النص المفهرس

صفحات 761-780

فلما كان يوم الثَّلاثاء قام بين الزُّكن والمقام فقاتلهم أشدَّ القتال،
وجعل الحَجَّاجِ يصيحُ بأصحابه: يا أهلَ الشَّامَ، يا أهل الشَّام، الله الله في
الطاعة، فيشدُّون الشدَّة الواحدة حتى يقال: قد اشتَملوا عليه، فيشدُّ عليهم
حتى يُفرِّجهم ويبلغ بهم باب بني شَيْبة ثم يكرُّ ويَكرُّون عليه، وليس معه
أعوان، فعل ذلك مرارًا حتى جاءه حجر عائِر من ورائه فأصابه في قَفاه
فوَقَدْه فارتعش ساعةً، ثم وقع لوجهه، ثم انتَهضٍ فلم يقدر على القيام،
وابتَدره الناس، وشدَّ عليه رجلٌ من أهل الشام فضَرب الرَّجل فقَطع رِجْليه
وهو متَّكى على مِرْفقه الأيسر، وجعل يضربه وما يقدر أن ينهض حتى
كثَّروه، فصاحَت امرأةٌ من الدَّار: وا أمير المؤمنيناه، قال: وابتَدروهُ فقتلوه
رحمه الله .
وقال الواقدي: حدَّثني إسحاق بن يحيى، عن يوسف بن ماهَك،
قال: رأيت المَنْجَنيق يُرْمَى به، فرعدت السَّماء وبَرقت، واشتدَّ الرَّعد،
فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا، فجاء الحَجَّاج ورفع الحَجَر بيده ورَمی
معهم، ثم إنَّهم جاءَتْهم صاعِقَة تَتبعُها أخرى، فقتلت من أصحابه اثني عشر
رجلاً، فانكسر أهل الشام، فقال الحَجَّاج: لا تُنكروا هذا فهذه صَواعق
تِهامة، ثم جاءت صاعقةٌ فأصابت عدَّةً من أصحاب ابن الزُّبير من الغد.
وقال الواقدي: حدَّثني إسحاق بن عبدالله، عن المُنْذَر بن الجَهْم،
قال: رأيت ابنَ الزُبير يوم قُتل وقد خذله من معه خذلانًا شديدًا، وجعلوا
يَخْرُجون إلى الحَجَّاجِ نحوٌ من عشرة آلاف، وقيل: إنَّ ممَّن فارقه ولعلَّه من
الجوع ابناه حَمزة وخُبيب، فخَرجا إلى الحَجَّاجِ وطلبا أمانًا لأنفسهما.
فروى الواقدي عن ابن أبي الزناد، عن محمد بن سُليمان، قال: دخل
ابن الزُّبير على أمِّه فقال: يا أمَّه، خَذَلني الناسُ حتَّى ولدي وأهلي، ولم يبق
معي إلا مَن ليس عنده دَفْع أكثر من صبر ساعة، والقوم يُعطوني ما أردتُ من
الدُّنيا، فما رأيك؟ قالت: أنت أعلم، إنْ كنت تعلم أنَّك على حقِّ وإليه
تدعو فامض له، فقد قُتل عليه أصحابُك، ولا تُمَكِّنْ من رقبتك يتلعَب بها
غِلْمان بني أُميَّة، وإن كنتَ إنَّما أردتَ الدُّنيا فبئسَ العبدُ أنت، أهلكتَ
نفسك ومن قُتل معك. فقبَّل رأسها، وقال: هذا رأيي الذي قمتُ به، ما
٧٦١

ركَنْت إلى الدنيا، وما دعاني إلى الخُروج إلاَّ الغَضَب الله، فانظري فإنِّي
مَقتول، فلا يشتدُّ حُزْنك، وسَلَّمي لأمرِ الله، في كلام طويل بينهما.
قال: وجعل ابن الزُبير يحمل فيهم كأنه أسدُ في أَجَمَة ما يَقْدم عليه
أحد ويقول: لو كان قِرْني واحدًا كَفَيْتُه.
وبات ليلة الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى وقد أخذ عليه الحجاج
بالأبواب، فبات يُصلِّي عامَّة الليل، ثم احتبى بحمائِل سَيفه فأغفى، ثم انتبه
بالفجر، فصلَّى الصُّبح، فقرأ: نَ حَرْفًا حَرْفًا، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه،
وأوصى بالثَّبَات. ثم حَمل حتى بلغ الحَجُون، فأصيب بآجُرَّةِ في وجهه
شجّته، فقال:
ولسنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومُنا ولكنْ على أقدامنا تَقْطُرُ الدِّما
ثم تَكاثروا عليه فقتلوه، وبُعِث برأسه، ورأسي عبدالله بن صفوان
وعُمارة بن عمرو بن حَزْم إلى الشام بعد أن نُصبوا بالمدينة. واستَوْسق(١)
الأمرُ لعبدالملك بن مروان، واستَعمل على الحَرَمين الحَجَّاج بن يوسف،
فنَقَض الكعبة التي من بناء ابن الزُّبير، وكانت تشغَّثت من المَنْجنيق، وانفلق
الحَجَر الأسود من المَنْجنيق فشَعَّبوه، وبناها الحَجَّاج على بناء قريش ولم
يَنقُضها إلا من جهة الميزاب، وسدَّ الباب الذي أحدثه ابن الزُّبير وهو ظاهر
المكان .
وفيها غزا محمد بن مروان بن الحَكَم قَيْسارية وهَزَم الروم.
وفيها سار عُمر بن عُبيدالله التَّيْمي بأهل البصرة في نحو عشرة آلاف
لحَرب أبي فُدَيك، فالتقوا، فكان على مَيْمَنة أهل البَصرة محمد بن موسى
ابن طلحة، وعلى المَيْسرة أخوه عُمر بن موسى. فانكسرت الميسرة، وأُنْخِن
أميرُها بالجراح، وأخذته الخوارج فأحرقُوه، في الحال، ثم تَناخى
المُسْلِمون وحملوا حتى استباحوا عَسكرَ الخوارج، وقُتل أبو فُدَيك
وحَصَروهم في المُشَقَّر، ثم نزلوا على الحَكَمِ فقتل عمر بن عُبَيد الله منهم
نحو ستّة آلاف، وأسر ثمان مئة، وكان أبو فُدَيْك قد أسر جارية أُميَّة بن
(١) أي اجتمع .
٧٦٢

