النص المفهرس

صفحات 481-500

لولا جريرٌ هلكت بحِيله نِعْمَ الفَتَى وبئست القَبِيلَه
يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بِن شُبَيل، قال جرير: لما دنوتُ
من المدينة حللت عَيْبَتي(١)، ولبست حُلَّتي، ثم دخلتُ المسجد، وإذ
برسول الله ◌َ يخطب، فرماني الناس بالحَدَق، فقلت لجليسي: هل ذكر
رسول الله مَ﴾ من أمري شيئًا؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر(٢).
وقال جرير: ما رآني رسول الله مَّةٍ إلا تبسَّم في وجهي(٣).
ورُوي أنَّ النبيَّ مَّ أَلقَى إليه وسادة وقال: ((إذا أتاكم كريمُ قومٍ
فأكرموه)) (٤). وقيل(٥): رمى إليه بردتَهُ ليجلس عليها(٦).
١١ - جَعْفَر بن أبي سُفيان بن الحارث بن عبدالمُطّلب الهاشميُّ.
شهد مع النبيِّ بَِّ حُنينًا، وبقي إلى زمن معاوية، وهو وأبوه من
مُسْلِمة الفتحِ.
١٢- ع: جُوَيريةُ، أمُّ المؤمنين، بنت الحارث بن أبي ضِرار
المُصْطَلقي.
سباها النَّبِيُّ وَّ يوم المُرَيْسيع في السنة الخامسة، وكان اسمها بُرَّة،
وَ ئي (٧). وكانت قبله عند ابن عَمِّها صَفْوان بن أبي الشفر(٨)
فغيّره النبيُّ
(١) العيبة: زبيل من أدم، وهو ما يجعل فيه الثياب.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦٤، والنسائي في فضائل الصحابة (١٩٩)،
وغيرهما من طرق عن يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بن شبيل، به، وإسناده
حسن، يونس صدوق حسن الحديث كما بيناه في ((تحرير التقريب)).
(٣) أخرجه البخاري ٤/ ٧٩ و٥ / ٩٤ و٨/ ٢٩، ومسلم ٧/ ١٥٧، ومن طريق قيس بن
أبي حازم، عن جرير، به .
(٤) ذكر المصنف في السير ٢/ ٥٣٢ إسناد هذا الحديث، وهو إسناد ضعيف جدًا، فهو
من رواية سوار بن مصعب، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به، وسوار
منكر الحديث كما قال الإمام البخاري في التاريخ الكبير ٤ / الترجمة (٢٣٥٩).
(٥) هو من رواية معبد بن خالد بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن جده، به، كما ذكره
المصنف في السير ٢/ ٥٣٢، وهو إسناد ضعيف، فإن معبد بن خالد مجهول، قال
المصنف في الميزان ٤ / ١٤٠: ((لا يدرى من هو)).
(٦) ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٣٣ - ٥٤٠، والاستيعاب ١/ ٢٣٦ - ٢٤٠.
(٧) تنظر طبقات ابن سعد ٤ / ٥٥ - ٥٦، والاستيعاب ١/ ٢٤٥.
(٨) ويقال: ((صفوان ذو الشفر)).
تاريخ الإسلام ٢/م٣١
٤٨١

فتزوَّجها، وجعل صداقها عتق جماعة من قومها. ثُمَّ قدم أبوها الحارث بن
أبي ضِرار على النبيِّ مَّةٍ وأسلم.
وعن جويرية، قالت: تزوَّجني النبيُّ ◌َّ وأنا بنت عشرين سنة.
زكريا بن أبي زائدة، عن الشَّعبي، قال: أعتق رسولُ اللهِوَلِّ جويريةَ
واستنكحها، وجعل صداقها عِتْق كُلِّ مملوك من بني المُصْطَلِق. وكانت في
مِلْك اليمين، فأعتقها وتزوَّجها(١).
قال ابنُ سَعْد(٢) وغيره: وبنو المصطلق من خُزاعة.
لها أحاديث، روى عنها ابن عباس، وعُبَيد بن السَّبَّاق، وكُرَيْب،
ومجاهد، وأبو أيوب الأزدي يحيى بن مالك، وغيرهم.
توفيت بالمدينة سنة ستٍّ وخمسين، وصلَّى عليها مروان.
وعن عائشة، قالت: كانت جويرية امرأة حُلْوة مُلاَّحة، لا يراها أحد
إلاَّ أخذت بنفسه. والحديث قد مَرَّ في سنة خمس .
١٣ - الحارث بن كَلَدة الثَّقَفيُّ الطَّائفيُّ، طبيبُ العرب.
سافر في البلاد، وتعلَّم الطِّبَّ بناحية فارس، وتعلَّم أيضًا ضَرْب
العود بفارس واليمن. ويقال: إنّه بقي إلى أيام معاويةَ، وهو بعيدٌ، فإن
ابنه النَّضر بن الحارث ابن خالة النبيِّ مَّ أَسِرَ يوم بدر، وقتله عليٍّ
بالصَّفراء(٣).
ويُروى أنَّ سعدَ بن أبي وقَّاص لما مرضَ بمكة قال النبيُّ مَّمَ: ((ادعوا
له الحارث بن كَلَدة))(٤).
١٤ - حُجْر بن عَديٍّ، ويدعى حُجْر بن الأدبِرِ بن جِبَلَة الكِنْدِيُّ
الكوفيُّ، أبو عبدالرحمن. وقيل لأبيه: الأدبر، لأنه طَعِنَ مُوَلِّيًّا .
(١) انظر هذه الأخبار فى طبقات ابن سعد ٨ / ١١٦ - ١٢٠، والاستيعاب ٤/ ١٨٠٤ -
١٨٠٥.
(٢) الطبقات الكبرى ٨ / ١١٦ .
(٣) قوله: ((فإن ابنه النضر)) ذهول عجيب من المصنف لم نعهد مثله عنده، فالنضر بن
الحارث هو ابن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار، فهو قرشي عبدري لا
علاقة له بالحارث بن كلدة الطبيب، وتنظر سيرة ابن هشام ٣٥٨/١ وغيرها.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/ الترجمة ٤٠١ .
٤٨٢

