النص المفهرس

صفحات 381-400

وشهدَ أُحُداً والخندق، تُوُفِّي بعد مقتل عثمان، ورواية عليّ بن الحسين
عنه مُرْسَلَةٍ. وقيل: تُوُفِّي سنة أربعين بالكوفة(١).
أبو لُبابة بن عبدالمُنْذِر.
قيل: بقي إلى خلافة عليٍّ. وقد تقدَّم.
وممَّن كان في هذا الوقت :
سُحَيْم عبد بني الحَسْحَاس (٢).
شاعر مُفْلِقٌ، بديع القول، لا صُحْبة له.
روى مَعْمَر، عن سعيد بن عبدالرحمن، عن السّائب، قال: قيل لعمر
رضي الله عنه: هذا عبد بني الحَسْحَاس يقول الشَّعْرَ، فدعاه فقال: كيف
قلتَ؟ فقال :
ودِّعْ سُلَيْمى إنْ تجهّزْتَ غادياً كفى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
قال: حَسْبُك، صَدَقتَ صَدَقْتَ. هذا حديث صحيح.
وهذه قصيدة طنَّانة يقول بها :
علاقة حبِّ ما استَسَرَّ وباديا
جُنوناً بها فيما اعتلقنا علاقة
تراه أثيثاً(٣) ناعمَ النَّبْت عافيا
ليالي تَصطادُ الرجال بفاحِمٍ
من الدُّرِّ والياقوت أصبحَ حالِيا
وجيدٍ كجيدِ الرِّيمِ ليس بعاطلِ
وجَمْر غَضَى هَبَّتْ له الرِّيحُ زاكيا
كَأَنَّ الثُّرَّيا علقتَ فوقَ نَحْرِهَا
وألقت بأعلى الرأس سَبّاً(٤) يمانيا
إذا اندفَعَتْ فِي رَيْطةٍ وخَمِيصة
ووجْهاً كدِينار الأَعِزَّة صافيا
تُرِيكَ غَدَاةَ البَيْنِ كفّاً ومِعْصَماً
فلو كنتُ ورداً لَونه لَعَشِقْتَني
ولكِنَّ رَبّي شانَنِي بسواديا
تحيّة من أمسى بحبِّكَ مُغْرما
أَتَكْتُم حُييتُمْ على النَّاي تَكَثُّما
وماشيةٍ مَشْيَ القَطاةِ اتَّبَعْتُها من السَّيْر تَخشى أهلها أنْ تكلّما
(١) من تهذيب الكمال ٣٠١/٣٣ - ٣٠٢.
(٢) ديوانه نشره عبدالعزيز الميمني بالقاهرة سنة ١٩٥٠ م، وهو متداول مشهور.
(٣) أي: كثيرًا.
(٤) السب: أي الخمار.
٣٨١

فقالت له: يا وَيْح غيرك إنَّني سمعت كلاماً بينهم يَقْطُرِ الدّما
وله من قصيدة:
وإن لا تُلاقي الموتَ في اليوم فاعْلَمَنْ بأنَّك رَهْنٌ أنْ تلاقِيه غدا
رأيتُ المَنَايا لم يدَعْنَ محمَّداً ولا أحداً إلاّ له الموتُ أَرْصَدا
وقيل: إنَّ سُحَيْمًا لمَّا أكثر التَّشبيب بنساء الحيِّ عزموا على قَتْله، فبكت
امرأةٌ كان يُرْمَى بها، فقال :
أمِنْ سُمَيَّةَ دمْعُ العينِ مِذْرُوفُ لو أنَّ ذا منكِ قَبْلَ اليوم مَعْروفُ
المالُ مالُكُم والعبدُ عبدِكمْ فهل عذابُكِ عنِّي اليومَ مصروفُ
كأنَّها يومَ صَدَّتْ ما تُكَلِّمُنا ظبْيٌ بِعُسْفان ساجي الطَّرْف مطروف
ثم قُتِلَ، عفا الله عنه.
٣٨٢

