النص المفهرس

صفحات 581-600

الطبقة الرابعة عشرة
١٣١ - ١٤٠ هـ

ء
مِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَـ
بِسْـ
(الحوادث)
حوادث سنة إحدى وثلاثين ومئة
ذكر من توفي فيها مجملاً :
إبراهيم بن ميمون الصائغ المَرْوزي، إسحاق بن سُويد العَدَوي
البَصْري، إسماعيل بن عُبيدالله بن أبي المهاجر، أيوب السَّخْتياني عالم
البصرة، تَوْبة العَنْبري البَصْري ثقة، الرُّكَين بن الرَّبِيع بن عَمِيلة، الزُبير بن
عَدِيٍّ الهَمداني الكوفي، سُمي مولى أبي بكر بن عبدالرحمن، أبو الزِّناد
عبدالله بن ذَكْوان، عبدالله بن أبي نَجِيح المكي، عبدالرحمن بن القاسم بن
محمد في قول خَلِيفة (١)، عُبيدالله بن المغيرةِ السَّبَئي، علي بن الحكم البُناني
البَصْرِي، علي ابن زيد بن جُدعان التَّيْمي، فَرْقَد السَّبخي أحد العُباد، محمد
ابن جُحادة الكوفي، منصور بن زاذان على الصَّحيح، نصر بن سيار الأمير،
هَمَّام بن مُنبه وقيل: بعدها، واصل بن عطاء المُعتزلي، يزيد بن أبي مُسلم
الأزدي ثم النَّحوي، من نحو الأزد.
وفيها توجه قَخْطبة بن شَبيب بعد قتل نباتة من جُرجان فجهز ابن هُبيرة
جيشًا عظيمًا فنزل بعضهم بهَمَذان وبعضهم بماه وبغيرها، وعليهم ولده داود
ابن يزيد بن عمر بن هُبيرة وعامر بن ضُبارة، فالتقوا بنواحي أصبهان في
رَجَب، فقُتل في المصافِّ عامر وانهزم داود وجيشه.
فذكر محمد بن جرير (٢)، أنَّ عامر بن ضُبارة كان في مئة ألف، وكان
قَخْطبة في عشرين ألفًا، قال: فأمر قحطبة بمصحف فرُفع على رُمح ثم
نادى: يا أهل الشام، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه،
فحمل عليهم فلم يطل القتال حتى انهزمزا، ثم نزل قحطبة وابنه الحسن على
(١) تاريخه ٣٩٨.
(٢) تاريخه ٧ / ٤٠٦ فما بعدها.
٥٨٣

باب نهاوند وغنم جيشُه ما لا يوصف وأثخنوا في الشاميين. قال حفص بن
شبيب: فحدثني من كان مع قَخْطبة، قال: ما رأيتُ عسكرًا قط جمع ما جمع
أهل الشام بأصبهانٍ من الخَيْل والسِّلاحِ والرّقيق، وأصبنا معهم ما لا يُحصى
من البرابط (١) والطّنابير والمزامير، فقلَّ خباء أو بيت ندخله إلا وجدنا فيه
زکْرة(٢) أو زِقًّا من خَمْر.
ووقع الحصار على نهاوند وتقهقر الأمير نصر بن سَيَّار إلى أن وصل
إلى الرَّيِّ فأدركه الأجل بها، وقيل: مات نساؤه وأوصى بنيه أن يلحقوا
بالشام. وقد كان أنشد لما أبطأ عنه المدد:
ويوشك أن يكون له ضِرام
أرى خَلَلَ الرَّماد وَمِيض نار
وإن الفعل يقدُّمُه الكلام
فإنَّ النار بالزندين توري
يكون وَقُودُها جُثَثٌ وَهَام
وإن لم يُطفها عُقلاء قوم
أأَيْقاظٌ أُمَيَّة أم نِيام
أقول من التعجُّب: ليت شِعري
ثم إنَّ ابن هُبيرة كتب إلى مروان الحمار يخبره بمقتل ابن ضبارة فوجَّه
إلى نجدته حَوْثرة بن سُهيل الباهلي في عشرة آلاف من قيس، ثم تجمَّعت
جيوش مروان بنهاوند، عليهم مالك بن أدهم، فضايقهم كما ذكرنا قَحْطبة
أربعة أشهر حتى أكلوا خيلهم، ثم خرجوا بالأمان في شوال، ثم قتل قَحْطبة
وجوهًا من عسكر نَصْر بن سَيَّار وقتل أولاده وقتل سعيد بن الحُر وعُبيد الله
ابن عمر الجَزَري وحاتم بن الحارث التَّميمي وعاصم بن عَمْرو السمر قندي
وعُمارة بن سُليم. ثم أقبل قحطبة في جيوشه يريد العراق فنهض متولِّيها ابن
هُبيرة حتى نزل بين حُلْوان والمدائن وعلى مقدِّمته عُبيدالله بن عباس الليثي
وانضم إليه المنهزمون حتى صار في ثلاثة وخمسين ألفًا. ثم توجه فنزل
جَلُولاء، ونزل قَخْطبة في آخر العام بخانقين، فكان بين الطائفتين بريد فبقوا
أيامًا كذلك.
وفيها، في شعبان وبعده كان الطاعون بالبصرة فهلك خَلْق حتى قيل :
إنَّه هلك في اليوم الأول سبعون ألفًا. نقله صاحب المنتظم.
(١) ضرب من المعازف.
(٢) الزكرة زق للخمر أو الخل.
٥٨٤

