النص المفهرس

صفحات 441-460

فجعلتُ أصرف لهم، يعني لا أمزج(١)، وأُتْرعُ الكأس، فيشربون ولا
يدرون، حتى ناموا سُكرًا ما يعقلون، فوثبتُ وقتلتهم جميعًا، وأخذتُ ما
معهم، فقدمتُ على النبي ◌َِّ، فأجده جالسًا في المسجد، وعليَّ ثيابُ
سفري، فسلَّمتُ، فعرفنيّ أبو بكر، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ: ((الحمد لله الذي
هداك للإسلام))، فقال أبو بكر، أمِنِ مصرَ أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: فما
فعلَ المالكيُّون؟ قلتُ: قتلتهم وجئتُ بأسلابهم إلى رسولِ اللهِ ليخمِّسها،
فقال رسولُ الله ◌ِلّ: ((أما إسلامك فنقبله، وأما أموالُهم فلا آخذُ منها شيئًا،
هذا غَدْرٌ، ولا خيرَ في الغدرِ))، قال: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، وقلتُ:
يا رسولَ الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمتُ حيث دخلت عليك
الساعةَ، قال: ((فإنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله)). قال: وكان قد قتل(٢) ثلاثة عشر
نفسًا، فبلغ ذلك أهلَ الطائفِ، فتداعوا للقتالِ، ثم اصطلحوا، على أنْ
تَحَمل عُروةُ بن مسعود ثلاثَ عشرة دية .
﴿ حتى كانت الحُديبيةُ سنة
قال المغيرة: وأقمتُ مع رسولِ الله
ستٍّ، فخرجت معه، وكنتُ أكون مع أبي بكر، وألزمُ رسول اللّه ◌ِ ل فيمن
يلزمه، فبعثت قريش عُروةَ بن مسعود في الصلح، فأتاه فكلَّمه، وجعل
يمسُّ لحيته، وأنا قائمٌ على رأسه مقنَّعٌ في الحديد، فقلتِ لعُروة: كُفَّ يدك
قبل أنْ لا تصلَ إليك، فقال: من هذا يا محمد، فما أفَظَّهُ وأغلظه؟! فقال:
((هذا ابن أخيك المغيرة))، فقال: يا غُدر، والله ما غسلتُ عَنِّي سَوْءَتَك إلاَّ
بالأمس .
روى عنه بنوه؛ عُروة وحمزة وعَقَّار، والمِسْور بن مَخْرَمة، وأبو
أُمامة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق، وأبو وائل والشعبي، وعُروة بن
الزبير، وزياد بن علاقة، وغيرهم.
وروى الشعبيُّ، عن المغيرة، قال: أنا آخرُ الناس عهدًا برسول الله
وَّر، لما دُفن خرج عليٍّ من القبر، ألقيتُ خاتمي وقلت: يا أبا حسن
خاتمي، قال: انزل فخُذُه، قال: فنزلتُ فمسحتُ يدي على الكفنِ، ثم
خرجتُ .
(١) أي يسقيهم الخمر من غير أن يمزجها بالماء.
(٢) إلى هنا ينتهي النص في طبقات ابن سعد ٢٨٦/٤، وما بعد هذا سقط منه.
٤٤١

وقال زيدُ بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر استعمل المغيرةَ بن شُعبة على
البحرين، فأبغضوه، فعزله، فخافوا أنْ يَرُدَّهُ، فقال دِهقانُهم: إنْ فعلتم ما
آمُركم لم يردّهُ علينا، قالوا: مُرنا، قال: تجمعون مئة ألف درهم، فأذهبُ
بها إلى عمر فأقول: هذا اختانَ هذا المالَ فدفعه إليَّ. فجمعوا له مئة ألفٍ،
وأتى بها عمرَ، فدعا المغيرة فقال: ما هذا؟ قال: كَذَبَ، أصلحكَ اللهُ إنما
كانت مئتي ألف، قال: فما حملكَ على ذلك؟ قال: العيالُ والحاجة، فقال
عمر للدِّهقان: ما تقولُ؟ قال: لا والله لأصْدُقنَّكَ: والله ما دفع إليَّ شيئًا،
وقصَّ له أمره.
قد ذكرنا أنَّ المغيرةَ وَلَيَ البصرة وغيرها لعُمر، وكان ممن قعدَ عن
علي ومعاوية .
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة: إنَّ أبا بكرة، وشِبل بن معبد،
وزيادًا، ونافع بن عبدالحارث شهدوا على المغيرة، سوى زياد، أنهم رأوه
يُولجُه ويُخرجه، يعني يزني بامرأة، فقال عمر - وأشار إلى زياد -: إني أرى
غلامًا لَسنًا لا يقول إلا حقًّا، ولم يكن ليكتمني شيئًا، فقال زياد: لم أرَ ما
قال هؤلاء، ولكني قد رأيتُ ريبةً وسمعتُ نَفَسًا عاليًا، قال: فجلد عمرُ
الثلاثةَ .
وعن ابن سيرين قال: كان يقولُ الرجلُ لِلرجل: غضبَ عليكَ اللهُ كما
غضبَ عمرُ على المغيرةِ، عزلهُ عن البصرة فولاَهُ الكَوفةَ.
قلتُ: وقد غزا المغيرةُ بالجيوشِ غيرَ مرةٍ في إمرتهِ، وحجَّ بالناسِ
سنة أربعين.
وقال جرير، عن مغيرة قال: قال المغيرة بن شعبة لعليٍّ: ابعث إلى
معاويةَ عهده، ثم بعد ذلك اخْلَعهُ، فلم يفعل، فاعتزله المغيرةُ باليمنِ،
فَلمَّا اشتغلَ عليٌّ ومعاويةُ، فلم يبعثوا إلى الموسمِ أحدًا، جاء المغيرةُ فصلّى
بالناس ودعا لمعاويةً .
قال الليثُ بن سعد: حجَّ سنة أربعين، لأنه كان مُعتزلاً بالطائف،
فافتعلَ كتابًا عام الجماعة بإمرةِ الموسم، فقدَّم الحجَّ يومًا خشية أن يجيء
أميرٌ، فتخلّف عنه ابن عُمر، وصار معظمُ الناس مع ابن عمر. قال الليث:
قال نافع: فلقد رأيتنا ونحن غادون من مِنَى، واستقبلونا مُفيضينَ من جَمْع ،
فأقمنا بعدهم ليلةً .
٤٤٢