عبد الله، فأصابوها وقد حبلت من أبي فُدَيك.
وفيها عَزل عبدالملك بن مروان خالدًا عن البصرة وأضافَها إلى أخيه
بِشْر بن مروان. واستعمل على خُراسان بُكَير بن وشاح.
سنة أربع وسبعين
توفي فيها رافع بن خديج، وأبو سعيد الخُذْري، وسَلَمة بن الأكوع،
وخَرَشَة بن الحُر الكُوفي يتيم عمر، وعاصم بن ضَمْرة، وعبدالله بن عُتْبة بن
مسعود الهُذَلي، له رؤية، ومحمد بن حاطب الجُمَحي، ومالك بن أبي عامر
الأَصْبَحي جدُّ مالك الإمام، وأبو جُحَيفة السُّوائي.
وفيها في أولها قيل: إنَّ ابن عمر تُوفِّي، وقد ذُكِر .
وفيها سار الحَجَّاجِ من مَكَّة، بعدما بَنَى البيت الحرام، إلى المدينة
فأقام بها ثلاثة أشهر يَتَعنَّت أهلَها، وبنى بها مسجدًا في بني سَلِمة، فهو
يُنْسب إليه. واستَخفَّ فيها ببقايا الصَّحابة وختم في أعناقهم؛ فروى
الواقديُّ، عن ابن أبي ذئب، عِمَّن رأى جابر بن عبدالله مختومًا في يده،
ورأى أنَسَا مَختومًا في عُنقه، يُذِلُّهم بذلك.
قال الواقدي: وحدَّثني شُرَحبيل بن أبي عَون، عن أبيه، قال: رأيتُ
الحَجَّاج أرسل إلى سَهْل بن سعد السَّاعدي، فقال: ما مَنَعك أن تَنصر أميرَ
المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلتُ، قال: كذبتَ، ثم أمر به فخُتم في عُنقه
برصاص .
وفيها - ذكره ابن جرير(١)- وَلَّى عبدالملك المُهلَّب بن أبي صُفْرة
حربَ الأزارقة، فشَقَّ ذلك على بِشْر، وأمرهُ أن يختار من أراد من جيش
العراق، فسار حتى نَزَل رامهُرْمُزِ، فلقي بها الخَوارجِ، فخندق عليه .
وفيها عزل عبدالملك بُكَيْرِ بن وشاح عن خُراسان، واستعمل عليها
أُميّة بن عبدالله بن خالد، عزل بُكَيرًا خوفًا من افتراق تَميم بخُراسان، فإنَّه
أخرج ابنَ عمِّه بَحِيرًا من الحَبْس، فالتفَّ على بَحير خَلْق، فخاف أهل
خُراسان وكتبوا إلى عبدالملك أن يُولِّي عليهم قُرَشِيًّا لا يُحْسَد ولا يُتعصَّب
(١) تاريخ الطبري ٦ / ١٩٥ - ١٩٦.
٧٦٣

عليه، ففعل. وكان أُميَّة سيِّدًا شريفًا فلم يتعرَّض لبُكَير ولا لعُمَّاله، بل
عرض عليه أن يُولِّيه شُرطته، فامتنع، فولاها بَحِير بن ورقاء.
ويقال: فيها كان مقتل أبي فُدَيْك، وقد مرَّ في سنة ثلاث.
سنة خمس وسبعين
فيها تُوفي العِرْباضُ بن سارية السُّلَمي، وأبو ثعلبة الخُشَني، وكُرَيب
ابن أبرهة الأصبحي أمير الإسكندرية، وبِشْر بن مَروان أمير العراق، وعَمرو
ابن ميمون الأودي فيها، وقيل: في التّي قبلها، وسُلَيم بن عِتْر التُّجيبي
قاضي مصر وقاصّها.
وفيها وفد عبدالعزيز بن مروان على أخيه، واستَخلف على مصر زياد
ابن حُناطة التُّجيبي، فتُوفِّي زياد في شؤَّال، واستَخلف أصْبَغ بن عبدالعزيز
ابن مَروان.
وفيها حجَّ بالنَّاس عبدالملك بن مروان، وخَطب على مِنْبر رسول الله
مَّه. وسيَّر على إمرة العراق الحَجَّاج، فسار من المدينة إلى الكوفة في اثني
عَشر راكبًا بعد أن وَهب البشير ثلاثة آلاف دينار.
قال الوليد بن مُسلم: حدَّثني عُبَيد الله بن يزيد بن أبي مُسْلم الثَّقفي،
عن أبيه، قال: كان الحَجَّاج عامِلاً لعبدالملك على مكَّة، فكتب إليه بولايته
على العراق، قال: فخرجت معه في نفرٍ ثمانية أو تسعة على النَّجائِب، فلما
كُنَّا بماءٍ قريبٍ من الكوفة نزل فاختَضَبُ وتهيَّ، وذلك في يوم جُمعة، ثم
راح مُعتمًا قد ألقى عَذَبة العِمامة بين كتفيه مُتقلِّدًا سيفه، حتى نزل عند دار
الإمارة عند مسجد الكوفة، وقد أذَّن المُؤذِّن بالأذان الأول، فخَرج عليهم
الحَجَّاجِ وهم لا يعلمون، فجَمَّعِ بهم، ثم صعد المنبرَ فجلس عليه فسكت،
وقد اشْرَأْتُّوا إليه وجَثَوْا على الرُّكَب وتناولوا الحَصَى لِيَقذِفوه بها، وقد كانوا
حَصَبوا عامِلاً قبله فخرج عنهم، فسكت سَكْتَةً أَبْهَتَتْهُم، وأحبُوا أن يَسْمعوا
كلامه، فكان بدءَ كلامه أن قال: يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق ويا أهل
النَّفاق، والله إنْ كان أمرُكم ليَهُمُّني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله
أن يبتَلِيكُم بي، فأجاب دَعْوَتي، ألا إنِّي أسرَيتُ البارحة فسقط منِّي سَوْطي،
٧٦٤

فاتَّخذْتُ هذا مكانه- وأشار إلى سَيفه- فوالله لأجُرَّنَّهُ فيكم جَرَّ المرأة ذَيْلَها،
ولأَفْعَلَنَّ ولأفْعَلَنَّ. قال يزيد: فرأيت الحَصَى مُتَساقطًا من أيديهم، وقال:
قوموا إلى بَيْعتِكم، فقامت القبائل قبيلةً قبيلةً تُبايع، فيقول: من؟ فتقول:
بنو فلان، حتى جاءته قبيلة، فقال: مَن؟ قالوا: النَّخَع، قال: منكم كُمَيْل
ابن زياد؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل؟ قالوا: أيَّها الأمير شيخ كبير، قال:
لا بَيْعَة لكم عندي ولا تقربونِ حتَّى تأتوني به. قال: فأتوه به مَنْعوشًا في
سرير حتَّى وَضَعوه إلى جانب المنبر، فقال: ألا لم يبق ممَّن دخل على
عثمان الدَّار غير هذا، فدعا ينِطْع وضُربت عنقه(١).
وقال أبو بكر الهُذَلي: حدَّثني من شَهِد الحَجَّاج حين قدِم العراق،
فبدأ بالكُوفة، فنُودي: الصَّلاة جامعة، فأقبل الناس إلى المسجد، والحَجَّاج
مُتَقِّلدٌ قوسًا عربيةً وعليه عمامة خزٍّ حَمراء متلثّمًا، فقعد وعرض القَوس بين
يديه، ثم لم يتكلّم حتى امتلأ المَسجد، قال محمد بن عُمَيْر: فسكتَ حتى
ظننتُ أنَّه إنَّما يمنعه العيُّ، وأخذت في يدي كفا من حصىً أردتُ أن أضرب
به وَجْهه، فقام فوضع نِقًابه، وتقلَّد قَوْسه، وقال:
أنا ابنُ جَلا وطَلَّعِ الثَّنَايا متى أَضَعِ العِمامةَ تَعْرفوني
إنِّي لِأَرَى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافُها، كأنِّي أنظر إلى الدِّماء بين
العَمائِم واللِّحى.
ليس بعشِّك فادرجي قد شمَّرَت عن ساقها فشمِّري
قد لفَّها الليلُ بسوَّاقِ حُطَمْ
هذا أوان الحَرب فاشتَدِّي زِيَمْ
ليس براعي إبلٍ ولا غَنَمْ ولا بجَزَّار على ظَهر وضَمْ
قد لفَّها الليلُ بعَصْلَبي أروعَ خَرَّاج من الدَّوِّي
مهاجرٍ ليس بأعرابي
(١) هكذا وقع في هذه الرواية، وقال مثل ذلك ابن سعد في طبقاته ٦/ ١٧٩، قال: ((فلما
قدم الحجاج بن يوسف الكوفة دعا به فقتله)). والمشهور أن كميلاً خرج مع
عبد الرحمن بن الأشعث وقتله الحجاج سنة اثنتين وثمانين، كما حكى المدائني
وخليفة بن خياط وغيرهما (وانظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٢٢)، ومع ذلك ستأتي
ترجمته مختصرة في هذه الطبقة (الترجمة ١٠٤)، كما ستأتي ترجمته المفصلة في
الطبقة الآتية (الترجمة ١٣٠).
٧٦٥

