النص المفهرس

صفحات 321-340

مليحة (١).
ع: عمَّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قَيس بن الحُصَين
المَذْحِجِيُّ العَنْسِيُّ، أبو اليَقْظان مولى بني مخزوم.
من نُجَباء أصحاب محمد بِّلّ. شهد بَدْراً والمشاهدَ كلَّها، وعاش ثلاثاً
وتسعين سنة، وكان من السّابقين إلى الإسلام، وممّن عُذِّب في الله في أوَّل
الإسلام. وأُمُّهُ سُمَيَّة أوَّل شهيدةٍ في الإسلام، طعنها أبو جهل في قُبلها
بحَرْبةٍ فقتلها .
له نحو ثلاثين حديثاً؛ روى عنه ابن عبّاس، وجابر، ومحمد بن
الحَنَفِيّة، وزِرّ بن حُبَيْش، وهَمّام بن الحارث، وآخرون.
قَدِمَ ياسر بن عامر وأخواه من اليمن إلى مكة يَطْلبون أخاً لهم، فرجع
أخواه وحالف ياسرٌ أبا حذيفة بن المُغِيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم،
فزوَّجه أمةً اسمها سُمَيَّة، فولدت له عمَّاراً، فلمَّا بُعِث رسولُ الله ◌ِّ أسلم
عمّار وأبواه وأخوه عبدالله، وقُتِلَ أخوهما حُرَيْث في الجاهلية .
وعن عمَّار، قال: لقيتُ صُهَيْباً على باب دار الأرقم، ورسولُ الله ◌َلّ
فيها، فدخلنا فأسْلمنا(٢) .
وعن عمر بن الحَكَمِ، قال: كان عمّار يُعَذَّب حتّى لا يدري ما يقول،
وكذا صُهَيْب، وعامر بن فُهَيْرة. وفيهم نزلت: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِىِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا
ظُلِمُواْ﴾ [النحل ٤١].
وقال أبو بَلْج، عن عَمْرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمَّارَ بن
ياسر بالثَّار، فكان الرسول بَ لَّ يمرّ به ويُمرّ يدَه على رأسه فيقول: ((يا نارُ
كُونِي بَرْداً وسَلَاَماً عَلَى عَمَّار كَمَا كُنْتِ عَلى إبراهيم. تقتلُكَ الفِئَةُ الباغية)».
رواه ابن سعد(٣)، عن يحيى بن حمّاد، قال: أخبرنا أبو عَوَانة، عنه .
وقال القاسم بن الفضل: حدثنا عَمْرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي
(١) ينظر طبقات ابن سعد ١٥/٥ - ٢٠.
(٢)
طبقات ابن سعد ٢٤٧/٣.
(٣) طبقات ابن سعد ٢٤٨/٣، وإسناده ضعيف، فإن عمرو بن ميمون لم ير النبي صل فهو
مرسل، وقوله: ((تقتلك الفئة الباغية)) منكرة في هذا الوقت.
تاريخ الإسلام ٢١/٢
٣٢١

الجَعْد، عن عثمان بن عفّان، قال: أقبلتُ أنا، ورسولُ اللهِ ﴾﴿ آخِذٌ بيدي
نَتَماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمَّار، وعمَّار، وأُمّه، وهم يُعَذَّبون،
فقال ياسر: الدَّهْر هكذا، فقال النَّبِيُّ بِّهِ: («اصْبِر، اللَّهُمَّ اغفرْ لآلِ ياسر،
وقد فعلت)).
كذا رواه مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو قطن عَمْرو
بن الهيثم، عن القاسم، وهو الحُدَّاني(١). ورواه مُعْتَمر بن سليمان، عن
القاسم الحُدَّاني، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن سَلْمان
الفارسيِّ .
وقال هشام الدَّسْتُوائيُّ: حدثنا أبو الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ل﴿ مَزَّ بآل عمّار وهم
يُعَذَّبون، فقال: ((أبشِرُوا آلَ عمّار، فإنَّ موعدَكم الجنّة)). مُرْسَل.
وقال ابن سيرين: لقي النَّبِيُّ بَِّ عمَّاراً وهو يبكي، فجعل يمسحُ عن
عينيه ويقول: ((أخَذك الكُفَّار فَغَطَّوكَ في الماء، فقلتَ كذا وكذا، فإنْ عادوا
فقُلْ ذاك لهم)» .
قلتُ: حتى تكلّم يعني بالكُفْرِ، فَرُخِّصَ له في ذلك لأنّه مُكْرَهٌ.
وقال المَسْعوديُّ، عن القاسم بن عبدالرحمن: أوَّل من بنى مَسْجداً
◌ُصَلَّى فيه عمَّار .
وقال ابن سعد(٢): قالوا: وهاجر عمّار إلى الحَبَشة الهجرةَ الثانية .
وقال فِطْر بن خليفة وغيره، عن كثير النَّواء: سمع عبدالله بِن مُلَيل،
قال: سمعت عليًّا يقول: قال رسولُ اللهِ وَل: ((إنَّه لم يكن نبيٌّ قطّ إلاّ وقد
أُعطيَ سبعة رُفَقاء نُجباء وُزَرَاء، وإنِّي أُعْطيتُ أربعةَ عشر: حمزة، وأبو
بكر، وعمر، وعليٌّ، وجعفر، وحَسَن، وحُسين، وابن مسعود، وأبو ذَرّ،
(١) وهذا إسناد منقطع، فإن سالم بن أبي الجعد لم يدرك عثمان بن عفان، لذلك قال
المصنف في السير ٤١٠/١: «هذا مرسلٌ ورواه جعثم بن سليمان عن القاسم الحُداني
عن عمرو بن مرة، فقال: عن أبي البختري بدل سالم، عن سلمان بدل عثمان، وله
إسناد آخر. لين وآخرُ غريب)).
أخرجه أحمد ١/ ٦٢ .
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٢٥٠.
٣٢٢

