النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٥- مد: عثمان بن طَلْحة بن أبي طَلْحة عبدالله بن عبدالعُزَّى بن
عثمان بن عبدالدَّار بن قُصَيِّ القرشيُّ العَبْدرِيُّ الحَجَبيُّ، حاجبُ
الكعبة .
هاجر مع عمرو بن العاص وخالد ثم سكنَ مكةَ. روى عنه ابن عُمر،
وعُروة بن الزبير، وابن عمِّه شيبة بن عثمان، وغيرهم. ودفع إليه النبيُّ لِلّ
مفتاحَ الكعبة يومَ الفتح .
وقال عوف الأعرابيُّ عن رجلٍ: إنَّ رسولَ الله ◌ِّ أعطى المفتاح شيبة
ابن عثمان عام الفتح وقال: ((دونك هذا فأنت أمينُ اللهِ على بيتهِ)).
قلتُ: شيبةُ أسلمَ يوم حُنين، فيحتمل أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ٍّ ولاَه الحجابةَ لما
اعتمر من الجِعِرَّانة مشاركًا لعثمان هذا في الحجابة، فإنَّ شيبةً كان حاجبَ
الكعبة يوم قالَ له عمر: أريدُ أن أقسمَ مالَ الكعبةِ، كما في البخاري(١).
فعن أبي بِشْر، عن مسافع بن شيبة، عن أبيه قال: دخل النبيُّ
الكعبةَ يصلّي، فإذا فيها تصاوير، فقال: ((يا شيبةُ اكفني هذه))، فاشتدَّ ذلك
عليه، فقال له رجلٌ: طَيِّنها ثم الْطَخها بزعفران، ففعل.
وقالت صفيّةُ بنتُ شيبة: أخبرتني امرأةٌ من بني سُلَيم أنَّ رسولَ الله ◌ُله
لما خرج من الكعبة أمر عثمان بن طلحة أن يُغيِّب قرنَي الكَبْش، يعني كبش
إسماعيل، وقال: ((لا ينبغي للمصلِّي أنْ يصلِّ وبين يديه شيءٍ يَشْغَلُه))(٢).
قُتل طلحة يوم أُحُد مشركًا .
وقال عبدالله بن المؤمَّل المَخْزومي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن
عباس، أنَّ النبيَّ بَّه قال: ((خذوها يا بني أبي طَلْحة خالدةً تالدةً لا يَنْزِعها
منكم إلاّ ظالم))، يعني الحجابة (٣).
قال مصعب (٤): قُتل بأجنادين سنة ثلاث عشرة.
(١) بين المصنف الخلاف في ذلك في المغازي من السيرة النبوية من هذا الكتاب.
(٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد ٦٨/٤ و٣٨٠/٥، وأبو داود (٢٠٣٠)، وغيرهما.
(٣) إسناده ضعيف لضعف عبدالله بن المؤمل.
أخرجه الطبراني (١١٢٣٤) من طريق ابن المؤمل، به .
(٤) نسب قريش ٢٥١ .
٤٢١

وقال الهيثم بن عديٍّ، والمدائنيُّ: توفي سنة إحدى وأربعين.
وقال خليفة(١): توفي سنة اثنتين وأربعين(٢).
٤٦ - ن ق: عَقِيل بن أبي طالب بن عبدالمُطّلب الهاشميُّ، أبو
يزيد، ويقال: أبو عيسى، وكان أكبرَ من جعفر وعلي.
أسلم وشهدَ غزوة مؤتة، وله عن النبيِّ ◌ِ ﴾ أحاديث. روى عنه ابنه
محمد، وحفيده عبدالله بن محمد، وموسى بن طلحة، والحسن البَصْري،
وعطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السَّمَّان.
ووفد على معاويةً فأكرمه، وكان أكبر من عليٍّ بعشرين سنة، وعاش
بعده مدةً، وكان علاّمةً بالنسب وأيام العرب.
قال ابن سعد (٣): وكان عَقِيل مِمَّن أُخرج من بني هاشم كرهًا إلى
بدر، فأُسر يومئذٍ، وكان لا مال له، فقداه العباس. ثم هاجر في أول سنة
ثمان، ثم عرضَ له مرض بعد شهوده غزوة مؤتة، فلم يُسْمع له بذِكر في
الفتح ولا ما بعدها، وقد أطعمه رسولَ الله ◌َ له بخيبر كل سنة مئة وأربعين
وسقًا .
وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ بِّه قال: «أُعطي كُلُّ نبيٍّ سبعة رفقاء
نُجباء، وأُعطيتُ أنا أربعة عشر))، فذكر منهم عَقِيلاً.
ورُوي من وجوهٍ مُرْسلةٍ أَنَّ رسول الله مَ لّه قال لعَقِيل: ((يا أبا يزيد إنِّي
أحبُّك حُبَّين، حُبَّا لقرابتك منّي، وحبًّا لحبِّ أبي طالب إِيَّاكِ)) (٤).
وعن داود بن أبي هند، أنَّ عليًّا دخلَ عليه عَقِيلٌ ومعه كَبْش فقال: إنَّ
أحدَ الثلاثةِ أحمقٌ، فقال عَقِيل: أمّا أنا وكبشي فلا .
وقال عطاء: رأيتُ عقيلاً شَيْخًا كبيرًا غَرْبَ(٥) زمزم.
وقال أبو جعفر الباقر: أتى عقيلٌ عليًّا بالعراقِ ليعطيه، فأبى، فقال:
(١) تاريخه ٢٠٥ .
(٢) انظر تهذيب الكمال ٣٩٥/١٩ - ٣٩٧، وتاريخ دمشق ٣٧٦/٣٨ - ٣٩٠.
(٣) طبقاته الكبرى ٤/ ٤٣ .
(٤) أخرجه ابن سعد ٤٤/٤، والحاكم ٥٧٦/٣ .
(٥) يقلُّ: يحمل، والغرب: هي الدلو العظيمة.
٤٢٢

