النص المفهرس

صفحات 241-260

ثلاثة، فإنّهم كانوا يُراسلونهم، وهم: محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، ومحمد
ابن جعفر، وعمار بن ياسر.
قال: واستقتل أُناس: منهم زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وسعد بن
مالك، والحسن بن عليٍّ، ونهضوا لنُصْرَة عثمان، فبعث إليهم يعزمُ عليهم
لمَّا انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليٍّ حتَّى دخلَ على عثمانَ هو وطلْحَة
والؤُبَيْرِ يعودونه من صَرْعَتِهِ، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وقال عَمْرو بن دينار، عن جابر، قال: بَعَثْنَا عثمانُ خمسين راكباً،
وعلينا محمدُ بن مَسْلَمَة حتّى أتينا ذا خُشُب، فإذا رجلٌ مُعَلَّقُ المُصْحَفَ في
عُنُقُه، وعيناه تَذْرِفان، والسيفُ بيده وهو يقول: ألا إنَّ هذا - يعني
المُصْحَف - يأمرنا أنْ نضربَ بهذا، يعني السيف، على ما في هذا، يعني
المُصْحَف، فقال محمد بنِ مَسْلَمَة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا
قبلكَ، فجلسَ فلم يزل يكلِّمهم حتَّى رجعوا .
وقال الواقديُ(١): حدّثني ابن جُرَيْج، وغيرُه، عن عَمْرو، عن جابر، أنَّ
المصريِّينَ لما أقبلوا يريدون عثمانَ دعا عثمانُ محمدَ بنَ مَسْلَمَة، فقال:
اخْرُجْ إليهم فارْدُدْهم وأعْطِهِم الرِّضا، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن
ابن عُدَيْس، وسُودان بن حُمران، وعَمْرو بن الحَمِقِ الخُزَاعِيّ، وابن البياع،
فأتاهم ابن مَسْلَمَة، فلم يزل بهم حتَّى رجعوا، فلمّا كانوا بالبُوَيْب (٢) رأوا
جَمَلاً عليه مِيسم الصَّدَقَة، فأخذوه، فإذا غلامٌ لعثمان، ففتّشوا متاعه،
فوجدوا قَصَبَةً من رصاص، فيها كتابٌ في جوف الإدارة في الماء: إلى
عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أنِ افعلْ بفُلانٍ كذا، وبفُلانٍ كذا، من القوم
الذين شرعوا في قتلِ عثمان، فرجع القوم ثانيةً ونازلوا عثمانَ
(٣)
وحصروه(٣).
قال الواقديُ (٤): فحذَّثني عبدالله بن الحارث، عن أبيه، قال: أنكر
عثمانُ أنْ يكونَ كتب ذلك الكتاب وقال: فُعِل ذلك بلا أمري.
(١) طبقات ابن سعد ٦٥/٣.
هو مدخل أهل الحجاز إلى مصر .
(٢)
طبقات ابن سعد ٣/ ٦٥.
(٣)
(٤) طبقات ابن سعد ٣/ ٦٥ .
تاريخ الإسلام ٢/ م١٦
٢٤١