والمِقْدَاد، وحذيفة، وعمَّار، وبلال، وسَلْمان))(١).
وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن هانىء بن هانىء، عن عليٍّ، قال:
استأذنَ عمَّار على النَّبيِّ ◌َ﴿، فقال: ((مرحباً بالطَيِّب المُطَيَّب)). صَحَّحه
(٢)
التِّرْمِذِيِّ(٢) .
وقال الأعمش، عن أبي عمَّار الهَمْدانيِّ، عن عَمْرو بن شُرَحْبيل، قال:
قال رسول الله وَّه: ((عمَّار مُلِىء إيماناً إلى مُشاشِه))(٣).
وقال عبدالملك بن عُمَيْر، عن مولى لرِبعيٍّ، عن ربعيّ، عن حُذَيْفة،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((اقتَدُوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا
بِهَدْي عمَّار، وتمسّكوا بعهد ابنِ أُمِّ عَبْدٍ)). حسَّنَه التِّرمِذِيّ (٤).
وقال ابن عَوْن، عن الحسن، قال: قال عَمْرو بن العاص: كُنَّا نرى
رسولَ اللهِ مَّهِ يحبّ رجلاً، قالوا: مَنْ هو؟ قال: عمّار بن ياسر، قالوا:
فذاك قتيلُكم يوم صِفِّين، قال: قد واللهِ قتلناه(٥). رواه جرير بن حازم،
(١) إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف كثير النواء.
أخرجه أحمد ٨٨/١ و١٤٢، وابن أبي عاصم (١٤٢١)، والبزار كما في البحر
الزخار (٨٩٦) من طريق كثير، به.
(٢) جامع الترمذي (٣٧٩٨). وفيه هانىء بن هانىء وهو الهَمْداني الكوفي، مجهول،
تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، وحكم بجهالته علي ابن المديني والشافعي،
وقال ابن سعد: كان منكر الحديث. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي.
(٣) هذا إسناد مرسل، عمرو بن شرحبيل لم ير النبي ◌ُالثّ وقد أدركه. وأخرجه النسائي
١١١/٨، وهو في الكبرى (٨٢٧٣) و(١١٧٣٨)، والحاكم ٣٩٢/٣ من طريق
الأعمش عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّةِ، به .
وهذا إسناد صحيح. والمُشاش: رؤوس العظام الليِّنة .
(٤) قلت: فيه مولى ربعي وهو مجهول، فإسناد الحديث ضعيف.
أخرجه ابن سعد ٣٣٤/٢، وابن أبي شيبة ١١/١٢، وأحمد ٣٨٥/٥ و٤٠٢،
والترمذي (٣٦٦٢ م)، وابن ماجة (٩٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٤٨٠/١،
وابن أبي عاصم (١٠٤٨)، والطحاوي في شرح المشكل (١٢٤)، والحاكم ٧٥/٣،
والخطيب في تاريخه ٥٦٩/٥، وانظر تعليقنا على الترمذي والخطيب.
(٥) إسناده ضعيف، فإن رواية الحسن عن عمرو بن العاص منقطعة .
أخرجه ابن سعد ٢٦٣/٣، والحاكم ٣٩٢/٣ من طريق الحسن، به.
٣٢٣

عن الحَسَن .
وقال سَلَمَة بن كُهَيْل، عن عَلْقمة، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني
وبين عمَّار كلامٌ، فأغلظْتُ له، فشكاني إلى رسول الله مَه، فقال: ((مَن
عادَى عمَّاراً عاداه الله، ومَنْ أبغض عمَّاراً أبغضه الله)). رواه أحمد في
((مُسْنَده)) (١)، عن يزيد بن هارون، قال: حدثنا العوّام عنه. وأخرجه
النَّسائيُّ(٢) - لكنْ له علّة - وهو ما رواه عَمْرو بن مرزوق، عن شُعْبة، عن
سَلَمَة بَن كُهَيْل، عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر،
قال: كان بين عمَّار وخالد كلام، فذكر الحديث(٣).
روى أبو ربيعة الإياديُّ، عن الحَسَن، عن أنَس، قال: قال رسولُ الله
وَلَّ: ((الجنَّةُ تشتاقُ إلى ثلاثة: عليّ، وعمّار، وسَلْمان)). حسَّنه
التِّرْمِذِيّ (٤).
وعن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله مَّ: ((دم عمّار ولحمه حَرام على
النار))(٥) .
وقال عمَّار الدُّهْني، عن سالم بن أبي الجَعْد، قال: جاء رجلٌ إلى ابن
مسعود، فقال: أرأيتَ إنْ أدركتُ فتنةً، قال: عليكَ بكتاب الله، قال: أرأيتَ
إنْ كان كلُّهم يدعو إلى كتاب الله، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ لّه يقول: ((إذا
اختلف النَّاسُ كان ابنُ سُمَيَّةَ مع الحقِّ)). فيه انقطاع (٦).
(١) مسند أحمد ٨٩/٤.
(٢) النسائي في الكبرى (٨٢٦٨).
(٣) أخرجه النسائي (٨٢٧٠) من طريق أبي داود الطيالسي وهو عنده (١١٥٦) عن شعبة،
به .
الترمذي (٣٧٩٨). وتقدم تخريجه في ترجمة سلمان الفارسي في السنة الماضية.
(٤)
(٥) إسناده ضعيف، فيه عطاء بن مسلم الخفاف وهو ضعيف (الميزان ٧٦/٣)، وقال
المصنف في السير ٤١٥/١: ((هذا غريب)).
أخرجه ابن عساكر ٤٠١/٤٣ من طريق أوس بن أوس، عن علي، به .
(٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤٣/٧: ((رواه الطبراني وفيه ضرار بن صرد وهو
ضعيف)). ولم نقف عليه في معجم الطبراني.
٣٢٤

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ◌ِّ: ((عمَّار ما عُرض عليه أمران
إلَّ اختار أرشدَهما)). أخرجه النَّسائيُّ(١)، والتُرْمِذِيُّ(٢)، وإسناده
(٣)
صحیح(٣) .
وقال أبو نُعَيْم: حدثنا سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى، أَنْ حُذَيْفة،
قال: سمعت رسولَ اللهِ وَ له يقول: ((أبو اليَقْظان على الفِطْرة، لن يَدَعَها حتّى
يموت، أو يلبسَه الهَرَمُ)). هذا مُنْكَر، وسعد ضعيف (٤).
ويُرْوَى عن عائشة(٥)، وعن سعد (٦): ((إنَّ عمَّاراً يموت على الفِطْرة إلاَّ
أنْ تُدْرِكَه هَفْوةٌ من كِبر)».
وقال علقمة: سمعت أبا الدَّرداء يقول: أليس فيكم صاحب السِّواك
والوٍساد - يعني ابن مسعود -، أليس فيكم الذي أعاذه اللهُ على لسان نبيّه من
الشيطان - يعني عمَّاراً -، أليس فيكم صاحب السِّرّ حُذَيْفة. أخرجه
البخاريّ (٧) .
في السنن الكبرى (٨٢٧٦).
(١)
(٢) الترمذي (٣٧٩٩).
(٣) هكذا قال، وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث
عبدالعزيز بن سياه، وهو شيخ كوفي، وقد روى عنه الناس وله ابن يقال له: يزيد بن
عبدالعزیز، ثقة، روی عنه یحیی بن آدم)).
أخرجه أيضًا أحمد ٣١١/٦، وابن ماجة (١٤٨)، والحاكم ٣٨٨/٣، والخطيب
في تاريخه ١٦٨/١٣ من طريق عبدالعزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء
ابن يسار عن عائشة، به .
(٤) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٥) أخرجه الحاكم في مستدركه ٣٩٣/٣ - ٣٩٤، وابن عساكر ٤٠٩/٤٣ من حديث أم
المؤمنين عائشة وفي إسناده عمرو بن أبي قيس، فهو صدوق له أوهام، فلعل هذا
منها، فهو يضطرب في روايته.
(٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٠٩/٤٣، وإسناده ضعيف جدًا، فيه سيف بن عمر،
وهو متروك الحديث.
(٧) البخاري ١٥١/٤ ١٥٢ و٣١/٥ و٣٥ و٢١٠/٦ و٧٧/٨. وهو عند مسلم أيضًا
٢٠٦/٢. والروايات مطولة ومختصرة وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي
(٢٩٣٩) .
٣٢٥