إنِّي والله ما أغمزُ غمْزَ التِّين، ولا يُقعقعُ لي بالشِّنان، ولقد فُرِرت عن
ذكاءٍ، وفُتِّشْتُ عن تجربة، وجريت من الغاية(١)، فإنَّكم يا أهل العراق
طالَما أَوْضَعْتُم في الضَّلالة، وسلكتُم سبيل الغواية، أما والله لألحينَّكم لحي
العُود، ولأعصِبَنَّكُم عَصْبَ السَّلَمة(٢)، ولأقرعنَّكم قَرْعِ المَرْوَة، ولأضربَنَّكم
ضَرْب غرائب الإبل، ألا إنَّ أمير المؤمنين نَثل كِنانَتَه بين يديه، فعجم
عِيدانها، فوَجدني أمَرَّها عُودًا وأصلبها مَكْسِرًا، فوَجَّهني إليكم، فاستقيموا
ولا يَميلَنَّ منكِم مائلٍ، وأعلموا أنِّي إذا قلت قولاً وَفَيْتُ به، من كان منكم
من بَعث المُهَلَّب فلْيَلْحق به، فإنِّي لا أجد أحدًا بعد ثالثة إلاَّ ضربتُ عُنقه،
وإيَّاي وهذه الزَّرافات، فإنِّي لا أجدُ أحدًا يسير في زرافة إلاَّ سفكتُ دمه،
واستحللت ماله. ثم نزل.
رواه المُبرِّد بنحوه، عن التوّزي، بإسنادٍ، وزاد فيه: قُمْ يا غلام فاقرأً
عليهم كتابَ أمير المؤمنين. فقَرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله
عبدالملك أمير المؤمنين إلى مَن بالكوفة، سلامٌ عليكم، فسَكَتوا، فقال:
اكْفُفْ يا غلام، ثم أقبل عليهم، فقال: يُسلِّم عليكم أميرُ المؤمنين فلاتردُّون
عليه شيئًا، هذا أدب ابن نِهِيَة. أما والله لأؤدِّبنَّكم غيرَ هذا الأدب أو
لتَسْتَقِيمُنَّ: اقرأ يا غلام، فقرأ قوله: السلامُ عليكم، فلم يبق في المسجد
أحدٌ إلاَّ قال: وعلى أمير المؤمنين السلام.
العَصْلبيُّ: الشُّديد من الرجال.
والسواق الحُطم: العنيف في سَوْقه .
والوَضَم: كل شيءٍ وَقَيْتَ به اللَّحْم من الأرض من خِوانٍ وقَرْميَّة
وغيره .
وعَجمتَ العُود إذا عَضضته بأسنانك .
والزَّرافات: الجماعات.
وقال ابن جرير(٣): فأوَّل من خَرج على الحَجَّاجِ بالعراق عبدُ الله بن
(١) الغاية: قصبة تنصب في الموضع الذي تكون المسابقة إليه.
(٢) السلمة: شجر كثير الشوك.
(٣) تاريخ الطبري ٦/ ٢١٠ - ٢١١.
٧٦٦

الجارود، وذلك أنَّ الحَجَّاجِ ندبهم إلى اللِّحاق بالمُهَلَّبِ، ثم خرج فنزل
رُسْتَاق آباد ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المُهَلَّب يومان، فقال
للناس: إنَّ الزيادة التي زادكم ابنُ الزُّبير، في أُعطياتِكم زيادةُ فاسق مُنافقٍ
لست أُجيزها، فقام إليه عبدالله بن الجارود العَبْدي، فقال: بل هي زيادة
أميرُ المؤمنين عبدالملك، فكذَّبه وتَوَعَّده، فخرج ابن الجارود على
الحَجَّاجِ، وتابعه خَلْق، فاقتتلوا، فقُتل ابن الجارود في طائفةٍ معه .
وكتب الحَجَّاجِ إلى المُهَلَّب وإِلى عبد الرحمن بن مِخْتَف: أن ناهِضُوا
الخوارج، قال: فَناهَضوهم وأجْلَوِهم عن رامَهُرمُز، فقال المُهَلَّب
لعبد الرحمن بن مِخْنَف: إن رأيت أن تُخَنْدق على أصحابك فافعل، وخَنْدَق
المُهَلَّب على نفسه كعادته، وقال أصحاب ابن مِخْنَف: إنَّما خَنْدقُنا سيوفُنا،
فرجع الخوارج ليُبَيِّتُوا النَّاس، فوَجدوا المُهَلَّب قد أتقن أمرَ أصحابه، فمالوا
نحو ابن مِخْنَفٍ، فقاتلوه، فانهزم جيشُه، وثَبت هو في طائفة، فقاتلوا حتى
قُتلوا، فبعث الحَجَّاجِ بَدَلَه عَتَّاب بن وَرْقاء، وتأسَّفوا على ابن مِخْنف،
ورثاه غيرُ واحد.
وقال خليفة (١): ثم في ثالث يوم من مَقْدَم الحَجَّاجِ الكوفة أتاه عُمَير
ابن ضابىء البُرْجمي، وهو القائل :
هَمَمْتُ ولم أفعل، وكِدْتُ وَلَيْتَني تركتُ على عثمانَ تبكي حَلائِلُهُ
فقال الحَجَّاج: أخِّروه، أمَّا أميرُ المؤمنين عثمان فتَغزوه بنفسك، وأمَّا
الخوارج الأزارقة فتبعث بديلاً، وكان قد أتاه بابنه، فقال: إنِّي شيخ كبير،
وهذا ابني مكاني، ثم أمر به فضربت عنقه.
واستَخلف الحَجَّاج لما خرج على الكُوفة عُرْوَة بن المغيرة بن شعبة،
وقدِمِ البَصْرَة يحثُّ على قتال الأزارقة.
وفيها خرج داود بن النُّعمان المازني بنَواحِي البَصْرة، فوَجَّه الحَجَّاج
(١). لم نقف عليه في تاريخه، والخبر في تاريخ الطبري ٦/ ٢٠٧، ولعله سبق قلم من
المصنف .
٧٦٧