الطبقة الخامسة
٤١ - ٥٠ هـ

◌ِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّـ
بِسْـ
(الحوادث)
ثم دخلت سنةُ إحدى وأربعين
ويُسمَّى عامَ الجماعةِ لاجتماع الأُمةِ فيه على خليفةٍ واحد، وهو
معاوية .
قال خليفة(١): اجتمع الحسنُ بنُ عليٍّ بن أبي طالب، ومعاويةُ بن أبي
سفيان بمَسْكِن، وهي من أرضِ السَّواد، من ناحية الأنبار، فاصطلحا،
وسلَّم الحسنُ الأمرَ إلى معاويةَ، وذلك في ربيع الآخر أو جُمادى الأولى.
واجتمع الناسُ على معاويةَ فدخل الكوفة .
وقال عبد الله بن شَوْذب: سارَ الحَسنُ في أهلِ العراق يَطْلُبُ الشَّام،
وأقبل معاويةُ في أهلِ الشَّام فالتقوا، فكره الحسنُ القَتَالَ، وبايعَ معاويةَ على
أنْ يجعل العَهْدَ من بعده للحسن، فكان أصحابُ الحسن يقولون له: يا عارَ
المؤمنين، فيقول: العارُ خيرٌ من النَّار.
وقال جرير بن حازم: بايع أهلُ الكوفةِ الحسنَ بعدَ أبيه، وأحبُّوه أكثرَ
من أبيه.
وعن عَوَانَة بن الحَكَم، قال: سارَ الحسنُ حتى نزلَ المدائنَ، وبعثَ
قيسَ بن سعد بن عبادة على المقدّمة في اثني عشر ألفًا، فبينا الحسنُ
بالمدائن إذ نادى منادٍ: ألا إنَّ قيسًا قد قتل. فاختبط الناس، وانتهبَ الغوغاء
سُرَادِقَ الحسن حتى نازعوه بساطًا تحته، وطعنه رجلٌ من الخوارج من بني
أسد بخنجر، فوثب النَّاسُ على الرجل فقتلوه، لا رحمه الله، نزل الحسنُ
القصرَ الأبيضَ بالمدائن، وكاتب معاويةَ في الصُّلْح. وقال نحو هذا: أبو
إسحاق، والشَّعبي.
ورُوي أنَّه إنَّما خلعَ نفسه لهذا، وهو أنَّه قام فيهم فقال: ما ثنانا عن
(١) تاريخه ٢٠٣.
تاریخ الإسلام ٢/ ٢٥
٣٨٥

أهلِ الشَّامِ شَكٌّ ولا زَيْغٌ، لكن كنتم في مُنْتَدَبِكُم إلى صِفين ودينكم أمام
دنیاکم، فأصبحتم الیوم و دنیاکم أمام دینکم.
ورُوي أنَّ الخنجرَ الذي جُرحَ به في إليته كان مسمومًا، فتوجع منه
أشهرًا ثم عُوفي، ولله الحمد.
وقال أبو رَوْق الهمداني(١): حدثنا أبو الغَريف، قال: لَمَّا ردَّ الحسن
إلى الكوفة وبايعَ معاوية، قال له رجلٌ مِنَّا يقالُ له أبو عامر : السَّلامُ عليك يا
مُذِلَّ المؤمنين، فقال: لستُ بمُذِلِّ المؤمنين، ولكني كرهتُ أنْ أقتلكم على
المُلْكِ .
ورُوي أنَّه قال في شَرْطه لمعاوية: إنَّ عليَّ عِداتٍ ودُيونًا، فأطلق له
من بيت المال نحو أربع مئة ألف أو أكثر.
وكان الحَسنُ رضي الله عنه سيِّدًا لا يرى القتال، وقد قال جَدُّه رسولُ
الله ◌ِّ: ((إنَّ ابني هذا سيدٌ، وسيصلحُ الله به بين فئتين عظيمتين من
المسلمين))(٢).
وقال سُكَيْن بن عبد العزيز، بَصْريٌّ ثقةٌ، حدثنا هلال بن خَبَّاب قال:
قال الحسنُ بن علي: يا أهلَ الكوفة لو لم تذهل نفسي عنكم إلاَّ لثلاثٍ
لذهلت: لقَتْلِكُم أبي، وطعْنِكُم في فخذي، وانتهابكم ثقلي.
ولَمَّا دخل معاويةُ الكوفةَ خَرَجَ عليه عبدُ الله بن أبي الحوشاء بالنُّخَيْلة
في جمع، فبعث لحربه خالد بن عُرْفُطة، فقتل ابن أبي الحوشاء.
وفي جُمادى الآخرة خرج بناحية البَصْرة سَهْمُ بن غالب الهُجَيْميُّ
والخَطيم الباهليُّ، فقتلا عُبادة بن قُرْط(٣) الليثي صاحب رسول الله ◌َل
بناحية الأهواز، فانتدب لحَرْبهما عبد الله بن عامر بن كُرَیز، فخافا واستأمنا،
فأمَّنهما فقتلَ طائفةً من أصحابهما .
(١) هو عطية بن الحارث، من رجال التهذيب.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ٢٤٣ و٢٤٩ و٥ / ٣٢ و٩/ ٧١، وغيره، من طريق الحسن
البصري، عن أبي بكرة، به. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الحديث (٣٧٧٣)
من جامع الترمذي.
(٣) ويقال: ((ابن قرص)) كما في تاريخ خليفة ٢٠٤، وتاريخ الطبري ٥/ ١٧١، والإصابة
٢٦٩/٢.
٣٨٦