ولحُجْر صُحْبة ووفادة، ما روى عن النبيِّ بَّ شيئًا.
سمع من عليٍّ وعمَّار. وعنه مولاه أبو ليلى، وأبو البَخْتري الطَّائي.
شَهِدَ صِفِّين أميرًا مع علي، وكان صالحًا عابدًا، يلازم الوُضوء،
ويكثر من الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، وكان يُكَذِّب زياد بن أبيه
الأميرَ على المِنْبر، وحصبَهُ مرَّة فكتب فيه إلى معاوية، فسار حُجْر عن
الكوفة في ثلاثة آلاف بالسِّلاح، ثم تورَّعَ وقعدَ عن الخروج، فسيَّره زياد إلى
معاوية، وجاء الشُّهود فشهدوا عند معاوية عليه، وكان معه عشرون رجلاً
فَهَمَّ معاوية بقتلهم، فأخرجوا إلى عَذْراء(١).
وقيل: إنَّ رسولَ معاوية جاء إليهم لما وصلوا إلى عَذراء يعرض
عليهم التوبة والبراءة من عليّ رضي الله عنه، فأبى من ذلك عشرة، وتبرَّأ
عشرة، فقتل أولئك، فلما انتهى القَتْل إلى حُجْر رضي الله عنه جعل يُرْعدُ،
فقيل له: مالك ترعد! فقال: قَبرٌ مَخْفور، وكَفَن مَنْشور، وسَيْف مَشْهور .
ولما بلغ عبدالله بن عمر قِتْلَة حُجْر قام من مجلسه مولِّيًّا يبكي.
ولما حجَّ معاوية استأذن على أُمِّ المؤمنين عائشة فقالت له: أقتلتَ
حُجْرًا! فقال: وجدت في قتله صلاحَ النَّاس، وخفتُ من فسادهم.
وقيل: إنَّ معاوية ندم كلَّ النَّدم على قتلهم، وكان قتلهم في سنة
إحدى وخمسين .
ابن عَوْنٍ: عن نافع، قال: كان ابن عمر في السُّوق، فنُعي إليه حُجْر،
فأطلق حَبْوَتَهُ وقام، وقد غلبه النَّحِيب.
هشام(٢): عن ابن سيرين، قال: لما أتي معاوية بحُجْر قال: السَّلام
عليك يا أمير المؤمنين، قال: أو أمير المؤمنين أنا! اضربوا عنقه، فصلَّى
ركعتين، وقال لمن حضر من أهله: لا تطلقوا عنّي حديدًا، ولا تغسلوا عنّي
دمًا، فإنِّي مُلاقٍ معاوية على الجادّة(٣).
(١) قرية بغوطة دمشق من إقليم خولان.
(٢) هو هشام بن حسان.
(٣) من تاريخ دمشق ١٢ / ٢٠٧ - ٢٣٤.
٤٨٣

١٥ - سوى ت(١): حسَانُ بن ثابت بن المنذر بن حَرام الأنصاريُّ
النَّجَّاريُّ، أبو عبدالرحمن، شاعرُ رسولِ الله ◌ِّل.
دعا له النبيُّ مَّه: ((اللهم أَيِّده برِوح القُدُس))(٢). روى عنه ابنه
عبدالرحمن، وسعيد بن المسيِّب، وأبو سَلَمة بن عبدالرحمن، وغيرهم.
بَلَغْنا أنَّ حسَّان، وأباه، وجدَّه، وجدَّ أبيه، عاش كلُّ منهم مئة
وعشرين سنة وكان في حسّان جُبن، وأضرَّ بأخرة، وله شِعْر فائق في
الفصاحة .
توفي سنة أربع وخمسين(٣).
١٦- ع: حَكيم بن حِزام بن خُوَيْلد بن أسد بن عبدالعُزَّى بن
قُصيّ بن كلاب القرشيُّ الأسديُّ، أبو خالد، وعمَّته خديجة رضي الله
عنها .
كان يوم الفيل مراهقًا وهو والد هشام، له صُحْبة ورواية، وشرف في
قومه وحشمة. روى عنه ابنه حزام، وسعيد بن المُسَيِّب، وعبدالله بن
الحارث بن نَوْفل، وعُرْوة بن الزُبير، وموسى بن طَلِّحة، ويوسف بن
ماهَك، وغیرُهم.
حضر بدرًا مُشْركًا، وأسلم عامَ الفَتْح، وكان إذا اجتهدَ في يمينه قال:
لا والذي نَجَّاني يوم بدر من القَتْل. وله منقبة؛ وهو أنه وُلد في جَوْفٍ
الكعبة. وأسلم وله ستون سنة أو أكثر، وكان من المؤلّفة قلوبُهم، أعطاه
النبيُّ مَ ل﴿ يوم حُنين مئة من الإبل؛ قاله ابن إسحاق.
حَصَّل حكيم أموالاً من التِّجارة، وكان شديدَ الأدْمَة نحيفًا. ولما
ضَيَّقت قريشٍ على بني هاشم بالشِّعب، كان حكيم تأتيه العير، تحمل
الحنطةَ، فيُقْبِلُها الشِّعْبَ، ثم يَضْربُ أعجازها، فتدخل عليهم (٤).
(١) يعني: الستة سوى الترمذي.
(٢) أخرجه البخاري ٤/ ١٣٦، ومسلم ٧/ ١٦٣، وغيرهما من طريق سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة وحسان، به.
(٣) من تهذيب الكمال ٦ / ١٦ - ٢٥.
(٤) هذا من قول الزبير بن بكَّار.
٤٨٤

وقال عُروة: قال النبيُّ مِ * يوم الفتح: ((من دخل دار حكيم فهو آمن،
ومن دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، ومن دخل دار بُدَيْل بن ورقاء فهو
آمن)»(١).
وقال له النبيُّ بِّهِ: ((أسلمتَ على ما سلفَ لكَ من خَيْرِ))(٢).
وكان سَمْحًا جَوادًا كريمًا، عالمًا بالنَّسَب، أعتق في الجاهلية مئة
رَقَبة، وفي الإسلام مئة رَقَبة، وكان ذا رأي وعقل تامٍّ، وهو أحد من دفن
عثمان سِرًّا. وباع دارًا لمعاوية بستين ألفًا، وتصدَّق بها، وقال: اشتريتُها في
الجاهلية بزقِّ خَمْر.
ورُوي أنَّ الزُبير لما توفي، قال حكيم بن حزام لابن الزُّبير: كم على
أخي من الدَّين؟ قال: ألف ألف درهم، قال: عليَّ منها خمس مئة ألف.
ودُخِلَ على حكيم عند الموت وهو يقول: لا إله إلا الله، قد كنتُ
أخشاكَ، وأنا اليوم أرجوكَ .
توفي رضي الله عنه سنة أربع وخمسين(٣).
١٧ - خ م ن: حُوَيْطِب بن عبدالعُزَّى القرشيُّ العامريُّ .
من مُسْلمة الفتح، له صُحْبة، وهو أحد النَّفَر الذين أمرهم عُمر
بتجديد أنصاب الحَرَمِ، وأحد من دفنَ عُثمان، وكان حَميد الإسلام، عُمِّر
مئة وعشرين سنة، ويُروى أنَّه باعَ من معاوية دارًا بالمدينة بأربعين ألف
دینار .
روى عن عبدالله بن السَّعدي حديث رِزْق العامل، رواه عنه السائب
ابن يزيد، وهو في الصحيحين(٤)، قد اجتمع في إسناده أربعة من
(١) إسناده ضعيف لإرساله، عروة بن الزبير لم يدرك فتح مكة، وهو من رواية حماد بن
سلمة عن هشام عن أبيه عروة. وانظر السير ٣/ ٤٨ والتعليق عليه.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ١٤١ و٣/ ١٠٧ و١٩٣ و٨/ ٧، ومسلم ١/ ٧٩، وغيرهما من
طريق عروة، عن حكيم بن حزام.
(٣) من تهذيب الكمال ٧/ ١٧٠ - ١٩٢.
(٤) أخرجه البخاري ٩/ ٨٤، ومسلم ٣/ ٩٨، وغيرهما من طريق السائب بن يزيد، عن
حویطب، به .
٤٨٥