وقال داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد: أمرنا رسولُ الله
ـلى الله
ببناء المسجد، فجعل ينقل عمَّار لَبِنَتَيْن لَبِنَتَين، فترِب رأسُهُ، فحذَّثني
أصحابي أنَّ رسول الله وٌَّ جعل ينفض رأسَه ويقول: ((وَيْحَكَ يا ابنَ سُمَيَّةً!
تقتُلُكَ الفئةُ الباغية))(١).
روى آخرَه شعبة، عن أبي مَسْلَمَة، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد،
قال: حدثني من هو خيرٌ مِنِّي أبو قَتَادة، أنَّ النَّبِيَّ بِّهِ قاله(٢).
وقال شُعبة: أخبرني عَمْرو بن دينار، قال: سمعت أبا هشام يحدِّث عنِ
أبي سعيد الخُدْرِيِّ، قال: قال رسول الله مَ ثَ لعمّار: ((تقتُلك الفئةُ
الباغية))(٣).
وقال أحمد بن المِقْدام العِجْليُّ، عن عبدالله بن جعفر، قال: حدَّثني
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، نحوه (٤).
وقال عبدالعزيز الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
أبي هُريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((أبشِرْ عمَّارُ تقتُلُكَ الفئةُ الباغية)). قال
التِّرمِذِيّ(٥): صحيحٍ غريب من حديث العلاء.
وقال خالد الحذَّاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أنَّه قال لي ولابنه عليّ :
انْطَلِقا إلى أبي سعيد الخُذْرِيّ واسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في
(١) إسناده صحيح.
أخرحه ابن سعد ٢٥٢/٣، وأحمد ٥/٣، والبزار (٢٦٨٧) من طريق داود بن أبي
هند، به .
(٢) حديث صحيح؛ أخرجه مسلم ١٨٥/٨ - ١٨٦.
(٣) هذا إسناد فيه أبو هشام، وهو مجهول تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار، ترجم له
البخاري في الكنى ٩/ ٨٠، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٢٣٢٣،
على أن الحديث صحيح .
أخرجه الطيالسى (٢٢٠٢) وعنه ابن سعد ٣/ ٢٥٢ وأحمد ٢٨/٣ عن شعبة، به.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٦٥٢٤) ومن طريقه ابن عساكر ٤١١/٤٣ - ٤١٢، عن أحمد بن
المقدام، به، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبدالله بن جعفر، والحديث صحيح كما
تقدم .
(٥) الترمذي (٣٨٠٠).
٣٢٦

حائط له، فحدَّثَنا أنّ رسول الله وجَّه قال: ((وَيْحَ عمّار تقتُلُه الفئةُ الباغية،
يدعوهم إلى الجنّة ويَدْعُونه إلى النّار))، فجعل عمَّار يقول: أعوذ بالله من
الفِتَن. أخرجه البخاريّ(١).
وروى وَرْقاء، عن عَمْرو بن دينار، عن زياد مولى عَمْرو بن العاص،
عن مولاه، سمع رسولَ الله ◌َّ يقول: «تقتل عمّاراً الفئةُ الباغية)»(٢). رواه
شُعْبَة عن عَمْرو بن دينار، فقال، عن رجلٍ، عن عَمْرو بن العاص(٣) .
وقال الأعمش، عن عبدالرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث قال :
إنِّي لأسيرُ مع معاوية مُنْصَرَفَهُ من صِفِّين، بينه وبين عَمْرو، فقال عبد الله بن
عَمْرو: يا أبه، أَمَا سمعتَ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول لعمَّار: ((وَيْحَكَ يا ابن سُمَيَّة!
تقتُلُكَ الفئةُ الباغية))؟ قال: فقال عَمْرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟!
فقال: لا تزالُ تأتينا بهَنَةٍ، ما نحنُ قتلناه، إنَّما قتله الَّذين جاؤوا به(٤).
(١) هكذا نسب الذهبي نص الحديث إلى البخاري، والصحيح أن البخاري لم يقل في
الموضعين اللذين خرج فيهما الحديث من صحيحه ١٢١/١ (٤٤٧) و٢٥/٤ (٢٨١٢)
عبارة ((تقتله الفئة الباغية)) فهي في بعض الروايات دون بعض، والصحيح أن البخاري
لم يخرجها كما ذكر البيهقي في الدلائل ٥٤٨/٢، والحميدي في الجمع بين
الصحيحين، وأبو مسعود الدمشقي في الأطراف على ما نقله الحافظ ابن حجر في
الفتح، ولذلك لم يخرجها المزي في تحفة الأشراف (٤١٥/٣ حديث ٤٢٤٨
بتحقيقي). أما وجود العبارة في المطبوع من البخاري والفتح فهو سوء تقدير من
الناشرين. ويلاحظ أن إشارة الحذف وضعت عليها في الطبعة المطبوعة على النسخة
اليونينية، فكتب في أولها: ((لا)) وفي آخرها ((إلى)). وانظر مزيد تفصيل في تعليقي
على التحفة وعلى الجزء الثالث من البداية والنهاية للحافظ ابن كثير الذي نشرته دار
ابن كثير بدمشق .
إسناده ضعيف، مولى عمرو بن العاص ترجمة ابن حبان في ثقاته ٢٦٠/٤ ولم يرو
(٢)
عنه سوی عمرو بن دينار، وهو مجهول .
أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٢/١٥، وعنه أبو يعلى (٧٣٤٢) عن يحيى بن آدم عن
ورقاء، به .
(٣)
أخرجه أحمد ١٩٧/٤ من طريق شعبة، به .
إسناده صحيح.
(٤)
أخرجه ابن سعد ٢٥٣/٣، وأحمد ١٦١/٢ و٢٠٦ من طريق الأعمش، به.
٣٢٧