وفيها وَلِيَ عبدُالله بن عامر البصرة، ووَليَ مروانُ بن الحكم المدينةَ
لمعاوية .
وحجَّ بالناس عُتْبة أخو معاوية .
وفيها غزا إفريقيّة عُقْبة بن نافع الفِهْريُّ.
وفيها توفي صفوان بن أُميَّة الجُمَحيُّ، وحفصة أُمُ المؤمنين، ولَبيد
الشَّاعرِ المَشْهور، وفيهم خُلْفٌ.
سنة اثنتين وأربعين
فيها توفي بخُلف: الأسودُ بن سَرِيع، والأشعثُ بن قَيْس، وحبيبُ بن
مَسْلَمة، وعتبةُ بن أبي سفيان بن حَرْبَ، وصَفْوانُ بن أُميَّةٍ، وعُثمان بن
طَلْحة الحَجَبي، وعَمْرو بن العاص، وفي سائرهم خُلْفٌ.
وفيها وَجَّه عبدُالله بن عامر على إمرة سِجستان عبدالرحمن بن سَمُرة،
وهو مِن بني عَمِّه، وكان معه في تلك الغَزْوة من الشَّباب؛ الحسنُ البَصْرِيُّ
والمُهَلَّبُ بن أبي صُفْرة، وقَطَرِي بن الفُجاءة، فافتتح زَرَتْج وبعض كور
الأهواز .
وفيها وَجَّه ابنُ عامر راشدَ بن عَمْرو إلى ثَغْر الهند، فشنَّ الغارات
وتوغَّل في بلاد السِّند.
سنة ثلاث وأربعين
فيها تُوفي عَمْرو بن العاص على الصَّحيح، وعبدالله بن سَلَامِ الحَبْر،
ومحمد بن مَسْلمة .
وأقام الحَجَّ مَرْوان.
وفيها فَتَح عبدُالرحمن بن سَمُرة الرُّخَّج وغيرها من بلاد سِجِستان.
وفيها افتتح عُقْبة بن نافع الفِهْري كُوَرًا من بلاد السُّودان ووَدَّان وهي
من بَرْقة .
وفيها شَتَى بُسْر بن أبي أراطاة بأرض الرُّوم مُرابطًا.
٣٨٧

سنة أربع وأربعين
فيها تُوفي على الصحيح: أبو موسى الأشعريُّ، ويقال: فيها توفي
الحَكَم بن عَمْرو الغِفاريُّ، وحبيب بن مَسْلَمة الأمير، وأمُّ المؤمنين أمُّ
حبيبة .
وقُتل بكابل أبو قتادَةَ العدويُّ، وقيل: بل هو أبو رفاعة، وافتتحها ابنُ
سَمُرة .
وفيها غزا المُهَلَّبُ بن أبي صُفْرة أرضَ الهِنْد، وسارَ إلى قَتْدابيل،
وكَسر العدوَّ وسَلِم وغَنم، وهي أوَّلُ غزواته. وكان من سبي كابل فيما ذكر
خليفة(١): مَكْحول، ونافع مولى ابن عمر، وكَيْسان والد أيوب السَّخْتِياني،
وسالم الأفطس .
وفيها استلحق معاويةُ زياد بن أبيه .
وفيها حجَّ معاويةٌ بالناس .
سنة خمس وأربعين
فيها تُوفي : زَيْد بن ثابت على الصحيح، وعاصمُ بن عَديٍّ، والمُسْتَورد
ابنِ شَدَّاد الفِهْري، وسَلَمة بن سلامة بن وَقْش. وحَفْصة أُمُّ المؤمنين
بِخُلْفٍ، وأبو بُرْدَة بن نِيَار.
وفيها عَزَلَ معاويةُ عبد الله بن عامر عن البصرة، واستعمل عليها
الحارث بن عَمْرو الأزدي، ثم عُزِلَ عن قريب، وولي عليها زياد بن أبيه،
فبادر زياد وقَتَلَ سَهْم بن غالب الْهُجَيْمي الذي كان قد خرج في أوَّل إمرة
معاوية وصَلبَه .
وفيها غزا معاوية بن حُدَيج إفريقية .
وفيها سار عبد الله بن سَوَّر العَبْدي فافتتح القِيقان وغَنِمَ وسَلِمَ .
(١) تاريخه ٢٠٦ .
٣٨٨

سنة ست وأربعين
فيها توفي: عَبْد الرحمن بن خالد بن الوليد المَخْزوميُّ على الأصحَّ،
ومحمدُ بن مَسْلمة، وقد مرَّ .
وفيها عزل معاويةُ عبدالرحمن بن سَمُرة عن سِجِسْتان، ووَلأَها الرَّبيعَ
ابن زياد الحارثي، فخاف التُّرك.
وفيها جمع كابُل شاه وزحف إلى المُسلمين، فنَزَّحَ المُسلمين عن
كابُل، ثُمَّ لقيهم الرَّبيعُ بن زياد فهزمهم الله، وساق وراءهم المسلمون إلى
الرُّخَّج.
وفيها شَتَّى المسلمون بأرض الرُّوم، والله أعلم.
سنة سبع وأربعين
فيها غزا عبدُالله بن سَوَّار العَبْديُّ القِيقان، فجمع له التُّرك والتقوا،
فاستُشْهد عبدُالله، وسار ذلك الجَيْش، وغَلب المشركون على القِيقان.
وفيها سار رُوَيْفع بن ثابت الأنصاري من أطْرابُلُس المَغْرب فدخل
إفريقيّة، ثم انصرفَ من سنته .
وأقامَ المَوْسمَ عنبسةُ بن أبي سفيان .
وفيها عُزِل عُقبةُ بن عامر عن مصر وأُمِّر عليها مَسْلَمَةُ بن مَخْلَد.
وفيها شَتَّى مالكُ بن هُبیرة بأرض الرُّوم.
وفيها توفي أُهبان بن أوس، وعُتَيُّ بِن ضَمْرة.
سنة ثمان وأربعين
فيها عزل معاويةُ مروانَ عن المدينة وولاَها سعيد بن العاص الأمونيَّ،
وكتب معاويةُ إلى زياد لَمَّا بلغه قتلُ عبدالله بن سَوَّار: انظر رجلاً يصلحُ
٣٨٩