الحَربِهِ الحَكَم بن أيوب الثَّقْفي مُتَولِّي البَصْرة، فظفر به، فقتله، فقال
شاعرهم:
ألا فاذكُرْن داودَ إذ باعَ نفسَه وجادَ بها يبغي الجِنان العَوَاليا
وفيها غَزا محمد بن مروان الصَّائفة عند خُروج الروم بناحية مَرْعَش .
وفيها خَطبهم عبدالملك بمكّة لما حجَّ، فحدَّثِ أبو عاصم، عن ابن
جُرَيْج، عن أبيه، قال: خَطَبَنا عبدالملك بن مروان بمكَّة، ثم قال: أما بعد،
فإنَّه كان من قبلي من الخُلفاء يأكلون من هذا المال ويُؤكِلون، وإِنِّي والله لا
أُداوي أدواءَ هذه الأمّة إلاَّ بالسيف، ولست بالخليفة المُسْتَضعف، يعني
عثمان، ولا الخليفة المُدَاهِن، يعني معاوية، ولا الخليفة المأبون، يعني
يزيد، وإنَّما نحتَملِ لكم ما لم يكن عقدُ راية، أو وُثُوب على مِنْبر، هذا
عَمرو بن سعيد حقُّه حقُّه وقرابَتُه قرابَتُه، قال برأسه هكذا، فقلنا بسيفنا
هكذا، إلا فلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ.
وفيها ضَرب الدَّنانير والدراهم عبدالملك، فهو أول من ضَرَبها في
الإسلام.
وحجَّ فيها عبدالمَلك وخَطب بالمَوسم غير مرَّة، وكان من البُلَغاء
العُلماء الدُّهاة، قال: إني رأيت سيرة السُّلطان تدورُ مع النَّاسِ، فإن ذهب
اليومَ من يسير بسيرة عُمر، أُغيرَ على الناس في بيوتهم، وقُطِعَتِ السُّبُل،
وتَظالم الناسُ، وكانت الفِتَن، فلا بُدَّ للوالي أن يسير كلَّ وقتٍ بما يُصلحه.
نحن نعلم والله أنَّا لسنا عند الله ولا عند الناس كهيئة عُمر ولا عُثمان،
ونرجو خَير ما نحن بإزائه من إقامة الصَّلَوات والجهاد والقيام الله بالذي
يُصلح دينه، والشدّة على المُذنب، وحسِبُنا الله ونعم الوكيل.
سنة ستُّ وسبعین
تُوفي فيها حبَّة بن جُوَيْن العُرَني، وزُهير بن قيس البَلَوي.
وفيها، أو في سنة خمسٍ تُوُفِّي سعيد بن وَهْبَ الهَمْداني الخَيواني.
وفيها خرج صالح بن مُسَرِّح التَّميمي، وكان صالحًا ناسكًا مُخْبتًا، وكان
يكون بدارا والمُوصل، وله أصحابٌ يُقْرِئهم ويُفَقِّههم ويَقُصُّ عليهم، ولكنَّه
٧٦٨

يحطُّ على الخَليفتين عُثمان وعلي كَدَأب الخوارج، ويتبرأ منهما، ويقول:
تيسّروا رَحِمكُم الله لجهاد هذه الأحزاب المُتحزِّبة والظَّلمة، وللخُروج من
دار الفَناء إلى دار البَقاء، ولا تَجزعوا من القتل في الله، فإنَّ القَتْل أيسَرُ من
الموت، والموتُ نازلٌ بكم. فلم ينشَب أن أتاه كتاب شبيب بن يزيد من
الكوفة، فقال: أمَّا بعد، فإنَّك شيخ المُسْلمين، ولن نَعدِل بكَ أحدًا، وقد
دَعَوْتني فاستَجبتُ لك، وإن أردتَ تأخيرَ ذلك أعلَمْتَني، فإنَّ الآجال غادية
ورائِحة، ولا آمَنُ أن تَخْتَرمني المَنِيَّة ولم أُجاهد الظَّالمين، فيا له غَبْنًا، ويا
له فَضْلاً متروكًا، جَعَلَنا الله وإِيَّاك ممَّن یرید بعمله الله ورضوانه .
فردَّ عليه الجواب يحضُّه على المَجيء، فجمع شَبيب قومَه، منهم
أخوه مُصاد، والمُحلَّلِ بن وائل اليَشْكُري، وإبراهيم بن حُجر المُحَلِّمي،
والفَضْل بن عامر الذُّهْلي. وقَدِم على صالح وهو بدارا، فتصمَّدوا مئة
وعَشْرَة أنفس، ثمَّ وَثَبوا على خيلٍ لمُحمد بن مروان فأخذوها، وقَوِيَت
شوكتُهم وأخافوا المسلمين .
وفيها غزا حَسَّان بن الثُّعمان الغَسَّاني إفريقية وقتل الكاهِنة.
ولما خرج صالح بن مُسرِّح بالجزيرة نُدب لحَربه عديُّ بن عديٍّ بن
عميرة الكِنْدي، فقاتلهم، فهزم عديًّا، فنُدب لقتاله خالدُ بن جَزْء السُّلَمي،
والحارث العامِري، فاقتتلوا أشدَّ قتال، وانحازَ صالح إلى العراق، فوجَّه
الحَجَّاجِ لحَربه عسكرًا، فاقتتلوا، ثم مات صالح بن مُسِرِّح مُثْخَنًا بالجراح
في جمادى الآخرة، وعَهَدَ إلى شَبيب بن يزيد، فالتقى شَبيبُ هو وسَوْرة بن
الحُر، فانهزم سَوْرة بعد قتالِ شديد. ثم سار شَبيب فلقي سعيدَ بِن عَمْرو
الكِنْدي، فاقتتلوا، ثم انصرف شَبيب فهَجَمَ الكوفة، وقتل بها أبا سُلَيم مولى
عَنْبَسة بن أبي سفيان والد ليث بن أبي سُلَيِم، وقُتل بها عديُّ بن عَمرو،
وأزهر بن عبدالله العامري، ثم خَرج عن الكُوفة فوجَّه الحَجَّاج لحربه زائدةً
ابن قُدامة الثقفي ابن عمّ المُختار، في جيشٍ كبير، فالتقوا بأسفل الفُرات،
فَهَزَمهم وقتل زائدة، فوجَّه الحَجَّاجِ لحربه عبدالرحمن بن محمد بن
الأشعث، فلم يُقاتله. وكان مع شَبيب امرأته غَزَالة، وكانت مَعروفةً
بالشَّجاعة، فدَخلت مسجد الكُوفة تلك المَرَّة وقرأت وِرْدَها في المسجد،
تاريخ الإسلام ٢/م٤٩
٧٦٩