وقال جماعة، عن الحَسَن، عن أُمّه، عن أمِّ سَلَمَة، أنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ قال
لعمَّار: ((تقتُلُكَ الفئةُ الباغية))(١).
وقال عبدالله بن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم،
عن أبيه، قال: لمّا قُتِلَ عمّار دخل عَمْرو بن حزم على عَمْرو بن العاص،
فقال: قُتِل عمّار، وقد قال النَّبيُّ وَّ: ((تقتله الفئة الباغية))، فدخل عَمْرو بن
العاص على معاوية، فقال: قُتِلِ عمَّار، قال معاوية: فماذا! قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ مَّ يقول: ((تقتله الفئةُ الباغية)). قال: دحِضْتَ في بَوْلِك أَوَ نحنُ
قتلناه، إنَّما قتله عليٍّ وأصحابُه(٢) .
وعن عثمان بن عفَّان، عن النَّبيِّ وَّ قال: ((تقتل عمّاراً الفئةُ الباغية)).
رواه أبو عوَانة في «مُسْنَده)) (٣) .
وقال عبدالله بن أبي الهُذَيْل وغيره، عن عمَّار، قال: قال لي رسولُ الله
وَ لير: ((تقتلك الفئة الباغية)). وله طُرُق عن عمَّار(٤).
ويروى هذا الحديث عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وحُذَيفة، وأبي
رافع، وابن أبي أَوْفَى، وجابر بن سَمُرَة، وأبي اليسر السَّلَميُّ، وكعب بن
مالك، وأنَس، وجابر، وغيرهم، وهو متواتر عن النَّبِيِّ ◌ِ﴾، قال أحمد بن
حنبل: في هذا غير حديث صحيح عن النَّبِيِّ بِّهِ، وقد قَتَلَتْهُ الفئةُ الباغية .
(١) حديث صحيح.
أخرجه مسلم ١٨٦/٨ من طريق أم الحسن، به. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا
على تاريخ الخطيب ١٣/ ١٦٩ .
(٢) إسناده صحيح.
أخرجه عبدالرزاق فى المصنف (٢٠٤٢٧)، وأحمد ١٩٩/٤، وأبو يعلى (٧١٧٥)
و(٧٣٤٦)، والحاكم ١٥٥/٢ - ١٥٦، والبيهقي في الدلائل ٥٥١/٢ من طريق ابن
طاووس، به .
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من مسنده، ولعله في الساقط منه. وأخرجه أبو نعيم في
الحلية ١٧٢/٤ من طريق الأعمش عن زيد بن وهب عن عثمان، به وقال أبو نعيم
عقبه: ((غريب من حديث الأعمش تفرد به يحيى))، قلت: ويحيى هو ابن عيسى
الرملي وهو ضعيف عند التفرد كما بيناه في تحرير التقريب وقد تفرد.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٤١٨١) من طريق ابن أبي الهذيل، به .
٣٢٨

وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن أبي ليلى الكِنْديِّ، قال: جاء خَبَّاب،
فقال عمر: أَدْنُ، فما أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك، إلاّ عمَّار.
وقال حارثة بن مُضَرِّب: قُرِىء علينا كتابُ عمر: إِنِّي بعثتُ إليكم -
يعني إلى الكوفة - عمَّارَ بنَ ياسر أميراً، وابن مسعود معلِّماً ووزيراً، وإنَّهما
لَمِنَّ النُّجَبَاء من أصحابِ محمدٍ بِّه، من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتَدُوا
بهما، وقد آثرتُكُم بهما على نفسي(١) .
وعن سالم بن أبي الجَعْد، أنّ عمر جعل عَطَاءَ عمّار ستَّةً آلافَ .
وعن ابن عمر، قال: رأيت عمّاراً يوم اليمامة على صخرةٍ، وقد أشرف
يَصِيح: يا معشرَ المسلمين، أمِن الجنَّة تفرُون، أنا عمَّار بن ياسر، هَلْمُّوا
إليَّ، وأنا أنظرُ إلى أُذُنه وقد قُطِعت، فهي تذبذبُ، وهو يقاتل أشدَّ القتال.
وعن عبدالله بن أبي الهُذَيل قال: رأيتُ عمَّار بن ياسر اشترى قَتَّا (٢)
بدِرْهم، فاستزاد حبلاً، فأبى، فجاذبَه حتَّى قاسمه نِصْفَين، وحمله على
ظهره وهو أمير الكوفة .
وقد رُوي أنَّهم قالوا لعمر: إنَّ عمَّاراً غير عالم بالسياسة، فعزله.
قال الشَّعبيُّ: قال عمر لعمَّار: أَسَاءَكَ عَزْلُنا إِيَّاكَ؟ قال: لئن قلتَ ذاك،
لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عَزَلتني .
وقال نوفل بن أبي عَقْرَب: كان عمَّار قليلَ الكلام، طويلَ السُّكوت،
وكان عامَّة أن يقول: عائذٌ بالرحمن من فتنةٍ، عائذٌ بالرحمن من فتنة، قال:
فَعَرَضَتْ له فتنةٌ عظيمة. يعني مبالغتُهُ في القيام في أمر عثمان وبعده.
وعن ابن عمر، قال: ما أعلمُ أحداً خرج في الفتنة يريدُ الله إلاَّ عمَّار بن
ياسر، وما أدري ما صنع .
وعن عمَّار أنَّه قال وهو يسير إلى صِفْين: اللَّهُمَّ لو أعلمُ أنَّه أرضى لك
عنّي أنْ أرمي بنفسي من هذا الجبل لَفَعَلْتُ، وإنِّي لا أقاتلُ إلاّ أريد وجهك.
وقال حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: قال عمَّار يوم
صِفِّين: ائتوني بشَرْبة لَبَنِ، قال: فشرب، ثُمَّ قال: قال رسولُ الله ◌ِّ: إنَّ
(١) طبقات ابن سعد ٢٥٥/٣.
(٢) هو من علف الدواب الأخضر.
٣٢٩

آخرَ شَرْبَةٍ تشربُها من الدُّنيا شَربَةُ لبنٍ، ثم تقدَّمَ فقاتل حتى قُتِلَ(١).
وقال سعد بن إبراهيم، عن رجلٍ، سمع عمَّاراً بصِفُّين ينادي: أزفَتِ
الجنَانُ، وزُوِّجْتُ الحُورَ العِين، اليوم نُلقى حبيبِنَا بِّهِ.
وقال حمَّاد بن سَلَمَة: حدثنا أبو حفص وكُلثوم بن جبر، عن أبي غادية
الجُهَني، قال: سمعت عمَّارَ بن ياسر يقع في عثمان يشتُمه بالمدينة،
فتوعَّدْتُه بالقتْلِ، فلمَّا كان يوم صِفِّين جعل يحملُ على النَّاسِ، فحملتُ عليه
وطعنته في رُكْبته فوقع، فقتلته. تمام الحديث، فقيل: قُتِل عمَّار. وأخبر
عَمْرو بن العاص فقال: سمعتُ رسولَ اللهَِّهِ يقول: ((قاتلُ عمَّار وسالبُهُ في
النّار))(٢).
وقال أيَّوب، عن مُجاهد، عن عبدالله بن عَمْرو، قال: قال رسولُ الله
◌ِّ: ((قاتل عمَّار وسالبُهُ في النَّار)).
وقال الواقديُّ وغيره: استلحمتِ الحربُ بصِفِّين، وكادوا يتفانون،
فقال معاوية: هذا يوم تَفَانَى فيه العرب إلاّ أن تُدْركَهم خفة العبد، يعني
عمَّاراً، وكان القتال الشديد ثلاثة أيّام ولياليهنَّ آخرهنَّ ليلة الهَرِير، فلمَّا كان
اليوم الثالث، قال عمَّار لهاشم بن عُتْبة ومعه الّواء: احمِلْ فداك أبي وأمي،
فقال هاشم: يا عمَّار إنَّك رجل تستحقُك الحربُ، وإنَّي إنَّما أزحفُ باللواء
رجاءَ أن أبلغ بذلك بعضَ ما أريد(٣).
وقال قيس بن أبي حازم: قال عمار: ادفنولي في ثيابي، فإنِّي رجلٌ
مخاصم .
(١) هذا إسناد منقطع، حيث لا يصح لأبي البختري سماع من عمار بن ياسر قال ابن سعد
٢٩٣/٦: ((وكان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول
اللّه ◌َّر ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان ((عن))
فهو ضعيف .
(٢) إسناده حسن، كلثوم بن جبر صدوق حسن الحديث كما بيناه في تحرير التقريب، وأبو
حفص هو يسار بن سَبْع، وله صحبة .
أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٦٠، وأحمد ١٩٨/٤ من طريق حماد بن سلمة،
به .
(٣) الطبقات ٣/ ٢٦١.
٣٣٠

