّ(٣). (١) هكذا في النسخ، وفي تاريخ الطبري ٧/ ٥٠٩: ((سبعين)) . (٢) من تاريخ الطبري ٧ / ٥٠٨ - ٥٠٩. (٣) في د: ((العكي)) تحريف، وينظر تاريخ الطبري ٧/ ٥١١، والعقد الثمين للفاسي ٧/ ٣٨٢. ٧٧٣ وحجَّ بالنَّاس أمير الشام صالح بن علي العباسي. وفيها استناب المهديُّ عنه على خُراسان الأمير أسد بن عبد الله . سنة اثنتين وأربعين ومئة فيها توفي أسلم المِنقري، وحَبيب بن أبي عَمْرة القَصَّاب، والحسن ابن عُبيدالله، والحسن بن عَمْرو الفُقَيمي، وأبو هانىء حُميد بن هانىء الخَوْلاني المصري، وحُميد الطويل في قوْلٍ، وخالد الحذَّاء، وسعد بن إسحاق بن كعب في قَوْلٍ، والأمير سُليمان بن علي بن عبدالله بن عباس، وعاصم بن سُليمان الأحول بخُلْفٍ، وعَمْرو بن عُبيد المعتزلي فيها أو في سنة ثلاث، ومحمد بن أبي إسماعيل الكوفي، وهارون بن عَنْترة. وفيها نزع الطاعة متولِّي السِّنْد عُيَيْنة بن موسى بن كَعْب فخرج المنصور بالجَيْش فنزل البصرة وجهَّز عُمر بن حفص العتكي محاربًا له ومتولًَّا على السند والهند فسار حتى غلب على السند واستوسَقَ له الأمر(١). وفيها نقض إصبهبذ طَبَرستان وقتل مَن ببلاده من المسلمين، فانتُدِبَ له خازم بن خُزيمة ورَوْح بن حاتم وأبو الخصيب مَرْزوق مولی المنصور، فحاصروه في قَلْعته، وطالَ الحصارُ، ولم يزالوا إلى أن احتالَ مَرْزوق (٢)، فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك فلحق بالإصبهبذ ففتح له فدخل إليه، فقال: إنما فعلوا بي ما رأيت تُهمةً منهم لي بأنَّ هوايَ معك، وأخبره بأنه معه فإنَّه يدلُّه على عَوْرة العسكر، فوثق به وَقرَّبه. وكان باب قلعته حجرًا. فلم يزل يُظْهر له النَّصيحة والإصبهبذ يغترُّ إلى أن صيَّره أحدَ من يتولَّى البابَ فرأى منه ما يُحبُّ. ثم نفَّذ مرزوق إلى العَسْكر في نشَّابة ووعدهم ليلة معيَّنة في فتح باب الحِصْن، ثم فعل ذلك، ودخلوا فقتلوا المقاتلة وسبوا الحريم. فمصَّ الإصبهبذ سُمَّا في خاتمه (١) من تاريخ الطبري ٧/ ٥١٢ . (٢) من هذا الموضع تبدأ نسخته كوتا التي رمزنا لها بالحرف ((ت)) وهي بخط البشتكي إلى آخر الطبقة (١٥٦٣). ٧٧٤ فهلك. فكان من جملة السبي شُكْلَة والدة إبراهيم بن المهدي من بنات الأمراء ووالدة منصور بن المهدي المعروفة بالمُحْتَرمة(١) من بنات الملوك. وفيها عُزل عن إمرة مصر نَوْفل بن الفرات بمحمد بن الأشعث، ثم عزل محمد وأعيد نوفل، ثُم عُزل ثانيًا فوليها حُمَيْد بن قَخْطبة . وفيها حج بالناس إسماعيل بن علي. وقيل: فيها استعمل المنصور أخاه العباس على بلاد الجزيرة والثغر. وفيها كان توتُّب العبيد بالبَصْرة فانتدب لهم صاحب الشرطة فقتلهم. وفيها وَلِيَ محمد بن أبي عيينة بن المهلَّب بن أبي صُفرة البحرَ فنزل مدينة قيس، وهي جزيرة في البحر، فجاءته مراكب الهنود فلم يخرج إليهم، فخرج ابنه فقُتل وقُتل معه طائفة، ثم هرب محمد منها فدخلها العدو فخرَّبوها؛ قال خليفة بن خياط(٢): فهي خراب إلى اليوم. قلت: هي اليوم عامرة يسافر إليها التجار وهي جزيرة كيش كذا ينطقون بها . سنة ثلاث وأربعين ومئة فيها توفي حجَّاج بن أبي عثمان الصَّوَّاف، وحُميد الطويل على الصحيح، وحُيي بن عبدالله المعافري، وخطَّاب بن صالح المَدَني، وعبدالرحمن بن الحارث المَخْزومي المدني، وعبدالرحمن بن عطاء المدني؛ وعبدالرحمن بن ميمون المدني بمصر، وعلي بن أبي طلحة مولى بني هاشم، وليث بن أبي سُلَيْم في قَوْلٍ، ومُطَرِّف بن طريف في قَوْلٍ، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وفيها سار أبو الأحوص العَبْديُّ في ستة آلاف فارس من مصر إلى إفريقية، فنزل