وكانت نَذَرت أن تَصعد المنبر فصعدته. ثم حارَ الحَجَّاج في أمره مع
شَبيب، فوجَّه لقتاله عُثمان بنِ قَطَن الحارثي، فالتقوا في آخر العام، فقُتل
عثمان وانهزم جَمْعهُ بعد أن قُتل يومئذٍ ممَّن معه ست مئة نَفْسٍ، منهم مئة
وعشرون من كِنْدة، وقُتِل من الأعيان: عَقِيل بن شدَّاد السَّلُوليُّ، وخالد بن
نَهِيك الكِنْدي، والأبرَد بن ربيعة الكِنْدي. واستفحل أمرُ شَبيب، وتَزلزل له
عبدُالملك بن مروانٍ، ووقع الرُّعب في قُلوبهم من شَبيب، وحار الحَجَّاجِ،
فكان يقول: أعياني شَبيب.
سنة سبعٍ وسبعين
فيها تُوفي أبو تَميم الجَيْشاني عبدالله بن مالك بمصر، وشُرَيح القاضي
بالكوفة، وفيه خلاف .
وفيها سار شَبيب بن يزيد، فنزل المدائن، فندب الحَجَّاجُ لقتاله أهلَ
الكُوفة كلَّهم، عليهم زُهْرة بن حَوِيَّة السَّعدي، شيخ كبير قد باشر الحُروب.
وبعث إلى حَربه عبدُالملك من الشام سُفيان بن الأبرد، وحبيبًا الحَكَمي فِي
ستة آلاف. ثم قدِم عتَّاب بنُ ورقاء على الحَجَّاجِ مُسْتَعفيًا من عِشْرة المُهَلَّب
ابن أبي صُفْرة، فاستعمله الحَجَّاج على الكوفة، ولجَمْع جميع الجيش
خمسين ألفًا. وعرض شَبيب بن يزيد جنودهُ بالمدائن، فكانوا ألفَ رجل،
فقال: يا قوم إنَّ الله كان ينصركم وأنتم مئة أو مئتان، فأنتم اليوم مئون. ثم
ركب، فأخذوا يتخلَّفون عنه ويتأخَّرون، فلمَّا التقى الجَمْعانِ تكامل مع
شَبيب ست مئة، فحمل في مئتين على مَيْسرة الناس فانهزموا، واشتدَّ
القتال، وعَتَّاب بن وَرْقاء جالس هو وزُهْرة بن حَوِيَّة على طِنْفسة في القلب،
فقال عتَّاب: هذا يوم كثُر فيه العدد وقلَّ فيه الغِنَى، والَهفي على خمس مئة
من رجال تَمیم .
وتفرَّق عن عتَّاب عامَّة الجيش، وحمل عليه شَبيب، فقاتل عتَّاب
ساعةٍ وقُتل، ووَطئَتِ الخيلُ زُهْرَة فهلك، فتوجَّع له شَبيب لمَّا رآه صريعًا،
فقال له رجل من قومه: والله يا أمير المؤمنين إنَّك لمُنْذُ الليلة لمُتَوَجِّعٌ لرجلٍ
من الكافرين؟ قال: إنَّك لستَ أعْرَف بصلاتهم منِّي، إني أعرف من قديم
٧٧٠

أمرهم مالا تعرف، لو ثبتوا عليه كانوا إخواننا. وقُتل في المعركة: عمَّار بن
يزيد الكلبي، وأبو خَيْئمة بن عبدالله .
ثم قال شَبيب لأصحابه: ارفعوا عنهم السيفَ، ودعا الناس إلى طاعته
وبیعته، فبايعوه، ثم هربوا ليلاً .
هذا كُلُّه قبل أن يَقْدُم جيش الشام، فتوجَّه شَبيب نحو الكوفة، وقد
دَخَلها عسكر الشام، فشدوا ظهرَ الحَجَّاج وانتعش بهم، واستغنى بهم عن
عسكر الكُوفة، وقال: يا أهل الكوفة لا أعزَّ الله بكم من أراد بكم العِزّ،
الحقوا بالحِيرة، فانزلوا مع اليهود والنَّصارى، ولا تقاتلوا معنا. وحَنق
عليهم، وهذا ممَّا يزيدهم فيه بُغضًا.
ثم إِنَّه وجَّه الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس في الكشف،
فالتمس شَبيب غَفْلَتَهم والتقوا، فحمل شَبيب على الحارث فقتله، وانهزم
من معه. ثم جاء شَبيب فنازل الكوفة. وحفظ الناسُ السِّكَكَ، وبنى شَبيب
مسجدًا بطَرَف السَّبخة، فخرج إليه أبو الورد مولى الحَجَّاجِ في عِدَّة غلمان
فقاتل حتى قُتل. ثم خرج طَهْمان مولى الحَجَّاج في طائفة، فقتلهُ شَبيب .
ثم إنَّ الحَجَّاج خرج من قصر الكوفة، فركب بغلاً، وخرج في جيش
الشام، فلمَّا التقى الجمعان نزل الحجّاج وقعد علی کُرسي، ثم نادى: یا
أهل الشام، أنتم أهل السَّمْع والطّاعة والصبر واليقين، لا يغلبنَّ باطلٌ
هؤلاء حَقَّكم، غُضُّوا الأبصار، واجثُوا على الركب، واشرعوا إليهم بالأسِنَّة .
وكانِ شَبيب في ست مئةٍ، فجعل مئتين معه كُرُدُوسًا، ومئتين مع
سُوَيَد بن سُلَيم، ومئتين مع المُحلَّل بن وائل، فحمل سُوَيْدٍ عليهم، حتى إذا
غشي أطراف الأسنة وَثَبوا في وجوههم يطعنوهم قُدُمَا قُدُمًا، فانصرفوا،
فأمر الحَجَّاج بتقديم كُرْسيِّه، وصاحَ في أصحابه فحمل عليهم شبيب،
فثبتوا، وطال القتالِ، فلما رأىٍ شَبيب صَبْرَهم نادى: يا سُوَيَد احمِل على
أهل هذه السِّكَّة لعلَّك تُزيل أهلَها عنها، فتأتي الحَجَّاج من ورائه ونحن من
أمامه، فحمل سُوَيْد على أهل السِّكَّة، فرُمِيَ من فوق البيوت، فردّ.
قال أبو مِخْنَف: فحدَّثني فَرْوةٍ بن لقيط الخارجي، قال: فقال لنا
شَبيب يومئذ: يا أهل الإسلام، إنَّما شَرَيْنا الله، ومن شرى الله لم يكثُر عليه
٧٧١