وقال الزُّهريُّ: دعا معاويةُ عمرو بن العاص، وهما بالكوفةِ، فقال:
يا أبا عبدالله أعِنِّي على الكوفة. قال: فكيف بمصر؟ قال: استعمل عليها
ابنك عبد الله، قال: فنعم إذن. فبينا هُم على ذلك طَرَقِهم المغيرةُ بن شعبة،
وكان معتزلاً بالطائف، فناجاه معاويةُ، فقال المغيرةُ له: تُؤْمِّرُ عَمرًا على
الكوفة وابنه على مصر، وتكون كقاعد بين لَحْيي الأسد! قال: فما ترى؟
قال: أنا أكفيكَ الكوفة. قال: فافعل. فقال معاويةُ لعَمرو حين أصبح: يا أبا
عبد الله إني قد رأيت أنْ أفعلَ بك واسْتَوْحشنا إليك، ففهمها عَمرو فقال:
ألا أدلُكَ على أميرِ الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرةُ بِن شُعبة، واستعن
برأيهِ وقُوَّته على المكيدة، واعزل عنه المال، كان مَن قَبْلَك عمر وعثمان قد
فعلا ذلك، قال: نِعْمَ ما رأيت. فدخل عليه المغيرةُ فقال: إني كنتُ أمَّرتُكَ
على الجُندِ والأرضِ، ثم ذكرتُ سُنَّةَ عمرَ وعثمان قبلي، قال: قد قبلتُ،
فلما خرج قال: قد عَزلت الأرض عن صاحبكم.
وقال عبدالله بن شَوْذَب: إنَّ المغيرةَ أحصنَ أربعةً من بناتِ أبي سفيان
ابن حرب .
وعن الشعبي، قال: دُهاة العرب: معاوية، والمغيرة، وعمرو بن
العاص، وزياد.
وقال المغيرة: تزوَّجتُ سبعين امرأة.
وقال مالك: كان المغيرةُ بن شعبة نكَّاحًا للنساء، ويقول: صاحبُ
المرأةِ إنْ مرضت مرضَ، وإنْ حاضِت حاضَ، وصاحب المرأتين بين نارين
تشتعلان، وكان ينكحُ أربعًا، ثم يُطَلَّقُهُنَّ جميعًا.
وقال ابن المبارك: كان تحتَ المغيرةِ أربعُ نسوة، فصفَّهنَ بين يديه
وقال: أنتُنَّ حسانُ الأخلاق، طويلاتُ الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتنَّ
الكُلاَّقُ .
المحاربي: حدثني عبدالملك بن عُمير، قال: رأيتُ المغيرة بن شعبة
يخطبُ في العيد على بعيرٍ، ورأيته يَخْضب بالصُفرة.
محمد بن معاوية النيسابوري: حدثنا داود بن خالد، عن عباس بن
عبدالله بن معبد بن عباس، قال: أوَّلُ مَن خضبَ بالسوادِ المغيرةُ بن شعبة .
أبو عَوَانة، ومِسْعر، عن زياد بن عِلاقة: سمعتُ جريرَ بن عبدالله حين
مات المغيرةُ يقول: استغفروا لأميركم، فإنه كان يحبُّ العافية .
٤٤٣

وقال عبدالملك بن عُمير: رأيتُ زيادًا واقفًا على قبرِ المغيرة، وهو
يقول :
إنَّ تحت الأحجارِ حَزْمًا وعَزْمًا وخصيمًا ألذَّ ذا مِعْلاق (١)
حيَّةٌ في الوِجَارِ أربدَ لا تَنْ فَعُ منهُ السَّلِيمَ نَفْئَةُ راقٍ (٢)
و
قالوا: توَفي الَمُغيرةُ بالكوفةِ أميرًا عليها سنة خمسين، زاد بعضهم:
في شعبان(٣).
٦٣ - المُغيرةُ بن نَوْفل بن الحارثِ بن عبدالمطّلب الهاشمئُّ.
وُلد على عَهْدِ رسولِ الله ◌َِّ قبلَ الهجرةِ أو بعدها، كنيتُه أبو يحيى.
تزوَّجَ بعد مقتلٍ عليٍّ رضيَ الله عنه بأمامة بنت أبي العاص بن الربيع،
فأولدَها يحيى،َ وكان قد وَلَيَ القضاءَ في خلافةِ عثمان، وشهدٍ صِفَّين مع
علي. وكان شديدَ القُوَّةِ، وهو الذي ألقى على عبدالرحمن بن مُلْجم بساطًا
لما رآه يحملُ على الناسِ، ثم احتمله وضربَ به الأرضَ، وأخذ منه
السيف .
له حديث عن النبيِّ بَّ رواه أولاده عنه، وذكره أبو نُعيم في
الصحابة (٤).
٦٤ - ٤: ناجيةُ بن جُندب بن كَعْب الأسلميُّ.
صاحب بُدن رسولِ الله مَثّ، له رواية أحاديث يسيرة، وشهد
الحُديبية. روى عنه عُروة بن الزبير، وغيره. وبقيَ إلى زمن معاوية،
ويقال: إنه خُزِاعي، وليس بشيءٍ(٥).
٦٥- نُعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاريُّ، من بني مالك بن
النَّجَّار.
أي شديد الخصومة .
(١)
(٢) الوجار: الحجر، والسليم: الملدوغ.
من تاريخ دمشق ١٣/٦٠ - ٦٢، وينظر تهذيب الكمال ٣٦٩/٢٨ - ٣٧٦.
(٣)
ينظر الاستيعاب ٤ / ١٤٤٧ - ١٤٤٨.
(٤)
(٥) من تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٥٢ - ٢٥٤، وينظر الاستيعاب ١٥٢٢/٤ - ١٥٢٣.
٤٤٤