وفيها تحوَّل أبو مسلم الخراساني من مَرْو، فنزل نَيْسابور واستولى
على عامَّة خُراسان.
سنة اثنتين وثلاثين ومئة
توفي فيها خلق، منهم: إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك بن مروان،
إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، أمية بن يزيد، أعين بن ليث جد ابن
عبدالحكم، خالد بن سَلَمة المَخْزومي، رَبَاح بن عبدالرحمن الدِّمشقي،
زياد بن سَلَّم بن زياد ابن أبيه، سالم الأفطس بن عجلان، سُليمان بن هشام
ابن عبدالملك، سُليمان بن يزيد بن عبدالملك، صَفْوان بن سُليم المدني،
عبدالله بن طاوس اليَمَاني، عبدالله بن عثمان بن خُثَيْم المكي، عُبيد الله بن
أبي جعفر المِصْري، عبيدالله بن وَهْبِ الكَلاَعي، عطاء بن قُرة السَّلُولي.
عطاء السليمي العابد، عُمر بن أبي سَلَمة الزُّهري، فَخْطبة بن شبيب الأمير،
محمد بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، مروان بن محمد الأموي
الخليفة، منصور بن المعتمر عالم الكوفة، يزيد بن عُمر بن هُبيرة الأمير،
يزيد بن القَعْقاع أبو جعفر في قَوْلٍ، يونس بن مَيْسرة بن حَلْبس .
وفيها زالت دولة بني أمية؛ ففي المحرّم بلغ ابِن هُبيرة أن قَخْطبة توجَّه
نحو المَوْصل فقال لأصحابه: ما بال القوم تنكّبونا؟! قالوا: يريدون
الكوفة، فترخَّل ابنُ هبيرة نحو الكوفة وكذلك فعل قَحْطبة فعبرَ الفُرات في
سبع مئة فارس، وتَتَامَّ إلى ابن هبيرة نحو ذلك، فتواقعوا فجاءت فَحْطبة
طعنة فوقعَ في الفرات فهلك ولم يعلم به قومه، وانهزمَ أيضًا أصحاب ابن
هُبيرة وغرق خلقٌ منهم في المخائض وذهبت أثقالُهم، فقال بَيْهَس بن
حِبٍب: تَجَمَّع الناس بعد أن جاوزنا الفرات، فنادى مناد: من أراد الشام
فَهَلَمَّ. فذهب معه عنق من الناس، ونادى آخر من أراد الجزيرة. فتبعه
خَلْق، ونادى آخر: من أراد الكوفة. فذهب كل جند إلى ناحية، فقلتُ:
((من أراد واسط فهلَمَّ)) فأصبحنا مع ابن هبيرة بقناطر المُسَيَّب ودخلنا واسطًا
يوم عاشوراء، وأصبح المسوِّدة قد فقدوا قائدهم فَحْطَبة ثم استخرجوه من
الماء فدفنوه، وأمَّروا عليهم ابنه الحَسَن فقصد بهم الكوفة فدخلوها يوم
عاشوراء أيضًا وهرب متولَّيها زياد بن صالح إلى واسط .
٥٨٥

وقُتل ليلة الفرات صاحب شُرطة ابن هُبيرة زياد بن سُويد المُرِّي،
وكاتبه عاصم مولى بني أمية .
وأما ابن قَخْطبة فاستعمل على الكوفة أبا سَلَمة الخلاّل، ثم قصد
واسطًا فنازلها وخَنْدَق على جيشه فعبَّأ ابنُ هبيرة عساكرَه فالتقوا فانهزم
عسكر بن هُبيرة وتحصَّنوا بواسط، وقُتل في الوَقْعة يزيد أخو الحسن بن
قَخْطبة وحكيم بن المسيَّب الجَدَلي.
وفي المحرَّم، وثب أبو مُسلم صاحب الدعوة على ابن الكرماني فقتله
بنَيِّسابور وجلسَ في دَسْت المُلْك وبويع وصلَّى وخطب للسفَّاح، وصَفَتْ له
خُراسان.
بَيْعة السَّفاح
في ثالث ربيع الأول، بويع أبو العباس عبد الله السَّفاح أول خلفاء بني
العباس بالكوفة في دار مولاهم الوليد بن سعد.
وأما مروان الحمار خليفة الوَقْت فسار في مئة ألف حتى نزل الزابين
دون المَوْصل، فجهّز السفّاح عمه عبدالله بن علي في جيش فالتقى الجَمْعان
على كُشَاف(١) في جمادى الآخرة، فانكسر مروان وتقهقهر إلى الجزيرة
وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوّى ويلتقي، ودخل عبدالله بن علي
الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كَعْب التَّميمي ثم طلب الشام مُجِدًّا،
وأمدَّه السفاح بصالح بن علي وهو عمه الآخر، فسار عبدالله حتى نازل
دمشق وفر مروان إلى غَزَّة، فحوصرت دمشق مدة وأُخذت في رمضان وقتل
بها خلق من بني أمية ومن جُنْدِهم، فما شاء الله كان، فلما بلغ مروان ذلك
هرب إلى مصر ثم قُتل في آخر السنة. وهرب ابناه عبدالله وعُبيد الله حتى
دخلا أرض النوبة، وكان مروان قد استعمل على مصر عبدالملك بن مروان
ابن موسى بن نُصَير اللَّخْمي، مولاهم، فأحسن السيرة، وسار عم السفاح
صالح بن علي فافتتح مصر وظفر بعبدالملك وبأخيه معاوية فعفا عنهما وقتل
الأمير حَوْثرة بن سُهيل، فيقال: طبخوه طبخًا، وكان قد ولي مصرَ مدة.
(١) اسم موضع قرب الزاب.
٥٨٦

وقُتل حسان بن عتاهية وصُلِب سنة(١).
قال محمد بن جرير الطبري(٢): كان بدء أمر بني العباس أنَّ رسول الله
وَلّ فيما ذُكر عنه أعلَمَ العباس عمه أنَّ الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده
يتوقعون ذلك(٣).
وعن رِشْدين بن كُريب أنَّ أبا هاشم عبدالله بن محمد ابن الحنفية خرجٍ
إلى الشام فلقي محمد بن عليّ بن عبدالله بن عباس، فقال: يا ابن عم، إنّ
عندي علمًا أريد أن أنبذَه إليك فلا تُطْلِعَنَّ عليه أحدًا؛ إن هذا الأمر الذي
يرتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنَّه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أنَّ الإمام محمد بن علي بن عبدالله، قال :
لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المئة، وفَتق بإفريقية، فعند
ذلك تدعو لنا دُعاة ثم تُقبل أنصارنا من المَشْرق حتى ترد خيولُهم المغربَ.
فلما قُتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلاً
إلى خُراسان وأمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد بِ له ولا يسمِّي أحدًا،
ثم وجَّه أبا مسلم وغيرَهُ، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه ثم وقع في يد مروان
الحمار كتاب من إبراهيم بن محمد الإمام إلى أبي مُسلم جواب كتاب يأمره
بقتل كل من تكلم بالعربية بخراسان(٤)، فقبض مروان علي إبراهيم، وقد
كان مروان وصف له صفة السفّاح التي كان يجدها في الكُتب فلما جيء
بإبراهيم، قال: ليست هذه الصفة التي وجدت. ثم ردَّهم في طلب
الموصوف له فإذا بالسفّاح وإخوته وعمومته قد هربوا إلى العراق وأخفتهم
شيعتُهم، فيقال: إن إبراهيم قد نَعَى إليهم نفسَهُ وأمرهم بالهرب وكانوا
بالحُميمة من أرض البلقاء، فلما قدموا الكوفة أنزلهم أبو سَلَمة الخلال دارَ
(١) من تاريخ خليفة ٤٠٣ - ٤٠٤ .
(٢) تاريخه ٧/ ٤٢١ فما بعدها.
(٣) لا يصح في هذا الباب شيء، وإنما كان دعاة العباسيين يمنون أنفسهم بالخلافة،
فيؤيدون ذلك بأشياء يتأولونها لأنفسهم، وأكثر هذا الذي صار في الكتب إنما وضع
بعد قيام دولتهم.
(٤) لا يصح هذا، وهو أمر لا يقف تجاه النقد العلمي وأهمه أن جل القائمين بالدعوة
العباسية هم عرب خراسان.
٥٨٧