ما أصابَه شِدَّةً كشدَاتكم في مَواطِنكُم المَعروفة، وحمل على الحَجَّاجِ،
فوثب أصحابُ الحَجَّاجِ طَعْنًا وضربًا، فنزل شَبيب وقومه، فصعد الحَجَّاج
على مَسجد شَبيب في نحو عشرين رجلاً وقال: إذا دَنَوا فارشقُوهم بالنَّبْل،
فاقتتلوا عامَّة النَّهار أشدَّ قتالٍ في الدُّنيا، حتى أقرَّ كلُّ فريقٍ للآخر.
ثم إنَّ خالد بن عتَّاب بن وَرْقاء قال للحجَّاج: ائذن لي في قتالهم،
فإنِّي موتور وممَّن لا يُثَّهم في نصيحةٍ، فأذن له، فخرج في عِصابة ودار من
ورائهم، فقتل مُصادًّا أخا شبيب، وغَزَالَة امرأة شَبيب، وأضرم النيرانَ في
عسكره. فوثب شَبيب وأصحابُه على خُيولهم، فقال الحَجَّاج: احمِلوا
عليهم فقد انرعبوا، فشدُّوا عليهم فهزموهم، وتأخَّر شَبيب في حامية
قَومه. فذكر من كان مع شَبيب أنَّه جعل ينعس ويَخْفِقِ برأسه وخَلفه
الطَّلب، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، التفتْ فانظُرْ من خَلفك،
فالتفت غير مكترثٍ ثم أكبَّ يخفِق، ثم قلت: إنهم قد دَنَوا، فالتفت ثم
أقبل يخفق. وبعث الحَجَّاج إلى خيله أنْ دَعُوه في حرق النار، فَتَركوه
ورَجعوا .
ومرَّ أصحابُ شَبيبٍ بعاملِ للحَجَّاجِ على بلد بالسَّواد فقتلوه. ثم أتوا.
بالمال على دابَّةٍ فسبَّهم شَبيب على مَجيئهم بالمال وقال: اشتَغلتم بالدُّنيا،
ثم رمى بالمال في الفُرات. ثم سار بهم إلى الأهواز وبها محمد بن موسى
ابن طلحة بن عبيدالله، فخرج لقتاله وسأل محمدٌ المُبارزة، فبارزه شبيب
وقتله .
ومضى إلى كِرمان فأقام شَهرين ورجع إلى الأهواز فندب له الحَجَّاج
مُقدَّمِي جيش الشام: سُفيان بن الأبرَد الكلبي، وحبيب بن عبدالرحمن
الحَكَمي، فالتقوا على جسر دُجَيل، فاقتتلوا حتى حَجَزَ بينهم الليل، ثم
ذهب شبيب، فلمّا صار على جسر دُجيل قطع الجسر، فوقع شبيب وغرق،
وقيل: نفر به فرسه فألقاهُ في الماء وعليه الحَديد، فقال له رجل: أغَرفًا يا
أمير المؤمنين؟ قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾﴾ [الأنعام] فألقاه دُجيل إلى
ساحله مَيْتًا، فحُمِل على البريد إلى الحَجَّاج، فأمر به فشُقَّ بطنُهُ وأخرج
٧٧٢

قلبُهُ، فإذا هو كالحَجَر، إذا ضُرِبَ به الأرض نبا عنها، فشقُّوه فإذا في داخله
قلب صغير (١) .
:
وقال ابن جرير الطبري في ((تاريخه))(٢): ثم أنفقَ الحَجَّاج الأموال،
ووجّه سُفيان بن الأبرد في طَلب القوم، قال: وأقام شَبيب بكِرمان، حتى إذا
انجبَر واستراش كرَّ راجعًا، فيستَقبله ابن الأبرد بجسر دُجيل، فالتقيا، فعبر
شَبيب إلى ابن الأبرَد في ثلاثة كَراديس، فاقتتلوا أكثر النَّهار، وثبت
الفريقان، وكرَّ شَبيب وأصحابه أكثر من ثلاثين كرَّة، وابن الأبرد ثابتٌ، ثم
آل أمرهم إلى أن ازدَحموا عند الجسر، فَنَطَر شَبيبُ أصحاب ابن الأبرد إلى
الجسر، ونزل في نحو مئة، فتقاتلوا إلى الليل قتالاً عظيمًا، ثم تحاجَزوا.
وقال أبو مِخْنَفٍ: حدَّثني فَروة، قال: ما هو إلاَّ أن انتَهينا إلى الجسر،
فِعَبَرنا شبيبٌ في الظُّلْمة، وتخلّف في أخرانا فأقبل على فرسه، وكانت بين
يديه حجرة(٣) فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الماذيانة ونزل
حافر الفرس على حَرفِ السَّفينة فنزل به في الماء فلما سَقط قال: ﴿لِيَقْضِىَ
اُللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال ٤٢] فانغمس ثم ارتفع، فقال: ﴿ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾﴾ [الأنعام].
قال: وقيل كان معه رجالٌ قد أصاب من عَشائرهم وأبغضوه، فلما
تخلَّف في السَّاقة اشتَوَروا، فقالوا: نقطعُ به الجسر، ففعلوا، فمالت
السُّفُن، ونفرَ فرسُه فسقط وغرِق. ثم تنادوا بينهم: غَرِق أميرُ المؤمنين،
فأصبحَ الناس فاستَخْرجوه وعليه الدّرع.
قال أبو مِخْنَف: فسَمعتهم يزعمون أنه شُقَّ بطنه فأخرج قلبه، فكان
مُجتَمعًا صُلْبًا، كأنَّه صخرة، وأنه كان يُضْرَب به الأرض فيثبُ قامة
الإنسان. وسيأتي في ترجمته من أخباره أيضًا .
وفيها أمر عبدالعزيز بن مروان بجامع مِصر، فهُدم وزيد فيه من جهاته
(١). لاشك أن هذا خرافة، على أن الرجل كان من الشجعان.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٢٧٩.
(٣) الحجرة: الأنثى من الخيل.
٧٧٣

الأربع. وأمر ببناء حصن الإسكندرية، وكانَ مَهْدومًا منذ فتحها عَمْرو بن
العاص .
وفيها افتتح عبدُالملك بن مروان هِرَقْلَة وهي مدينة مَعروفةٌ داخل بلاد
الروم .
وحجَّ بالناس أبان بن عثمان بن عقَّان .
وفيها وغل عبدالله بن أُمِيَّة بن عبدالله الأموي بسِجستان، فأُخِذ عليه
الطَّريق، فأعطَى مالاً حتى خَلَّوا عنه، فعزله عبدالملك بن مروان ووجَّه
مكانه موسى بن طلحة بن عُبيد الله .
سنة ثمان وسبعين
توفي فيها جابر بن عبدالله الأنصاري، وزيد بن خالد الجُهَني،
وعبدالرحمن بن غَنْم الأشعري، وأبو المِقْدام شُرَيح بن هانىء.
وقال خليفة (١): فيها أمَّرَ الحَجَّاجُ على سِجِستان عُبيد الله بن أبي بَكْرة
الثقفي، فوجَّه عُبيدُ الله أبا برذعة فأخذ عليه المَضَيقَ، وقتل شُريحُ بن هانىء
الحارثي، وأصابَ العسكر ضيقٌ وجوعِ شَديد، حتى هلك عامَّتهم.
قال محمد بن جرير(٢): وقد قيل إنَّ هلاك شَبيب بن يزيد كان في سنة
ثمانٍ. قال: وكذلك قيل في هلاك قَطَريٍّ بن الفُجاءة، وعُبيدة بن هلال،
وعبد ربِّه الكَبير رؤوس الخَوارج.
وقال خليفة(٣): فيها ولي خُراسان المُهَلَّب بن أبي صُفْرة.
وقال ابن الكلبيِّ: فيها غَزِوة مُحرز بن أبي مُحرز أرضَ الروم وفتح
أزقلة، فلما قفل أصابهم مَطر شَديد من وراء درب الحَدث، فأُصيب فيه
ناس كثير .
وفيها قُتل سُليمان بن كندير القَتيري (٤)، قتله أصحاب الحَجَّاج.
(١) تاريخ خليفة ٢٧٧ .
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣١٨.
(٣) لم أقف عليه في تاريخ خليفة.
(٤) منسوب إلى جد يقال له قتيرة بن حارثة، وهم بطن من تجيب.
٧٧٤