قال أبو عاصم النَّبيل: تُوُفِي عن ثلاثٍ وتسعين سنة، وكان لا يركب
على سَرْج، وكان يركب راحلته من الكِبَر.
وفيهاً غزا الحارث بن مُرَّة العبدي أرضَ الهند، إلى أن جاوز مُكْران،
وبلادَ قَنْدابيل(١)، ووغل في جبل القِيقان(٢)، فَآب بسَبْي وغنائم، فأخذوا
عليه بمضيق فقُتِلَ هو وعامَّةُ مَنْ معه في سبيل الله تعالى (٣) .
قيس بن المكشوح أبو شدَّاد المُراديُّ.
أحد شُجعان العرب، أدرك النَّبِيَّ بَّ باليمن ولم يره، وهو أحدُ مَنْ
أعان على قَتْلِ الأسود العَنْسِيِّ، وشهد اليَرْمُوك، وأصيبت عينُه يومئذٍ. وقد
ارتدَّ بعد موتِ النَّبِيِّ بِّ فيما قيل، وقتل دادُوية الأبناوي، ثُمَّ حمل عليه
المهاجر بن أبي أُمَّيّة فأوثقه، وبعث به إلى أبي بكر رضي الله عنه، فَهَمَّ
بقتْلِه، وقال: قتلت الرجل الصالح، فأنكر وحلف خمسين يميناً قسامةً أنَّه
ما قتلهُ، فقال: يا خليفة رسول الله اسْتَبْقِني لحربك، فإنَّ عندي بصراً
بالحرب ومكيدةً للعدوِّ، فخلاَّه، ثم إنَّه كان من أعوان عليٍّ، وقُتِلَ يوم
صِفِّين رحِمَه الله تعالى.
هاشم بن عتْبة بن أبي وقّاص الزُّهْريّ، ابن أخي سعد، ويُعرف بالمِرْقال.
وُلد في حياة النَّبِيِّ بَّةِ، ولم تَثْبُتْ له صُحْبة، وشَهِدَ الْيَرْمُوك وأصيبت
عينُه يومئذٍ، وشهِدَ فتحَ دمشق، وكان أحدَ الأشرافِ، وكانت معه رايةُ عليٍّ
يوم صِفّين فيما ذكر حبيب بن أبي ثابت. وقال: كان أعور فجعل عليٌّ يقول
له: أَقْدِمْ يا أعور، لا خير في أعورٍ لا يأتي الفرج فَيَسْتَحِي فيتقدَّم.
قال عَمْرِو بنِ العاص: إنِّي لأَرى لصاحب الرَّاية السَّوداء عملاً، لِئِن دام
على ما أرى لَتُقْتَلَنَّ العربُ اليومِ، قال: فما زال أبو اليقظان حتى لفَّ بينهم.
وعن الشَّعبيِّ أنَّ عليًّا صلَّى على عمَّار بن ياسر، وهاشم بن عُتْبة،
فجعل عمَّاراً ممَّا يليه، فلمّا قَبَرهُما جعل عماراً أمام هاشم.
(١) مدينة بالسند.
(٢) بلاد قرب طبرستان.
تاريخ خليفة ١٩١ .
(٣)
٣٣١

أبو فَضَالة الأنصاريُ (١). بذْريٌّ، قُتِلَ مع عليّ يوم صِفِّين. انفرد بهذا
القول محمدُ بن راشد، عن عبدالله بن محمد بن عَقِيل، وليسا بحُجَّة .
ن: أبو عمرة الأنصاري، بشير بن عَمْرو بن مِحْصَن الخَزْرَجِيُّ
النَّجَّاريُّ، وقيل اسم أبي عمرة: بشير، وقيل: ثعلبة، وقيل: عَمْرو.
بَدْري كبير، له رواية في النَّسائيّ، روى عنه ابنه عبدالرحمن بن أبي
عَمْرة، ومحمد بن الحَنْفَيَّة، وقُتِلَ يوم صِفّين مع عليٍّ، قاله ابن سعد(٢) .
(١) الاستيعاب ١٧٢٩/٤.
(٢) من تهذيب الكمال ٣٤/ ١٣٧.
٣٣٢

سنة ثمانٍ وثلاثين
فيها وجَّه معاويةُ من الشام عبدَالله بن الحَضْرميّ في جيشٍ إلى البصرة
ليأخذها، وبها زياد بن أبيه من جهة عليٍّ، فنزل ابنُ الحَضْرَميِّ في بني
تميم، وتحول زياد إلى الأزْد، فنزِل على صَبِرَة بن شَيْمان الحُدَّاني، وكتب
إلى عليٍّ فوجَّه عليٍّ أَعْيَنَ بنَ ضُبَيْعَة المُجَاشِعِيّ، فقتل أعْيَنْ غِيْلَةً على
فراشه. فندب عليٍّ جاريةَ بن قُدامة السَّعْدِيَّ، فحاصر ابنَ الحَضْرَميِّ في
الدَّارِ التي هو فيها، ثمّ حرّق عليه .
[أمرُ الخوارج]
وفي شعبان ثارت الخوارج وخرجوا على عليٍّ رضي الله عنه، وأنكروا
عليه كَوْنَه حَكَّم الحَكَمَيْنِ، وقالوا: حكَّمْتَ في دينِ الله الرجال، والله
يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَِّ ◌َ﴾ [الأنعام]، وكفَّروه، واحتجوا بقوله: ﴿ وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾﴾ [المائدة]، فَنَاظَرَهُمْ، ثمّ
أرسل إليهم عبدالله بنَ عبّاس، فبيَّن لهم فسادَ شُبَهِهم، وفسَّر لهم، واحتجَّ
بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾﴾ [المائدة]، وبقوله: ﴿فَاَبْعَثُواْ
حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَّا مِنْ أَهْلِهَا جَ﴾ [النساء]، فرجع إلى الصَّواب منهم
خلق، وسار الآخرون، فلقوا عبدالله بن خَبَّاب بن الأَرَتّ، ومعه امرأته،
فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم، فسألوه عن أبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعليّ، فأثنى عليهم كلّهم، فذبحوه وقتلوا امرأته، وكانت حُبْلَى، فبقروا
بطنها، وكان من سادات أبناء الصّحابة.
وفيها سارت الخوارجُ لحربِ عليٍّ، فكانت بينهم ((وقعة النَّهْرَوان)»،
وكان على الخوارج عبدالله بن وهب السَّبَئي، فهزمهم عليٌّ وقتل أكثرهم،
وقتل ابنَ وهب. وقُتِلَ من أصحاب عليٍّ اثنا عشر رجلاً.
وقيل في تسميتهم ((الحَرُورِيّة)) لأنّهم خرجوا على عليّ من الكوفة،
وعسكروا بقريةٍ قريب من الكوفةَ يقال لها ((حَرُوراء»، واسْتَخَلَّ عليٌّ قَتْلَهُم
٣٣٣