الوليد بن سعدٍ فبلغ الخبرُ أبا الجهم فاجتمع بموسى بن كَعْب وعبد الحميد
ابن رِبْعي وِسَلَمة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبدالله الطائي وإسحاق بن
إبراهيم وشَرَاحيل وابن بَسَّام وجماعة من كبار شيعتهم فدخلوا على آل
العباس فقال: أيُّكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فأشاروا إلى السفّاحِ،
فسلَّموا عليه بالخِلافة، ثم خرج السَّفاح يوم جمعة على بِرْذَون أبلق فصلَّى
بالناس بالكوفة فذُكر أنَّه لما صعد المنبر وبویع قام عمه داود ابن علي دونه .
فقال السفاح(١): الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرَّمه وشِرَّفه
وعظَّمه واختاره لنا وأيَّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقُوَّم به والذَّابِّين
عنه. ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال: فلما قَبَض الله نبيَّه قام
بالأمر أصحابه إلى أن وثبت بنو حَرْب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله
لهم حينًا حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا وردَّ علينا حقنا ليمُنَّ بنا على الذين
استُضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله .
يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودَّتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يُثْنِكُم
عنه تحامُلُ أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في
أعطياتكم مئة مئة فاستعدُّوا فأنا السفّاح المُبيح والثائر المبير. وكان موعوكا
فجلس.
وخطب داود فأبلغ، ثم قال: وإن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا
إنَّما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لأنَّه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره وإنما
قطعه عن استتمام الكلام شدَّة الوعك فادْعُوا له بالعافية، فقد أبدلكم الله
بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع لسلفه المفسدين في الأرض
الشابَ المكتهل. فعجَّ الناس له بالدعاء.
وكان عيسى بن موسى إذا ذَكَر خروجهم من الحُمَيمة يريدون الكوفة،
قال: إن أربعة عشر رجلاً خرجوا من ديارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هِمَّتهم
شديدة قلوبهم .
وأما إبراهيم بن محمد فإن مروان قتله غيلة، وقيل: بل مات بالسجن
بحرَّان من طاعون، وكان قد وقع بحَرَّان وباء عظيم، وهلك في السجن
(١) انظر خطبته عند الطبري ٧/ ٤٢٥ .
٥٨٨

أيضًا: العباس بن الوليد بن يزيد بن عبدالملك، وعبدالله بن عمر بن
عبدالعزيز فيما قيل، وفيه نظر .
وفيها توجَّه أبو عون الأزدي إلى شهرزور لقتال عسكر مروان فالتقوا،
وقتل أمير المروانية عثمان بن سُفيان، واستولى أبو عَوْن على ناحية المَوْصل
قبل عبدالله بن علي، فلمَّا جاء عبدالله جهّزَ خمسة آلاف عليهم عيينة بن
موسى فخاضوا الزَّاب وحاربوا المروانية حتى حجز بينهم الليل، ثم جهّز
عبد الله من الغد أربعة آلاف عليهم مُخارق بن عفار فالتقوا، فقُتل مخارق،
وقيل: أُسر. فبادر عبدالله بن علي وعبَّأ جيشَهُ، وكان يومئذ على ميمنته أبو
عَوْن الأزدي، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية فالتقاه مروان واشتدَّ الحربُ،
ثم تخاذل عسكر مروان وانهزموا، فانهزم مروان وقطع وراءه الجسر، فكان
من غرق يومئذ أكثر ممن قتل، فغرق إبراهيم بن الوليد المَخْلُوع، واستولى
عبدالله على أثقالهم وما حوت، فوصل مروان إلى حَرَّان فأقام بها عشرين
يومًا، ثمٍ دهمته المسوِّدة فانهزم، وخلف بحَرَّان ابن أخته أبان بن يزيد،
فلما أظلَّه عبدالله خرج أبان مسوِّدًا مبايعًا لعبدالله فأمَّنه، فلما مَرَّ مروان
بحمص اعترضه أهلها فحاربوه، وكان في أنفسهم منه فكسرهم، ثم مَرَّ
بدمشق وبها متولَّيها زوج بنته الوليد بن معاوية فانهزم وخلف بدمشق زوج
بنته ليحفظها، فنازلها عبدالله وافتتحها عَنْوَة بالسيف وهدم سورَها وقُتل
أميرها فيمن قُتل، وتبع عسكر عبدالله بن علي مروان بن محمد إلى أن بيَّتوه
بقرية بُوصير من عمل مصر، فقُتِلَ وهرب ولداه، وحلَّ بالمروانية من البلاء
ما لا يوصف .
ويقال: كان جيش عبدالله بن علي لما التقى مروان عشرين ألفًا،
وقيل: اثني عشر ألفًا. وافتتح دمشق في عاشر رمضان، صعد المسوّدةُ
سورَها ودام القَتْلُ بها ثلاث ساعات، فيقال: قتل بها خمسون ألفًا.
وذكر ابن عساكر في ترجمة الطفيل بن حارثة الكلبي أحد
الأشراف(١): أنه شهد حصار دمشق مع عبدالله فحاصرها شهرين وبها يومئذ
الوليد بن معاوية بن عبدالملك في خمسين ألف مقاتل فوقع الخُلْف بينهم
(١) تاريخ دمشق ٢٥/ ٦ - ٧.
٥٨٩