الثغرِ الهند فوجِّهْهُ إليه. قال: فوجَّه زيادٌ سِنانَ بن سلمة بن المُحَبِّق الهُذلي.
وفيها قُتِلَ بالهند عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي.
وقيل: توفي فيها الحارثُ بن قَيْس الجُعْفيُّ الفقيه صاحبُ ابن
مسعود، وخُرَيْم الأسديُّ .
سنة تسع وأربعين
فيها تُوفي الحسنُ بن عليٍّ رضي الله عنهما، وأبو بَكْرَة الثَّقْفيُّ في
قولٍ، وعبدالله بن قَيْس العُتَقي، له صُحبة .
وفيها قَتَلَ زياد بالبصرة الخُطيم (١) الباهليُّ الخارجي.
وفي ولاية المُغيرة على الكوفة خرج شبيب بن بُجْرة الأشْجَعي فوجَّه
إليه المغيرة كثيرَ بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان، وكان شبيب ممن
شهدَ النَّهْروان .
وفيها شَتَّى مالكُ بن هُبيرة بأرض الروم، وقيل: بل شتَّاها فَضَالة بن
عُبيد الأنصاريُّ.
وأقام الحجَّ سعيد بن العاص .
سنة خمسين
فيها تُوفي: الحسنُ بن علي، قاله جماعةٌ، وعبدُالرحمن بن سَمُرة،
وعَمْرو بن الحَمِقِ الخُزاعيُّ، وكَعْب بن مالك الأنصاريُّ الشَّاعر، والمُغَيرة
ابن شعبة، ومدلاج بن عَمْرو، وصفيَّة ◌ُمُّ المؤمنين .
ولما احتُضِرَ المغيرةُ استخلفَ على الكوفة ابنَه عُروة أو جرير بن
عبدالله، فجمع معاويةُ المِصْرَيْن؛ البَصْرة والكوفةَ، تحتَ إمرة زياد، فعزل
زياد عن سِجِسْتان الرَّبيعَ واستعمل عليها عُبيد الله بن أبيِ بَكْرة.
وفيها نَفَّذَ معاويةُ عقبة بن نافع إلى إفريقية، فخَطّ القيروانَ، وأقام بها
ثلاث سنين .
(١) جود بدر الدين البشتكي ضم الخاء نقلاً عن المصنف، ولم تقيده كتب المشتبه،
فاعتمدنا ضبط المؤلف .
٣٩٠

وقال محمد بن عمرو بن عَلْقمة (١)، عن يحيى بن عبدالرحمن بن
حاطب، قال: لما افتتحَ عقبةُ إفريقيةَ وقف على مكان القَيْروان، فقال: يا
أهلَ الوادي إنَّا حالُّون إنْ شاء الله فأظْعِنوا، ثلاث مرات، قال: فما رأينا
حَجَرًا ولا شَجَرًا إلاَّ يخرج من تحته دابَّةٌ حتى هَبَطْن بطنَ الوادي، ثم قال
للناس: انزلوا باسم الله .
وفيها وجَّه زيادُ الرَّبيع الحارثيَّ إلى خُراسان فغزا بَلْخ، وكانت قد
أُغلقت بعد رواح الأحنف بن قيس عنها، فصالحوا الرَّبيع، ثم غزا الرَّبيعُ
قَهستان ففتحها عنوة .
وفيها فَتح مُعاويةُ بن حُدَيج فتحًا بالمَغْرب، وكان قد جاءه عبدالملك
ابن مروان في مددِ أهلِ المدينة، وهذه أول غزاةٍ لعبد الملك.
وفيها غَزْوةُ القُسْطَنْطينية، كان أميرَ الجيش إليها يزيدُ بن مُعاوية،
وكان معه وُجوهُ الناس، ومِمَّن كان معه أبو أيوب الأنصاريُّ رضي الله عنه .
وقال سَعيد بن عبدالعزيز: لما قُتل عثمان لم يكن للناس غازيةٌ ولا
صائفةٌ، حتى اجتمعوا على معاويةَ سنة أربعين، فأغزى الصوائفَ وشَتَّاهم
بأرض الزُّوم، ثم غزاهم ابنه يزيد في جماعة من الصحابة في البَرِّ والبحر
حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهلَ القَسْطنيطينية على بابها ثم قَفَلَ راجعًا .
وفيها دعا معاويةُ أهلَ الشَّام إلى البَيْعة بولاية العَهْد من بَعْده لابنه
يزيد، فبايعوه .
وفيها غزا سِنان بن سَلَمة بن المُحَبِّق القِيقان، فجاءه جَيْشٌ عظيمٌ من
العدوِّ، فقال سنان لأصحابه: أبشروا فإنكم بين خصلتين؛ الجنة أو
الغنيمة. ففتح الله عليه ونصرَهُ وما أصيبَ من المسلمين إلا رجلٌ واحد.
(١) تاريخ خليفة ٢١٠ .
٣٩١

مِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَـ
تراجم أهل هذه الطبقة
على ترتيب الحروف
١- الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبدالله بن عُمر بن مَخْزوم
المخزوميُّ، أحد السابقين الأولين، واسم أبيه: عبدمناف.
استخفى النبيُّ ◌َّر في أوائل الإسلام في داره، وهي عند الصفا. شهد
بَدْرًا وعاش إلى دهر معاوية، وسيأتي(١).
٢ - ن: الأسود بن سَرِيع بن حِمْير بن عُبادة التَّمِيمِيُّ السَّعْديُّ، أبو
عبدالله .
صاحبُ رسولِ الله ◌ِّله، هو أولُ من قَصَّ بجامع البصرة. روى عنه
الأحنفُ بن قيس، والحسنُ(٢)، وعبدالرحمن بن أبي بكرة.
يقال: توفي سنة اثنتين وأربعين(٣).
٣- أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبدالعُزَّى بن عبد شمس
الأُموية النبوية، بنتُ السيدة زينب ابنة رسول الله مَّ، وهي التي كان
يحملها النبيُّ نَّه في الصلاة.
تزوَّجها عليٍّ رضي الله عنه في إمرة عُمر، وبقيت معه إلى أن استشهدَ
وجاءه منها الأولاد، ثم تزوَّجها المغيرةُ بن نوفل بن الحارث بن عبد المُطَّلب
فتُوفيت عنده بعد أن ولدت له يحيى (٤).
(١) في الطبقة الآتية (رقم ١).
(٢) هو البصري .
(٣) من تهذيب الكمال ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٤) من الاستيعاب ٤ / ١٧٨٨ - ١٧٨٩ .
٣٩٣

٤- خ: أُهْبان بن أوس الأسْلَميُّ، أبو عُقْبة، مُكَلِّمُ الذِّئب، وكان
من أصحاب الشَّجَرة(١).
روى له البخاري حديثاً واحدًا(٢).
٥ - ت ق: أُهْبان بن صَيّفي الغِفاريُّ، أبو مُسلم، نزلَ البصرة.
روت عنه بنته عُدَيسةٌ، أنَّ عليًّا رضي الله عنه أتاه بعد فتنة الجمل،
فقال: ما خلَّفك عنَّا؟! وكان قد اتَّخذ سَيْفًا من خشب (٣) .
وله قصةٌ مَشْهورة صحيحة عن بنته، قال: لما احتضر: كَفّنُوني في
ثوبين، فزدناه ثوبًا فدفَنَّه فيه، فأصبح ذلك القميصُ موضوعًا على
المِشْجَب (٤).
٦- جاريةُ بن قُدامة التَّميميُّ السَّعْديُّ، أبو أيوب، ويقال: أبو
یزید .
له صحبة، وكانَ بَطلاً شُجاعًا شَريفًا مُطاعًا من كبار أمراء عليّ، وشَهِدَ
معه صِفِّين، ثم وفدَ بعده على معاوية مع ابن عمِّه الأحتَف.
وكان سَفَّاكًا فاتكًا، ويدعى مُحَرِّقًا لأنَّ معاويةَ وجَّه ابن الحضرميِّ إلى
البَصْرة يَنْعِى عثمان ويستنفرهم، فوجَّه عليٍّ جارية هذا، فتحصَّنَ منه ابنُ
الحَضْرميِّ كما ذكرنا، فأحرق عليه الدار، فاحترق فيها خَلْقٌ .
ويروى أنَّ عليًّا بلغه ما صَنَع بُسر بن أرطاة من السَّفك بالحجاز،
فبعث جاريةَ هذا، فجعل لا يجدُ أحدًا خلع عليًّا إلا قتله وحرَّقه بالنَّار حتى
انتهى إلى اليمن، فسُمِّي محرِّقًا (٥) .
٧- جَبَلةُ بن الأيهم، أبو المُنْذر الغَسَانيُّ ملك آلِ جَفْنَ عربٍ
الشام، وكان ينزل الجَوْلان.
(١) من تهذيب الكمال ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢)
في صحيحه ٥ / ١٦٠.
جامع الترمذي (٢٢٠٣)، وحديثه في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة .
(٣)
وينظر الاستيعاب ١ / ١١٦ - ١١٧، وتهذيب الكمال ٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٤)
(٥) من تهذيب الكمال ٤ / ٤٨٠ - ٤٨٣.
٣٩٤