أذهبُ إلى من هو أوصل منك، فذهب إلى معاوية، فعرفَ له معاوية
قدومه، ثم قال: هذا عقيلٌ وعمُّه أبو لهب، فقال: هذا معاويةُ وعمَّتُه حمَّالة
الحَطَب .
وقال غسّان بن مُضر: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا حُميد بن هلال،
أنَّ عَقيلاً سأل عليًّا فقال: إنِّي محتاج وفقير. فقال: اصبر حتى يخرج
عطائي، فألحَّ عليه. فقال لرجلٍ: خذ بيده، فانطلق به إلى الحوانيت،
فقال: دُقَّ الأقفالَ وخذ ما في الحوانيت. فقال: تريد أنْ تَتَّخذني سارقًا!
قال: وأنتَ تريدُ أن تَتَّخذني سارقًا وأعطيكَ أموالَ الناس. قال: لآتينَّ
معاويةَ. قال: أنتَ وذاك، فأتى معاوية، فأعطاه مئة ألف، ثم قال: اصعد
على المنبر فاذكر ما أولاكَ عليٍّ وما أوليتُكَ، قال: فصعد المنبر فحمد الله
ثم قال: أيُّها الناسُ إنِّي أخبركم أني أردتُ عليًّا على دينهِ، فاختار دينهُ عليَّ،
وأردتُ معاوية على دينه فاختارني على دينه. فقال معاوية: هذا الذي تزعمُ
قريش أنه أحمق . !!
توفي عقيل في خلافة معاوية (١).
٤٧ - ن ق: عمارة بن حَزْم بن زيد بن لَوْذان الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ،
أبو عبدالله .
أحدُ من شهد بَدرًا، ذهب بَصرُه، وبقيَ إلى خلافةِ معاوية(٢).
٤٨- ع: عمرو بن أُميّة بن خُوَيلد بن عبدالله بن إياس، أبو أميّة
الضَّمريُّ.
أسلم بعد أُحُد، وشهدَ بئر معونة وما بعدها، وكان من أُولي النَّجْدةِ
والشجاعة والإقدام، وبعثه رسولُ الله وَل سريّة وحده. وبعثه بكتابه إلى
النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم.
روى عنه ابناه جعفر، وعبدالله، وابنُ أخيه الزِّبْرقان بن عبدالله،
والشَّعبيُّ، وأبو سلمة، وأبو قلابة الجَرْميُّ. وتُوفي بالمدينة، وشهدَ بدرًا مع
(١) من تاريخ دمشق ٤١ /٤ - ٢٤.
(٢) من تهذيب الكمال ٥٨٥/٢١ - ٥٨٧ .
٤٢٣

المشركين، وبقي إلى أيام معاوية(١).
٤٩ - ن ق: عَمرو بن الحَمِقِ الخُزاعيُّ.
له صحبةٌ ورواية، وبايع النبيَّ ◌ََّ في حجَّةِ الوداع، وسمع منه. روى
عنه رفاعة بن شدَّاد، وجُبير بن نُفير، وعبدالله بن عامر المَعَافِري.
وقال ابن سعد(٢): كان أحدَ الرؤوس الذين ساروا إلى عثمان، وقتله
ابن أمّ الحَكَم بالجزيرة.
وقال خليفة(٣): كان عَمرو بن الحَمِقِ يومَ صِفِّين على خُزاعة مع
عليٍّ.
وعن الشَّعبيِّ قال: لما قَدِم زياد الكوفة أثاره عمارة بن عُقبة بن أبي
مُعيط فقال: إنَّ عَمرو بن الحَمِق من شيعةِ علي، فسيّر إليه يقول: ما هذه
الزَّرافات التي تجتمع عندك! مَن أرادك أو أردت كلامه ففي المسجد.
وعنه قال: تطلّب زياد رؤساء أصحاب حُجر، فخرج عمرو إلى
المَوْصل هو ورِفاعة بن شدَّاد، فكَمُنا في جبل، فبلغ عاملَ ذلك الرستاق،
فاستنكر شأنهما، فسارَ إليهما في الخَيْلِ، فأما عَمرو بن الحَمِقِ فكان
مريضًا، فلم يكن عنده امتناعٌ، وأما رفاعة فكان شابًّا، فركب وحمل
عليهم، فأفرجوا له، ثم طلبته الخيلُ، وكان راميًا فرماهم فانصرفوا، وبعثوا
بعَمرو إلى عبدالرحمن ابن أمّ الحكم أمير الموصل، فكتب فيه إلى معاوية،
فكتب إليه معاوية: إنَّه زعم أنَّه طعن عثمان تسع طعنات بمَشَاقِص، ونحن
لا نعتدي عليه فاطعنه كذلك، ففعل به ذلك، فمات في الثانية .
وقال أبو إسحاق، عن هُنَيدة الخُزاعي، قال: أولُ رأس أُهدي في
الإسلام رأس عَمرو بن الحَمِقِ.
وقال عمَّار الدُّهني: أولُ رأسِ نُقل رأسُ ابن الحَمِقِ، وذلك لأنَّه لُدغ
فمات، فخشيت الرسلُ أن تُتَّهمَ به، فحرُّوا رأسه وحملوه .
(١) من تهذيب الكمال ٥٤٥/٢١ - ٥٤٧ .
(٢) طبقاته الكبرى ٦/ ٢٥.
(٣) تاريخه ١٩٤.
٤٢٤

قلت: هذا أصحُّ مِمَّا مَرَّ، فإنَّ ذاك من رواية ابن الكَلْبي، فالله أعلم
هل قُتل أو لُدغ.
وقال خليفة(١): قتل سنة خمسين(٢).
٥٠- عمرو بن العاص بنٍ وائل بن هاشم بن سُعيد بن سَهْم بن
عَمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤيٍّ بن غالب، أبو عبدالله وأبو محمد
القرشيُّ السَّهْميُّ.
أسلم في الهدنة وهاجر، واستعمله رسولُ الله ◌ِِّ على جيشٍ غزوةٍ
ذاتِ السلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، لخبرته بمكيدةِ الحرب. ثم وليَ الإمرة
في غزوة الشام لأبي بكر وعُمر. ثم افتتح مصرَ ووليها لعُمر.
وله ◌ِدَّةُ أحاديث. روى عنه ابناه عبدالله ومحمد، وأبو عثمان
النَّهدي، وقَبِيصة بن ذُؤْيب، وعُلي بن رَبَاح، وعبدالرحمن بن شماسة،
وآخرون.
قال ابن عبدالبَرِّ(٣): أسلم عمرو بن العاص في صَفَر سنة ثمان، وأمَرهُ
النبيُّ بََّ على سريةٍ نحو الشَّام في جُمادى الآخرة سنة ثمان فيما ذكره
الواقديُّ إلى السَّلاسل، ثم أمدَّهُ النبيُّ بَّه بمئتي فارس، فيهم أبو بكر،
وُعُمر، وأبو عُبيدة، إلى أن قال: ثم وليَ مِصر لمعاوية، ومات بها يوم
الفطر سنة ثلاثٍ وأربعين على الأصحِّ، فصلَّى ابنُه عليه، ثم رجع فصلّى
بالناس صلاة العيد، ثم وَلَيَ مصرَ بعده عُتبةُ أخو معاوية، فبقي سنةً ومات،
فولي مصر مَسْلَمة بن مَخْلَد، انتهى .
وقدم عمرو دمشق رسولاً من أبي بكر إلى هِرَقل، وله بدمشق دارٌ عند
سقيفة كُردوس، ودارٌ عند باب الجابية، تُعرف ببني حُجيجَة ودار عند عين
الحِمَى. وأُّه عَنَزِيَّةٌ، وكان قصيرًا يَخْضبُ بالسواد.
قال حَمَّاد بن سَلَمة: عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
(١) تاريخه ٢١٢ .
(٢) من تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٥ /٤٩٠ - ٥٠٤.
(٣) الاستيعاب ٣/ ١١٨٥ - ١١٨٨.
٤٢٥