ثم إن جماعة من الكوفيين تسوَّروا بُرْجًا وافتتحوها عَنْوة فأباحها عبدالله
ثلاث ساعات لا يرفع عنهم السيف. وقيل: إنَّ الوليد بن معاوية قتله
أصحابُه لما اختلفوا عليه، ثم أمَّن عبدالله الناس كلّهم وأمر بقلع حجارة
السُّور، روى ذلك عن المدائني.
وقال محمد بن الفيض الغَسَّاني: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى
الغَسَّاني، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: لما نزل عبدالله بن علي
وحصرَ دمشق استغاثَ الناسُ بيحيى بن يحيى الغَسَّاني، فسأله الوليد بن
مُعاوية أن يخرجَ ويطلب الأمان، فخرج فأُجيب فاضطرب بذلك الصَّوتِ
حتى دُخِلَ البلد وقال الناس: الأمان الأمان فخرج على ذلك من البلد خَلْق
وأصعدوا إليهم المسوِّدة، فقال يحيى بن يحيى لعبدالله بن علي: اكتب لنا
بالأمان كتابًا، فدعا بدواة ثم رفع رأسه فإذا السور قد ركبته المسؤِّدة، فقال:
نَحِّ القِرْطاس فقد دخلنا قَسْرًا، فقال له يحيى: لا والله ولكن غَدْرًا لأنك
أمّنتنا، فإن كان كما تقول فارْدُدْ رجالك عنا ورُدَّنا إلى بلدنا. فقال: والله
لولا ما أعرف من موذّتك إيانا أهل البيت، وهذَّدَه وقال: أتستقبلني بهذا!
فقال: إن الله قد جعلك من أهل بيت الرحمة والحق، وأخذَ يلاطفه، فقال:
تَنَخَّ عني، ثم ندم عبدالله بن علي وقال: يا غلام اذهب به إلى حجري تخوّفًا
عليه لمكان ثيابه البيض، وقد سوَّد الناس كُلهم، ثم حَمَى له داره فسلم فيها
خَلْق، وقُتل بالبلد خلق لكن غالبهم من جُند الأمويين وأتباعهم.
ثم سار عبدالله بن عليّ إلى فلسطين وجهَّز أخاه صالحًا ليفتتح مصر
وسيَّر معه أبا عون الأزدي وعامر بن إسماعيل الحارثي وابن قنان، فساروا
على الساحل، فافتتحوا الإقليم، وولي إمرة مصر أبو عَوْن .
وأما عبدالله بن عليّ فإنَّه نزل على نهر أبي فطرس(١) وقتل هناك من
بني أمية خاصة اثنتين وسبعين نفسيًا صبرًا. ولما رأى الناس جَوْر المسؤِّدة
وجبروتهم كرهوهم فثار الأمير أبو الوَرْد مجزأة بن كَوْثر الكلابي أحد
الأبطال بقنسرين وبيَّض وبيَّض معه أهلُ قِنَّسرين كلهم، واشتغل عنهم
عبدالله بن علي بحرب حبيب بن مُرة المُري بالبَلقاء والثَّة وتم له معه
(١) قرب الرملة .
٥٩٠

وقعات، ثم هادنه عبدالله وتوجه نحو قِنَّسرين وخلف بدمشق أبا غانم
عبدالحميد بن رِبْعي الطائي في أربعة آلاف فارس، وسار فما بلغ حِمْص
حتى انتقَضَ عليه أهلُ دمشق وبيَّضوا ونبذوا السَّواد وكان رأسهم الأمير
عثمان بن عبدالأعلى بن سُراقة الأزْدي، فهزموا أبا غانم وأثخنوا في أصحابه
وأقبلت جُموع الحلبيين وانضم إليهم الحِمْصيون وأهل تَدْمر، وعليهم كلهم
أبو محمد بن عبدالله بن يزيد بن معاوية السُّفياني وصارَ في أربعين ألفًا وأبو
الوَرْد كالوزير له، فجهّزَ عبدالله لحربهم أخاه عبدالصمد بن علي في عشرة
آلاف، فالتقى الجَمْعان واستمر القَتْل بالفريقين، وانكشف عبدالصمد،
وذهب تحت السيف من جيشه ألوف، وانتصرَ السُّفياني، فقصدَهُ عبدالله
بنفسه ومعه حُميد بن فَحْطبة فالتقوا، وعَظُم الخَطْب واستظهر عبدالله فثبت
أبو الوَرْد في خمس مئة فراحوا تحت السيف كلهم وهربَ الُّفياني إلى تَدْمر
ورجع عبدالله إلى دمشق وقد عَظُمت هيبته فتفرقت كلمة أهلها وهَرَبوا
فآمنهم وعَفا عنهم وهرب السُّفياني إلى الحجاز وأضمرته البلاد إلى أن قُتل
في دولة المنصور، بعث إليه متولي المدينة زياد بن عبدالله الحارثي خَيْلاً
فظفروا به وقتلوه وأسروا ولديه فعفا عنهما المنصور وخلّهما.
ولما بلغ أهلَ الجزيرة هيجُ أهل الشام خلعوا السفاح أيضًا وبيَّضوا
وبيَّض أهل قَرْقيسياء، فسار لحربهم أبو جعفر أخو السَّفَّاح فجرت لهم
وقعات، ثم انتصر أبو جعفر وحكم على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية،
وضبط تلك الناحية إلى أن انتهت إليه الخلافة ثم شخص أبو جعفر لما مهّد
ذلك القطر إلى خراسان إلى صاحب الدولة أبي مُسلم ليأخذ رأيه في قتل
وزير دولتهم أبي سَلَمة حفص بن سُليمان الخَلَّل وذلك أنه لما نزل عنده آل
العباس بالكوفة وحدَّثته نفسه فيما قيل أن يبايع رَجُلاً من آل علي ويَذَرَ آل
العباس، وشرعَ يخفي أمرهم على القُوَّاد، فبادروا وبايعوا السفاح كما ذكرنا
فبايعه أبو سَلَمة الخلال وبقي مُثَّهمًا عندهم.
قال أبو جعفر: انتدبني أخي السفاح للذهاب إلى أبي مُسلمٍ فسرت
وَجِلاً (١) فأتيت الريَّ ومنها إلى مَرْو فلما كنتُ على فرسخين منها تلقَّاني أبو
(١) في د: ((رجلاً)). وفي طبعة القدسي: ((راجلاً)) وكله تحريف، والصواب ما أثبتناه، =
٥٩١