وفيها جَرت حُروب ووَقِعات بإفريقية والمَغرب، وولي فيها إمرة
المغرب كُلُّه موسى بن نصير اللَّخْمي، فسار إلى طَنْجة وقَدَّمَ على مُقدِّمته
طارق بن زياد الصَّدفي، مولاهم، الذي افتتح الأندلس، وأصاب فيها
المائدة التي يتحدَّث أهلُ الكتاب أنها مائِدةُ سُليمان عليه السلام.
وفيها حجَّ بالناس ابنُ أمير المؤمنين الوليد.
وفيها وثبت الرُّوم على مَلكهم فخَلَعته وقطعت أنفه ونَفَتْه إلى بعض
الجزائر. قاله المُسَبَّحي.
وفيها فرغ الحَجَّاجِ من بناء واسط، سُمِّت بذلك لأنَّها وسط ما بين
الكوفة والبصرة. وقيل: بُنيت سنة ثلاثٍ وثمانين.
سنة تسع وسبعين
فيها توفي عبدُ الرحمن بن عبدالله بن مسعود الهُذَلي، وعُبيد الله بن أبي
بكرة بسِجِستان، وقَطَرِيُّ بن الفُجَاءة بطَبرِستان، بِخُلْفٍ فيه .
وفيها استعمل الحَجَّاجِ على البَحْرِين محمدُ بن صَعْصعة الكِلابي
وضمَّ إليه عُمان، فخرج عليه الرَّيَّان النُّكْري، فهرب محمدٌ وركبَ البحرَ
حتى قدم على الحجّاج.
وفيها وَلَّى الحَجَّاجِ هارون بن ذِراع النَّمَري ثغرَ الهند وأمره بطلب
العلافيين، وهما مُحمد ومعاوية ابنا الحارث من بني سامة بن لُؤي، كانا قد
قتلا عامل الحَجَّاج هناك، فظَفر هارون بأحدهما فقتله، وهرب الآخر .
وفيها غزا الوليد ابن أمير المؤمنين من ناحية مَلَطْية، فغِنِم وسَبی .
وقال عَوانة بن الحكم: أول قبيل غزاهم موسى بن نصير من البَربر
الذين قَتلوا عُقبة بن نافع، فسار إليهم بنفسه فقتل وسبى، وهرب ملكهم
كُسَيْلة، ويقال: بلغ سَبيهم عشرين ألفًا .
قال ابن جرير(١): وفيها أصابَ أهلَ الشام الطَّاعونُ حتى كادوا يُفْنَوْن
من شدَّته .
وقال غيره: فيها كان مَصرِع قَطَريٍّ بن الفُجاءة واسم الفُجاءة جَعْوَنة
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٢٢.
٧٧٥

ابن مازن بن يزيد التَّميمي المازِني أبو نَعامة، خرج في زمن مُصْعب بن
الزُّبير، وبقي بضع عشرة سنة يُقاتل ويُسلّم عليه بالخِلافة وبإمرة المُؤمنين،
وتغلّب على بلاد فارس. ووقائعه مشهورةٌ، قد ذكر منها المُبرِّد قطعة في
كامله(١). وقد سيَّر الحجاج لقتاله جيشًا بعد جَيش وهو يَهزمهم.
وحُكي عنه أنَّه خَرج في بعض الحُروب على فَرَسِ أعجَف، وبيده
عَمود خَشَب، فبرزَ إليه رجل، فكشف قَطَرِيٌّ وَجهه، فولَّى الرجل، فقال:
إلى أين؟ قال: لا يَسْتحي الإنسان أن يفرّ من مثلك. توجَّه لقتاله سفيان بن
الأبرد الكَلْبِي، فظَهر عليه وظَفر به وقَتله.
وقيل: بل عَثرت به فرسه فاندقَّت فَخذُه، فلذلك ظفروا به بطَبرستان،
وحُمل رأسه إلى الحَجَّاج.
وقيل: إنَّ الذي قتله سَوْرةُ بن أبجَر الدَّارمي.
وكان قَطَرِيٌّ مع شجاعته المُفْرِطة وإقدامه من خُطباء العرب
المَشهورين بالبلاغة والشعر، وله أبيات مذكورة في الحماسة .
سنة ثمانين
فيها توفي عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وأسلمُ مولى عمر، وأبو
إدريس الخَوْلاني الفقيه، وعبدالرحمن بن عبدِ القاريُّ، وناعم بن أُجَيل
المِصري، وعبدالله بن زرير الغافقي، وجُنادة بن أبي أُمية، وجُبير بن نُفير،
بخُلف فيهما .
وفيها صَلَب عبدالملك مَعْبدًا الجُهَنِيُّ على إنكاره القَدَر؛ قاله سعيد
ابن عُفير .
وفيها تُوفي سُوَيد بن غَفَلة، قاله أبو نُعَيم. وعُبيد الله بن أبي بكرة،
قاله ابن مَعِين. وشُرَيح القاضي، قاله ابن نُمَير. والسَّائب بن يزيد، قاله
بعضهم. وحسَّان بن النُّعمان الغَسَّاني بالرُّومِ.
(١) الكامل في الأدب ٢/ ٢٥١.
٧٧٦