لِمَا فعلوا بابن خَبَّاب وزوجته. وكانت الوقعة في شعبان سنة ثمانٍ، وقيل:
في صَفَر.
قال عِكْرِمة بن عمَّار: حدّثني أبو زُمَيْل أنَّ ابنَ عبّاس قال لمّا اجتمعت
الخوارجُ في دارِها، وهم ستّة آلاف أو نحوها: قلتُ لعليٍّ: يا أميرَ المؤمنين
أَبْرِدْ بالصَّلاة لَعَلِّي ألقى هؤلاء، فإنِّ أخافُهم عليك، قال: كلّاً. قال: فلبس
ابنُ عبّاسَ حُلَّتين من أحسن الخُلُل، وكان جهيراً جميلاً، قال: فأتيتُ
القومَ، فلمّا رأوني، قالوا: مرحباً بابن عبّاس وما هذه الحُلَّة؟ قلت: وما
تُنكرون من ذلك؟ لقد رأيتُ على رسول الله مَ﴿ حُلَّة من أحسن الحُلَل،
قال: ثم تلوتُ عليهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، لَ
[الأعراف]. قالوا: فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين،
ومن عند أصحاب رسول الله بَ ل# ولا أرى فيكم أحداً منهم، ولأبلغنَّكم ما
قالوا، ولأبلغنَّهم ما تقولون، فما تنْقِمون من ابن عمِّ رسولِ الله ◌ُِّ وصِهْره؟
فأقبل بعضُهم على بعضٍ، فقالوا: لا تكلُّموه فإنّ الله يقول: ﴿بَلّ هُمْ قَوْمُ
خَصِمُونَ ﴾ [الأعراف]، وقال بعضهم: ما يمنعنا من كلامه، ابن عمّ
رسولِ الله ◌ِ، ويدعونا إلى كتاب الله. قال: فقالوا: نَنْقم عليه ثلاث
خِلالٍ: إحداهنَّ أنَّه حكْم الرِّجال في دين الله، وما الرِّجال ولِحُكْم الله،
والثانية: أنَّه قاتل فلم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فإنْ كان قد حلَّ قتالُهم فقد حلَّ
سَبْيهم، وإلاَّ فلا، والثالثة: محا نفسه من ((أمير المؤمنين))، فإنْ لم يكن
أمير المؤمنين، فهو أميرَ المُشْركين. قلت: هل غير هذا؟ قالوا: حسبُنا
هذا .
قلت: أرأيتم إنْ خَرَّجت لكم من كتاب الله وسُنَّة رسوله أَرَاجِعون أنتم؟
قالوا: وما يمنعُنا، قلت: أمَّا قولكم إنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرٍ الله، فإنّي
سمعتُ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾﴾ [المائدة]
وذلك في ثَمَن صيد أرنبٍ أو نحوه قيمته رُبْع دِرْهم فَوَّض الله الحكمَ فيه إلى
الرجال، ولو شاء أن يحكُم لَحَكَم، وقال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ
حَكَمَّا مِّنْ أَهْلِهِ، ◌َ﴾ [النساء] الآية. أَخَرَجْتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قلتُ: وأمَّا قولكم: قاتَلَ فلم يَسْب، فإنَّه قاتل أمَكُمْ، لأنّ الله يقول:
٣٣٤

﴿وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ جَ﴾ [الأحزاب] فإنْ زعمتم أنّها ليست بأُمّكم فقد كفرتم،
وإنْ زعمتم أنّها أمّكم فما حَلَّ سباؤها، فأنتم بين ضلالتين، أَخَرَجْتُ من
هذه؟ قالوا: نعم.
قلتُ: وأمّا قولكم: إنَّه محا اسمه من أمير المؤمنين، فإنِّي أنبئكم عن
ذلك: أما تعلمون أنَّ رسولَ الله وَلَه يوم الحُدَيْبية جرى الكتاب بينه وبين
سُهَيْل بن عَمْرو، فقال: يا عليّ اكتب: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله
وَثّر، فقالوا: لو نَعْلمُ أنّك رسولُ الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم
أبيك، فقال: اللَّهُمَّ إنَّكَ تعلم أنِّي رسولك، ثمّ أخذ الصَّحيفةَ فمحاها بيده،
ثمّ قال: يا عليّ اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدُالله، فَوَ اللهِ ما
أخرجه ذلك من النُّبوَّة، أَخَرَجْتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: فرجع ثُلُثُّهُم، وانصرف ثُلُثُهُم، وقتِلَ سائرُهُم على ضَلالةِ.
قال عَوْف: حدثنا أبو نَضْرَة، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله
٠
ضهاالله
وستم
((تفترق أمّتي فِرْقَتين، تمرق بينهما مارقةٌ تقتلهم أولى الطّائفتين بالحقّ)).
وكذا رواه قَتَادة، وسليمان التَّيْميّ، عن أبي نَضْرةُ(١).
وقال ابنُ وَهْب: أخبرنا عَمْرو بن الحارث، عن بُكَيْرِ بن الأَشَجِّ، عن
بُسْر بن سعيد، عن عُبَيْد الله بن أبي رافع، أنَّ الحَرُورِيّة لمّا خرجت على
عليّ، قالوا: لا حُكْم إلاّ الله، فقال عليّ: كلمةُ حقٍّ أُرِيدَ بها باطل، إنْ
رسول الله ◌ِّ وصف ناساً إنّي لأعرف صِفَتهم في هؤلاء الذين يقولون الحقَّ
بألسنتهم لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حَلْقه - من أبغض خلقِ الله إليه،
منهم أسود إحدى يديه طُبِيُّ شاة أو حَلَمَة ثَدْي، فلمّا قاتلهم عليّ، قال:
انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئاً، قال: ارجِعُوا، فَوَالله ما كَذَبْتُ ولاَ كُذِبْتُ،
ثمّ وجدوه في خَرِبَةٍ، فأتوا به حتّى وضعوه بين يديه. قال عُبَيْد الله: وأنا
حاضر ذلك من أمرهمٍ وقول عليّ فيهم (٢).
وقال يحيى بن سُلَيم، عن ابن خُثَيْم، عن عُبَيْد الله بن عياض، أنَّ عبدالله
(١) أخرجه أحمد ٢٥/٣ و٣٢ و٤٨ و٦٤ و٧٩ و٩٧، ومسلم ١١٣/٣، وأبو داود
(٤٦٦٧) .
(٢) أخرجه مسلم ١١٦/٣.
٣٣٥