مسلم في الناس فلما دنا مني ترجَّل ومشى وقبّل يدي فنزلت وأقمتُ ثلاثة
أيام لا يسألني عن شيء، ثم سألني فأخبرته قال: فَعَلَها أبو سَلَمة أنا
أكفيكُمُوه فدعا مرار بن أنس الضَّبِّي فقال: انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سَلَمة
حيث لقيته، فأتى الكوفة فقتله بعد العشاء، وكان يقال له: وزيرُ آل محمد،
ولما رأى أبو جعفر عظمة أبي مُسلم بخراسان وسفكه للدماء ورجع من عنده
قال لأخيه أبي العباس: لستَ بخليفة إنْ تركتَ أبا مسلم حيًّا! قال: كيف؟
قال: والله ما يصنع إلا ما يريد، قال: فاسكُتْ واكتُمْها.
وأما الحسن بن قحطبة فإنه استمر على حصار يزيد بن عُمر بن هبيرة
بواسط وجرت بينهم حروب يطول شرحها، ودام القتال والحَصْر أحدَ عشر
شهرًا، فلما بلغهم قَتْل مروان الحِمَار ضعفوا وطلبوا الصُّلْح، وتفرَّغ أبو
جعفر فجاء في جيش نجدة لابن قَخْطبة وجرت السُّفراء بين أبي جعفر وبين
ابن هُبيرة حتى كتب له أمانًا، مكث ابن هبيرة وهو يشاور فيه العُلماء أربعين
صباحًا حتى رَضِيه ابنُ هبيرة وأمضاهُ السَّفَّاح، وكان رأي أبي جعفر الوفاء به
وكان السفّاح لا يقطع أمرًا ذا بال دون أبي مُسلم ومشاورته، وكان أبو الجهم
عَيْنَا لأبي مسلم بحضرة السفّاح، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السَّهْل إذا
ألقيت فيه الحجارة فَسَدَ، ولا والله لا يصلحُ طريقٌ فيه ابن هُبيرة، وخرج ابن
هبيرة إلى أبي جعفر وفي خدمته من خواصِّه ألف وثلاث مئة، وهَمَّ أن
يدخل الحجرة على فرسه فقام إليه الحاجب سلام وقال: مرحبًا أبا خالد
انزل، وقد أطاف بالحجرة من الخُراسانية عشرة آلاف فأدخله الحاجب
وحده فحدَّثه ساعة ثم قام، فلم يزل يُنقِص من كثرة الحَشَم حتى بقي في
ثلاثة، وألح السَّفاح على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يُراجعه فلما زاد عليه
أزمع على قتله وجاء خازم بن خُزيمة والهيثم بن شُعبة فختما بيوت الأموال
التي بواسط، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فأقبلوا وهم محمد بن
نُباتة وحَوْثرة بن سُهيل وطارق بن قُدامة وزياد بن سُويد وأبو بكر بن كَعْب
والحكم بن بشر، في اثنين وعشرين رجلاً من وجوه القيسية، فخرجَ سلام
=
ويعضده ما في الطبري الذي ينقل منه المصنف باختصار: ((فخرجت على وجل)).
(٤٤٨/٧).
٥٩٢

الحاجب، فقال: أين الحَوْثرة وابن نُباتة؟ فقاما فأُدخلا، وقد أقعد لهم في
الدهليز مئة فنُزعت سيوفهما وكُتِّفا، ثم طُلِب الباقون كذلك فأمسكوا، ثم
ذُبحوا صَبْرًا. وبادر خازم والهيثم في مئة فدخلوا على ابن هُبيرة ومعه ابنه
داود وكاتبه عَمْرو بن أيوب وحاجبه وعِدَّة من مماليكه وبُنَّيٍّ له في حجره
فأنكر نظرهم وقال: والله إن في وجوههم الشر، فقصدوه، فقام صاحبُه في
وجوههم وقال: تأخروا، فضربه الهيثم على حَبْلِ عاتقه فصرعه، وقاتلهم
داود فقُتل، وقُتل غيرُ واحد من المماليك فنخَّى الصغير من حجره ثم خَرَّ
ساجدًا لله فقتلوه، ثم قتلوا خالد بن سلمة المخزومي وأبا علاقة الفَزاري
صبْرًا، ووجَّه أبو مسلم الخراساني محمد بن أشعث على إمرة فارس وأمره
أن يضرب أعناق نواب أبي سَلَمة الخَلَّل ففعل ذلك.
وفيها وجَّه السفاح عَمَّه عيسى بن علي على فارس فغضب محمد بن
أشعث وهَمَّ بقتله وقال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم عليَّ أحد يدَّعي الولاية
من غيره إلا ضربت عنقه، ثم إنه فكر وخاف من غائلة ذلك المقال
واستحلف عيسى بن علي على أن لا يعلوا منبرًا ولا يتقلَّد سيفًا إلا وقت
جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك عملاً. ثم وجَّه السفاحُ عمَّه إسماعيل بن
علي على فارس وغضب من أبي مُسلم ولكنه كان يعجر عنه، وبعث على
الحجاز واليمن داود بن علي، واستعمل على الكوفة ابن عمه عيسى بن
موسى وتوطَّدت للسفاح الممالك.
سنة ثلاث وثلاثين ومئة
ذكر من توفي فيها من الأعيان :
أيوب بن موسى الأموي المكي الفقيه، والحسن بن الحر الكوفي
بدمشق، وداود بن علي الأمير عم السفاح، وسالم أبو النضر في قول أبي
عُبيد، وسعيد بن أبي هلال بمصر، وقيل: سنة خمس وثلاثين، وزيد بن
أسلم بالمدينة في آخر العام، وعَمَّار الدُّهني أبو معاوية بالكُوفة، وعُمر بن
أبي سَلَمة بن عبدالرحمن فيها على الصَّحيح، وعَيَّاش بنِ عباس القِتْباني
بمصر، ومُغيرة بن مِقْسم الضبيُّ فيها على الصَّحيح، ومُطَرِّف بن طَرِيف
تاريخ الإسلام ٣٨٣/٣
٥٩٣