هريرة قال: قال النبيُّ مَّه: ((ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو))(١).
ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عن عُقبةَ بن عامر، قال: قال رسول الله ◌ِّين :
((أسلمَ الناسُ، وآمن عمرو بن العاص)). رواه الترمذي(٢).
وقال ابن أبي مُلَيكة: قال طلحةُ بن عُبيد الله: سمعت رسول الله محمداله
يقول: ((عمرو بن العاص من صالحي قريش)). أخرجه الترمذي، وفيه
انقطاع (٣).
وقال ابنُ لَهِيعةَ، عن يزيد بن أبي حبيب: أخبرني سُويد بن قيس، عن
قَيْس بن شُفَيٍّ، أَنَ عمرو بن العاص قال: يا رسولَ الله أبايعك على أنْ يُغفر
لي ما تقدَّمَ من ذنبي، قال: ((إنَّ الإسلامَ والهجرةَ يَجُبَّان ما كان قبلَهُما))،
قال: فوالله ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أُريد، حتى لَحِقَ بالله حياءً
منه (٤).
وقال الحسنُ البصريُّ: قال رجلٌ لعمرو بن العاص: أرأيتَ رجلاً
مات رسولُ الله ◌ِيَةٍ وهو يحبُّه، أليس رجلاً صالحًا؟ قال: بلى، قال: قد
مات رسولُ الله ◌ِ﴾ وهو يُحبُّكَ، وقد استعملك، قال: بلى، فوالله ما أدري
أُحبًّا كان لي منه، أو استعانة بي، ولكن سأحدِّثْك برجلين مات وهو
(١) إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإن حديثه لا يرتقي إلى مراتب
الصحة .
أخرجه أحمد ٣٠٤/٢.
(٢) في جامعه الكبير (٣٨٤٤)، وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن
لهيعة عن مشرح وليس إسناده بالقوي)). وابن لهيعة ضعيف عند التفرد كما بيناه في
((تحرير التقريب))، ومشرح بن هاعان وإن كان صدوقًا حسن الحديث لكنه يروي عن
عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها، كما قال ابن حبان في ((المجروحين))
فلعل هذا منها (ينظر تحرير التقريب ٣٨٠/٣ - ٣٨١).
(٣) جامعه الكبير (٣٨٤٥) وقال: ((هذا حديث إنما نعرفه من حديث نافع بن عمر
الجمحي، ونافع ثقة، وليس إسناده بمتصل، ابن أبي مليكة لم يدرك طلحة)).
(٤) إسناده ضعيف، لجهالة قيس بن شفي، ويقال ابن سمي، وهو الأصوب. ولضعف ابن
لهيعة عند التفرد بهذا التمام. ولشطره الأول متابعات وشواهد، يكون الحديث
بمجموعها حسنًا .
أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٤ .
٤٢٦

يحبُّهما: عبدالله بن مسعود، وعمَّار بن ياسر. فقال الرجل: ذاك قتيلكم يوم
صِفِّين. قال: قد والله فعلنا(١).
ورُوي أنَّ عَمرًا لما تُوفي النبيُّ بِيه كان على عُمان، فأتاه كتابُ أبي
بکر بذلك.
قال ضَمْرة، عن الليث بن سعد، أنَّ عُمرَ نظر إلى عمرو بن العاص
يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبدالله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا.
وقال جُوَيرية بن أسماء: حدثني عبدالوهاب بن يحيى بن عبدالله بن
الزبير، قال: حدثنا أشياخنا أنَّ الفتنةَ وقعت، وما رجلٌ من قريش له نباهة
أعمى فيها من عمرو بن العاص، وما زال مُعتصمًا بمكة ليس في شيء ممَّا
فيه الناس، حتى كانت وقعةُ الجَمل، فلما فرغت بعثَ إلى ولديه عبد الله
ومحمد فقال: إنِّي قد رأيتُ رأيًا، ولستما باللذين تَرُدَّاني عن رأيي، ولكن
أشيرا عليَّ، إنِّي رأيتُ العربَ صاروا غارين يضطربان، وأنا طارحٌ نفسي بين
جزاري مكة، ولستُ أرضى بهذه المنزلة، فإلى أيِّ الفريقين أعمد؟ قال له
عبد الله: إن كنت لابدَّ فاعلاً، فإلى عليٍّ. قال: إنِّي إنْ أتيتُ عليًّا قال: إنَّما
أنتَ رجلٌ من المسلمين، وإنْ أتيتُ معاوية يخلطني بنفسه، ويشركني في
أمره، فأتى معاوية .
وعن عُروة، أو غيره، قال: دعا ابنيه، فأشار عليه عبدالله أن يلزمَ
بيته، لأنه أسلم له، فقال له محمد: أنتَ شريفٌ من أشراف العرب، ونابٌ
من أنيابها، لا أرى أنْ تتخلَّف، فقال لعبد الله: أما أنتَ فأشرتَ عليَّ بما هو
خيرٌ لي في آخرتي، وأما أنتَ يا محمد فأشرتَ عليَّ بما هو أنبه لذكري،
ارتحلا. فارتحلوا إلى معاوية، فأتوا رجلاً قد عاد المَرْضى، ومشى بين
الأعراض، يقصُّ على أهل الشام غدوة وعشيَّة: يا أهل الشام إنَّكم على خير
وإلى خير، تطلبون بدم خليفةٍ قُتلَ مظلومًا، فمن عاش منكم فإلى خير،
ومن مات فإلى خير. فقال عبدالله: ما أرى الرجلَ إلا قد انقطع بالأمر
دونك، قال: دعني وإِيَّاه، ثم إنَّ عَمرًا قال: يا معاوية أحرقتَ كبدي
(١) إسناده منقطع، الحسن البصري لم يسمع من عمرو بن العاص.
أخرجه أحمد ٢٠٣/٤ .
٤٢٧