الصحابة(١).
توفي حُويطب سنة أربع، ويقال: سنة اثنتين وخمسين(٢).
١٨ - ت ن(٣): خالد بن عُرْفُطة العُذْريُّ.
له صحبة ورواية. روى عنه مولاه مُسلم، وأبو عُثمان النَّهدي،
وعبدالله بن يسار. وكان أحدَ الأبطال المذكورين، توفي بالكوفة سنة ستين .
قال ابن سَعْد(٤): وكان سعدٌ وَلَّى خالدًا القتالَ يوم القادسية، وهو
الذي قتل الخوارج يوم النُّخَيْلة، وله بالكوفة دارٌ وعَقب(٥) .
١٩ - خراش بن أُمَيَّة الكَعْبيُّ الخُزاعيُّ.
له دارٌ بالمدينة بسوق الدَّجاج، شهد بيعةَ الرِّضوان وحلقَ رأسَ النبيِّ
صَلى الله
* يومئذ، وتوفي في آخر أيام معاوية، قاله ابن سعد(٦). لم يرو شيئًا.
٢٠- دَغْفَل بن حَنْظَلة الشيبانيُّ الذُّهْليُّ النَّسابةُ.
مُختَلَفٌ في صُحبته. وقال أحمد بن حنبل: لا أرى له صحبة(٧).
تُوفي في دهر معاوية(٨).
٢١- دق: ذو مِخْمَر، ويقال: ذو مِخْبَر الحَبَشيُّ، ابن أخي
النَّجَاشي .
هاجر، وخدم النبيَّ مََّ، وروى عنه. روى عنه جُبَير بن نُفَير، وخالد
ابن مَعْدان، وأبو الزَّاهرية حُدَير بن كُرَيْب، ويزيد بن صُلَيْح .
(١) هم: السائب بن يزيد، وحويطب، وعبد الله بن السعدي، وعمر بن الخطاب.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٧ / ٤٦٥ - ٤٧٠.
في د: ((ت ق))، وهو خطأ، وما أثبتناه يعضده ما في التهذيب وفروعه .
(٣)
(٥) وينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٢٨ - ١٣٠.
(٤)
طبقاته الكبرى ٦ / ٢١.
(٦) لم أقف على ترجمته في المطبوع من الطبقات فهو في القسم غير المنشور من صغار
الصحابة. وخبر حلقه رأس النبي ◌َّر في طبقات ابن سعد ٢ / ٩٨، وانظر الاستيعاب
٢/ ٤٥٤.
(٧) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/ الترجمة ٢٠٠٤ .
(٨) ينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٨٦ - ٤٩١ .
٤٨٦

توفي بالشّام (١).
٢٢ - الربيع بن زياد الحارثيُّ الأمير، يُكْنَى أبا عبدالرحمن.
روى عنٍ أُبيِّ بن كَعْب، وكَعْب الأحبار. وعنه أبو مِجْلَز (٢) لاحق،
ومُطَرِّف بن الشِّخِّير، وحَفْصة بنت سيرين، وأرسل عنه قَتَادة. ولي خُراسان
لمعاوية، وكان الحسن البَصْري كاتبًا له.
وروى الهيثم، عن مجالد، عن الشَّعبي، قال: قال عمر: دُلُوني على
رجل أستعمله، فذكروا له جماعة، فلم يُردهم، قالوا: مَن تريد؟ قال: من
إذا كان أميرَهم كان كأنَّه رجلٌ منهم، وإذا لم يكن أميرَهم كان كأنَّه أميرُهم،
قالوا: ما نعلمه إلاّ الرّبيع بن زياد الحارثي، قال: صَدقتم.
قال أبو أحمد الحاكم في ((الكُنَى)): لمَّا بلغ الرَّبيع بن زياد مقتل حُجْر
ابن عَدِيٍّ، دعا فقال: اللهم إنْ كان للربيع عندك خَيْر، فاقبضه إليك
وعَجِّل. فزعموا أنه لم يَبْرح من مَجْلسه حتى مات، رحمه الله(٣) .
٢٣ - د ت ن: رُوَيْفع بن ثابت الأنصاريُّ، أمير المغرب.
يقال: توفي سنة اثنتين وخمسين، وقد ذُكِرَ في الطبقة الماضية (٤).
وأما ابن يونس فقال: توفي سنة ستٍّ وخمسين(٥).
٢٤- زياد بن عُبَيد، الأمير الذي ادعاه مُعاوية أنَّه أخوهُ والتحق
بِهِ، وجَمَع له إمرة العراق، كنيتُهُ أبو المُغيرة.
أسلمَ في عَهْد أبي بكرٍ، وكان كاتبَ أبي موسى في إمرته على
البصرة. سَمِعَ من عُمَرَ. روى عنه محمد بن سيرين، وعبدالملك بن عُمَير،
وجماعة .
ووُلد سنة الهجرة، وأمه سُمَيَّة جارية الحارث بن كَلدة الثَّقَفي .
(١) من تهذيب الكمال ٨/ ٥٣١ - ٥٣٢ .
(٢) في د: ((مخلد))، تحرف.
ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٨ - ٨٠.
(٣)
الترجمة (٢٢).
(٤)
(٥) ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
٤٨٧

قال البخاري(١): هو أخو أبي بكرة الثقفي لأمِّه.
وكان زيادٌ لبيبًا فاضلاً، حازمًا، من دُهاة العربِ، بحيث يُضرب به
المَثل. يقال: إنَّه كَتب لأبي موسى، وللمُغيرة بن شُعْبة، ولعبدالله بن عامر،
وكتبَ بالبصرة لابن عباس .
وذكر الشَّعبي: أنَّ عبدالله بن عباس لمَّا سارَ من البَصْرة مع عليٍّ إلى
صِفِّين استخلفَ زيادًا على بيت المالِ .
وذكر عَوانة بن الحَكَم أنَّ أبا سفيان بن حرب صار إلى الطَّائف فسكر،
فالتمس بغَيًّا، فأُحضرت له سُمَيَّة، فواقعها، وكانت مُزوَّجةً بعُبيد مولى
الحارث بن كَلَدة، قال: فولدت زيادًا، فادَّعاه معاويةٌ في خلافته، وأنَّه من
ظَهْر أبي سفيان .
ولما توفي عليٌّ كان زيادٌ عاملَهُ على فارسَ، فتحصَّن في قلعةٍ، ثم
كاتبَ مُعاوية وأن يُصالحه على ألفي ألف درهم، ثم أقبل زيادٌ من فارس .
وقال محمد بن سيرين: إنَّ زيادًا قال لأبي بَكْرة، وهو أخوه لأمّه: ألم
ترَ أنَّ أميرَ المؤمنين أرادني على كذا وكذا، وقد ولدتُ على فراش عُبيد
وأشبهتُّهُ، وقد علمتُ أنَّ رسول الله بَ لَه قال: ((من ادَّعى إلى غير أبيه،
فليتبوَّأْ مَقْعده من النار))(٢). ثُمَّ جاء العام المقبل، وقد اذَّعاه.
قال الشَّعبي: ما رأيتُ أحدًا أخطبَ من زياد.
وقال قَبِيصةُ بن جابر: ما رأيتُ أخصب ناديًا، ولا أكرم جَلِيسًا، ولا
أشبه سريرةً بعلانيةٍ من زياد.
وقال أبو إسحاق السبيعيُّ: ما رأيتُ قط أحدًا خيرًا من زياد ما كان إلا
عروسًا .
..
(١) تاريخه الكبير ٣/ الترجمة ١٢٠١ .
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٩/ ١٧٤.
والحديث صحيح من رواية أبي عثمان عن سعد بنحوه، قال أبو عثمان. فذكرته
لأبي بكرة، فقال: وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله مثله، وفي رواية: لما
ادُّعي زياد لقيت أبا بكرة ... فذكره. أخرجه البخاري ٥/ ١٩٨ و٨/ ١٩٤، ومسلم
١/ ٥٧، وغيرهما.
٤٨٨