الكُوفي، ويحيى بن العلاء أبو هارون الغَنَوي، ويحيى بن يحيى الغَسَّاني في
قَوْلٍ، ويزيد بن أبي زياد في قَوْلٍ .
وفيها استعمل السفّاح على البَصْرة عمه سُليمان بن عِلي، ولما قَدِم
داود بن علي مكةَ أخذ مَن كان بالحجاز من بني أمية وقتلَهُم صَبْرًا، فلم
يُمتَّع، وهلك واستخلف حين احتُضِرَ على عمله ولده موسى فاستعمل
السفاح على مكة خاله زياد بن عبدالله، وعلى اليمن ابن خاله محمد بن
زياد، فوجَّه زياد بن عُبيدالله الأمير أبا حَماد الأبرص إلى المثنى بن يزيد بن
عُمر بن هُبيرة وهو باليمامة فأخذَهُ وقتَله وقتلَ أصحابَهُ.
وفيها وجَّه السفاح على إفريقية محمد بن الأشعث وكان أهلها قد
عَصَوا فحاربهم حَرْبًا شديدًا حتى استولى عليها .
وفيها خرج ببخارى شَرِيك بن شَيْخ المهري(١) وكان قد نقم على أبي
مُسلم تجبّره وعَسفه وقال: ما على هذا تبعنا آل محمد، فالتفَّ عليه نحوٌ من
ثلاثين ألفًا فجهّز أبو مُسلم لحربه زياد بن صالح الخُزاعي فظفر زياد به
فَقَتَلُهُ.
وفيها توجَّه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الخُتَّل فدخلها وهربَ
صاحبُها في طائفةٍ حتى انتهى إلى أرض فَرْغانة ثم سارَ إلى أن دخل
الصّين .
وفيها قُتل عبدالرحمن بن يزيد بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة.
وفيها خرج طاغية الروم قسطنطين، لعنه الله، في جيوشه فنازل مَلَطية
وألحَّ عليهم بالقِتال حتى أخذها بالأمان وهدمَ السُّور والجامع وبعث من
يخفر أهلها إلى مأمنهم.
وفيها قتل عبدالله بن عليّ خلقا من قُوَّاد بني أمية منهم ثَعْلبة
وعبدالجبار ابنا أبي سَلَمة بن عبدالرحمن.
(١) في د: ((المهدي)) بالدال، خطأ .
٥٩٤

سنة أربع وثلاثين ومئة
فيها توفي أسيد بن عبدالرحمن بالرَّمْلة(١)، وإسماعيل بن محمد بن
سَعْد، وإسماعيل بن أمية فيما قيل، وجعفر بن ربيعة المِصْري؛ قاله
خليفة(٢)، وعبدالله بن عبدالله بن أبي طَلْحة، وعبدالعزيز بن حكيم
الحَضْرمي، وأبو هارون العَبْدي عُمارة بن جُوَيْن، ومنصور بن جُمهور
بالهند، ويزيد بن يزيد بن جابر في قَوْلٍ .
وفيها خلعَ الطاعة بسَّامٍ بن إبراهيم الخُراساني وخرجَ معه طائفةٌ
فساقوا إلى المدائن، فوجَّه السفّاح لحربهم خازم بن خُزيمة فالتقوا فانهزم
بسّام وقُتل أبطالُه، ثم مزَّ خازم بثلاثين من الحارثيين خؤولة السفاح فكلّمهم
في أمر فاستخقُوا به فضربَ أعناقهم الكُل، فأعظم ذلك اليمانية ودخل
وجوهُهُم على السفاح وصاحوا فَهَمَّ السفاح بقتل خازم بن خُزيمة، فأشير
عليه بالعفو فإن له سابقة وطاعة وإنْ أراد أمير المؤمنين قَتْله فليعرضه للغزو
فإن ظفر فظفره لك وإلا استرحتَ منه، وأشاروا عليه بأن يبعثه إلى عُمان
وبها خلقٌ من الخوارج عليهم ابن الجُلَنْدى وشيبان بن عبدالعزيز اليَشْكري،
فجهّز معه سبع مئة فارس وكتب معه إلى أمير البصرة سُليمان بن علي
ليحملهم من البَصْرة في السفن إلى جزيرة ابن كاوان(٣) وإلى عُمَان، ففعل؛
فأنكى خازم بن خُزيمة في الخوارج وجرت له حروب مع شيبانٍ ثم ظفر به
وقتله حتى بلغ عدة قتلى الخوارج عشرة آلاف فقتل ابن الجُلَنْدى وبعثَ
خازم بالرؤوس إلى البَصْرة.
وفيها قال يعقوب الفَسَوي (٤): كان لصاحب الصين حركة. وكان زياد
(١) هكذا ذكر وفاته في هذه السنة، وهو سبق قلم منه رحمه الله فإنه توفي سنة (١٤٤)،
وستأتي ترجمته في الطبقة الآتية من هذا الكتاب، كما أنه لم يذكره في هذه الطبقة
أصلاً، وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٢٤٢.
(٢) في طبقاته ٢٩٥: ((توفي سنة خمس أو ست وثلاثين ومئة)).
(٣)
ينظر تاريخ الطبري ٧ / ٤٦٢ .
(٤) هذا في القسم الضائع من المعرفة والتاريخ ليعقوب، واستدركه المؤلف في الجزء
الثالث .
٥٩٥

ابن صالح بسمرقند فبلغه ذلك وأنَّ صاحبَ الصين قد أقبل في مئة ألف
سوى من يتبعه من الثُّرك، فعسكرَ زياد بن صالح وكتبَ إلى أبي مُسلم
بالأمر، فعسكر أبو مُسلم على مَرْو وجمعَ جيوشَه، وسارَ إليه خالد بن
إبراهيم من طَخَارستان(١)، وسار جيش خراسان إلى سمرقند في شوال سنة
أربع وثلاثين وأنجدَ زياد بن صالح بعشرة آلاف، فسارَ زياد بجيوشه حتى
عبر نهر الشَّاش، وأقبلَ جيشُ الصين، فحاصروا سَعد بن حُميد، فلما بلغهم
دُنُوُ زياد تَرَخَّلوا، ثم نزل صاحب جبال الصين مدينة طلخ، فقصده زياد، ثم
التقوا من الغد، فقدَّم زياد الرُّماة صفًا أمامَ الجيش وخلفهم أصحاب الرِّماح
ثم الخيَّالة ثم الحُسْر بعد ذلك، وأعدَّ خَيْلاً كمينًا، فالتقى الجَمْعان وصبر
الفريقان يومهم إلى الليل فلما غربت الشمس ألقى الله في قلوب الصِّين
الرُّعب ونزل النصر فانهزم الكُفَّار.
وفيها وَتَب الأمير خالد بن إبراهيم على أهل مدينة كِش وقتلَ الأخريد
ملكها وهو سامع مطيعٌ قد قَدِمَ عليه قبل ذلك بَلْخ ثم إنه تلقَّاه بقرب كِشْ
فقتله واستولَى على خزائنه، ثم بعثَ بذلك أجمع إلى أبي مُسلم، وقتل
جماعة من قواد كِش، ثم عهد إلى أخي صاحب كش فملكه ورجع إلى بَلْخ.
وفيها وجَّه السفاح موسى بن كَعْب إلى السِّنْد لقتال منصور بن جُمهور
في أربعة آلاف، فسارَ واستخلَفَ مكانَهُ على شرطة السفاح المسيَّب بن
زُهير، فالتقى هو ومنصور فانكسر جيش مَنْصور وهرب فمات في الرِّمال
عَطَشًا، وقيل: مات بالإسهال.
وفيها مات أمير اليمن محمد بن يزيد(٢) الحارثي، فوَلِيَ مكانه علي
ابن الرَّبيع الحارثي .
وفيها تحوَّل السفاح من الحيرة فنزل الأنبار وسكنَها .
وحج بالناس عيسى بن موسى .
وكان فيها على البُّلْدان من ذُكر، وعلى مِصْر أبو عَوْن، وعلى الشام
(١) طخارستان ولاية واسعة من نواحي خراسان.
(٢) في د: ((زياد)) خطأ، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ خليفة ٤١٣ وتاريخ الطبري ٧/
٤٦٤، وهو ابن خال السفاح.
٥٩٦