بقصصك، أترى أنَّا خالفنا عليًّا لفضلٍ منَّا عليه، لا والله، إنْ هي إلا الدُّنيا
نتكالبُ عليها، وايْمُ الله لَتَقْطَعنَّ لي قطعة من دنياك، أو لأَنابذنُّك. قال:
فأعطاه مصر، يُعطي أهلها عطاءهم، وما بقي فله .
ويُروى أنَّ عليًّا كتب إلى عَمرو يتألَّفه، فلما أتاه الكتابُ أقرأه معاويةً
وقال: قد ترى، فإما أن ترضيني، وإما أن ألحق به، قال: فما تريد؟ قال:
مصر، فجعلها له .
وعن يزيد بن أبي حبيب وغيره، أنَّ الأمرَ لَمَّا صارَ لمعاوية استكثر
طُعمةَ مصر لعَمرو، ورأى عَمرو أنَّ الأمرَ كُلُّه قد صلح به وبتدبيره وعنائه،
وظنَّ أنَّ معاوية سيزيده الشَّام مع مصر، فلم يفعل معاويةُ، فتنكرَ له عَمرو،
فاختلفا وتغالظا، فدخل بينهما معاوية بن حُدَيج، فأصلح أمرهما، وكتب
بينهما كتابًا: أنَّ لعمرو ولاية مصر سبعَ سنين، وأَشْهَدَ عليهما شهودًا، ثم
مضى عَمرو إليها سنة تسع وثلاثين، فما مكثَ نحو ثلاث سنين حتى مات.
ويُروى أنَّ عَمرًا ومعاوية اجتمعا، فقال معاوية له: من الناسُ؟ قال:
أنا، وأنت، والمُغيرة بن شعبة، وزياد، قال: وكيف ذاك؟ قال: أما أنت
فللتأنِّي، وأما أنا فللبديهةِ، وأما مُغيرة فللمُعْضِلات، وأما زياد فللصغير
والكبير. قال: أما ذانك فقد غابا فهاتِ أنت بديهتك، قال: وتريد ذلك؟
قال: نعم، قال: فأخرج مَن عندك، فأخرجهم، فقال: يا أمير المؤمنين
أُسارُّك، قال: فأدنى منه رأسه، فقال: هذا من ذاك، مَن معنا في البيت حتى
أُسارك؟!
وقال جُويرية بن أسماء: إنَّ عَمرًا قال لابن عباس: يا بني هاشم، أما
والله لقد تقلَّدتم بقتل عثمان قَرَمَ الإماء العَوارك(١) أطعتم فُسَّاق أهلِ العراق
فيِ عُتْبة، وأجزرتموه مُرَّاق أهل مِصْرَ، وآويتم قَتَلَته. فقال ابن عباسَ : إنَّما
تكلّم لمعاوية، وإنَّما تكلّم عن رأيك، وإنَّ أحقَّ النَّاس أنْ لا يتكلّم في أمرٍ
عثمان لأنتما، أما أنتَ يا معاوية فزيَّنت له ما كان يَصنع، حتى إذا حُصرَ
طلب منك نَصرك، فأبطأتَ عنه، وأحببتَ قتله وتربَّصتَ به، وأما أنت
يا عَمرو، فأضرمتَ المدينةَ عليه، وهربتَ إلى فلسطين تسأل عن أبنائه،
(١) القرم: شدة الشهوة، والعوارك: الحيَّض.
٤٢٨

فلما أتاكَ قَتْلُه أضافتك عداوة عليٍّ أن لحِقْتَ بمعاوية، فبِعتَ دِينَك منه
بمصرَ، فقال معاوية: حسبُك يَرْحَمُكَ الله، عرَّضني لك عَمرو، وعرَّض
نفسه .
وكان عمرو من أفراد الدهرِ دهاءً، وجلادةً، وحزمًا، ورأيًا،
وفصاحة .
ذكر محمد بن سَلَّم الجُمحي: أنَّ عُمر بن الخَطَّاب كان إذا رأى رجلاً
يتلجلج في كلامه قال: خَالقُ هذا وخالقُ عمرو بن العاص واحدٌ.
وقال مجالد، عن الشَّعبي، عن قبيصة بن جابر، قال: صَحِيتُ عمر،
فما رأيتُ رجلاً أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن
مداراة منه، وصحبت طلحة بن عُبيد الله، فما رأيتُ رجلاً أعطى لجزيلٍ منه
من غير مسألة، وصحبت معاوية، فما رأيتُ أحلمَ منه، وصحبت عمرو بن
العاص، فما رأيت رجلاً أبين، أو قال: أنصع، طَرَفًا منه، ولا أكرم
جليسًا، ولا أشبه سريرةً بعلانية منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أنَّ
مدينةً لها ثمانية أبوابٍ، لا يُخْرَجُ من بابٍ منها إلا بمكرٍ لخرج من أبوابها
كُلِّها .
وقال موسى بن عُلي بن رَبَاح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو قيس
مولى عمرو بن العاص، أنَّ عَمرًا كان يسردُ الصومَ، وقلَّما كان يصيبُ من
العَشاء أول الليل أكثر ممَّا كان يأكل من السَّحَر.
وقال عَمرو بن دينارٍ: وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عَمرٍو بن
العاص كلامٌ، فسبهُ المغيرةُ، فقال عمرو: يا لهصيص، أيَسُبُني ابن شعبة!
فقال عبد الله ابنه: إنَّا لله، دعوتَ بدعوى القبائل وقد نُهيَ عنها. فأعتق
ثلاثين رقبة .
وقال عمرو بن دينار: أخبرني مولى لعمرو بن العاص، أنَّ عَمرًا أدخل
في تعريش الوَهْط - وهو بستانٌ له بالطائف - ألف ألف عود، كل عود بدرهم.
وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثني عبد الرحمن بن شِماسة قال: لما
حضرت عمرو بن العاص الوفاةُ بكى، فقال له ابنه: لِمَ تبكي، أَجَزَعًا من
الموت؟! قال: لا والله ولكن ما بَعْدُ، قال: قد كنتَ على خَيْرِ، فجعل
٤٢٩

يُذَكِّرهُ صُحبةَ رسول الله بٍِّ وفتوحه الشَّام، فقال عمرو: تركتَ أفضلَ من
ذلك كله، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنتُ على ثلاث أطباق(١)، ليس منها
طبقة إلا عرفتُ نفسي فيها؛ كنت أول شيء كافرًا، وكنتُ أشدَّ الناس على
رسولِ الله ◌َّ فلو متُّ حينئذٍ لوجَبَت ليَ النارُ، فلما بايعتُ رسولَ الله ◌ِله
كنت أشد الناس منه حياءً، ما ملأتُ عيني منه، فلو متُّ حينئذ لقال الناس :
هنيئًا لعَمرو، أسلم على خَيْرِ، ومات على خير أحواله، ثم تَلَبَّستُ بعد ذلك
بأشياء، فلا أدري أعليَّ أم لي، فإذا أنا متُّ فلا يُبْكى عليَّ ولا تُتْبعوني نارًا،
وشُدُّوا عليَّ إزاري، فإني مخاصَم، فإذا واريتموني فاقعدوا عندي قَدرَ نَحْرِ
جَزُور وتقطيعها، أستأنس بكم، حتى أعلمَ ما أراجع رُسُلَ ربِّي.
أخرجه أبو عَوَانة في مسنده (٢) .
وقال الزُّهري، عن حُميد بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن عَمرو؛ أنَّ
أباه قال: اللهم أمرتَ بأمورٍ ونَهيتَ عن أمور، تركنا كثيرًا ممَّا أمرتَ،
ووقعنا في كثيرٍ مما نهيتَ، اللهم لا إله إلا أنت، ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل
يُهَلِّلُ حتى توفي .
وقال أبو فراس مولى عبدالله بن عمرو: إنَّ عَمرًا توفي ليلة الفطر،
فصلَّى عليه ابنُه ودفنه، ثم صلَّى بالناسِ صلاة العيد .
قال الليث، والهيثم بن عديٍّ، والواقديُّ، وابن بُكَير، وغيرُهم:
توفي سنة ثلاث وأربعين ليلة عيد الفطر، زاد يحيى بن بكير: وسِنه نحو مئة
سنة .
وقال أحمد العِجْلي(٣): وعمره تسع وتسعون سنة.
(١) أطباق: أحوال.
(٢) مسند أبي عوانة ١/ ٧٠ - ٧١. وأخرجه أحمد ١٩٩/٤ من طريق عبدالله بن المبارك
عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، به، ورواية عبدالله بن المبارك عن ابن لهيعة
قوية، لكن أخرجه مسلم من حديث محمد بن المثنى العنزي وأبي معن الرقاشي
وإسحاق بن منصور - واللفظ لابن المثنى - عن الضحاك بن مخلد النبيل، عن حيوة
ابن شريح عن يزيد بن أبي حبيب بلفظ مقارب، ولكن ليس فيه ((وشدوا عليَّ إزاري
فإني مُخاصم))، وهو الصواب.
(٣) ثقاته (١٣٩١).
٤٣٠