وقال الفقيه الوزير أبو محمد بن حَزْم في كتاب ((الفِصَل)) (١): ولقد
امتنع زياد وهو فَقْعَةِ القاع(٢)، لا عشيرةً له ولا نسبَ، ولا سابقةَ، ولا قدم،
فما أطاقَهُ معاويةُ إلاّ بالمداراة، وحتى أرضاه وولاَه.
وقال أبو الشَّعثاء جابر بن زَيْد: كان زيادٌ أقتلَ لأهل دينه ممَّن يخالف
هواه من الحجّاج، وكان الحَجَّاجِ أَعَمَّ بالقتلِ.
وقال ابن شَوْذَب: بلغ ابنَ عمر أنَّ زيادًا كتبٍ إلى معاويةً: إنِّي قد
ضبطتُّ العراق بيميني، وشمالي فارغة، فسأله أن يولِيه الحجازَ، فقال ابن
عُمر: اللهم إنك إن(٣) تجعل في القتل كفَّارة، فموتًا لابن سُمَيَّة لا قَتْلاً،
فخرج في إصبع زياد الطاعون، فمات.
وقال الحسن البَصْري: بلغ الحسن بن عليٍّ أنَّ زيادًا يتَتَبَّع شيعة عليٍّ
بالبصرة فیقتلهم، فدعا علیه .
وروى ابن الكَلْبي: أنَّ زيادًا جَمَع أهلَ الكُوفة ليعرضهم على البراءة
من عليّ، فخرج خارجٌ من القَصْر، فقال: إنَّ الأمير مشغول، فانصرفوا،
وإذا الطَّاعون قد ضَرَبَهُ.
توفي سنة ثلاث وخمسين. وله أخبار تطول (٤).
٢٥-ع: زيد بن ثابت رضي الله عنه.
قد ذُكر في الماضية(٥)، وقال أحمد بن حنبل، والفلَّس: توفي سنة
إحدى وخمسين. وقال المدائنيُّ، وغيره: توفي سنة خمس وخمسين .
٢٦- ٤: السَّائب بن خَلَّد بن سُوَيد بن ثَعْلبة، أبو سَهْلة
الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ .
له صُحبة، وأحاديث قليلة. روى عنه ابنه خَلَّد، وعطاء بن يَسَار،
ومحمد بن كَعْب القُرَظيُّ، وصالح بن خَيْوان السَّبئي، وعبدالرحمن بن
(١) الفصل في الملل ٤ / ١٧٣ .
الفقع: ضرب من الكمأة، والقاع: الأرض الواسعة .
(٢)
(٣) ليست في د.
(٤) ينظر الاستيعاب ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٠، وله ترجمة مطولة في تاريخ دمشق لابن عساكر
١٩ / ١٦٢ - ٢٠٩.
(٥) الترجمة (٢٤).
٤٨٩

عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي صَعْصعة .
وقيل: هما اثنان، وإنَّ والد خَلَّد ما روى عنه إلاَّ ولده(١).
٢٧ - السَّائب بن أبي وَدَاعة القُرَشيُّ السَّهميُّ.
أُسر يومَ بدر، فقال النبيُّ مَلّ: ((تمسَّكوا به فإنَّ له ابنًا كَيِّسًا بمكة)».
فخرج ابنه المطّلب سرًّا حتى قَدِم، ففدَى أباه بأربعة آلاف درهم، ثم أسلمَ
السائب، وتوفي سنة سبع وخمسين .
٢٨ - م ٤: سَبْرَة بن مَعْبَد، ويقال: سَبْرة بن عَوْسَجَة بن حَرْمَلَة
الجھنيُّ.
له صُحبة ورواية. روى عنه ابنه الربيع أحاديث. أخرج له مسلم
وغيرُه، وكان رسولَ عليٍّ إلى معاويةَ من المدينة، بعد مقتل عُثمان .
وكنيته: أبو ثُرَيَّةٍ(٢).
٢٩- ع: سعد بن أبي وقَّاص، مالك بن أُهَيْب بن عبدمناف بن
زُهْرة بن كِلاب بن مُرَّة، أبو إسحاق الزُّهريُّ.
أحدُ العشرةِ المشهودِ له بالجنة، وأحدُ السَّابقين الأوَّلين، كان يقال له
فارس الإسلام، وهو أول من رَمَى بسَهْم في سبيلِ الله. وكان مُقدِّمَ الجيوش
في فَتْح العراق، مُجابَ الدعوة، كثيرَ المناقب، هاجرَ إلى المدينة قبل مَقْدم
رسول الله مَل﴾، وشهدَ بَدْرًا .
روى عنه بنوه: عامر ومُصْعب وإبراهيم وعمر ومحمد وعائشة بنو
سعد، وبسر بن سعيد، وسعيد بن المُسيِّب، وأبو عُثمان النَّهدي، وعَلْقَمة
ابن قيس، وعُروة بن الزَّبير، وأبو صالح السَّمَّان، وآخرون.
وأُّه حَمْنة بنت سفيان بن أُميّة بن عبدشمس، أسلم وهو ابن تسع
عشرة سنة، وكان قصيرًا دَحْداحًا غَليظًا، ذا هامةً، شئنَ الأصابع، جعدَ
الشَّعْرِ، أشعرَ الجَسَد، آدمَ، أفطسَ.
(١) ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١٨٦ - ١٨٨، وتعليقنا عليه.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٥ .
٤٩٠