كتب إليه النَّبِيُّ ◌َّهُ يَدْعوه إلى الإسلام، فأسلم، وأهدى لرسول الله
وَّ هَدِيَّة، فلما كان زمنُ عُمَر داس جَبَلةُ رجلاً من مُزَينة، فوثب المُزَنِيُّ
فلطمه، فأخذه وانطلق به إلى أبي عبيدة، فقالوا: هذا لَطَم جبلة. قال:
فليلطمه. قالوا: وما يُقتل ولا تُقطع يده؟ قال: لا. فغضب جَبَلَةُ وقال:
بئس الدِّينُ هذا، ثم دخل بقومه إلى أرض الروم وتَنَصَّرَ .
وقيل: إنَّه إنَّما أسلمَ بعد اليرموك ثم ندم على تَنَصُّره. فلم يُسْلِم فيما
علمت .
٨- جبلةُ بن عَمْرو بن أوس بن عامر الأنصاريُّ السَّاعديُّ.
وَهِمَ بعضُهم وقال: هو أخو أبي مسعود البَذْري، فأبو مسعود من بني
الحارث بن الخزرج.
شهد أُحُدًا وغيرها، وشهد فتح مصر وصِفِّين .
قال ابن عبدالبر(١): كان فاضلاً من فقهاء الصحابة، روى عنه ثابت
ابن عُبيد، وسُليمان بن يسار.
وقال ابن سيرين: كان بمصر جَبَلة الأنصاري، له صُحْبة، جمع بين
امرأة رجل وابنته من غيرها .
وقال ابن يونُس: غزا جَبلة بن عَمْرو إفريقية مع معاويةَ بن حُدَيج سنة
خمسين .
قال سُليمان بن يسار: نَفَّلَنا معاويةُ بإفريقية فأبى جبلة أنْ يأخذ من
النَّفل شيئًا .
٩- ت: جُنْدب بن كعب بن عبدالله بن غَنْم الأزْديُّ الغامديُّ الذي
قتل السَّاحرَ على الصحيح.
وكان هذا الساحرُ يقتل رجلاً ثم يُحييه، ويدخلُ في فم ناقة ويخرج
من حَياها، فضرب جِندبُ بن كعب عُنقه ثم قال: أحْي نفسَك. وتلا:
﴿ أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء]، فرفعوا جندبًا إلى الوليد
ابن عُقبة فحبسه، فلما رأى السجّان قومه وصلاته أطلقه .
(١) الاستيعاب ١/ ٢٣٦، وتنظر الترجمة فيه ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
٣٩٥

وقيل: بل قتل السَّجَّان أقرباءُ جندب وأطلقوه، فذهب إلى أرضٍٍ
الرُّوم يجاهد، ومات سنة خمسين، وكان شريفًا كبيرًا في الأزد.
وقيل: بل الذي قتل الساحرَ جُنْدب الخَيْرِ المذكور بعد السِّقِين(١).
١٠- جَعْفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبدالمُطّلب الهاشميُّ
ابن ابن عَمِّ رسولِ اللهِ وَله.
شهد حُنَيْنًا مع أبيه وثبتا يومئذٍ، لا أعلمُ له رواية .
قال ابن سعد(٢): مات وسط إمرة معاوية.
١١ - حارثة بن النعمان بن رافع، وقيل: نفع بدل رافع، الأنصاريُّ
الخزرجيُّ.
أحد من شَهِد بدرًا وبقي إلى هذا الوقت(٣).
١٢ - ن: الحارث بن قَيْس الجُعفيُّ الكوفيُّ العابد.
صحبَ عليًّا، وابنَ مسعود، ولا يكادُ يوجد له حديثٌ مُسْنَد، بل روى
عنه خَيْثَمة بن عبدالرحمن قال: إذا كنتَ في الصَّلاة، فقال لك الشيطان:
إنك تُرائي، فزِدْها طولاً .
وحكى عنه أبو داود الأعمى، ويحيى بن هانىء المُرادي.
قال خيثمة: كان الحارثُ بن قَيْس من أصحابِ ابن مسعود، وكانوا
مُعجبينَ به، كان يجلسُ إليه الرجلُ والرجلان فيحدِّثُهما، فإذا كثروا قام
وتركهم .
وقال حَجَّاج بن دينار: كان أصحاب عبد الله ستّة: علقمة، والحارث
ابن قيس، والأسود، وعَبِيدة، ومَسْروق، وعَمْرو بن شُرحبيل.
قال ابن المديني: قُتل الحارثُ مع عليٍّ.
وأما خيثمة بن عبدالرحمن فقال: صلَّى عليه أبو موسى الأشعري،
(١) جعلهما المزي في تهذيب الكمال ٥/ ١٤١ - ١٤٨ واحدًا، وقد فَصَّل ابن الأثير في
أسد الغابة ١ / ٣٥٩، وابن حجر في الإصابة ١/ ٢٥٠ - ٢٥١ القول فيهما.
(٢) طبقاته ٤ / ٥٦٠ .
(٣) من الاستيعاب ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
٣٩٦