وقال ابنُ نُمير: توفي في سنة اثنتين وأربعين.
فائدة: قال الطحاوي: حدثنا المُزني، قال: سمعت الشافعي يقول:
دخل ابن عباس عل عمرو بن العاص وهو مريضٌ فقال: كيف أصبحتَ؟
قال: أصبحتُ وقد أصلحتُ من دُنيايَ قليلاً، وأفسدتُ من ديني كثيرًا، فلو
كان ما أصلحتُ هو ما أفسدتُ لفُزْتُ، ولو كان ينفعني أنْ أطلبَ طلبتُ،
ولو كان يُنجيني أنْ أهربَ هربتُ، فَعظني بموعظةٍ أنتفعُ بها يا ابن أخي،
فقال: هيهات يا أبا عبدالله، فقال: اللهم إنَّ ابن عباس يُقنطُني من رحمتك،
فَخُذ مني حتى ترضى .
ولعمرو بن العاص ترجمةٌ طويلة في طبقات ابن سعد(١)ثمان عشرة
ورقة .
٥١- عَمرو بن مَعْدي كَرِب بن عبدالله بن عمرو بن عُصم بن
عَمرو بن زُبَيَد، أبو ثور الزُّبيديُّ.
له وفادةٌ على النبيِّ مَ، وشهدَ اليرموكَ، وأبلى بلاءً حسنًا يوم
القادسية. وكان فارسًا بطلاً ضخمًا عظيمًا، أجَشَّ الصوتِ، إذا التفت التفت
جميعًا، وهو أحدُ الشُّجعان المذكورين، وارتدَّ عند وفاةِ النبيِّ بَّ، ثم رجع
وحسُنَ إسلامُه .
وقيل: كان يأكلُ أكْلَ جماعةٍ، أكلَ مرَّةً عَنْزًا رَبَاعيًا وثلاثة آصُع ذُرة.
وقال جُويرية بن أسماء: شهد صِفِّين غيرُ واحد أبناء خمسين ومئة
سنة، منهم عمرو بن معدي گَرِب .
توفي عمرو هذا في إمرة معاوية(٢) .
٥٢- ت: عُمير بن سعد بن شُهيد بن قَيْس الأنصاريُّ الأوسيُّ،
صاحبُ رسولِ الله ◌َليل .
كان من زُهادِ الصحابة وفُضلائهم. روى عنه ابنه محمود، وكثير بن
مُرَّة، وأبو إدريس الخَوْلاني، وراشد بن سعد، وغيرهم.
(١) طبقاته الكبرى ٢٥٤/٤ - ٢٦١، وانظر تهذيب الكمال ٧٨/٢٢ - ٨٥، على أن هذه
الترجمة مأخوذة من تاريخ دمشق ١٠٨/٤٦ - ٢٠٣.
(٢) ملخصة من تاریخ دمشق ٤٦/ ٣٦٣ - ٣٩٩.
٤٣١

وكان يقال له: نسيجُ وَحْده، واستعمله عمرُ على حمص .
ووَهمَ ابن سعد فقال(١): إنَّه عُمَير بن سعد بن عُبيد، وإنما هو ابن عمّ
أبيه .
وقال عبدالصَّمد بن سعيد. وَلَيَ حِمْص بعد سعيد بن عامر بن
حِذْیم.
وعن الزُّهري، قال: فبقي على إمرة حِمْصَ حتى قُتلَ عمرُ، ثم نزعه
عثمان .
وقال عاصم بن عُمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن عُمَير بن سَعد
قال: قال لي ابنُ عُمر، ما كان في المسلمين رجلٌ من أصحابِ رسول الله
يجي أفضل من أبيك.
وقال ابن سيرين: إنَّ عُمرَ من عَجَبهِ بعُمير بن سعد كان يُسمِّيه: نسيج
وَحْده .
أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن عبدالواحد
البخاري سنة اثنتين وعشرين وست مئة، قال: أخبرنا أبو الكرم علي بن
عبدالكريم بهمذان، قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن محمد المقرىء سنة
ستٍ وخمس مئة، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد بن شبابة، قال: حدثنا
أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن بن عبيد الأسدي، قال: حدثنا إبراهيم بن
الحسين بن ديزيل، قال: أخبرنا عبدالله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثنا
سعيد بن عبدالعزيز أنه بلغه أنَّ الحسن بن أبي الحسن قال: كان عُمرُ بن
الخطّاب رضي الله عنه بعث عُمير بن سعد أميرًا على حِمْص، فأقام بها
حَوْلاً، فأرسل إليه عُمر وكتب إليه: ((بسم الله الرحمن الرحيم. من عمر بن
الخطّاب إلى عُمير بن سعد، السلامُ عليك، فإنِّي أحمدُ إليكَ الله الذي لا
شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وقد كنا وليناك شيئًا من أمر
المسلمين، فلا أدري ما صنعتَ، أَوَفَيْتَ بعهدنا، أم خُنْتَنا، فإذا أتاكَ كتابي
هذا - إنْ شاء الله تعالى - فاحمل إلينا ما قِبَلك من فَيْء المسلمينِ، ثم
أقْبل، والسلامُ عليك)). قال: فأقبل عُمير ماشيًا من حِمْص، وبيده عُكَّازة،
(١) طبقاته الكبرى ٤/ ٣٧٤.
٤٣٢