قال سعيد بن المُسَيِّب: سمعت سعدًا يقول: مكثتُ سبعَ ليالٍ، وإني
لثُلُث الإسلام.
وقال قَيْس بن أبي حازم: قال سَعْد: ما جمعَ رسول الله ◌ِّ أَبويه
لأحدٍ قبلي، قال لي: ((يا سَعْد فداك أبي وأمِّي)). وإني لأول من رَمَى
المُشركين بسَهْم، ولقد رأيتُني مع النبيِّ مَ ﴿ سابعَ سبعة، ما لنا طعام إلا
ورق السَّمُر، حتى إنَّ أحدنا ليضع مثل ما تضع الشّاة، ثم أصبحت بنو أسد
تعزِّرني على الإسلام، لقد خِبْت إذن وضلَّ سعيي(١).
وقال بُكَيْرِ بن مِسْمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه: إنَّ رسول الله
وَّ جَمَعَ له أبويه، قال: كان رجل من المشركين قد أحرقَ المسلمين، فقال
النبيُّ مَّة: ((ارم فداك أبي وأمي))، قال: فنزعتُ بسهم ليس فيه نَصْل فأصبت
جبهتَهُ، فوقعَ، فانكشفت عورتُه، فضحكَ رسول الله بِّ، حتى بدت
تواجذُه(٢).
وعن الزُّهري، قال: قَتَلَ سعدٌ يوم أُحُد بسهم رُمِيَ به ثلاثةً؛ رموا به
فأخذَهُ سعد فرَمَى به فقتل، فرموا به، فأخذه سعد الثانية فقَتَلَ، فرموا به
فرمى به سَعْدٌ ثالثًا، فقتل ثالثاً، فعجب الناس من فعله(٣).
قال ابن المسيِّب: كان سعدٌ جَيِّدَ الرَّمي.
وقال عليٍّ: ما سَمعت رسولَ الله وَلَه يجمع أبويه لأحد غير سعد (٤).
وقال ابن مسعود: لقد رأيتُ سَعْدًا يقاتلُ يوم بدرٍ قتالَ الفارس في
الرجال .
(١) أخرجه البخاري ٥/ ٢٨ و٧/ ٩٦ و٨/ ١٢١، ومسلم ٨/ ٢١٥، وغيرهما من طريق
قيس بن أبي حازم عن سعد، بنحوه ليس فيه شطره الأول في جمع النبي مح له أبويه
لسعد. وقد أخرج هذا الشطر البخاري ٥/ ٢٧ و١٢٤، ومسلم ٧/ ١٢٥ وغيرهما من
طريق سعيد بن المسيب، عن سعد، به. وقد جمع ابن عساكر طرق هذا الحديث عن
قيس بن أبي حازم ٢٠ / ٣٠٠ - ٣٠٥، فساقه مطولاً ومقتصرًا على بعضه.
(٢) أخرجه مسلم ٧/ ١٢٥ من طريق عامر بن سعد، به.
(٣) إسناده منقطع كما قال المصنف في السير ١/ ٩٩، الزهري لم يسمع من سعد.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٨٢٨) و(٣٧٥٣) من طريق سعيد بن المسيب، عن عليّ، به،
وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)).
٤٩١

وروى عثمان بن عبدالرحمن، عن الزهري، قال: بعثَ رسولُ الله ◌ِلّه
سريَّةً فيها سعد بن أبي وقاص إلى رابغ، وهو من جانب الجُحْفَة، فانكفأ
المشركون على المُسلمين، فحماهم سَعْد يومئذ بسهامه، وهذا أول قتال
كان في الإسلام، فقال سعد :
ألا هل أتى رسولَ الله أنِّ حَمَيْت صَحابتي بصدور نَبْلِي
فما يَعْتَدُّ رام في عدوٍ بسهمٍ يارسولَ الله قبلي(١)
وقال ابنُ مسعود : اشتركتُ أنا وسعد وعَمَّار يوم بدر فيما نغنم، فجاء
سَعْد بأسيرين، ولم أجىء أنا ولا عمَّار بشيءٍ .
وعن أبي إسحاق، قال: كان أشدَّ الصحابة أربعة: عمرُ، وعليٍّ،
والزبيرُ، وسعدٌ.
وجاء عن ابن عُمر، وأنسٍ، وعبدالله بن عَمْرو، من وجوه ضعيفة أنَّ
رسولَ الله ◌ِ ◌ّ قال: ((أوَّل من يدخل من هذا الباب عليكم رجلٌ من أهل
الجَنَّة))، فدخلَ سعد بن أبي وقَّاص(٢) .
وقال سعد: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ﴾ [الأنعام ٥٢].
نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم. أخرجه مسلم(٣).
وقال مُجالد، عن الشَّعبي، عن جابر، قال: أقبل سَعْد بن أبي
وقَّاص، فقال النبيّ مََّ: ((هذا خالي، فليُرِني امرؤ خالَهُ)) (٤).
وقال قَيْس بن أبي حازم: حدَّثني سعدٌ أنَّ رسول الله مَلِّ قال: ((اللهم
استجب لسَعْد إذا دعاك))(٥) .
(١) إسناد الحكاية منقطع، الزهري لم يسمع من سعد، أخرجه ابن عساكر ٢٠/
٣١٩- ٣٢٠.
(٢) جمع ابن عساكر طرقه ٢٠/ ٣٢٥ - ٣٢٧، وأسانيده ضعيفة كما قال المصنف.
(٣) مسلم ٧/ ١٢٧ من طريق شريح، عن سعد، به، وانظر تخريجه كاملاً في تعليقنا على
ابن ماجة (٤١٢٨).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٧٥٢)، من طريق مجالد، عن الشعبي، به، وقال الترمذي: ((هذا
حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مجالد))، ومجالد ضعيف.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٧٥١)، وقال: ((وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل عن قيس أن
النبي بَثّ، قال: اللهم استجب لسعد إذا دعاك، وهذا أصح)). يعني أن المرسل هو
المحفوظ .
٤٩٢

وقال عبدالملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمُّرة، قال: شكا أهلُ الكوفة
سَعْدًا، يعني لما كان أميرًا عليهم، إلى عُمر فقالوا: إنه لا يحسن يصلِّي.
فقال سعد: أما إني كنت أصلِّي بهم صلاة رسول الله مَّة، صلاتي العشاء،
لا أخْرمُ منها، أركد في الأولَيَيْن وأحذفُ في الأُخريَيْن، فقال(١): ذاك الظن
بك يا أبا إسحاق. ثم بعث رجالاً يسألون عنه، فكانوا لا يأتون مسجدًا من
مساجد الكوفة إلا قالوا خَيْرًا، حتى أتوا مسجدًا من مساجد بني عَبْس، فقال
رجل يقال له أبو سَعْدَة: أما إذ نشدتمونا بالله، فإنه كان لا يَعدل في القضية،
ولا يَقْسِمُ بالسَّويّة، ولا يَغْزو في السَّرِية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا،
فأعِمِ بصرَهُ، وأطل عُمره، وعرِّضه لَلِفِتَن. قال عبدالملك: أنا رأيته بعدُ
يتعرَّض للإماء في السِّكَك، فإذا سُئِلَ كيفَ أنت؟ يقول: شيخٌ كبيرٌ فقيرٌ
مفتونٌ، أصابتني دعوةُ سعد(٢).
وقال الزُّبير بن عَدِيٍّ، عن مُصعب بن سعد: إنَّ سَعْدًا خَطَبَهم
بالكوفة، ثم قال: يا أهلَ الكوفة، أيُّ أمير كنتُ لكم؟ فقام رجلٌ فقال: إن
كنتَ ما علمتُك لا تَعْدل في الرعية، ولا تَقْسم بالسوية، ولا تَغْزو في
السَّرية. فقال: اللهم إن كان كاذبًا فأعْم بصره، وعجِّل فَقْره، وأطِلْ عُمُره،
وعرِّضه للفِتَن. قال: فما ماتَ حتى عَمِي وافتقرَ وسأل، وأدرك فتنةَ المُختار
فقُتل فيها .
وقال شُعْبة، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المُسَيِّب، قال:
خرجتْ جاريةٌ لسَعْدٍ، وعليها قميص جديد، فكشفتها الرِّيح، فشدَّ عمر
عليها بالدِّرَّة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله بالدِّرَّة، فذهب سَعْد ليدعو على
عمر، فناوله الدِّرَّة وقال: اقتصَّ، فعفا عن عُمر.
وقال زياد البَكَّائي عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن قَبِيصة بن جابر، قال:
قال ابن عَمِّ لنا يوم القادسية :
(١) يعني: عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٢) أخرجه البخاري ١/ ١٩٢ وبهامش ١٩٣، ومسلم ٢/ ٣٨، وغيرهما، من طريق
عبدالملك بن عمير، به .
٤٩٣