هو صاحبُ الحكايات الظريفة والمُزاح شهد بدرًا. يقال: إنه توفي
زمن معاوية. اسمه النعمان(١).
٦٦ - دن: نُعيم بن هَمَّار، ويقال: ابن هَبَّار، وقيل في أبيه غير
ذلك، الغَطَفانيُّ .
شاميٌّ له صُحبةٌ ورواية. روى عنه كثير بن مُرَّة، وأبو إدريس
الخَوْلاني، وقيس الجُذامي، وقد روى عن عُقبة بن عامر، فلهذا وَهمَ
بعضهم وقال: هو تابعيٌّ (٢).
٦٧ - م ٤: النَّوَّاس بن سَمْعان الكلابيُّ العامريُّ.
سكن الشَّام، له صُحبة ورواية. روى عنه جُبير بن نُفير، وأبو إدريس
الخَوْلاني، وجماعة(٣) .
٦٨ - م ٤: وائل بن حُجر بن سَعد، أبو هُنَيَد(٤) الحَضْرميُّ.
له صُحبة ورواية، وكان سَيِّدَ قومهِ، وفد على معاوية لما دخل
الكوفةَ. روى عنه ابناه علقمة وعبدالجَبَّار، ووائل بن عَلْقمة، وكُلَيب بن
شهاب، وآخرون .
وقيل: إنه كان على راية حضرموت بصِفِّين مع علي.
وروى سِمَاك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه وفد على
رسول الله ◌َّية فأقطعه أرضًا، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليُعَرِّفه بها .
قال: فقال لي معاوية: أردفني خلفك. فقلت: إنك لا تكون من أرداف
الملوك. قال: أعطني نعلك. فقلت: انتعل ظِلَّ النَّاقة. فلما استخلف
أتيته، فأقعدني معه على السَّرير فَذَكَّرني الحديث، فقلت في نفسي: ليتني
کنت حملته بین یدي(٥) .
(١) من الاستيعاب ١٥٢٦/٤ - ١٥٣٠.
(٢) من تهذيب الكمال ٢٩ / ٤٩٧.
(٣) من تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٧ - ٣٨.
(٤) كتب المصنف في الحاشية ونقلها عنه البشتكي: ((خ: أبو هنيدة))، أي: هو كذلك في
نسخة أخرى، ولذلك قال المزي في تهذيب الكمال: ((أبو هنيدة، ويقال: أبو هنيد))
(٤١٩/٣٠).
(٥) إسناده حسن من أجل سماك بن حرب، أخرجه أحمد ٣٩٩/٦ من طريق سماك، به.
٤٤٥

٦٩ - خ دق: وَحْشي بن حَرْب الحَبَشي العَبْد، مولى جُبَير بن
مُطْعم، وقيل: مولى ابنةِ الحارث بن نوفل.
هو قاتلُ حمزة، وقاتل مُسَيلمة الكَذَّاب. لما أسلم قال له النبيُّ ◌َّ:
(هل تستطيع أن تُغَيِّب وجهك عَنِّي))(١) .
روى عنه ابنه حرب، وعُبيدالله بن عديٍّ بن الخيار، وجعفر بن عَمرو
ابن أُميَّة، وسكن حِمْص(٢).
٧٠- أبو الأعور السُّلميُّ، اسمه عمرو بن سُفيان، وقيل: عَمرو
ابن عبدالله بن سُفيان، ويقال: غير ذلك.
يقال له صحبة، وكان يوم اليرموك أميرًا على كُردوس، وكان أميرَ
الميسرةِ يوم صِفِين مع معاوية .
روى عنه قَيس بن أبي حازم، وأبو عبدالرحمن السُّلميُّ، وعمرو
البكالي.
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عثمان بن حِصْن، عن يزيد بن عَبيدة،
قال: غزا أبو الأعور السُّلميُّ قُبرس ثانيًا سنة سبع وعشرين .
وعن سنان بن مالك أنه قال لأبي الأعور: إنَّ الأشتر يدعوك إلى
مبارزته، فسكت طويلاً ثم قال: إنَّ الأشْتَر، خِقَّتهُ وسوء رأيه حملاه على
إجلاء عُمَّال عثمان من العراق، ثم سار إلى عثمان، فأعان على قتله، لا
حاجة لي بمبارزته .
توفي أبو الأعور في خلافة معاوية؛ لأنِّي وجدت أنَّ حَرِيز بن عثمان
روى عن عبدالرحمن بن أبي عوف الجُرَشي قال: لما بايع الَحسن معاوية
قال له عَمرو بن العاص وأبو الأعور عَمرو بن سفيان السُّلمي: لو أمرت
الحسن فتكلّم على الناس على المنبر عَيي عن المنطق، فيزهد فيه الناس،
فقال معاوية: لا تفعلوا، فوالله لقد رأيتُ رسول الله مَ ل يمص لسانه وشفته،
فأبوا على معاوية. وذِكر الحديث تقدَّم(٣).
(١) أخرجه أحمد ٥٠١/٣، والبخاري ١٢٨/٥ من طريق جعفر بن أمية، عن وحشي،
به .
(٢) من تهذيب الكمال ٤٢٩/٣٠ - ٤٣٠.
(٣) في ترجمة الحسن بن علي رضي الله عنهما، رقم (١٥) من هذا الجزء وهذه =
٤٤٦

٧١- ع: أبو بُردة بن نِيار بن عمرو بن عُبيد. اسمه هانىء حليفُ
الأنصارِ، وهو بلويٌّ .
شَهِدَ بدرًا والمشاهِدَ بعدها. روى عنه ابن أختهِ البراء بن عازب،
وجابرُ بن عبدالله، وبَشير بن يَسار، وغيرهم.
توفي بعد سنة اثنتين وأربعين(١).
٧٢ - ع: أُم حبيبة، أُمُّ المؤمنين، بنت أبي سفيان صَخْر بن حَرْب
ابن أُميّة الأمويَّةُ، اسمُها رَمْلة ..
روى عنها أخواها معاوية وعَنْبسة، وابن أخيها عبدالله بن عُتبة،
وعُروة، وأبو صالح السَّمَّان، وصَفِيَّة بنت شيبة، وجماعة.
وقد تزوَّجها أولاً عُبيد الله بن جَحْش بن رئاب الأسدي، حليفُ بني
عبد شمس، فولدت منه حبيبة بأرض الحبشة في الهجرة، ثم توفي عُبيد الله
وقد تنصَّر بالحبشة، فكاتب رسولَ الله ◌َّ النجاشيُّ، فزوَّجها بالنبيِّ ◌َّ،
وأصدقَ عنه أربع مئة دينار في سنة ستٍّ، وكان الذي وَلي عقدَ النِّاح خالد
ابن سعيد بن العاص بن أُميَّة، ودخل بها النبيُّ مَثّل سنة سبع، وعمرها يومئذ
بضع وثلاثون سنة .
قال عُروة، عن أمّ حبيبة: إن رسول الله مَ * تزوَّجها وهي بالحبشة،
زٍوَّجها إيَّاه النجاشيُّ، ومَهَرَها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع
شَرَحبيل بن حَسَنة إلى رسولِ الله ◌َِّ، وجهازُها كُلَّه من عند النجاشي(٢).
وقال حُسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن
عباس: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]
قال: نزلت في أزواج النبي بق لي خاصة(٣).
الترجمة مقتبسة من تاريخ دمشق ٤٦ / ٥٠ - ٦٠ .
=
(١) من ترجمته في تهذيب الكمال ٧١/٣٣ - ٧٢.
(٢) حديث صحيح.
أخرجه أحمد ٤٢٧/٦، وأبو داود (٢١٠٧). والنسائي ١١٩/٦ من طريق عروة،
عن أم حبيبة، به .
(٣) قال المصنف في السير ٢/ ٢٢١: إسناده صالح، وسياق الآيات دالٌ عليه .
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير ٦ / ٤٠٧ .
٤٤٧