بَرْقة، ثم التقى هو وأبو الخَطَّاب الإباضي فانهزمَ أبو الأحوص، فسار أمير مصر بنفسه وجيوشه وهو محمد بن الأشعث فالتقى (١) في تاريخ الطبري ٧/ ٥١٣: ((بالبحرية)) ولا أشك أنه تحريف، وما أثبتناه مجود بخط البدر البشتكي في ت . (٢) تاريخه ٤١٩، ومنه ساق خبر مدينة قيس. ٧٧٥ هو والإباضيَّة فقُتل في المصافِّ أبو الخطاب، وانهزموا(١). وفيها بلغ المنصور أن الدَّيْلم قد أوقعوا بالمُسلمين وقتلوا منهم خلائق فندب الناس للجهاد . وفيها عُزل الهيثم عن مكة بالسريِّ بن عبدالله بن الحارث بن العباس العبّاسي، فأتى سَريًّا عهدُه وهو باليمامة. وفيها عُزل عن مصر حُمَيد بن قَخْطبة وأعيد نوفل ثالثًا، ثم عُزل نوفل ووليها یزید بن حاتم الأزدي. وحج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي أمير الكوفة . وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصِنَّف ابن جُرَيج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سَلَمة، وغيرهما بالبصرة، وصنَّف الأوزاعي بالشام، وصنَّف مالك ((الموطَّأ)) بالمدينة، وصنَّف ابن إسحاق المغازي، وصنَّف مَعْمَر باليمن، وصنَّف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وصنَّف سفيان الثوري ((كتاب الجامع))، ثم بعد يسير صنّفُ هُشيم كتبه، وصنَّف الليث بمصر وابن لهيعة، ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وَهْب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتبُ العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقَبْل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون على حفظهم أو يروونَ العلم من صحف صحيحة غير مُرتَّبة. فسَهُلَ ولله الحمد تناولُ العلم، وأخذَ الحِفْظ يتناقص، فلله الأمر كله. سنة أربع وأربعين ومئة فيها توفي إسحاق بن عبدالله بن أبي فَرْوة أحد الضُّعفاء، وإسماعيل ابن أبي أميّة في قَوْلٍ، وأسيد بن عبدالرحمن الفلسطيني، وأبو عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد الحَرَّاني، وسعيد الجُريري، وسُليمان التيمي في قَوْلٍ، وعبدالله بن حسن بن حسن في قَوْلٍ، وعبدالله بن أبي سَبْرة المدني (٢)، (١) من تاريخ خليفة ٤٢٠ . (٢) لم يترجم له في هذه الطبقة! ٧٧٦ وعبدالله بن شُبْرُمة الفقيه، وعُقَيْل بن خالد الأيلي، وعبدالأعلى بن السَّمْح الفقيه بمصر، وعَمْرو بن عُبيد في قَوْلٍ، ومُجالد بن سعيد، وهلال بن خَبَّاب، وواصل بن السائب الرَّقاشي، ويزيد بن أبي مريم الدِّمشقي. وفيها غزا محمد ابن السفاح الدَّيْلم بجيش الكوفة والبصرة وواسط والجزيرة . وفيها قدم المهدي من خُراسان فدخل بابنة عمِّه رَيْطَة بنت السفاح . وفيها حج المنصور وخَلَّف على العساكر خازم بن خُزيمة فاستعمل على المدينة رياح بن عثمان المُرِّي وعزل محمدًا القَسْري. وكان المنصور قد أهمّه شأن محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لتخلّفهما عن الحضور إلى عنده مع الأشراف، فقيل: إن محمدًا ذكر أن المنصور لما حَجَّ في حياة أخيه السفاح كان ممن بايع له ليلة اشتَوَرَ بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني أمية فسأل المنصور زيادًا متولِي المدينة عن ابني عبد الله بن حسن. فقال: ما يهمك يا أمير المؤمنين من أمرهما أنا آتيك بهما. فضمَّنه إياهما في سنة ست وثلاثين ومئة. قال عبدالعزيز بن عِمْران: حدثني عبدالله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: لما استخلف المنصور لم يكن همه إلا طلب محمد والمسألة عنه بكل طريق، فدعا بني هاشم واحدًا واحدًا كلهم يُخْليه ويسأله عنه فيقولون: يا أمير