عبدالله عمّ السفاح. وعلى الجزيرة وأذربيجان أخو السَّفاح، وعلى ديوان
الأموال خالد بن بَرْمك .
وفيها جهّز عبدالله بن عليّ جيشًا عليهم الحارث بن عبدالرحمن
الجُرَشي للغزو فخرجت الرُّوم عليهم كوشان البطريق فالتقاهم مَخْلَد بن
مقاتل فانهزم وأُصيب المسلمون.
سنة خمس وثلاثين ومئة
فيها تُوفي بُرْد بن سنان أبو العلاء بالبَصْرة، وداود بن الحُصَين
بالمدينة، وأبو عَقِيل زُهرة بن مَعْبد بالثغر، وسعيد بن أبي هلال في قَوْلٍ،
وعبدالله بن أبي بكر بن حَزْم وقيل: سنة ثلاثين، وعَطاء بن أبي مُسلم
الخُراساني، وعُروة بن رُويم في قول ابن مُثنَّى، ويزيد بن سنان الرُّهاوي
بها، ويحيى بن محمد أخو السفاح مات على إمرة فارس، ذكره ابن عساكر
مُختصرًا(١).
وفيها خلع زياد بن صالح الطاعة بما وراء النهر فتهيّأ لحربه أبو مُسلم
الخُراساني، وبعثَ نصر بن صالح إلى تِرْمذ ليحصِّنها فقتله طائفةٌ من
الخوارج، وسار أبو مسلم إلى آمُل ومعه سِباع بن النُّعمان الأزدي الذي قدم
بعهد زياد بن صالح من جهة السفاح، وأمَره السفاح إنْ قدر على اغتيال أبي
مُسلم فليفعل، ففهم ذلك أبو مُسلم فقبض عليه وسجَنهُ بآمُل وعبرَ إلى
بخارى فأتاه أبو شاكر وأبو سَعْد وقد فارقا زياد بن صالح فسألهما عن شأن
زياد ومَن أفسده فقالا: سِباع، فكتب إلى والي آمل فقتل سباعًا، ولما تفلَّل
عن زياد أعوانُه ولحقوا بأبي مُسلم لحق بدهقان بازلت فضرب الدهقان عنقه
وتقرَّب برأسه إلى أبي مُسلم.
وفيها، أو في التي قبلها، أغزى السفاح عمَّه عبدالله بن علي على
الصَّائفة فحزرها الناس بمئة ألف أو يزيدون، قاله الوليد بن مُسلم.
(١) تاريخ دمشق ٦٤ / ٣٦٦ - ٣٦٧.
٥٩٧

سنة ست وثلاثين ومئة
فيها توفي أشعث بن سَوَّار الكُوِفي، وجعفر بن ربيعة المِصْري على
الأصح، وحُصَيْن بن عبدالرحمن السُّلَمي، وربيعة بن أبي عبدالرحمن فقيه
المدينة ذو الرأي، وزَيْد بن أسلم في آخر السنة في قَوْلٍ، وأبو العباس
عبد الله السَّفَّاح، وزيد بن رفيع في قَوْلٍ، وسعيد بن جُمْهان بالبَصْرة، وعَطاء
ابن السائب في قَوْلٍ، وعبدالكريم بن الحارث المِصْري العابد، وعبدالملك
ابن عُمير، وعُبيدالله بن أبي جعفر، وعلي بن بَذيمة الحَرَّاني، والعلاء بن
الحارث الحضرمي، ومغيرة بن مِقْسم في قَوْلٍ، ويحيى بن أبي إسحاق
بالبصرة .
وفيها كتبَ أبو مُسلم صاحب الدَّولة إلى السفَّاح يستأذنه في القُدوم،
فأذِنَ له فاستخلفَ على خُراسان خالد بن إبراهيم فقدِمَ في جَمْع وحِشْمة
عظيمة، وتلقّاه الأمراء وبالغَ الخليفة في إكرامه فاستأذن في الحج، فقال:
لولا أن أبا جعفر يحجُّ لولَّيتك المَوْسم، وكان أبو جعفر إذ ذاك بالحَضْرة،
فقال: يا أمير المؤمنين أطِعْني واقتل أبا مُسلم فوالله إن في رأسه لغَدْرة،
فقال: يا أخي قد عرفت بلاءه وما كان منه، فراجَعَهُ، فقال: كيف نَقْتله؟
فقال: إذا دخل عليك وحادَتْته دخلتُ أنا وتغفَّلته وضربتُ عنقَه من خَلْفه،
فقال: كيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك
إلى كل ما تريد ولو علموا بقتله تفرقوا وأخاف إن لم تتغذَّ به يتعشَّاك، قال:
فدونك، فخرج على ذلك، ثم أرسل إليه السفّاح: لا تفعل.
ثم حجَّ فيها أبو جعفرِ وأبو مُسلم، فلما انقضى المَوْسم وقَفَلا وردَ
الخبرُ بذات عِرْق بموت السَّفَّاح، وكان قبل موته بمُدَيْدة قد عقد لأبي جعفر
بالأمر من بعده وقامَ بأمر البيعة يوم موت السفاح عيسى بن موسى ابنُ عمه،
وبعثوا أبا غَسَّان ببيعة أبي جعفر إلى عَمِّه عبدالله بن عليّ وكان راجعًا في
الطريق من عند السَّفَّاح فبايع عسكره وقواده لنفسه، وزعمَ أنَّ السفاح جعل
له الأمر، ثم دخلَ حَرَّان وغلبَ على الشام، وقَدِمَ أبو جعفر المنصور من
الحج فدخل الكوفة بأهلها الجُمعة .
٥٩٨