قال الواقدي والفسوي وأبو عُبيد القاسم: توفيت أُمُ حبيبة سنة أربع
وأربعين.
وقال المُفَضَّل الغلابيُّ: توفيت سنة اثنتين وأربعين.
ووَهم من قال: تُوفيت قبل معاوية بسنة، إنَّما تلك أُمُ سلمة .
توفيت أُمُ حبيبة رضي الله عنها بالمدينةِ على الصحيح، وقيل: توفيت
بدمشق، وكانت قد أتتِها تزور أخاها (١).
٧٣- أبو حَثْمَة، والدُ سَهْل بن أبي حَثْمة الأنصاريُّ الحارثيُّ،
اسمُه عامر بن ساعدة.
شَهد الخندق وما بعدها، وبعثه النبيُّ مِ * وأبو بكر وعمر خارصًا إلى
خيبر غير مرة.
توفي في أوَّلِ خلافة معاوية(٢).
٧٤- أبو رِفاعة العدويُّ.
له صُحبة ورواية، عداده في البَصْرِيِّين. روى عنه حُميد بن هلال،
ومحمد بن سِيرين، وصِلَة بن أَشْيَم، وغيرُهم.
قال خليفة: هو من فضلاء الصحابة(٣)، اسمه عبدالله بن الحارث بن
أسد، من بني عديِّ الرَّباب.
وقيل: اسمه تَميم بن أُسَيد، أخباره في الطبقات(٤)، عَلَّقتها في
((مُنتقى الاستيعاب)).
وكان صاحبَ ليلٍ وعبادة وغزوٍ، استشهد في سرية عليهم عبدالرحمن
ابن سَمُرة، تهجَّد فنام على الطريق فذبح غيلاً.
٧٥- أبو الغادية الجُهني، وجُهينة قبيلة من قُضاعة، اسمه يسار
ابن أزهر، وقيل: ابن سَبُع، المُزنيُّ، وقيل اسمه: مسلم.
(١) من تاريخ دمشق ١٣٠/٦٩ - ١٥٣، وينظر تهذيب الكمال ١٧٥/٣٥ - ١٧٦.
(٢) من الاستيعاب ١٦٢٩/٤ - ١٦٣٠.
(٣) قوله: ((هو من فضلاء الصحابة)) لم أجده في شيء من كتب خليفة (الطبقات ٣٩
و١٧٧، والتاريخ ٢٠٦)، ولا نقله المزي في تهذيب الكمال ٣١٤/٣٣ حيث اقتصر
علی نقل نسبه .
(٤) طبقات ابن سعد ٦٨/٧ - ٧٠، وانظر تهذيب الكمال ٣١٤/٣٣ - ٣١٥.
٤٤٨

وفد على رسولِ الله مَ لّ وبايعه. وروى عنه ابنه سعد، وكلثوم بن
جَبْر، وخالد بن مَعْدان، والقاسم أبو عبدالرحمن، وغيرهم.
وقال ابن عبدالبر(١): أدرك النبيَّ ◌َّل وهو غلام.
وقال الدار قطني وغيرُه: هو قاتل عَمَّار بن ياسر يوم صِفِّين.
وقال حمَّاد بن سلمة: حدثنا كلثوم بن جَبْر، عن أبي غادية، قال:
سمعت عَمَّار بن ياسر يشتم عثمان، فتوعَّدتهُ بالقتل، فلما كان يوم صِفِين
طعنته، فوقع، فقتلته .
٧٦ - م ن ق: أُمُّ كُلثوم بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق.
تزوَّجها طلحة بن عبيد الله، وهي أُمُّ عائشة بنت طلحة. مولدها بعد
موتِ أبي بكر، وتزوَّجت بعد طلحةَ برجل مخزومي، وهو عبدالرحمن وَلَد
عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرةٍ، فولدت له أربعة أولاد(٢).
٧٧ - خ مدت ن: أُمُّ كُلُثوم بنتُ عقبةَ بن أبي مُعَيط.
لها حديث في الصحيحين(٣). وهي أختُ عثمانَ رضي الله عنه لأمِّه،
ـن المهاجرات الأوّل.
لها ترجمةٌ أيضًا في ((الطبقات)) لابن سعد (٤).
٧٨ - أُمُّ كُلثوم بنتُ علي بن أبي طالب الهاشمية.
وُلدت في حياةٍ جدِّها بِِّ، وتزوَّجها عُمرُ وهي صغيرة، فقيل له: ما
كنتُ تريد إليها وهي صغيرة، قالٍ: إني سمعتُ رسول الله مح له يقول: ((كلُّ
سببٍ وَنَسِ منقطعٌّ يوم القيامة إلاّ سببي ونَسبي))(٥). فروى عبدالله بن زيد
(١) الاستيعاب ١٧٢٥/٤.
(٢) من طبقات ابن سعد ٤٦٢/٨. وينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ٣٨٠.
(٣) هو حديث ((ليس بالكاذب من أصلح بين الناس .... )) الحديث، أخرجه البخاري
٢٤٠/٣، ومسلم ٢٨/٨.
(٤) الطبقات الكبرى ٢٣٠/٨، وينظر تهذيب الكمال ٣٨٢/٣٥.
(٥) أخرجه الحاكم في مستدركه ١٤٢/٣ من طريق علي بن الحسين، عن عمر،
وصححه، وتعقبه المصنف في تلخيصه للمستدرك، وقال: ((منقطع)).
وللحديث المرفوع طرق أخرى عن عمر، لا يصح منها شيء فهي منقطعة، أو
ضعيفة الأسانيد، ومن وصلها فقد وهم. وقصة زواج عمر من أم كلثوم صحيحة
ثابتة .
تاريخ الإسلام ٢/م٢٩
٤٤٩