المؤمنين قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك وهو الآن لا يريد لك خلافًا ولا معصيةً. وأما حسن بن زيد فأخبره بأمره وقال: لا آمن أن يخرج. فذكر يحيى البرمكي أن المنصور اشترى رقيقًا من رقيق الأعراب فكان يعطي الرجل منهم البعير والبعيرين وفرَّقهم في طلب محمد بن عبدالله بأطراف المدينة يتجسَّسون أمره وهو مُختَف . وذكر السندي مولى المنصور، قال: رفع عقبة بن مسلم الأزدي عند المنصور واقعة، وذلك أن عُمر بن حفص أوفد من السند وَفْدًا فيهم عقبة فأعجب المنصور هيئتُه فاستخلى به وقال: إني لأرى لك هيئةً وموضعًا وإني ٧٧٧ لأريدك لأمرٍ أنا به مُعْنّى لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكون، فإن كَفْيَتَنِيه رفعتُك. فقال: أرجو أن أصدق ظنَّ أمير المؤمنين فيَّ. قال: فاخف شخصك واستر أمرَك وائتني يوم كذا، فأتاه في الوقت المعين. فقال له: إن بني عمِّنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدًا لملكنا واغتيالاً له ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم فاخرج إليهم بكسوة وألطاف حتى تأتيهم بكتاب مبتكر تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير إلى بلادهم فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحِبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمتُ ذلك وكنتُ على حذرٍ، فاشخص حتى تلقى عبدالله بن حسن متقشِّفًا متخشِّعًا فإن جَبَهك، وهو فاعل، فاصبر حتى يأنس بك ويُلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل عليَّ. قال: فشخص عُقْبة حتى قَدِمَ على عبدالله فلقيه بالكتاب فأنكره وانتهره وقال: ما أعرف هؤلاء، فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبل الكتاب وألطافه وأنس به فسأله عُقبة الجواب. فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فسلّم عليهم وأخبرهم أن ابنيَّ خارجان لوقت كذا وكذا. فأسرع عُقبة بهذا إلى المنصور. وقيل: كان محمد وإبراهيم ابنا عبدالله منهومين بالصَّيْد. وقال المدائني: قدم محمد البصرة مختفيًا في أربعين رجلاً فأتى عبدالرحمن بن عثمان بن عبدالرحمن بن هشام، فقال له عبدالرحمن: أهلكتني وشهَّرتني فأنزل عندي وفرِّق أصحابك، فأبى عليه فقال: انزل في بني راسف، ففعل. وقال غيره: أقام محمد يدعو الناس سرًّا. وقيل: نزل على عبدالله بن سفيان المرِّي، ثم خرج بعد ستة أيام فسار المنصور حتى نزل الجسر. وكان المنصور لما حجَّ سنة أربعين ومئة أكرم عبدالله بن حسن ثم قال لعقبة: تراءَ له ثم قال: يا أبا محمد قد علمت ما أعطيتني من العهود أن لا تبغي سوءًا. قال: فأنا على ذلك، فاستدار له عُقبة حتى قام بين يديه فأعرض عنه فأتاه من ورائه فغمزه بأصبعه فرفع رأسَهُ بغتة فملأ عينه منه ٧٧٨ فوثب حتى جلس بين يدي المنصور، فقال: أقِلْني يا أمير المؤمنين أقالك الله. قال: لا أقالني الله إن أقلْتُك ثم سجنه . وجاء من وجه آخر أن المنصور أقبل على عبدالله، فقال: أرى ابنيك قد استوحشا منِّي وإني لأحب أن يأْنَسَا بي وأن يأتياني فأخلطهما بنفسي، فقال: وحقِّك يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم ولا بموضعهما ولقد خرجا عن يدي. فبقي في سجن المنصور ثلاثةً أعوام. وقيل: إنَّ محمدًا وإبراهيم هَمَّا باغتيالَ المنصور بمكةَ وواطأهما قائدٌ كبيرٌ من قوَّاده فنُمي الخبرُ إلى المنصور، فاحترزَ وطلب القائدَ فهربَ، وأقبل أبو جعفر المنصور يلجُّ في طلب محمد حتى أعياه وجعل زياد بن عُبيد الله يدافع عن محمد، فقبضَ المنصور على زياد واستأصل أموالَهُ واستعمل على المدينة محمد