رحمه الله (١)
.
١٣ - دق: حبيبُ بن مَسْلَمة القُرَشيُّ الفِهْريُّ.
له صُحْبة. روى عنه زياد بن جارية في النَّفل. وهو الذي افتتحٍ أرمينية
زمنَ عثمان، ثم كان من خواصِّ معاوية، وله معه آثارٌ محمودة شَكَرها له
معاوية .
يُروى أنَّ الحسنَ، قال: يا حبيب رُبَّ مَسير لك في غير طاعة الله،
قال: أمَّا إلى أبيك فلا، قال: بلى والله، ولقد طاوعتَ معاويةَ على دنياه
وسارعتَ في هواه، فلئن كان قامَ بك في دنياك لقد قعدَ بكٍ في دينك،
فَلَيْنَكَ إذ أسأتَ الفعلَ أحسنتَ القول.
قيل: توفي سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع وأربعين، قيل: لم يبلغ
الخمسين. وكان شريفًا مُطاعًا معُظَّمَا(٢).
١٤ - حُجْر بن يزيد بن سَلمة الكِنْدِيُّ المعروف بحُجْرِ الشَّرِّ، لأنَّه
كان شِرِّيرًا، وقالوا في حُجْر بن عديٍّ: حُجْرِ الخَيْرِ.
له وفادةٌ على النبيِّ ◌َّ فأسلم، ثم رجع إلى اليمن، ثم نزل الكوفة،
وشهد الحَكَمين، ثم ولاَّهُ معاويةُ أرمينية(٣).
١٥- الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبدالمُطَّلِب، أبو محمد
الهاشِميُّ السَّيِّدِ، رَيْحانةُ رسولِ الله ◌ِله وابن بنته السيدة فاطمة.
ولد في شَعْبان سنة ثلاث من الهِجْرة، وقيل: في نصف رمضان منها؛
قاله الواقدي. له صحبة ورواية عن أبيه وجدِّه.
روى عنه ابنه الحسن، وسويد بن غَفَلَة، والشَّعبي، وأبو الحَوْراء
السَّعدي، وآخرون.
وَلَّ. قاله: أبو جُحَيْفة وأنس فيما صَحَّ عنهما (٤).
وكان يشبه النبيَّ
(١) من تهذيب الكمال ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٩٦ - ٤٠٠ .
(٣) من تاريخ دمشق ١٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٤) حديث أنس أخرجه البخاري ٥/ ٣٣ من طريق الزهري عنه، به. وتمام تخريجه في
تعليقنا على الترمذي (٣٧٧٦) وحديث أبي جحيفة السوائي أخرجه البخاري =
٣٩٧

وقد رآه أبو بكر الصدِّيق يلعب فأخذه وحمله على عنقه وقال :
بأبي شبيهٌ بالنَّبي
ليس شبيهٌ بعلي (١)
وعليٌّ يبتسم .
وقال أسامة بن زيد: كان النَّبيُّ ◌َ﴾ يأخذني والحسن فيقول: ((اللَّهُمَّ
إنِّي أُحِبُّهما فأحبَّهما))(٢).
وقال أبو بكرة: رأيتُ رسولَ الله ◌َ لّ على المِنْبر والحسن بن علي إلى
جنبه وهو يقول: ((إنَّ ابني هذا سيِّدٌ ولعلَّ الله أن يصلحَ به بين فئتين من
المسلمين)). أخرجه البخاري(٣).
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد
الخُدْري، قال: قال رسول الله مَلّ: ((الحسنُ والحسينُ سيِّدا شباب أهلِ
الجنة)). صَخَّحَهُ التِّرمذي (٤).
وعن أسامة بن زيد، قال: خرج إليَّ رسول الله مَ ◌ّ ليلة وهو مشتمل
على شيءٍ، فلما فرغت من حديثي قلت: ما هذا الذي أنت مشتملٌ عليه؟
فكشف فإذا حَسَن وحُسين على وِرْكيه، فقال: هذان ابنايَ وابنا ابنتي، اللهمَّ
إنّي أُحِبُّهما فأحِبَّهُما وأحبّ من يحبُّهما)). قال التِّرمذي(٥): حديث حسن
غريب .
قلتُ: رواه من حديث عبدالله بن أبي بكر بن زيد بن المهاجر، مدنيٍّ
مجهول، عن مُسلم بن أبي سهل النََّّال، وهو مجهول أيضًا، عن الحسن بن
أسامة بن زيد، وهو كالمجهول، عن أبيه، وما أظنُّ لهؤلاء الثلاثةِ ذِكْرٌ في
٢٢٧/٤، ومسلم ٧ / ٨٥ من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عنه، به. وتمام تخريجه
=
في تعليقنا على الترمذي (٢٨٢٦).
(١) أخرجه البخاري ٤ / ٢٢٧ من طريق عقبة بن الحارث، عن أبي بكر. وفيه أيضًا ((شبيه))
بالرفعِ، وكذا هي في السير ٣/ ٢٤٩، والوجه بالنصب، غير أن الرفع له وجه في
اللغة أيضًا .
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ١٠ من طريق أبي عثمان النهدي، عن أسامة، به.
صحيحه ٣ / ٢٤٣ و٤ / ٢٤٩ و٥ / ٣٢ و٩ / ٧١. من طريق الحسن، عنه، به. وانظر
(٣)
تمام تخريجه في تعليقنا على الحديث (٣٧٧٣) من جامع الترمذي.
(٤) جامعه الكبير (٣٧٦٨) و(٣٧٦٨ م). وانظر تمام تخريجه في تعليقنا عليه.
(٥) جامعه الكبير (٣٧٦٩).
٣٩٨