ابن أسْلَم، عن أبيه، عن جَدِّه أنَّ عمر تزوَّجها على أربعين ألف درهم.
وعبدالله ضعيف الحديث .
قال الزهري وغیرُه: ولدت له زيدًا .
وقال ابن إسحاق: توفي عنها عُمر، فتزوَّجت بعَوْن بن جعفر بن أبي
طالبٍ، فحدثني أبي قال: دخل الحسنُ والحسينُ عليها لمَّا مات عُمر فقالا :
إنْ مَكَّنت أباكَ من رُمَّتك أنكحك بعض أيتامِهِ، ولئن أردت أن تُصيبي
بنفسكِ مالاً عظيمًا لتصيبينَّه، فلم يزل بها عليٌّ حتى زوَّجها بعون فأحبَّته،
ثم مات عنها. قال ابن إسحاق: فزوَّجها أبوها بمحمد بن جعفر، فمات
عنها، ثم زوَّجها بعبد الله بن جعفر، فماتت عنده.
قلت: ولم يجئها ولد من الإخوة الثلاثة .
وقال الزُّهري: وَلَدت جاريةً من محمد بن جعفر اسمها نبتة .
وقال غيرُه: ولدت لِعُمر زيدًا ورُقَيَّة، وقد انقرضا.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عنِ الشَّعبي، قال: جئتُ وقد صلَّى
عبدالله بن عُمر على أخيه زيدٍ بن عمر، وأُقُّهُ أم كلثوم بنتِ عليٍ .
وقالٍ حِمَّاد بنٍ سَلمة، عن عمَّار بن أبي عَمَّار: إنَّ أمّ كلثوم وزيد بن
عمر ماتا فكُّفِّنا، وصلَّى عليهما سعيد بن العاص، يعني إذ كان أمير المدينة .
قال ابن عبدالبر(١): إنَّ عُمر قال لعليٍّ: زوَّجنيها أبا حسن، فإنَّ
أرصُدُ من كرامَتها ما لا يَرْصُده أحدٌ، قال: فَأَنا أبعثُها إليك، فإنْ رَضِيتها
فقد زوَّجتُكها، يَعْتَلُّ بصِغَرها، قال: فبعثها إليه بِبُرْدٍ وقال لها: قولي له:
هذا البُرد الذي قلتُ لك، فقالت له ذلك، فقالَ: قولي له: قد رضيتُ،
رَضيَ الله عنكَ، ووضع يده على ساقها فَكَشَفها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا
أنَّك أمير المؤمنين لكسرت أنفكَ، ثم مضت إلى أبيها فأخبرتهُ وقالت:
بَعَثتني إلى شَيْخ سوءٍ، قال: يا بُنيَّة إنَّه زوجُكِ.
روى نحوًا من هذا سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد
ابن علي (٢).
(١) الاستيعاب ٤ / ١٩٥٥.
(٢) ينظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٤٦٣/٨ - ٤٦٥، والاستيعاب لابن عبدالبر
٤ / ١٩٥٤ - ١٩٥٦.
٤٥٠

٧٩- ع: أبو موسى الأشعريُّ، هو عبدالله بن قَيس بن سُلَیم بن
حَضَّار اليمانيُّ، صاحب رسولِ الله ◌َيّ .
قدم عليه مُسلمًا سنةٍ سبع، مع أصحاب السَّفينتين من الحبشةِ، وكان
قدم مكة، فحالف بها أبو أُحيحةَ سعيد بن العاص، ثم رجع إلى بلاده، ثم
خرج منها في خمسين من قومه قد أسلموا، فألقتهم سفينتُهم والرياحُ إلى
أرضِ الحبشة، فأقامُوا عند جعفر بن أبي طالب، ثم قدموا معه.
استعمل رسول الله ◌َ﴾ أبا موسى على زَبيد وعدن، ثم وَلي الكوفةَ
والبصرة لعُمر. وحفظ عن النبيِّ بِّه الكثيرَ، وعن أبي بكر، وعُمر، ومُعاذ،
وأُبيِّ بن كعب، وكان من أجلاء الصحابةِ وفَضلائهم. روى عنه أنسرٌ،
وربعيُّ بن حِراش، وسعيد بن المسيِّب، وزَهْدم الجَرْمي، وخلقٌ كثير،
وبنوه أبو بكر وأبو بُردة وإبراهيم وموسى. وفُتحت أصبهان على يده وتُسْتر
وغير ذلك، ولم يكن في الصحابة أطيب صوتًا منه.
قال سعيدُ بن عبدالعزيز: حدثني أبو يوسف صاحب معاويةً، أنَّ أبا
موسى قدم على معاوية فنزل في بعض الدُّور بدمشق، فخرج معاوية من
الليل يتسمَّعُ قراءته .
وقال الهيثم بن عديٍّ: أسلم أبو موسى بمكةَ، وهاجر إلى الحبشة .
وقال عبدالله بن بُريدة: كان أبو موسى قصيرًا أثطّ(١)، خفيف
الجسم .
ولم يذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة .
وقال أبو بُردة، عن أبي موسى، قال: قال لنا النبيُّ مٌ لما قدمنا حين
افتتحت خيبر: ((لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم
إليَّ))(٢).
وقال يحيى بن أيوب، عن حُميد عن أنس، قال: قال رسول الله مَاللّه :
(١) الأثطُّ: قليل شعر اللحية.
(٢) أخرجه البخاري ١١٠/٤ و٦٤/٥ و١٧٤ و١٧٥، ومسلم ١٧١/٧ وغيرهما من طريق
أبي بردة، عن أبي موسى، بنحوه وتمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي، حديث
(١٥٥٩).
٤٥١