وفيها كان سَيل الجُحاف، وهو سَيْل عَظيمٌ جاء بمَكَّة حتی بَلِغَ الحجر
الأسودَ، فهلك خلقٌ كثير من الحُجَّاجِ.
قال مُصْعَب الزُّبيريُّ: سمعت محمد بن نافع الخُزاعي. قال: كان من
قصّة الجُحَاف أنَّ أهل مكة قَحطوا، ثم طلع في يوم قِطعةُ غَيْم، فجعل
الجُحاف يضرط به، ويقول: إنْ جاءنا شيء فمن هذا، فما برح من مكانه
حتى جاء سَيلٌ فحمل الجِمال وغرَّق الجُحَاف.
وفيها غَزا البَحر من الإسكندرية عبدالواحد بن أبي الكَنود حتى بلغ
قُبرس .
وفيها هلك أليون المَلك عَظيم الروم لا رحِمَه الله .
وفيها سار يزيد بن أبي كَبشة فالتقى هو والرَّيَّانِ النُّكْري بالبحرين،
ومع الرَّيَّان امرأةٌ من الأزْد تقاتل، اسمها جيداء، فقُتل هو وهي وعامَّة
أصحابهما وصُلِبَ هو .
وفيها أول فِتنة ابن الأشعث: وذلك أنَّ الحَجَّاج كان شديدَ البُغْض
لعبدالرحمن بن محمد بن الأشعث الكِنْدي، يقول: ما رأيته قطَّ إلا أردت
قتله. ثم إنَّه أبعده عنه وأمَّره على سجستان في هذا العام بعد موت عُبيد الله
ابن أبي بكرة، فسار إليها ففتح فُتُوحًا، وسار ينهب بلاد رْبيل ويأسر
ويُخرِّب، ثم بعث إليه الحَجَّاج مع هذا كُتُبًا يأمره بالوُغُول في تلك البلاد
ويُضعف هِمَّته ويُعجِّزه، فغضبَ ابنُ الأشعث وخطب الناسَ، وكان معه
رؤوس أهلِ العراق، فقال: إنَّ أميركم كتب إليَّ يأمرني بتعجيل الوُغول بكم
في أرض العدوِّ، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنَّما أنا
رجل منكم، أمضي إذا مَضَيتم وآبى إن أبيتم، فثار إليه الناس فقالوا: لا،
بل نأبى على عدوِّ الله ولا نسمع له ولا نُطيع.
وقال عامر بن واثلة الكناني: إنَّ الحَجَّاج ما يرى بكم إلا ما رأى
القائل الأول: احمل عبدك على الفَرَس، فإنَّ هلك هلك، وإنْ نجا فَلَك.
إنَّ الحَجَّاجِ ما يُبالي، إنْ ظَفرتِمِ أكلَ البلاد وحازَ المالَ، وإن ظَفَر عدوُّكم
كنتم أنتم الأعداء البُغَضاء، اخلَعوا عدوَّ الله الحَجَّاج وبايعُوا عبدالرحمن بن
محمد بن الأشعث، فنادوا: فَعَلْنا فَعَلْنا، ثم أقبلوا كالسيّل المُنْحدر، وانضمَّ
٧٧٧

إلى ابن الأشعث جيش عَظيم، فعَجز عنهم الحَجَّاج، واستَصرخ بأمير
المؤمنين، فجزع لذلك عبدالملك بن مروان، وجهّز العساكر الشامية في
الحال، كما سيأتي في سنة إحدى وثمانين إن شاء الله تعالى .
٧٧٨

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ
تراجم أهل هذه الطبقة
١- إبراهيم بن الأشتر، واسم الأشترِ مالكُ بن الحارث النَّخَعيُّ
الکوفئُّ.
كان أبوه من كبار أمراءِ عليٍّ. وكان إبراهيمُ من الأمراء المشهورينَ
بالشَّجاعة والرأي، وله شَرَفٌ وسيادةٌ، وهو الذي قَتَل عُبيد الله بن زياد يوم
الخازِر (١)، ثم كان مع مُصْعَب بن الزُّبَير، فكان من أكبرِ أمرائه، وقُتِلَ معه
سنة اثنتين وسَبْعین .
٢- ع: الأحنفُ بن قَيْس بن معاوية بن حُصَين، أبو بحر التَّميميُ
الذي يُضرب به المثل في الحِلم.
من كبار التّابعين وأشرافهم، اسمه الضَّخَاك، ويقال: صَخْر، وغلبَ
عليه الأحنف لاعوجاج رِجليه. وكان سيِّدًا مُطاعًا في قومه. أسلم في حياة
النَّبِيِّ بََّ، ووفد على عمر وحدَّث عن عُمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذرٍّ،
والعبّاس، وابن مسعود. روى عنه الحَسَن البصريُّ، وعمرو بن جاوان(٢)،
وعُروة بن الزُّبير، وطَلْقُ بن حبيب، وعبد الله بن عَمِيرة، ويزيد بن عبد الله بن
الشِّخِّير، وخُلَيْد العَصَري.
وكان من أمراء عليٍّ يومَ صِفِّين.
قال ابن سعد(٣): كان الأحنفُ ثقةً مأمونًا قليلَ الحديث وكان صديقًا
المُصْعب بن الزُّبير، فوفد عليه إلى الكوفة، فتوفي عنده.
قال سُليمان بن أبي شَيْخ: كان أحنفَ الرِّجلين جميعًا، ولم يكن له
إلاَّ بيضةٌ واحدة.
(١) الخازر: نهر بين إربل والموصل ثم بين الزاب الأعلى والموصل.
(٢) في أ: ((حابان))، محرف.
(٣) طبقاته الكبرى ٧ / ٩٣ و٩٧.
٧٧٩

قال: وكان اسمُهُ صَخر بن قَيْس، أحد بني سعد، وأُمُّه امرأةٌ من باهلة،
فكانت تُرِقِّصُهُ وتقول:
والله لولا حَنَفٌ برِجْله وقلَّة أخافُها من نَسْلهِ
ما کان في فتیانکم من مثله
وقال المَرْزبانيُّ: قيل إنَّ اسمَه الحارث، وقيل: حُصَين.
وقال أبو أحمد الحاكم: هو افتتحَ مَرْو الرُّوذ، وكان الحَسَنُ، وابن
سیرین في جيشه ذلك .
وقال عليُّ بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، قال: بينا أنا أطوفُ في
زمن عُثمان إذا لَقِينِي رَجَلٌ من بني لَيْث، فقال: ألا أبشِّرُك؟ قلت: بلى. قال:
أما تذكُر إذ بعثني رسولُ الله ◌ِ لَّ إلى قومِك بني سَعدِ أدعوهم إلى الإسلام،
فجعلت أُخبرهم وأعرضُ عليهم، فقُلتَ: إنَّه يدعو إلى خَيْرِ، وما أسمع إلا
حَسَنًا، فذكرتُ ذلك للنَّبِيِّ مَّ: فقال: ((اللَّهم اغفر للأحنف)). وكان الأحنفُ
يقول: فما شيء أرْجَى عندي من ذلك.
رواه أحمد في ((مَسْنَده)) والبخاري في ((تاريخه))(١).
وقال عليٍّ بن زيد، عن الحَسن، عن الأحنف، قال: قدمتُ على عُمر
فاحْتَبَسني عنده حَوْلاً، فقال: يا أحنفُ، إنِّي قد بَلَوْتُك وخَبِرْتُك فرأيت
علانِيتَكَ حَسنة، وأنا أرجو أن تكون سَريرتُك مثل علانيتك، وإنَّا كُنَّا نتحدَّث
إنَّما يُهْلك هذه الأمّة كلُّ منافقٍ عليم .
وقال العلاء بن الفَضْل بن أبي سَوِيَّة: حدثنا العلاء بن جرير، قال:
حدثني عُمر بن مُصْعَب بن الزُبير، عن عمَّه عُروة، قال: حدثني الأحنفُ بن
قَيس أَنَّه قدم على عُمر بفتح تُسْتَر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد فَتَحَ الله
عليكَ تُسْتَر، وهي من أرض البَصْرة، فقال رجل من المهاجرين: يا أمير
٧٨٠