وإداوة، وقصعة، وجراب، شاحبًا، كثير الشعر، فلما قدم على عمر قال
له: يا عُمير، ما هذا الذي أرى من سوء حالك، أكانت البلادُ بلادَ سوء، أم
هذه منك خديعة؟ قال عُمير: يا عمر بن الخطّابِ ألم يَنْهكَ اللهُ عن التجسُّس
وسوء الظَّنَّ؟ ألستَ تراني طاهرَ الدَّم، صحيحَ البدنِ ومعي الدنيا بقُرابها!
قال عمر: ما معك من الدنيا؟ قال: مِزْودي أجعلُ فيه طعامي، وقصعةٌ آكلُ
فيها، ومعي عُكَّازتي هذه أتوكأ عليها وأجاهد بها عَدوًّا إنْ لقيته، وأقتل بها
حيَّةَ إنْ لقيتها، فما بقيَ من الدنيا! قال: صدقت، فأخبرني ما حال من
خَلَّفتَ من المسلمين. قال: يُصلُّون ويوحِّدون، وقد نَهى الله أن نسألَ عَمَّا
وراء ذلك. قال: ما صنع أهلُ العهد؟ قال عُمير: أخذنا منهم الجزية عن يدٍ
وهم صاغرون. قال: فما صنعت بما أخذت منهم؟. قال: وما أنتَ وذاك
يا عمر! أرسلتني أمينًا، فنظرتُ لنفسي، وايم الله لولا أنَّي أكره أن أغمَّك لم
أُحَدِّثكَ يا أمير المؤمنين، قدمتُ بلاد الشام، فدعوتُ المسلمين، وأمرتهم
بما حقَّ لهم عليَّ فيما افترض الله تعالى عليهم، ودعوتُ أهلَ العهد،
فجعلت عليهم من يَجْبيهم، فأخذناه منهم، ثم ردِدناه على فقرائهم
ومجهوديهم، ولم يَنَلْكَ من ذلك شيءٌ، فلو نالكَ بَلَّغناكه. قال عُمر:
سبحان الله، ما كان فيهم رجل يتبرَّعُ عليك بخيرٍ ويحملك على دابَّة، جئت
تمشي، بئس المعاهدون فارقت، وبئس المسلمون، أما والله لقد سمعتُ
رسولَ اللهِ وَلّ وهو يقول: (لتوطأنَّ حُرَمُهم ولَيُجِارنَّ عليهم في حكمهم،
وليُسْتَأثرنَّ عليهم بفَيْئهم، ولَيَليَّهم رجالٌ إنْ تَكَلَّمُوا قتلوهم، وإن سكتوا
اجتاحوهم)). فقال عُمير: ما لك يا عمر تفرح بسَفْك دمائهم وانتهاكِ
محارمِهم! قال عُمر: سمعتُ رسول الله مَّ يقول: (لتأمرنَّ بالمعروفِ،
ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليسلطنَّ اللهُ عز وجل عليكم شِراركم، ثم يدعو
خيارُكُم فلا يُستجابُ لهم)). ثم إنَّ عُمر قال: هاتوا صَحيفة لنجدِّدَ لعُمير
عَهْدًا، قال عُمير: والله لا أعمل لك، اتَّق الله يا أميرَ المؤمنين واعفني
بغيري .
وذكر حديثًا طويلاً منكرًا. ورُوي نحوه، عن هارون بن عنترة، عن
أبيه .
تاريخ الإسلام ٢٨٥/٢
٤٣٣

قال المُفَضَّلِ الغَلابي: زُهَّادُ الأنصار ثلاثة: أبو الدرداء، وشدَّاد بن
أوس، وعُمير بن سعد، رضي الله عنهم(١).
٥٣- م٤: عَنْبسة بن أبي سفيان بن حرب بن أُميّة الأمويُّ، أبو
عامر، ويقال: أبو عُثمان، ويقال: أبو الوليد.
روى عن أخته أُمِّ المؤمنين أُمِّ حبيبة. وعنه مكحول، وعمرو بن
أوس، وشهر بن حَوْشب، وأبو صالح السَّمَّان، والقاسم أبو عبدالرحمن،
وعطاء بن أبي رباح.
ولعلَّهُ بقيَ إلى بعد هذا الزمان، لكنه حجَّ بالناس في سنة سبع
وأربعين(٢).
٥٤- دت ن: قَيْس بن عاصم بن سنان التَّميميُّ السَّعديُّ
المِنْقريُّ.
قَدِمَ على رسولِ الله ◌َ ◌ّه في وفد بني تميم، فأسلم. وكان عاقلاً حليمًا
كريمًا جوادًا شريفًا .
قال النبيُّ ◌ََّ: ((هذا سيدُ أهلِ الْوَبَر))(٣).
يروى أنَّ الأحنفَ بن قيس قيل له: مِمَّن تعلمتَ الحلم؟ قال: من
قیس بن عاصم .
ويقال: إنَّ قيسًا كان مِمن حَرَّمَ على نفسه في الجاهلية شرب الخمر.
روى عنه الأحنف، والحسن البَصْري، وشعبة بن التوأم، وابنه حكيم
ابن قيس، وحفيده خليفة بن حُصَين. يُكنى أبا علي، ويقال: كنيته أبو
طلحة، وقيل: أبو قَبيصة. نَزَلَ البَصْرة، وتوفي عن اثنين وثلاثين ذكرًا من
أولاده وأولادهم.
حديثُهُ في السُّنن .
(١) وانظر ترجمته فى تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٧١ - ٣٧٦، وتاريخ دمشق
٤٦ / ٤٧٨ - ٤٩٤ .
(٢) انظر تهذيب الكمال ٢٢ / ٤١٤ - ٤١٦ .
(٣) أخرجه المزي فى تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٩ و٦١ من طريق الحسن عن القيس بن
عاصم، به مطولاً .
٤٣٤

٥٥- ع: كَعب بن مالك بن عمرو بن القَيْن الأنصاريُّ الخَزْرجيّ
السَّلميُّ، أبو عبدالله، ويقال: أبو عبدالرحمن.
شاعرُ رسولِ الله ◌ٌَّ، وأحَدُ الثلاثةِ الذينَ تابَ اللهُ عليهم. شَهِد
العَقَبَةَ وأُحدًا. وحديثُه في تَخَلَّفه عن غزوة تبوك في الصحيحين(١).
روى عنه بَنُّوه عبدالرحمن وعبدالله وعُبيد الله ومحمد، وابن عباس،
وُعُمر بن الحكم، وعُمر بن كثير بن أفلح، وحفيده عبدالرحمن بن عبدالله
ابن كعب .
ويُروى أنَّ النبيَّ مَّه آخى بين طَلحة وكعب بن مالك، وقيل: بل آخى
بين كَعْب والزبير بن العَوَّام؛ قاله عُروة .
وفي مغازي الواقدي (٢): إنَّ كَعْبًا قاتل يوم أُحُد قتالاً شديدًا، حتى
جُرح سبعةَ عشرَ جرحًا .
وقال ابن سيرين: كان شُعراء الصحابةِ: عبد الله بن رَوَاحة، وحَسَّان
ابن ثابت، وكَعْب بن مالك .
وقال عبدالرحمن بن كَعْب، عن أبيه، أنَّه قال: يا رسول الله، قد أنزل
اللهُ في الشعراء ما أنزلَ، قال: ((إنَّ المجاهدَ يجاهدُ بسيفه ولسانه، والذي
نفسي بيده ترمونهم به نُضح النَّبل))(٣).
قال ابن سيرين: أما كَعْب فكان يذكرُ الحربَ ويقول: فعلنا ونفعلُ،
ويَتَهَدَّدهم. وأما حسَّان فكان يذكرُ عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رَوَاحة فكان
يُعَیِّرُهم بالكفر.
وقد أسلمت دَوْس فَرَقًا من بيتٍ قاله كعب :
نُخَيِّرُها ولو نَطَقَت لقالت قوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أو ثَقيفا
وعن ابن المُنْكدر، عن جابر أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال لكعب بن مالك:
(١) البخاري ٩/٤ و١٥٨ و٢٢٩ و٦٩/٥ و٩٢ و٣/٦ و٨٦ و٨٩ ٧٠/٨٥ و٩/ ١٠٢،
ومسلم ٨/ ١٠٥ من طريق عبدالله بن كعب، عن أبيه، به .
(٢) مغازي الواقدي ٢٣٦/١.
(٣) إسناده صحيح، أخرجه عبدالرزاق (٢٠٥٠٠) ومن طريقه أحمد ٣٨٧/٦.
٤٣٥