((يقدم عليكم غدًا قوم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم))، قال: فقدم الأشعريون،
فيهم أبو موسى، فلما دَنَوا من المدينة جعلوا يرتجزون :
غدًا نلقى الأحبَّه محمَّدًا وحِزْبه
فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة. رواه
أحمد في ((مسنده))(١).
وقال سِمَاك بن حَرْب: حدثنا عياض الأشعري، قال: لما نزل :
فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤] قال رسول الله صَل: ((هم
قومك يا أبا موسى)). صحَّحه الحاكم(٢). وعياض نزل الكوفة، مختلف في
صحبته، بقي إلى بعد السبعين .
ورواه ثقات، عن شعبة، عن سِماك، عن عياض فقال: عن أبي
موسى(٣).
وقال مالك بن مِغْول عن أبي بُريدة، عن أبيه، قال: خرجتُ ليلةً من
المسجدِ، فإذا النبيُّ مَ﴾ عند باب المسجد قائمٌ، وإذا رجلٌ في المسجد
يصلّي، فقال لي: (يا بُرَيدةُ أتراه يُرائي))؟ قلت: اللهُ ورسولُه أعلم. قال:
((بل هو مؤمن منيبٌ))، ثم قال: ((لقد أُعطيَ هذا مزمارًا من مزاميرِ آلِ داود))،
فأتيته فإذا هو أبو موسى، فأخبرتُه (٤).
وفي الصحيحين(٥) من حديث أبي بُردة، عن أبي موسى، في قصةٍ
جيشٍ أوطاس أنَّ النبيَّ مَ ﴿ قال: ((اللهمَّ اغفر لعبد الله بن قَيْس ذَنْبه، وأدخله
يوم القيامة مُدخلاً كريمًا)) .
(١) ١٥٥/٣ و٢٢٣، وهو حديث صحيح، وأخرجه أحمد ١٠٥/٣ و١٨٢ و٢٦٢،
والنسائي في فضائل الصحابة (٢٤٧)، وغيرهما من طرق عن حميد، به.
(٢) المستدرك ٣١٣/٢.
(٣) لا يصح، وليس تصحيح الحاكم بشيء، وليس هذا شأنه، فإن عياض بن عمرو
الأشعري لا تصح له صحبة، كما بيناه في ((تحرير التقريب))، وقد جزم الإمام أبو
حاتم بأنه مرسل (الجرح والتعديل ٦/ الترجمة ٢٢٧٦). كما أن سماك بن حرب
وعياض بن عمرو حسنا الحديث لا يرتقي حديثهما إلى درجة الصحة .
(٤) أخرجه أحمد ٣٤٩/٥ و٣٥١/٥ و٣٥٩، ومسلم ١٩٢/٢ وغيرهما من طريق عبد الله
ابن بريدة، عن أبيه، به.
(٥) البخاري ٤١/٤ و١٩٧/٥ و١٠١/٨، ومسلم ١٧٠/٧ .
٤٥٢

وقال أبو هريرة: قال رسول الله هلية: ((لقد أُوتي أبو موسى من مزامير
آل داود))(١).
وقال ثابت، عن أنس، قال: قرأ أبو موسى ليلةً، فَقُمْنَ أزواجُ النبيُّ
يستمعن لقراءته، فلما أصبح أُخبر بذلك، فقال: لو علمتُ لَحَبَّرته
تحبيرًا وَلَشَوَّقتُ تشويقًا (٢).
وقال أبو البَخْتري: سألنا عليًّا عن أصحاب محمد حَلّه، فسألناه عن
أبي موسى، فقال: صُبغ في العلم صبغة ثم خرج منه .
وقال الأسود بن يزيد: لم أرَ بالكوفة أعلمَ من عليٍّ وأبي موسى.
وقال مسروق: كان القضاء في أصحاب رسول الله م18 في ستة:
عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبيٍّ، وزيد بن ثابت، وأبي موسى.
وقال الشَّعبي: قضاة هذه الأمة أربعة: عمر، وعلي، وزيد بن ثابت،
وأبو موسى.
وقال الحسن: ما قدم البصرةَ راكبٌ خيرٌ لأهلها من أبي موسى.
وقال قتَادة: بلغ أبا موسى أنَّ ناسًا يمنَعُهُم من الجمعة أنه ليس لهم
ثياب، قال: فخرجٍ على الناس في عباءة .
وقال ابن شَوْذب: دخل أبو موسى البصرة على جمل أورق، وعليه
خَرَج لما عُزل .
قلت: عزله عثمان عنها، وأمَّر عليها عبد الله بن عامر .
وقال أبو بُردة: سمعت أبي يقسم بالله أنه ما خرج حين نُزِع عن
البصرة إلا بست مئة درهم.
وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: كان عُمرُ ربَّما قال لأبي موسى:
ذكِّرنا يا أبا موسى، فيقرأ.
وقال أبو عثمان النَّهدي: ما سمعتُ مزمارًا ولا طنبورًا ولا صنجًا
أحسن من صوت أبي موسى، إنْ كان لَيُصلي بنا، فنوذُ أنَّه قرأ ((البقرة)) من
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجة (١٣٤١) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وانظر
تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة .
(٢) إسناده صحيح، أخرجه ابن سعد ١٠٨/٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/٣٢ من
طریق ثابت عن أنس، به.
٤٥٣