بن خالد القسريَّ وأمرَهُ ببذل الأموال في طلبٍ محمد وأخيه، فبذل أكثر من مئة ألف دينار فلم يصنع شيئًا ولا قدر عليهما فاتَّهمه المنصور، فعزله، وولَّى رِياح بن عثمان بن حيَّان المُرِّي، فدعا القسريَّ فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي وهو أعلم بها فقال: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به رياح فوجئَتْ عنقُه وضُرب أسواطًا ثم بُسط العذاب على كاتبه وعلى مولاه فأسرف وجدَّ في طلب محمد بن عبدالله فأخبر أنه في شِعب من شعاب رَضْوَى وهو جبل جُهَينة من أعمال ينبع . قال: فاستعمل على ينبع عَمْرو بن عثمان الجهني وأمره بتطلَّب محمد، فخرج عَمْرو إليه ليلة بالرجال ففزع محمد وفر منهم، فانفلت، وله ابن صغير، وُلد له هناك من جارية فوقع الطفل من الجبل من يد أمه فتقطّع، فقال محمد بن عبدالله : تَنْكُبُهُ أطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ منخرق السِّربال يشكو الوَجَى كذاك من يَكْرَهُ حَزَّ الجلاد شرَّده الخوفُ وأزرَى به والموتُ حتمٌ في رقاب العباد قد كان في الموت له راحةٌ فلما طال أمر الأخوين على المنصور أمر رياحًا بأخذ بني حسن وحبسهم، فأخذ حَسَنًا وإبراهيم ابني حسن بن حسن وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن وسليمان وعبدالله ابني داود بن حسن بن حسن، ومحمدًا ٧٧٩ : وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم المذكور، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن، وأخاه عليًّا العابد، ثم قيَّدهم وجهر على المنبر بسبِّ محمد بن عبدالله وأخيه فسبَّح الناس وعظّموا ما قال، فقال رياح: ألصق الله بوجوهكم الهوان لأكتبنَّ إلى خليفتكم غِشَكم وقلَّة نُصحكم، فقالوا: لا نسمع منك يا ابن المحدودة وبادروه يرمونه بالحصى، فنزل واقتحم دار مروان وأغلقَ البابَ، فحفَّ بها الناس فرموه وشتموه، ثم إنهم كفُوا، ثم إن آل حسن حُملوا في أقيادهم إلى العراق، ولما نظر إليهم جعفر الصادق وهم يُخرج بهم من دار مروان جَرَتْ دموعه على لحيته، ثم قال: والله لا تُحفظ الله حُرْمة بعد هؤلاء، وأُخِذَ معهم أخوهم من أمهم محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو ابن فاطمة بنت الحسين(١). وقال الواقدي: أنا رأيت عبدالله بن حسن وأهل بيته يُخْرَجون من دار مروان وهم في الحديد فيُجعلون في المحامل عُراةً ليش تحتهم وطاء وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام. قال الواقدي: قال عبدالرحمن بن أبي الموالٍ: وأُخِذ معهم يومئذ نحوٌ من أربع مئة نفس من جُهَيْنة ومُزَيْنَة وغيرهم، فأراهم بالرَّبَذة مُكَتَّفينٍ في الشمس، وسُجِنْتُ مع عبدالله بن حسن، فوافَى المنصور الرَّبذة منصرفًا من الحج فسأل عبدالله بن حسن من المنصور أن يأذن له في الدخول إليه فامتنع. ثم دعاني المنصور من بينهم فأُدخلت عليه وعنده عمه عيسى بن علي فسلّمت؛ فقال المنصور: لا سلم الله عليك، أين الفاسقان ابنا الفاسق، فقلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين؟ قال: وما ذاك؟ قلت: امرأتي طالق وعليَّ وعليَّ إن كنت أعرف مكانهما، فلم يقبل مني، وأقمت بين العُقابين، فضربني أربع مئة سوط، فغاب عقلي ورُدِدتُ إلى أصحابي، ثم أحضر الديباج وهو محمد بن عبدالله العثماني فسأله عنهما فحلف له، فلم يقبل، وضربه مئة سوط، وجعل في عنقه عُلاَّ فأُتي به إلينا وقد لصق قميصُه على جسمه من الدماء. ثم سِيْرَ بنا إلى العراق. فأول من مات بالحَبْس عبدالله بن حسن، فصلّى عليه أخوه حسن، ثم مات حسن (١) من تاريخ الطبري ٧/ ٥١٧ فما بعدها. ٧٨٠