رواية إلاَّ في هذا الواحد، تَفرَّد به موسى بن يعقوب الزَّمْعي، عن عبدالله.
وتَحْسينُ الترمذيُّ لا يكفي في الاحتجاج بالحديث(١)، فإنَّه قال(٢): وما
ذكرنا في كتابنا من حديث حَسَنِ فإنَّما أردنا بحُسن إسناده عندنا كُلَّ حديثٍ
لا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهمُ بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويُروى من
غير وجهٍ نحو ذلك فهو عندنا حديثٌ حَسَن(٣).
وقال يوسف بن إبراهيم: سمعتُ أنسًا يقول: سُئل رسولُ الله ◌ِّ أَيُّ
أهل بيتك أحبُّ إليك؟ قال: ((الحسن والحُسين))، وكان يقول لفاطمة:
((ادعوا لي ابنيَّ))، فيشمُّهما ويضمّهما إليه. حَسَّنه الترمذي (٤).
وقال مَيْسرة بن حَبيب، عن المِنْهال بن عَمْرو، عن زر، عن حُذَيْفة :
سمع النبيَّ ◌ََّ يقول: ((هذا مَلَك لم ينزل إلى الأرض قطّ قبلَ هذه الليلة
استأذن رَبَّه أنْ يسلِّم عليَّ ويُبشِّرني بأنَّ فاطمةَ سيِّدةُ نساء أهل الجنة، وأنَّ
الحسن والحسينَ سيِّدا شباب أهلِ الجنة)). قال الترمذي(٥): حسن غريب.
وصحّح الترمذي(٦) من حديث عَدِيِّ بن ثابت، عن البراء قال: رأيت
النبيَّ بَّرَ واضعًا الحسنَ على عاتقه وهو يقول: ((اللهم إنِّي أحبُّه فأحبَّه)).
وصَخَّح أيضًا بهذا السَّند أنَّ النّبيَّ مَ ◌ّ أبصر الحسن والحسين فقال:
((اللهم إنِّي أحبُّهما فأحبَّهما))(٧) .
(١) هذا كلام خبير عاقل، وعندي أنَّ كلَّ حديث اقتصر الترمذي على تحسينه، فهو حديث
معلول عنده، ولنا دراسة في هذا الموضوع تظهر قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٢) العلل الذي في آخر الجامع ٦/ ٢٥١ بتحقيقنا.
(٣) وقال المصنف في السير ٣/ ٢٥٢: ((فهذا مما ينتقد الترمذي على تحسينه)). هكذا
قال، وهو مناقض لما تقدم من قوله، فكأنه نظر هنا إلى ((التحسين)) بما شاع عند
المتأخرين من هذا الاصطلاح، ولم يتنبه إلى خصوصية هذا الاصطلاح عند الترمذي
في جامعه .
(٤) جامعه الكبير (٣٧٧٢)، وقال: ((حسن غريب)). وإسناده ضعيف لضعف يوسف بن
إبراهيم. وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٥) جامعه الكبير (٣٧٨١)، وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٦) كذلك (٣٧٨٣).
(٧) كذلك (٣٧٨٢).
٣٩٩

وقال جريرُ بن عبدالحميد، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: إنَّ
رسولَ الله ◌ِّلَهَ فرَّج بين فَخِذي الحسن وقَبَّل زبيبته(١).
قابوس: حسن الحدیث(٢) .
ومناقب الحسن رضي الله عنه كثيرة، وكان سيِّدًا حليمًا ذا سكينةٍ
ووقار وحِشْمةٍ، كان يكره الفتَنَ والسيفَ، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، تزوَّج
سبعين امرأة ويطلِّقهن، وقلَّما كان تُفارقه أربع ضرائر .
وعن جعفر الصادق قال: قال علي: يا أهلَ الكوفة لا تزوِّجوا الحسنَ
فإنَّه رجلٌ مِطلاقٌ، فقال رجل: والله لنُزَوِّجَنَّه، فما رضيَ أمسكَ، وما كره
طَلّق .
وقال ابن سيرين: تزوَّج الحسنُ بن علي امرأة فبعث إليها بمئة جارية،
مع كل جارية ألف درهم.
وقال ابنُ سيرين: إنَّ الحسن كان يُجيز الرجل الواحد بمئة ألف
درهم .
وقال غيره: حجَّ الحسنُ بن عليّ خمس عشرة مرة.
وقيل: إنه حجَّ أكثرهنَّ ماشيًا من المدينة إلى مكة، وإنَّ نَجائبه تُقَادُ
معه .
وقال جرير: بايع أهلُ الكوفة الحسنَ وأحبُّوه أكثرَ من أبيه.
روى الحاكم في ((مستدركه))(٣) من طريق عَمرو بن محمد العَنْقزيُّ:
حدثنا زَمْعة، عن سلمة بن وَهْرام، عن طاووس، عن ابن عباس قال: أقبل
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٥٨)، وفي المطبوع منه ومن مجمع الزوائد ٩/ ١٨٦
((الحسین)) بدل ((الحسن)).
(٢) بل هو لين الحديث، لا يصل حديثه إلى درجه الحسن إذا انفرد، وانظر جماع ترجمته
في تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٢٧ - ٣٣٠، فقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، لا
سيما جرير بن عبدالحميد الذي روى عنه هذا الحديث، فقد قال فيه كما في تهذيب
الكمال: لم يكن قابوس من النقد الجيد)). وقال: ((أتيناه بعد فساد)).
(٣) المستدرك على الصحيحين ٣/ ١٧٠، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه)). وليس هو كذلك، علق الذهبي على قوله: ((صحيح)) بقوله ((لا))، وفي
إسناده زمعة بن صالح، وهو ضعيف .
٤٠٠