حُسن صوته. رواه سُليمان التيمي، عن أبي عثمان.
وعن أبي بُردة، قال: كان أبو موسى لا تكادُ تلقاه في يوم حارٍّ إلا
صائمًا .
وقال زيد بن الحُباب: حدثنا صالحُ بن موسى الطَّلْحيُّ، عن أبيه قال:
اجتهد الأشعريُّ قبل موتهِ اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو رفقتَ بنفسك؟ قال :
إنَّ الخيلَ إذا أُرْسِلَت فقارَبَت رأسَ مَجْراها أخْرَجَت جميعَ ما عندها، والذي
بقي من أجلي أقلُّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.
وقال أبو صالح السَّمَّان: قال عليٍّ رضي الله عنه في أمر الحَكَمين:
يا أبا موسى احكم ولو على حَزِّ عُنُقي .
وقال زيدُ بن الحُباب: حدثنا سليمان بن المُغيرة البَكْري، عن أبي
بُردة، عن أبي موسى، أنَّ مُعاوية كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنّ
عمرو بن العاص قد بايعني على ما أُريد، وأقسمُ بالله لئن بايعتني على الذي
بايعِني عليه، لأستعملنَّ أَحْدَ ابنيك على الكوفة، والآخرَ على البصرةِ، ولا
يُغلَقُ دونَك بابٍ، ولا تُقضى دونك حاجة، وقد كتبتُ إِليك بخط يدي،
فاكتب إليَّ بخطَ يدك. قال: فقال لي أبي: يا بنيَّ إنما تعلّمتُ المُعجم بعد
وفاة رسول الله بَيّ، فكتبتُ إليه كتابًا مثل العقارب، فكتب إليه: أمَّا بعد،
فإنَّك كتبتَ إليَّ في جسيم أمر أمَّة محمد، فماذا أقول لربي إذا قدمتُ عليه،
ليس لي فيما عرضتَ من حاجة، والسلام عليك.
قال أبو بُردة: فلما وَلَيَ معاويةُ أتيتُه، فما أغلق دوني بابًا، وقضى
حوائجي .
قال أبو نُعيم، وابن نُمير وأبو بكر بن أبي شيبة، وقَعْنَب: توفي سنة
أربع وأربعين.
وقال الهَيْثم: توفي سنة اثنتين وأربعين، وحكاه ابن مَنْدة.
وقال الواقديُّ: توفي سنة اثنتين وخمسين .
وقال المدائنيُّ: توفي سنة ثلاث وخمسين(١).
آخر الطبقة والحمد لله رب العالمين.
(١) من تاريخ دمشق ١٤/٣٢ - ١٠٢، وتهذيب الكمال ٤٤٦/١٥ - ٤٥٣.
٤٥٤

الطبقة السادسة
٥١ - ٦٠ هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ آَ
(الحوادث)
ثم دخلت(١) سنة إحدى وخمسين
توفي فيها: زيدُ بن ثابت في قول، وسعيدُ بن زيد بن عَمرو (٢) بن
نُفَيل، وجريرُ بن عبدالله البَجَلي، بخُلْف، وعثمانُ بن أبي العاص الثقفي،
وأبو أيوب الأنصاري، وكعبُ بنِ عُجْرة في قول، وميمونة أُمُ المؤمنين،
وعمرو بن الحَمِق في قول. وقُتل حُجْر بن عديٍّ وأصحابه، كما في
ترجمته. ورافع بن عَمرو (٣) الغِفاري، ويقال: سنة ثلاث، وله خمس
و سبعون سنة .
وفيها حجَّ بالنَّاس معاويةٌ وأخذهم(٤) ببيعة يزيد.
قال أحمد بن أبي خَيْئمة: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا
القاسم بن الفضل، عن محمد بن زياد، قال: قَدم زيادُ المدينةَ فخطبهم
وقال: يا معشر أهل المدينة إنَّ أميرَ المؤمنين حسنُ نظره لكم، وإنَّه جعل
لكم مفزعًا تفزعون إليه، يزيد ابنه. فقامَ عبدُالرحمن بن أبي بكر فقال:
يا مَعْشر بني أُمية اختاروا مِنَّا بين ثلاثة، بين سُنَّة رسولِ الله، أو سُنَّة أبي
بكر، أو سُنَّة عمر، إنَّ هذا الأمرَ قد كان، وفي أهل بيت رسول الله ◌ِ ◌ّ﴾ من
لو وَلاَه ذلك، لكان لذلك أهلاً، ثم كان أبو بكر، فكان في (٥) أهل بيته من
لو وَلاَه، لكان لذلك أهلاً، فولاَها عُمَر فكان بعده، وقد كان في أهل بيت
عُمَرمن لو وَلاَه ذلك، لكان له أهلاً، فجعلها في نفرٍ من المسلمين، ألا
(١) قوله ((ثم دخلت)) ليست في ظ.
(٢) فى ك: ((عمر))، وهو تحريف.
(٣) في د: ((عمر))، خطأ، وهو من رجال التهذيب.
(٤) في ق: ((وأخبرهم))، محرفة، والتصويب من النسخ.
(٥) في ك: ((من))، وما هنا أصح.
٤٥٧

وإنَّما أردتم أن تجعلوها قَيْصريّة، كُلَّما ماتَ قَيْصرٌ كان قيصر. فغضب
مروان بن الحَكَم، وقال لعبدالرحمن: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿ وَاُلَّذِى قَالَ
لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف ١٧] فقالت عائشةُ: كذبتَ، إنَّما أنزل ذلك في
فلان، وأشهدُ أنَّ الله لعنَ أباك على لسان نبيِّه بِّهِ وأنت في صُلبه.
وقال سالم بن عبدالله: لمَّا أرادوا أن يُبايعوا ليزيد، قامَ مروان فقال:
سُنَّةُ أبي بكر الراشدة المهديَّة، فقام عبدُالرحمن بن أبي بكر فقال: ليس
بسُنَّةِ أبي بكر، قد (١) ترك أبو بكر الأهلَ والعَشيرة، وعَدَل إلى رجل من بني
عديٍّ، أن رأى أنَّه لذلك أهلاً، ولكنها هِرَقْلية .
وقال التُّعمان بن راشد، عن الزُّهري، عن ذكوان مولى عائشة قال:
لمَّا أجْمع معاويةٌ على أن يُبايعَ لابنه حجَّ، فقدم مكةَ في نحوٍ من ألف
رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابنُ عمر، وابنُ الزُّبير، وعبدُالرحمن بن
أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله(٢) وأثنى عليه، ثم
ذكر ابنه يزيد فقال: من أحقُّ بهذا الأمر منه، ثم ارتحل فقدم مكةً، فقضى
طَوافَه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عُمر، فتشهَّد وقال: أما بعد يا ابن
عمر، إنَّك كنت تحدثني إنَّك لا تحبُّ تبيت ليلةً سوداء، ليس عليك فيها
أمير، وإني أُحذِّرك أن تشقَّ عصا المُسلمين، أو تسعى في فساد ذات
بينهم. فحمدَ ابنُ عمر الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنك(٣) قد كانت
قبلك خلفاء لهم أبناء، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما
رأيتَ في ابنك، ولكنَّهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنَّك
تُحَذِّرني أن أشُقَّ عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، إنَّما أنا رجلٌ من
المُسلمين، فإذا اجتمعوا على أمرٍ فإنَّما أنا رجلٌ منهم. فقال: يرحمُكَ الله،
فخرج ابن عمر .
ثم أرسل إلى ابن أبي بكر، فتشهَّد، ثم أخذ في الكلام، فقطع عليه
كلامه، فقال: إنَّك والله لوَدِدْتَ أنَّا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنَّا والله
(١) في د: ((وقد))، وما أثبتناه من ك وظ.
(٢) في د: ((فلما قدم معاوية المدينة حمد الله))، والتصحيح من النسخ الأخرى)).
(٣) في ك: ((فإنه))، وما هنا من النسخ الأخرى.
٤٥٨