ألم ترَ أنَّ الله أنزلَ نَصْره وسعد بباب القادسية مُعْصَم
فأُبُنا وقد آمتْ نساءُ كثيرةٌ ونِسوةُ سعدٍ لَيْس فيهنَّ أَيِّمُ
فبلغَ سَعْدًا فقالَ: اللهم اقطع عنِّي لسانَه، فجاءت نُشَّابة، فأصابت
فاهُ، فخرس، ثم قُطِعت يدُه في القتال. وكان في جَسد سَعْد قروحٌ، فأخبرَ
النَّاس بعذرهِ عن القتال.
وقال مُصْعبُ بن سعدَ، وغيره: إنَّ رجلاً نال من عليٍّ، فنهاه سعدٌ،
فلم ينته، فدعا عليه، فما برح حتى جاءَ بعيرٌ نادُّ(١)، فخَبَطه حتى مات. لها
طُرق عن سعد(٢).
وقال جرير عن مغيرة، عن أمِّه قالت: زرنا آل سعد بن أبي وقّاص،
فرأينا جاريةً كأنَّ طولها شبر. قلت: من هذه؟ قالوا: ماتعرفينها؟ هذه بنت
سعد، غمست يدها في طهوره فقال: قطع الله قرنك، فما شَبَّت بعد.
قد ذكرنا فيما مرَّ لنا أنَّ سعدًا جعله عُمر أحد الستة أهل الشُّورى،
وقال: إن أصابت الخلافة سَعْدًا، وإلاَّ فليستعن به الخليفة بعدي، فإنّ لم
أعزله من ضَعْفٍ ولا من خيانة .
وسَعْد كان ممَّن اعتزل عليًّا ومعاوية.
قال أيوب، عن ابن سيرين: نُبَّئت أنَّ سعدًا قال: ما أزعم أنّ
بقميصي هذا أحقُّ منِّي بالخلافة، قد جاهدت إذ أنا أعرف الجهاد، ولا أبْخَعُ
نفسي إن كان رجل خيرًا منِّي، ولا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان
وشفتان، فيقول هذا مؤمن وهذا كافر.
وقال محمد بن الضَّخَاك الحزامي، عن أبيه: إنَّ عليًّا رضي الله عنه
خطب بعد الحَكَمين فقال: لله منزلٌ نزله سعدُ بن مالك وعبدُالله بن عمر،
والله لئن كان ذنبًا، يعني اعتزالهما، إنه لصغيرٌ مَغْفور، ولئن كان حسنًا، إنَّه
لعظيم مشكور.
وقال عُمر بن الحَكَم، عن عَوَانة: دخل سَعْد على معاوية، فلم يسلِّم
عليه بالإمارة، فقال معاوية: لو شئتَ أن تقول غيرها لقلت، قال: فنحن
(١) ند البعير: أي شرَدَ ونفَرَ .
(٢) روى هذه الطرق ابن أبي الدنيا في كتابه ((مجابي الدعوة)).
٤٩٤

المؤمنون ولم نؤمّرك، فإنَّك مُعجَب بما أنت فيه، والله ما يسُرُّني أَنِّي على
الذي أنتَ عليه، وأنِي هرقت محجمة دم.
وقال محمد بن سيرين: إنَّ سعدًا طافٍ على تسع جوارٍ في ليلة، ثم
أيقظ العاشرة، فغلبه النوم، فاستحيت أن توقظَهُ.
وقال الزُّهري: إنَّ سعدًا لما حضرتْهُ الوفاةُ، دعا بخلَق جُبَّة من
صُوف فقال: كفِّنوني فيها، فإنِّي لقيت فيها المُشركين يوم بَدْر، وإنَّما خبأتها
لهذا .
وقال حَمَّاد بن سَلَمة، عن سِماك، عن مُصْعب بن سعد، قال: كان
رأس أبي في حِجْري، وهو يقضي، فبكيت، فرفعَ رأسَه إليَّ فقال: أي بني
ما يبكيك؟ قلت: لمكانك وما أرى بك، قال: لا تبكِ، فإنَّ الله لا يعذّبني
أبدًا، وإنِّي من أهل الجنة.
وعن عائشة بنت سعد، أنَّ أباها أرسلَ إلى مروان بزكاة عين ماله،
خمسة آلاف، وخلّف يوم مات مئتين وخمسين ألف درهم.
قال الزُبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في الآخر في قصرٍ بناه بطرف
حَمْراء الأسد.
قال الواقدي، والمدائني، وجماعة كثيرة: توفي سنة خمس
و خمسين .
وقال قَعْنَب بن المُحَرَّر: سنة ثمان وخمسين. وقيل: سنة سبع،
وليس بشيء.
وقال ابن سعد (١): توفي في قَصْره بالعَقِيق، على سبعة أميال من
المدينة، وحُمل إلى المدينة، وصلَّى عليه مَرْوان، وله أربع وسبعون
سنة(٢) .
٣٠- ع: سعيد بن زَيْد بن عمرو بن نُفَيْل بن عبدالعُزَّى القرشيُّ
العدويُّ، أبو الأعور.
(١) طبقاته الكبرى ٣ / ١٤٧.
(٢) من تاريخ دمشق ٢٠/ ٢٨٠ - ٣٧٣، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٤.
٤٩٥