((ما نسيَ رَبُّك، وما كان نَسيًّا، بيتًا قُلته)). قال: ما هو؟ قال: ((أنشده يا أبا
بكر)»، فقال :
زعمت سَخينةُ أنْ ستغلِبُ رَبَّهَا وَلَيُغْلَبِنَّ مُغالبُ الغَلَّب (١)
وعن الهيثم والمدائني أنَّ كعبًا مات سنة أربعين، وروى الواقدي أنه
مات سنة خمسين. وعن الهيثم بن عديٍّ أيضًا أنه توفي سنة إحدى
وخمسين .
٥٦- لَبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عَقِيل الهوازنيُّ العامريُّ .
الشاعر المشهور، الذي له (٢) :
ألاَ كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ وكلُّ نعيم لا مَحَالةَ زائلٌ
وَفَدَ على النبيِّ ◌ََّ فأسلم وحسن إسلامه، قال النبيُّ ◌َله: ((أصدق
كلمة قالها الشاعرُ، كلمة لبيد :
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ(٣)
يقال: إنَّ لَبيدًا عاش مئة وخمسين(٤) سنة، وقيل: إنه لم يَقُل شعرًا
بعد إسلامه، وقال: أبدلني الله به القرآن.
ویقال: قال بيتًا واحدًا وهو :
ما عاتَبَ المرءَ الكريمَ كَنَفسهِ والمرءُ يُصلحهُ القَرِينُ الصالحُ
وكان أحدَ أشرافِ قومه، نزل الكوفة، وكان لا تهبُّ الصَّبا إلا نَحَرَ
وأطعمَ. وكان قد اعتزل الفِتَن.
وقيل: إنه لم يَبْقَ إلى هذا الوقتِ، بل تُوفي في إمرةٍ عثمان.
وقيل : مات يوم دخل معاويةُ الكوفة .
(١) أخرجه ابن عساكر ١٩٠/٥٠ - ١٩١ من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن
أبيه، عن جابر، به. والمنكدر لين الحديث.
(٢) ديوانه ٢٥٤ .
(٣) أخرجه البخاري ٥٣/٥ و٤٣/٨ و١٢٧/٨، ومسلم ٤٩/٧، وانظر تمام تخريجه في
تعليقنا على الحديث (٢٨٤٩) من جامع الترمذي.
(٤) هكذا في النسخ، وقيل: مئة وأربعين، وقيل: مئة وسبعًا وخمسين.
٤٣٦

وقال ابن أبي الزناد: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: رَوَيْتُ
لِلَبيد اثني عشر ألف بيت من الشعر.
وللبید :
ولقد سئمتُ من الحياةِ وطُولها وسؤالِ هذا الناس كيف لَبِيدُ (١)
٥٧- ع: محمد بِن مَسْلمة بن خالد بن عَدِيٍّ بن مجدعة؛ ويقال :
محمد بن مَسْلَمة بن سَلَمة بن حَرِيش الأشْهليُّ الأنصاريُّ، أبو عبدالله،
ويقال: أبو عبدالرحمن، ويقال: أَبو سعيد.
شهد بدراً والمشاهدَ بعدها، ورُويَ أنَّ النبيَّ ◌ِ ل# استخلفه على المدينة
مَرَّة. وكان رجلاً طويلاً، معتدلاً، أسمرَ، أصلعَ، عاش سبعًا وسبعين سنة،
وهو حارثيٌّ من حلفاءِ بني عبدالأشهل.
روى عنه ابنه محمود، وسَهْل بن أبي حَثْمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب،
وعُروة بن الزُّبير، وأبو بُردة بن أبي موسى، وآخرون. وكان على مقدِّمةِ
عمر في قدومه إلى الجابية .
وقال ابنُ سعد (٢): آخى رسولُ الله ◌ِّ بينه وبين أبي عُبيدة،
واستخلفه في غزوة تبوك على المدينة .
قلت: وكان مِمَّن اعتزلَ الفتنةَ.
قال عليُّ بن زيد، عن أبي بُردة: مررنا بالرَّبَذة فإذا فسطاطُ محمد بن
مَسْلمة، فقلتُ: لو خرجتَ إلى النَّاسِ فأمرتَ ونهيتَ، فقال: قال لي رسولُ
الله ◌ِّ: ((ستكونُ فُرقةٌ وفتنة واختلافَ، فاكسِرْ سيفكَ واقطع وَتَركَ واجلس
في بيتك))، ففعلتُ ما أمرني به(٣).
وقال أبو بُردة، عن رجل(٤)، قال: قال حُذيفة: إني لأعرف رجلاً لا
تضُرُّه الفتنة، فإذا فسطاطٌ مضروبٌ لما أتينا المدينةَ، وإذا محمد بن مَسْلمة،
(١) ينظر الاستيعاب لابن عبدالبر ١٣٣٥/٣ - ١٣٣٨.
(٢) طبقاته ٣/ ٤٤٣.
(٣) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. أخرجه أحمد ٤٩٣/٣، والحاكم
وصححه ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٤) هو ضبيعة بن الحصين الثعلبي صرح به المصنف في السير ٣٧١/٢، والأثر في
مستدرك الحاكم ٤٣٣/٣ .
٤٣٧