لا نفعلُ، والله لتَرُدنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنُعيدنَّها عليك
جَذعة، ثم وثب ومضى، فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال:
على رِسْلك أيُّها الرجل، لا تشرفنَّ على أهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني
بنفسك، حتى أُخبر العشيّة أنك قد بايعت، ثم كن بعد على مابدا لك من
أمرك.
ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إنَّما أنت ثعلب رَوَّاغ،
كلما خرج من جُحْرِ دخل آخر، وإنَّك عمدت إلى هذين الرَّجلين فنفخت في
مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما. فقال ابن الزُبير: إن كنت قد مللت
الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلْنُبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيَّكما
نسمع ونطيع! لا نجمع البيعة لكما أبداً، ثم راح (١).
وصعد معاوية المنبرَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّا وجدنا
أحاديثَ النَّاس ذاتَ عُوارٍ، زعموا أنَّ ابنَ عمر، وابنَ أبي بكر، وابنَ الزُبير،
لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له. فقال أهلُ الشَّام: والله لا
نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الأشهاد، وإلاّ ضربنا أعناقهم. فقال:
سُبحان الله، ما أسرع النّاس إلى قريش بالشَّرِّ، لا أسمعُ هذه المَقالةَ من أحدٍ
منكم بعد اليوم، ثُمَّ نزلَ، فقال النَّاسُ: بايع ابنُ عمر وابن الزُّبير وابنُ أبي
بكر. وهم يقولون: لا والله ما بايعنا. فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية
فلحِقِ بالشَّامِ .
وقال أيوبٍ، عن نافع قال: خَطب معاويةُ، فذكر ابنَ عمر فقال: والله
ليبايعنَّ أو لأقتلَّنه، فخرج إليه ابنُه عبدُالله فأخبره، فبكى ابنُ عمر، فقدم
معاويةُ مكة، فنزل بذي طوى، فخرج إليه عبدُالله بن صفوان فقال: أنت
الذي تزعم أنَّك تقتل عبدالله بن عمر إنْ لم يبايع ابنك؟ فقال: أأنا(٢) أقتل
ابن عمر! والله لا أقتله .
وقال ابن المُنْكدر: قال ابن عُمر حين بُويع يزيد: إن كان خيرًا
رضينا، وإن كان بلاءً صبرنا .
(١) في د: ((خرج))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى.
(٢) في د: ((أنا))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى.
٤٥٩

وقال جُوَيْرية بن أسماء: سمعت أشياخَ أهل المدينة يحدثون: أنَّ
معاوية لمَّا رحلَ عن مَرِّ (١) قال لصاحب حَرَسِه: لا تدع أحدًا يسير معي إلا
من (٢) حملته أنا، فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك(٣)، لقيه
الحسينُ فوقف وقال: مَرْحبًا وأهلاً بابن بنت رسول الله وسيِّد شباب
المسلمين، دابة لأبي عبدالله يركبها فأُتي ببرذون فتحوَّل عليه، ثم طلع
عبدُالرحمن بن أبي بكر، فقال مرحبًا وأهلاً بشَيْخِ قُرَيش وِسيِّدها وابن
صدِّيق الأمة، دابَّةً لأبي محمد، فأُتي بِرْذَون فركبه، ثم طَلَعَ ابنُ عمر،
فقال: مرحبًا وأهلاً بصاحب رسول الله، وابن الفاروق، وسيِّد المُسلمين.
فدعا له بدابَّةٍ فركبها، ثم طلع ابنُ الزُّبير، فقال: مرحبًا وأهلاً بابن حواريٍّ
رسول الله، وابن الصِّدِّيق، وابن عمِّه رسول الله ◌ِ﴾، ثم دعا له بدائَّةٍ
فركبها، ثم أقبل يسير بينهم لا يُسايرُه غيرهم، حتى دخلَ مكَّةَ، ثم كانوا
أولَ داخل وآخرَ خارجٍ، وليس في الأرض صباحٌ إلا ولهم (٤) حباءٌ(٥)
وكرامة، ولا يُعَرِّض لهَم بذكر شيء، حتى قضى نُسُكه وترخَّلت أثقاله،
وقَرُب مسيره (٦)، فأقبل بعضُ القوم على بعضٍ فقال: أيُّها القوم لا
تُخدعوا، إنَّه والله ما صنع بكم ما صنعَ لحبِّكم ولا لكرامتكم، ولا صنعه إلاَ
لما يريدُ(٧)، فأعدُّوا له جوابًا .
وأقبلوا على الحُسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله! فقال: وفيكم شيخ
قريش وسيِّدها هو أحقُّ بالكلام. فقالوا لعبدالرحمن: يا أبا محمد! قال :
لست هناك، وفيكم صاحبُ رسول الله مَّهِ وسيِّد المُسلمين(٨). فقالوا لابن
عمر: أنت! قال: لست بصاحبكم، ولكن وَلُّوا الكلام ابن الزُّبير. قال:
(١) يعني: مَرَّ الظهران.
(٢)
في ك: ((ما))، وهي بمعنى.
(٣)
وادٍ قريب من مكة .
في د: ((أولاهم))، وفي تاريخ خليفة: ((إلا ولهم فيه))، وما هنا من النسخ.
(٤)
في ك: ((حبًا)»، وما أثبتناه أحسن، وهو في النسخ الأخرى.
(٥)
في د: ((سير))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى .
(٦)
(٧)
في د: ((لما يريده))، والتصويب من النسخ.
في دوك: ((المرسلين))، وهي صحيحة إن كانت عائدة إلى رسول الله الر، ولكن ما
(٨)
أثبتناه أصح، وهو في النسخ الأخرى.
٤٦٠