ابن شدّاد بن الهاد دخل على عائشة ونحن عندها ليالي قُتِلَ عليّ، فقالتٍ :
حدِّثني عن هؤلاء الذين قَاتَلُهُم عليّ، قال: إنّ عليّاً لمّا كاتب معاوية وحَكَّم
الحَكَمَين خرج عليه ثمانيةُ آلافٍ من قُرّاء النّاسِ - يعني عُبّادهمٍ - فنزلوا
بأرضٍ حَرُوراء من جانب الكوفة، وقالوا: انسلَخْت من قميصٍ أَلْبَسَكَ الله
وحكَّمت في دين الله الرّجالَ، ولا حُكْم إلاّ لله. فلمّا بلغ عَليّاً ما عَتَبوا
عليه، جمع أهلَ القرآن، ثمَّ دعا بالمُصْحَف إماماً عظيماً، فوُضِعَ بين يديه،
فطفق يحرِّكه بيده ويقول: أيُّها المُصْحَف حدِّث النّاسَ. فناداه النّاسُ، ما
تسأل؟ إنّما هو مِدَاد وَورَقٌ، ونحن نتكلّم بما روينا منه، فماذا تريد؟ فقال:
أصحابكم الذين خرجوا، بيني وبينهم كتابُ الله تعالى، يقول في كتابه:
﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَّا مِنْ أَهْلِهَاْ جَ﴾ [النساء]، فأمّة محمد أعظم
حقّاً وحُرْمةً من رجلٍ وامرأة، وذكر الحديث شِبْهَ ما تقدّم، قال: فِرجعٍ مِنهم
أربعة آلاف، فيهم ابن الكوَّاءِ، ومضى الآخرون. قالت عائشة: فَلِم قَتَلَهم؟
قال: قطعوا السَّبِيلَ، واسْتَحَلُّوا أهلَ الذِّمَّة، وسفكوا الذَّم.
وفيها توفي :
ن: الأشتر النَّخعِيُّ، واسمه مالك بن الحارث.
شَريف كبيرُ القَدر في النَّخع. روى عنِ عمر، وخالد بن الوليد. وشهدَ
اليَرْموك، وقُلِعَتْ عينُه يومئذٍ. وكان ممّن أَّبَ على عثمان، وسار إليه وأبلَى
شرًّا. وكان خطيباً بليغاً فارساً. حضر صِفِّين وتَمَيَّز يومئذٍ، وكاد أنْ يظهرَ
على معاوية، فحمل عليه أصحابُ عليٍّ لمَّا رأوا المَصاحف على الأسِنَّة،
فوبَّخهم الأشتر، وما أمكنه مخالفة عليّ، وكفَّ بقومه عن القتال.
قال عبدالله بن سَلَمَةِ المُراديُّ: نظر عمر بن الخطّاب إلى الأشْتر، وأنا
عنده فصعَّد فيه عمرُ النَّظَر، ثم صوَّبه، ثم قال: إنَّ للمسلمين من هذا يوماً
عصيباً، ثم إنَّ عليًّا لما انصرف من صِفِّين أو بعدها، بعث الأشتر على
مصر، فمات في الطَّريق مَسْموماً، وكان عليٌّ يتبزَّمُ به ويكرهه، لأنَّه كان
صَعْبَ الِمِرَاس، فلمّا بلغه موتُهُ، قال: للمِنْخَرَيْن والفم.
٣٣٦

وقيل: إنَّ عبداً لعثمان لقيه فسمَّ له عسلاً وسقاه، فبلغ عَمْرو بن
العاص، فقال: إنَّ لله جنوداً من عسل.
وقال عوانة بن الحَكَم وغيره: لمَّا جاءَ نَعيُ الأشتر إلى عليٍّ رضي الله
عنه قال: إنّا لله، مالِكٌ وما مالِكٌ وكلُّ هالك، وهل موجودٌ مثل ذلك، لو
كان من حديد لكان قيداً، أو كان من حجرٍ لكان صَلْداً، على مثل مالِكِ
فلْتَبْكِ البواكي(١) .
ع: سهل بن حُنَيِّ بن واهب بن عُكيم الأنصاريُّ الأوْسيُّ، والد
أبي أمامة، وأخو عثمان.
شهد بذْراً والمشاهد، وله رواية. روى عنه ابناه أبو أُمامة وعبدُالله،
وأبو وائل، وعُبَيْد بن السَّبَّاق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ويُسَيْر بن عَمْرو.
وقال ابن سعد(٢): قالوا: آخَى رسولُ الله ◌ِّال بين سهل بن حُنَيْف،
وعليٍّ بن أبي طالب، وثبت مع رسول الله مَّ﴾ يوم أُحُد، وبايعه على
الموت، وجعل ينضح يومئذٍ بالنَّبْل عن رسولِ الله ◌ِ لّه فقال: ((نَبِّلوا سهلاً
فإنَّه سهل)) .
وقال الزُّهْرِيُّ: لم يُعْطِ رسولُ الله ◌َّل من أموال بني النَّضير أحداً من
الأنصار، إلاَّ سهل بن حُنَيْف، وأبا دُجَانة، وكانا فقيرين.
وقال أبو وائل: قال سهل بن حُنَيْف يوم صِفِّين: أيُّها النَّاس اثَّهموا
رأيكم، فإنَّا واللهِ ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا مع رسولِ الله ◌ِ ﴾ال لأمرٍ
يفظعنا إلاَّ أسهل بنا إلى أمرٍ نعرفه، إلاّ أمْرَنا هذا.
وعن أبي أُمامة، قال: مات أبي بالكوفة سنة ثمانٍ وثلاثين، وصلَّى عليه
عليٍّ رضي الله عنه .
وقال الشَّعبيَّ، عن عبد الله بن مَعْقِل، قال: صلَّيتُ مع عليٍّ على سهل،
فکبَّرَ علیه ◌ِنَّا.
وروى نحوه عن حَنَش بن المُعْتَمر، وزاد: فكأنَّ بعضهم أنكر ذاك،
(١) من تاريخ دمشق ٥٦/ ٣٧٣ - ٣٩٢، وينظر تهذيب الكمال ١٢٦/٢٧ - ١٢٩.
(٢) طبقاته ٣ / ٤٧١.
تاريخ الإسلام ٢/م٢٢
٣٣٧