أحد العشرة المَشْهود لهم بالجَنَّة، وكان أميرًا على رُبع المهاجرين،
وولي دمشق نيابةً لأبي عُبيدة، وشَهِد فَتْحها. روى عنه ابنُ عمر، وأبو
الطُّفَيْلِ، وعمرو بن حُرَيْث، وزِرُّ بن حُبَيْش، وحُمَيْد بن عبدالرحمن، وقَيْس
ابن أبي حازم، وعُرْوة بن الزُبير، وجماعة.
وقال أهل المغازي: إنَّ سعيد بن زيد قَدِم من الشَّامِ بُعَيد بَدْر، فكلَّم
النبيَّ مَّ، فضرب له بسهمه وأجره.
أسلم سعيد قبل دخول دار الأرقم، وكان مزوَّجًا بفاطمة أخت عُمر،
وهي بنتُ عَمِّ أبيه. وقال سعيد: ولقد رأيتني وإنَّ عمر لموثقي على
الإسلام، ولم يكن عمر أسلم بعد .
وعن ابن مكيث أنَّ النبيَّ مَّ بعث سعيدًا وطلحة يَتَحسَّسان خبر عِير
قُريش، فلهذا غابا عن وَقْعةَ بَدْر، فرجعا إلى المدينة وقدِماها في يوم
الوقعة، فخرجا يؤمَّانه، وشهد سعيد أُحُدًا وما بعدها .
وقال عبدالله بن ظالم المازني، عن سعيد بن زيد، قال: أشهد على
التسعة أنهم في الجَنَّة، ولو شهدت على العاشر لم آثم، يعني نفسَه(١).
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن الشهادة لأبي بكر
وعُمر بالجنة، فقال: نعم، أذهبُ إلی حدیث سعید بن زيد .
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: إنَّ أروى بنت أوس(٢) ادَّعت على
سعيد بن زيد أنَّه أخذ من أرضها شيئًا، فخاصمته إلى مَرْوان، فقال: أنا آخذ
من أرضها شيئًا بعدما سمعتُ من رسول الله مَلٍ؟ سمعته يقول: ((من أخذ
شيئًا من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين)) .. فقال مروان لا أسألك بَيِّنة بعد
هذا. فقال سعيد: اللهمَّ إن كانت كاذبةً فأعْمِ بَصَرَها، واقتلها في أرضها،
فما ماتت حتى ذَهبَ بصرُها، وبينا هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حُفرة
فماتت. رواه مسلم(٣) .
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٥٧)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). وانظر تمام تخريجه
في تعليقنا عليه .
(٢) كذا في النسخ، والصواب: ((أويس)) كما جاء في روايات الحديث.
(٣) فى صحيحه ٥ / ٥٨، والحديث متفق عليه، فقد أخرجه البخاري ٤/ ١٣٠، من هذا
الطريق أيضًا، غير أن القصة ليست فيه .
٤٩٦

وقال عطاء بن السائب، عن محارب بن دِثار: إنَّ معاويةً كتب إلى
مروان بالمدينة يبايع لابنه يزيد، فقال رجلٌ من أهل الشَّام: ما يحبسك؟
قال: حتى يَجيء سَعيد بن زَيْد فيبايع، فإنَّه سيِّد أهل البَلَد، إذا بايع بايعَ
الناسُ.
وقال نافع: إنَّ ابن عمر لَمَّا سمع بموت سعيد بالعقيق، ذهب إليه
وترك الجُمُعة .
وقالت عائشة بنت سعد بن أبي وقَّاص: مات سعيد بن زَيْد بالعَقيق،
فغسّله سَعْد وكفَّنه، وخرج معه .
قال مالك: كلاهما مات بالعَقيق.
وقال الواقدي: توفي سنة إحدى وخمسين، وهو ابنُ بضع وسبعين
سنة، وقُبِرَ بالمدينة، ونزل في قَبْره سعدٌ وابنُ عمر. وكان رَجُلاً آدَمَ،
طويلاً، أَشَعرَ .
وكذا وَرَّخَ موتَهُ ابنُ بُكَير وجماعةٌ، وشدَّ عُبَيد الله بن سعد الزُّهْرِي
فقال: سنة اثنتين وخمسين. وغَلط الهيثم بن عَدِيٍّ فقال: توفي بالكوفة(١).
٣١- م ن: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميّ الأُمويُّ،
والد عمرو ویحیی .
قُتِلَ أبوه يوم بدر مُشركًا وخَلَّف سعيدًا طفلاً.
وقال أبو حاتم(٢): له صحبة.
روى عن عمر، وعائشة. وعنه ابناه، وعُروة بن الزُبير، وسالم بن
عبدالله. وكان أحدَ الأشراف الأجواد المُمَدَّحين، والحُلماء العُقلاء .. وَلِيَ
إمرة المدينة غير مرةٍ لمعاوية، ووَلِيَ الكُوفة لعثمان، واعتزل عليًّا ومعاوية
-من عقله، فلما صَفَا الأمرُ لمعاوية وفد إليه، فأمر له بجائزةٍ عظيمةٍ. وقد
غزا سعيد طَبَرستان في إمرته على الكُوفة، فافتتحها، وفيه يقول
الفرزدق(٣):
(١) ينظر تاريخ دمشق ٢١ / ٦٢ - ٩٥، وتهذيب الكمال ١٠ / ٤٤٦ - ٤٥٤.
(٢) الجرح والتعديل ٤ / الترجمة ٢٠٤.
(٣) ديوانه ٦١٥، ٦١٨، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ٣٢١.
تاريخ الإسلام ٢/م٣٢
٤٩٧

ترى الغُرَّ الجحاجحَ من قُريشٍ إذا ما الأمرُ ذُو الحَدَثانِ عالا
قيامًا يَنْظرون إلى سَعيدٍ كأنَّهُمُ يَرَوْنَ به هلالا
وقال ابنُ سعد(١): توفي رسول الله مَّ ولسعيد بن العاص بن أبي
أُحَيحة تسعُ سنين أو نحوها. ولم يزل في ناحية عثمان لقرابته منه،
فاستعمله على الكوفة لمَّا عزل عنها الوليد بن عُقْبة، فقدِمها سعيد شابًا
مُترفًا، فأضرَّ بأهلها إضرارًا شديدًا، وعَمِلَ عليها خمس سنين إلا أشهرًا،
ثم قامَ عليه أهلُ الكوفة وطردوه، وأمَّروا عليهم أبا موسى، فأبى عليهم،
وجدَّد البيعة في رقابهم لعثمان، وكتب إليه فاستعمله عليهم. وكان سعيد
ابن العاص يوم الدار مع عثمان يقاتل عنه، ولما خرج طلحة والزبيرِ نحو
البصرة خرجَ معهم سعيد ومروان والمُغيرة بن شعبة، فلما نزلوا مَرَّ الظَّهران
قام سعيد خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، فإن عثمان
عاش حميدًا، وخرج فقيدًا شهيدًا، فضاعفَ الله له حسناتهِ، وقد زعمتُم
أنكم خرجتم تطلبون بدمِه، فإن كنتُم تريدون ذلك، فإنَّ قَتَلَة عثمان على
صدور هذه المَطيِّ وأعجازها، فميلوا عليهم بأسيافكم. فقال مَرْوان: لا
بل نضرب بعضهم ببعض، فمن قُتل ظفرنا منه، ويبقى الباقي فنطلبه وقد
وَهَى. وقامَ المُغيرة فقال: الرأي ما رأى سعيد، وذهب إلى الطائف. ورجع
سعيد بن العاص بمن اتَّبعه، فلم يزل بمكة حتى مضت الجَملُ وصِفِّين .
وقال قبيصة بن جابر: إنَّهم سألوا معاوية: من ترى لهذا الأمر بعدك؟
قال: أما كريمة قريش فسعيد بن العاص، وأما فلان، وذكر جماعة.
ابن سَعْد: حدثنا عليّ بن محمد، عن يزيد بن عياض بن جُعدبة، عن
عبدالله بن أبي بكر بن حَزْم، قال: خَطَبَ سعيدٌ بن العاص أمّ كلثوم بنت
عليٍّ بعد عُمر بن الخطاب، وبعث إليها بمئة ألف، فدخل عليها أخوها
الحُسين، فقال: لا تَزَوَّجيه، فأرسلت إلى الحسن، فقال: أنا أزوُجُه،
واتَّعَدوا لذلك، وحضرَ الحسن، وأتاهم سعيد بن العاص ومن معه، فقال
سعيد: أين أبو عبدالله؟ قال الحسن: سأكفيك، قال: فلعلَّ أبا عبدالله كره
(١) طبقاته الكبرى ٥/ ٣١ فما بعد.
٤٩٨