سنة سبع وثلاثين ومئة
فيها توفي أسد بن وداعة الكِنْدي، وحُصَين بن عبدالرحمن في قَوْلِ
خليفة(١)، وخُصيف بن عبدالرحمن في قَوْل، وخَيْر بن نُعيم قاضي مصر،
وأبو مُسلم صاحب الدعوة مَقْتولاً، والرَّبيع بن أنس في قَوْلٍ، وعاصم بن
كُليب في قول خليفة(٢)، وغيره، ومنصور بن عبدالرحمن الأشل، وواهب
ابن عبدالله المعافري، ويزيد بن أبي زياد في قَوْلٍ، ويعقوب بن زيد بن
طَلْحَة المَدَني، وابن المُقَفَّع قتله والي البَصْرة.
وفيها في أوَّلها بلغ أهلَ الشام موتُ السفّاح فبايع أهلُ دمشق هاشم بن
يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، قام بأمره، فيما قيل، عثمان بن
عبدالأعلى ابن سُراقة الأزْدي، فلما أظلَّهما صالح بن علي بالجيوش هَرَبا،
وكان عثمان قد استعمله عبدالله بن علي على أهل دمشق، فخرجَ وسبَّ بني
العباس على منبر دمشق، ثم إنه قُتِلَ .
ودخل المنصور دار الإمرة بالأنبار فوجدَ عيسى بن موسى ابنَ عمه قد
بَذَّر الخزائن فجدَّد الناس له البيعة ومن بعده لعيسى، وأما عمه عبدالله بن
علي فإنَّه أبدى أنَّ السفاح قال: من انتدب لمروان الحِمَار فهو وليُّ عهدي
من بعدي وعلى هذا خرجتُ. فقام عدَّة من القُوَّاد الخُراسانية فشهدوا
بذلك، وبايعه حُميد بن قَحْطبة ومُخارق بن الغفار وأبو غانمٍ الطائي
والقُوَّاد، فقال المنصور لأبي مسلم الخراساني: إنَّما هو أنا وأنتَ فَسر نحو
عبدالله، فسارَ بسائر الجيش من الأنبار وعلى مُقدمته مالك بن الهيثم
الخُزاعي ومعه الحسن بن فَحْطبة، وأخوه حُميد كان فارق عبدالله لما تَنَكَّر
له، وخشي عبدالله أنَّ الخراسانية الذين معه لا تنصح فقتل منهم بضعةً عشر
ألفًا، أمَرَ صاحب شرطته فقتلهم بخديعة، ثم نزل نَصِيبين وخَتْدَق على
نفسه، وأقبل أبو مُسلم فنزل بقربٍ منه ثم نفذ إليه: إنِّي لم أؤمر بقتالك
(١) تاريخه ٤١٧ .
(٢) نفسه.
٥٩٩

ولكن أمير المؤمنين ولاَني الشام وأنا أريدها. فقال الشاميون لعبدالله: كيف
نقيم معك وهذا يأتي بلادنا ويقتل ويسبي ولكن نَسير إلى بلادنا ونمنعه،
فقال: إنَّه ما يريد الشام ولئن أقمتمٍ ليقصدنَّكم، ثم كان القتال بينهم نحوًا
من خمسة أشهر، وأهل الشام أكثر فُرسانًا وأكمل عدة، وكان على ميمنتهم
بَكْار بن مُسلم العُقيلي، وعلى المَيْسرة خازم بن خُزيمة، واستظهرَ الشاميون
غيرَ مرة، وكادَ عسكر أبي مُسلم أن ينهزموا وهو يثبِّتهم ويرتجز:
فرَّ من الموت وفي الموت وقَعْ
من كان ينوي أهله فلا رجَعْ
ثم أردف القَلْب بميمنته وحملوا على مَيْسرة عبدالله فكانت الهزيمة،
وقال عبدالله لابن سُراقة الأزدي: ما تَرَى؟ قال: أرى أن نصبرَ ونُقاتل فإنّ
الفرار قبيحٌ بمثلك وقِد عِبْته على مَرْوان، قال: إنِّ أقصد العراق، قال: فأنا
معك، فانهزموا وخلّوا عسكرهم فاحتوى عليه أبو مُسلم بما فيه وكتب
بالنَّصر إلى المَنْصور فبعث مولى له يُحصي ما حواه أبو مُسلم، فغضب
عندها أبو مُسلم وتَنَّر وهَمَّ بقتل المَوْلى وقال: إنَّما لأمير المؤمنين من هذا
الخُمس، ومَضَى عبدالله بن علي وأخوه عبدالصمد، فأما عبدالصمد فقصدَ
الكُوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمَّنه المنصور، وأما عبدالله فأتى أخاه
سليمان متولِّي البصرة فاختفى عنده وأما المنصور فخافَ من غيظ أبي مُسلم
وأن يذهب إلى خراسان فكتب إليه بولاية الشام ومِصرَ فأقام بالشام
واستعمل على مِصْر، فلمَّا أتاه الكتاب أظهرَ الغَضَب وقال: يولِّيني مصرً
والشام وأنا لي خُراسان! وعزم على الشر، وقيل: بل شتمَ المنصور لما
جاءه من يُحصي عليه الغنائم وأجمعَ على الخِلاف ثم طلبَ خُراسان،
وخرج المنصور إلى المَدَائن، وكان من دُهاة العالم لولا شُحه، وكتب إلى
أبي مسلم ليقدم عليه، فردَّ عليه إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو، وقد كنا
نَرْوي عن ملوك آل ساسان أن أخوْفَ ما يكون الوزراء إذا سكنت الدَّهماء،
فنحنُ نافرون من قُربك حريصون على الوَفاء بعهدك ما وفيتَ، فإن أرضاك
ذاك فأنا كأحسن عَبيدك، وإن أبيت نَقَضْت ما أبرمت من عهدك ضتًّا بنفسي .
فرد عليه المنصور الجواب يطمئِنُه مع جرير بن يزيد البَجَلي، وكان واحد
وقته فخدعه وردّه .
٦٠٠