فقال عليٍّ : إنَّه رضي الله عنه (١).
صَفْوان بن بيضاء، وهي أُمُّه، وأبوه وَهْب بن ربيعة بن هلال
القُرَشِيّ الفِهْرِيُّ، أبو عَمْرو، أخو سهل وسُهَيْل.
قال ابن سعد (٢): قالوا: آخى رسولُ الله ◌َل بين صفوان ورافع بن
المُعَلّى. وقُتِلاَ يوم بدر.
قال الواقديُّ: قد رُويّ لنا أنّ صفوان بن بيضاء لم يُقتل يوم بدر، وأنّه
شهد المشاهد مع رسول الله وَله. وتُوُفِّي في رمضان سنة ثمانٍ وثلاثين،
والله أعلم.
ع: صُهَيْب بن سِنَان الرُّوميُّ، لأنَّ الروم سَبَتْهُ من نِيْتَوَى بالمَوْصل،
وهو من النّمر بن قاسط .
كان أبوه أو عمُّه عاملاً بِنِيْنَوَى لِكِسْرى، ثم إنَّه جُلِب إلى مكة،
فاشتراه عبدالله بن جدعان التَّيْميُّ، وقيل: بل هرب من الرُّوم فقدِمَ مكة،
وحالف ابن جُدْعان.
كان صُهَيْب من السّابقين الأوَّلين، شهد بَدْراً والمشاهد. روى عنه من
أولاده حبيب وزياد وحمزة، وسعيد بن المسيِّب، وعبدالرحمن بن أبي
ليلى، وكَعب الأحبار، وغيرهم. وكنيتُه أبو يحيى، تُوُفِّي بالمدينة في
شوَّال، ونشأ صُهَيْب بالرُّوم، فبقيت فيه عُجْمة، وكان رجلاً أحمر شديد
الحُمْرةِ ليس بالطّويل ولا بالقصير، وكان كثيرَ شعرِ الرأس، ويَخْضِب
بالحنَّاء .
صحَّ من مراسيل الحَسَنِ أنَّ رسولَ اللهِ مَّ قال: ((صُهَيْب سابقُ
الروم)) (٣) .
(١) ينظر تهذيب الكمال ١٨٤/١٢ - ١٨٥.
(٢) طبقات ابن سعد ٤١٦/٣.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٢٦/٣.
٣٣٨

وورد أيضاً أنَّ النَّبيَّ ◌َلَ كناه أبا يحيى(١) .
وعن صَيْفِيِّ بن صُهَيْب، قال: إنِّي صحِبْتُ رسولَ اللهِ ◌ّ قبل أن يُوحَى
(٢)
إليه(٢) .
وقال منصور، عن مجاهد، قال: أوَّل مَنْ أظهر الإسلامَ رسولُ الله ◌ِ لَّه
وأبو بكر، وبلال، وخبَّاب، وصُهَيْب.
وعن عمر بن الحَكَم، قال: كان صُهَيْب يُعَذَّب حتى لا يدري ما يقول.
وقال عَوْف الأعرابيُّ، عن أبي عثمان النَّهْدِيِّ: إنَّ صُهَيْباً حين أراد
الهجرة إلى المدينة، قال له أهلُ مكة: أتيتنَا صُعْلُوكاً حقيراً فتنطلقٍ بنفسك
ومالك، والله لا يكون هذا أبداً، قال: أرأيتم إنْ تركتُ مالي، أَمُخَلُّونَ أنتم
سبيلي؟ قالوا: نعم، فترك لهم ماله أجمع، فبلغ ذلك النَّبِيَّ ◌َّةِ، فقال:
((ربح صُهَيْب، ربح صُهَيْب))(٣) .
ورُوِيَ أنَّهم أدركوه، وقد سار عن مكَّة، فأطلق لهم ماله، ولحِقَ رسولَ
الله اَّ وهو بعد بقِباء، قال: فلَمَّا رآني قال: ((ربح البيع أبا يحيى)) قالها
ثلاثاً، فقلتُ: يا رسول الله ما أخبرك إلاّ جبريل (٤).
وعن محمد بن إبراهيم التَّيْمي، قال: آخى رسولُ الله ◌ِله بين صُهَيْب
والحارث بن الصِّمَّة.
وقد ذكرنا أنّ صُهَيْباً استخلفه عمرُ على الصلاة، حتى يَتَّفْقَ أهلُ
الشَّورى على خليفة، وأنَّه الذي صلَّى على عمر.
(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٢٧ من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب،
عن أبيه، فذكره، وهذا إسناد ضعيف فإن حمزة مقبول حيث يتابع ولم يتابع، وعبدالله
ابن محمد بن عقيل ضعيف يعتبر به، ولم نقف على من تابعه .
(٢) إسناده ضعيف، فإن صيفي بن صهيب مقبول حيث يتابع وإلا فضعيف، ولم يتابع.
أخرجه الحاكم ٣/ ٤٠٠ من طريق يوسف بن محمد بن صيفي عن جده، به.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٢٧/٣، وابن عساكر ٢٢٦/٢٤ من طريق هوذة بن خليفة عن عوف
الأعرابي، به. ورجاله ثقات غير أن أبا عثمان لم يدرك القصة .
(٤) إسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. أخرجه ابن سعد ٢٢٨/٣
من طريق حماد بن زيد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكره.
٣٣٩

وقال الواقديُّ: كان صُهَيْبٌ أحمر، شديد الصَّهبة، تحتها حُمْرة،
وعاش سبعين سنة .
وقال المدائنيُّ: عاش ثلاثاً وسبعين سنة(١).
س ق: محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق خليفةِ رسولِ اللهِ مَلّ ووزيره
ومُؤْنِسه في الغار وصِدِّيقِ الأَمَّة أبي بكر عبدالله بن أبي قُحافة عثمان بن
عامر، القرَشيُّ التَّيْميُّ المدنيُّ.
الذي ولدته أسماء بنْتُ عُمَيْس في حجّة الوداع. وكان أحد الرؤوس
الذين ساروا إلى حصار عثمان كما قدَّمنا، ثمّ انضمَّ إلى عليٍّ، فكان من
أعيان أمرائه، فبعثه على إمارة مصر في رمضان سنة سبع وثلاثين، وجمع له
صَلاتها وخَرَاجها، فسار إليها في جيش من العراق.
وسيَّر معاويةٌ من الشام معاويةً بن حُدَيْج على مصر أيضاً، وعلى حرب
محمد، فالتقى الجَمْعَانِ، فكسره ابنُ حُدَيْج، وانهزم عسكر محمد،
واختفى هو بمصر في بيت امرأة، فدلَّت عليه، فقال: احفظوني لأبي بكر،
فقال معاوية بن حُدَّيْج: قتلتَ ثمانين رجلاً من قومي في دم عثمان،
وأترُكُكَ وأنت صاحبُهُ، فقتله ثم جعله في بطن حمار وأحرقه .
وقال عَمْرو بن دينار: أُتي عَمْرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيراً،
فقال: هل معك عقد من أحد؟ قال: لا. فأمر به فقُتِلَ.
روى محمد عن أبيه مُرْسلاً. وعنه ابنه القاسم بن محمد، ولم يسمع
منه(٢) .
محمد بن أبي حُذَيْفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبدشمس القُرَشيُّ
العَبْشَميُّ، أبو القاسم.
كان أبوه من السَّابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحَبَشَة فوُلِد له هذا
بها. واستُشْهِدَ يوم اليمامة، فنشأ محمد في حَجْر عثمان، ثم إنَّه غضب
على عثمان لكونه لم يستعمله أو لغير ذلك، فصار إلباً على عثمان. فلمّا
(١) ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠.
(٢) أكثره من تهذيب الكمال ٥٤١/٢٤ - ٥٤٣ .
٣٤٠