فسألناه فقال: لا يشتمل عليَّ شيءٌ من أمصاركم حتى ينجلي الأمر.
وقال عَبايةٌ بن رِفاعة: كان محمد بن مَسْلَمة أسود طويلاً عظيمًا .
وقال ابن عُيَينةَ: عن موسى بن أبي عيسى، قال: أتى عمرُ بن
الخطاب مَشْربة(١) بني حارثة، فإذا محمد بن مَسْلَمة، فقال له عمر: كيف
تراني؟ قال: أراك كما أحبُّ، وكما يُحبُّ من يُحبُّ لكَ الخيرَ، أراكَ قويًّا
على جمع المالِ، عفيفًا عنه، عَدْلاً في قَسْمه، ولو مِلْتَ عدَّلناك كما يُعَدَّل
السَّهمُ فيَ الثَّقاف. فقال: الحمدُ لله الذي جعلني في قوم إذا ملتُ عَدَّلوني .
وعن جابر، قال: بَعَثنا عثمان في خمسين راكبًا، أميرُنا محمدُ بن
مَسْلَمَة نُكَلَّمُ الذين جاؤوا من مصر في فتنة، فاستقبلنا رجلٌ منهم، وفي يده
مصحف، متقلِّدًا سيفًا تذرفُ عيناه، فقال: ها إنَّ هذا يأمرنا أنْ نضربَ بهذا
على ما في هذا، فقال محمد بن مَسْلَمة: اسكت، فنحنُ ضربنا بهذا على ما
في هذا قبلك، وقبل أنْ تُولدَ.
وعن زيد بن أسلم، أنَّ محمد بن مَسْلمة، قال: أعطاني رسولُ الله ◌ِنَ﴾.
سيفًا فقال: ((جاهد به في سبيل الله، حتى إذا رأيتَ من المسلمين فئتين
يقتتلان، فاضرب به الحَجَرَ حتى تكسره، ثم كُفَّ لسانكَ ويدكَ حتى تأتيكَ
مَنِيَّةٌ قاضية، أو يدٌ خاطئة))، فلما قُتل عثمان خرج إلى صخرةٍ، فضربها
بسیفه حتى كسره(٢).
وقال إسحاق بن أبي فروة: كان محمد يقال له حارسُ نبيِّ الله ◌َّ،
فلما كَسَرَ سيفه اتَّخذَ سيفًا من خشبٍ، وصيَّره في الجفن في داره وقال :
عَلَّقته أهیبُ به ذاعرًا.
وقال محمد بن مصفَّى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن موسى بن
وردان، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله قال: قَدِم معاويةُ ومعه أهلُ الشام،
يعني إنْ شاء الله: إلى المدينةِ، فبلغَ رجلاً شَقيًّا من أهلِ الأردن جلوسٌ
محمد بن مَسْلمة عن علي ومعاوية، فاقتحم عليه المنزلَ فقتله.
(١) المشربة: أرض لينةٌ دائمة النبات.
:
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٣١١)، غير أن فيه: ((عن زيد بن أسلم عن أبيه عن
محمد بن مسلمة))، ورجاله ثقات.
٤٣٨

وقال يحيى بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وابن نُمير، وخليفة:
توفي سنة ثلاثٍ وأربعين في صفر، رضي الله عنه ومن قال سنة ستٍّ فقد
غلط(١).
٥٨- مِدْلاج بن عَمرو، حليف بني عبد شمس .
شهد بدرًا، وتوفي سنة خمسين. وبعضهم يقول: مُدلج بن عَمرو،
حليف لبني غَنْم بن ذَوْدان، والله أعلم (٢).
٥٩- المستورد بن شداد القُرشيُّ الفِهْريُّ.
يقال: توفي سنة خمسين. سيأتي(٣)، وهو صحابي مشهور. روى عنه
قیس بن أبي حازم، وغیرُه(٤).
٦٠ - مَعْقل بن قيس الرِّياحيُّ .
توفي سنة اثنتين وأربعين. لا أعرفه، وليست له صُحبة .
٦١- دن ق: مَعْقل بن أبي الهيثم ويقال: مَعْقل بن أبي مَعقل،
ويقال: مَعْقل ابن أم مَعْقل، الأسديُّ، حليفٌ لهم.
له صُحبة، حديثه في فضل العُمرة في رمضان(٥)، وفي النهي عن
التَّغْوُط إلى القبلة (٦).
عدادهُ في أهلِ المدينة. روى عنه مولاه أبو زيد، وأُمُ مَعْقل، وأبو
سلمة بن عبدالرحمن. وتوفي في أيام معاوية(٧).
٦٢ - ع: المُغيرةُ بن شُعبة بن أبي عامر بن مسعود بن مُعَتِّب
الثقفيُّ، أبو عيسى، ويقال: أبو عبدالله، ويقال: أبو محمد.
(١) ينظر تهذيب الكمال ٢٦ /٤٥٦ - ٤٥٩.
(٢) من الاستيعاب ٤ /١٤٦٨.
· فى الطبقة الآتية، الترجمة ٨٩.
(٣)
من تهذيب الكمال ٤٣٩/٢٧ - ٤٤١.
(٤)
انظر الحديث (٩٣٩) من جامع الترمذي وتعليقنا عليه.
(٥)
انظر ابن ماجة، الحديث (٣١٩) وتعليقنا عليه.
(٦)
(٧) ينظر تهذيب الكمال ٢٧٨/٢٨ - ٢٧٩.
٤٣٩

صحابيٌّ مشهور، كان رجلاً طُوالاً، ذهبت عينهُ يومَ اليرموك، وقيل
يوم القادسية .
وروى المُغيرة بن الرَّيَّان، عن الزُّهري، قال: قالت عائشة: كُسفت
الشمسُ على عهد رسول الله ◌ِّ*، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها،
فذهبت عينُه .
وقال ابنُ سَعد(١): كان المغيرةُ أصهبَ الشعر جدًا (٢)، يفرق رأسه
فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخمَ الهامة، عَبْلَ الذراعين، بعيدَ
ما بين المَنْكبين. قال: وكان داهيةً، يقال له: مغيرةُ الرأي.
وعن الشعبيِّ: أنَّ المغيرةَ سار من دمشق إلى الكوفة خمسًا.
وقال الواقديُّ(٣): حدثني محمد بن سعيد الثقفي وجماعةٌ، قالوا:
قال المغيرة: كنا قومًا متمسِّكين بديننا، ونحن سَدَنةُ اللَّتِ، فأُراني لو رأيتُ
قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفرٌ من بني مالك الوفودَ على المقوقس،
وإهداء هدايا له، فأجْمَعتُ الخروجَ مَعَهم، فاستشرتُ عَمِّي عُروةَ بن
مسعود، فنهاني وقال: ليس معكَ من بني أبيك أحدٌ، فأبيتُ وخرجتُ
معهم، وما معهم من الأحلاف غيري، حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا
المقوقسُ في مجلسٍ مُطلِّ على البَحْرِ، فَرَكبتُ زورقًا حتى حاذیتُ مجلسه،
فنظر إليَّ فأنكرني، وأمر من يسألني، فأخبرته بأمرنا وقُدومنا، فأمرَ أنْ ننزلَ
في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافةٌ، ثم أُدخلنا عليه، فنظر إلى رأس بني
مالك، فأدناهُ وأجلسه معه، ثم سأله عن القوم: أكُلّهم من بني مالك؟ قال :
نعم، إلا هذا، قال: فكنتُ أُهونَ القوم عليه، وسُرَّ بهداياهم، وأعطاهم
الجوائزَ، وأعطاني شيئًا يسيرًا، وخرجنا فأقْبَلت بنو مالك يشترون هدايا
لأهلهم وهم مسرورون، لم يَعْرض عليَّ رجلٌ منهم مواساةً، وخرجوا
وحملوا معهم الخمرَ، فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي أنْ تدعني
ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا، ويخبرون قومي بكرامتهم على الملك،
وتقصيره بي وازدرائه إيَّايَ، فأجمعتُ على قتلهم، فتمارضتُ وعصبتُ
رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلتُ: رأسي يُصَدَّعُ، ولكني أجلس وأسقیکم،
(١) هكذا في النسخ والسير ٢٢/٣، وفي تاريخ دمشق وتهذيب الكمال ((جعدًا» .
(٢) سقط من ترجمة المغيرة بن شعبة من المطبوع من الطبقات، ولعل هذا من ذاك.
(٣) نقله ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٨٥/٤ - ٢٨٦.
٤٤٠