هذا؟ قال: نعم، قال: لا أدخلُ في شيء يكرهه، ورجعَ ولم يعرض في
المال(١)، ولم يأخذ منه شيئًا.
وقال الوليد بن مَزْيد: حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، قال: عربيةُ القرآنِ
أُقيمت على لسان سعيد بن العاص بن سعيد لأنَّه كان أشبهَهم لهجة برسول
الله ◌ِيَ(٢) .
وروى الواقدي، عن رجاله، أنَّ سعيد بن العاص خرجَ من الدَّار،
فقاتل حتى أُمَّ، ضربهُ رجلٌ ضربةً مأمومة (٣)، قال الذي رآه: فلقد رأيتُه،
وإنَّه ليسمع صوت الرعد، فيُغْشَى عليه .
وقال هُشَيْم، قَدِم الزُبير الكوفة زمن عثمان، وعليها سعيد بن
العاص، فبعثَ إلى الزُّبير بسبع مئة ألف فقبلها .
وعن صالح بن كَيْسان، قال: كان سعيدُ بن العاص حليمًا وقورًا،
ولقد كانت المأمومة التي أصابت رأسه يوم الدار، قد كان أن يخفَّ منها
بعض الخفّة وهو على ذلك من أوقر (٤) الرجال وأحلمه .
وقال ابنُ عون، عن عُمَير بن إسحاق، قال: كان مروان أميرًا علينا
بالمدينة ستَّ سنين، فكان يسب عليًّا في الجُمَع، ثم عُزِل، فاستُعْمِلَ علينا
سعيد بن العاص، فكان لا يسبُّ علیًا .
وقال ابن عُيَيْنة: كان سعيدَ بن العاص إذا سأله سائلٌ، فلم يكن عنده
شيء، قال: اكتب عليَّ بمسألتكَ سِجِلاً إلى أيام مَيْسَرَتي.
وروى الأصمعي أن سعيد بنِ العاص كان يدعو إخوانَهُ وجيرانَهُ كلَّ
جمعة، فيصنعُ لهم الطعامَ، ويخلَعُ عليهم الثيابَ الفاخرة، ويأمر لهم
بالجوائزِ الواسعة .
وروى عبدالأعلى بن حَمَّاد، قال: استسقى سعيد بن العاص من دارٍ
بالمدينة، فسقوه، ثم حَضَرَ صاحبُ الدَّار في الوقت مع جماعة يعرض الدار
(١) في د: (للمال))، وما هنا من بقية النسخ، وهو الذي في تاريخ دمشق ١٣٠/٢١ الذي
ينقل منه المصنف .
(٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ٢٤ .
(٣) ضربة مأمومة: أي شجة بلغت أمَّ الرأس.
(٤) في السير ٣/ ٤٤٧: ((أوفر)) بالفاء، وما هنا أصح.
٤٩٩

للبيع، وكان عليه أربعة آلاف دينار، فبلغ ذلك سعيدًا، فقال: إنَّ له عليه
ذِمامًا لسَقْیه، فأدَّاها عنه.
وعن يحيى بن سعيد الأموي: أنَّ سعيد بن العاص أطعم الناس في
سنة جدبة، حتى أنفق ما في بيت المال وادَّان، فعزَله معاويةُ لذلك.
ويُروى أنَّه توفي وعليه ثمانون ألف دينار .
الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم الشَّيمي، عن أبيه، قال:
لما مات الحسنُ بعثَ سعيدُ بنُ العاص بريدًا يُخبر معاويةَ، وبعث مروان
أيضًا بريدًا، وأنَّ الحسن أوصى أن يُدفن مع رسول الله مح له، وأنَّ ذلك لا
يكون وأنا حيٌّ، فلما دُفن الحسن بالبقيع أرسل مروان بذلك وبقيامه مع
بني أُميَّة ومواليهم، وأنِّي يا أمير المؤمنين عقدت لوائي، ولبسنا السلاح في
ألفي رجل، فدرأ الله، أن يكون مع أبي بكر وعمر ثالث أبدًا، حيث لم يكن
أمير المؤمنين عثمان وكانوا هم الذين فعلوا بعثمان مافعلوا. فكتب معاوية
إلى مروان يشكر له، وولاَّه المدينة، وعزلَ سعيد بن العاص، وكتب إلى
مروان أن لا تدع لسعيد مالاً إلا أخذته، فلما جاء مروان الكتابُ بعث به مع
ابنه عبدالملك إلى سعيد، فلما قرأه أخرج كتابين، وقال لعبد الملك :
اقرأهما، فإذا فيهما: من معاوية إلى سعيد، يأمره حين عزل مروان أن
يقبض أمواله، ولا يدع له عذقًا، فجزاه عبدالملك خيرًا، وقال: والله لولا
أنَّك جئتني بهذا الكتاب، ما ذكرتُ ممَّا ترى حَرْفًا واحدًا، فجاء عبدالملك
ابن مروان بالكتاب إلى أبيه، فقال مروان: هو كان أوصلَ لنا منَّا له.
وعن صالح بن كيسان، قال: كان سعيد بن العاص من أوقر الرجال
وأحلمهم، وكان مروان حديدَ اللسان، سريعَ الجواب، ذلقَ اللسان، قلَّما
صبر إن كان في صدره حُبُّ أحدٍ أو بغضُه إلا ذَكَره، وكان سعيد خلاف ذلك
ويقول: إنَّ الأمور تغير، والقلوب تتغير، فلا ينبغي للمرء أن يكون مادحًا
اليوم، عائبًا غدًا .
وقال الزُّبير: مات سعيد في قصره بالعَرَصة، على ثلاثة أميال من
المدينة، وحُمل إلى البقيع، وركب ابنه عَمرو بن سعيد إلى معاوية، فباعه
٥٠٠