وقال أبو نَضْرَة(١)، عن أبي سعيد مولى أبي أُسَيْدٍ، فذكر طَرَفاً من
الحديث، إلى أنْ قال: ثم رجعوا راضين، فبينما هم بالطَّريق ظفروا برسولٍ
إلى عاملِ مصرَ أنْ يُصَلِّبهم ويفعل ويفعل، فردُّوا إلى المدينة، فأتوا عليًّا
فقالوا: أَلم تَرَ إلى عدوِّ الله، فَقُمْ معنا. قال: واللهِ لا أقومُ معكم. قالوا:
فِلِمَ كتبتَ إلينا؟ قال: واللهِ ما كتبتُ إليكم. فنظر بعضُهم إلى بعض. وخرِج
عليٍّ من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا: أكَتَبْتَ فينا بكذا؟ فقال: إنَّما
هما اثنان، تُقِيمون رجُلَين من المسلمين - يعني شاهدَيْن -، أو يميني باللهِ
الذي لا إله إلاّ هو ما كتبتُ ولا عِلِمْتُ، وقد يُكْتَبُ الكتابُ على لسانِ
الرجلِ ويُنْقَشُ الخاتم على الخاتم. فقالوا: قد أَحَلَّ اللهُ دَمَك، ونُقِضَ العهدُ
والميثاق. وحصروه في القصر.
وقال ابن سيرين(٢): إنَّ عثمان بعث إليهم عليّاً، فقال: تُعْطَوْنَ كتابَ
الله وتُعَتَّبُون من كلِّ ما سخِطْتُم. فأقبل معه ناسٌ من وجوههم، فاصطلحوا
على خمسٍ: على أنَّ المَنْفيَّ يُقْلب، والمحروم يُعْطَى، ويوفَّر الفَيْء،
ويُعْدَل في القَسْم، ويُسْتَعْمَلُ ذو الأمانةِ والقوّة، كتبوا ذلك في كتاب، وأن
يردُّوا ابنَ عامر إلى البصرة وأبا موسى إلى الكوفة .
وقال أبو الأشهب، عن الحَسَن، قال: لقد رأيتهم تحاصبوا في المسجد
حتَّى ما أبصر السّماء، وإنَّ رجلاً رفع مُصْحَفاً من حُجُرات النَّبِيُّ مَ ثُمَّ
نادى: ألم تعلموا أنّ محمداً قد برىء مِمَّنْ فرَّقُوا دِينَهم وكانوا شِيَعاً(٣) .
وقال سلام: سمعت الحَسَن، قال: خرج عثمان يوم الجمعة، فقام إليه
رجلٌ، فقال: أسألك كتابَ الله. فقال: ويْحَك، أليس معك كتابُ الله!
قال: ثمّ جاء رجلٌ آخر فنهاه، وقام آخر، وآخر، حتّى كَثُرُّوا، ثمّ تحاصبوا
حتَّى لم أرَ أديمَ السَّماءِ.
وروى بِشْر بن شَغَاف، عن عبد الله بن سلام، قال: بينما عثمان
يخطُّب، فقامَ رجلٌ فنال منه، فَوَذَأْتُه فاتَّذَأ، فقال رجل: لا يمنعك مكان ابن
(١) تاريخ خليفة ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) تاريخ خليفة ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) وانظر تاريخ الطبري ٤ / ٣٦٤.
٢٤٢

سلام أن تسبَّ نَعْثَلاً، فإنَّه من شيعته، فقلتُ له: لقد قلتَ القولَ العظيم في
الخليفة من بعد نوح.
وَذَأْتُه: زَجَرْتُه وقمعتُه. وقالوا لعثمان ((نَعْثَلاً)) تشبيهاً له برجلٍ مصريّ
اسمه نَعْثَل كان طويل اللّحْية. والنَّعْثَل: الذَّكَر من الضِّباع، وكان عمر يُشَبَّه
بنُوحٍ في الشِّدَّة.
وقال ابن عمر: بينما عثمان يخطبُ إذْ قام إليه جَهْجَاه الغفاريُّ، فأخذ
من يده العصا فكسرها على رُكْبَته، فدخلت منها شظِيَّةٌ في رُكْبته، فوقعت
فيها الأَكِلَة .
وقال غيره: ثمّ إنَّهم أحاطوا بالذَّار وحصروه، فقال سعد بن
إبراهيم(١)، عن أبيه: سمعتُ عثمانَ يقول: إنْ وجدتم في الحقِّ أنْ تضعوا
رِجْلَيَّ في القيود فضَعُوهما .
وقال ثُمامة بن حَزْنِ القُشَيْرِيُّ: شهدتُ الدّارَ وأشرف عليهم عثمان،
فقال: ائتوني بصاحِبَيْكُم اللَّذَيَنِ أَلَّبَاكُمْ. فَدُعِيًا له، كأنَّهما جملان أو
حماران، فقال: انْشُدُكما اللهَ أتعلمون أنَّ رسولَ الله ◌ِلَ قدِم المدينةَ وليس
فيها ماءٌ عَذْبٌ غير بئر رومة، فقال: ((مَن يشتريها فيكون دَلْؤُه كدِلاء
المسلمين، وله في الجنّة خيرٌ منها)) فاشتريتُها، وأنتم اليوم تمنعونِي أنْ
أشرب منها حتّى أشرب من الماء المالح؟ قالا: اللَّهُمَّ نعم. قال: أنشُدُكُما
اللهَ والإسلامَ، هل تعلمون أنَّ المسجدَ ضاق بأهله، فقال رسولُ الله ◌ِّ:
((مَنْ يشتري بُقْعَةً بخير له منها في الجنَّة))، فاشتريتُها وزِدْتُها في المسجد،
وأنتم تمنعوني اليوم أنْ أصلِّيَ فيها؟ قالا: اللَّهُمَّ نعم. قال: أنشُدُكما اللهَ،
هل تعلمون أنَّ رسولَ اللهُ بَ ◌ّه كان على ثَبير مكَّة، فتحرَّك وعليه أبو بكر
وعمر وأنا، فقال: ((اسْكُنْ فليس عليك إلاَّ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان))؟ قالا:
اللَّهُمَّ نعم، فقال: الله أكبر شهِدا وربّ الكعبة أنِّي شهيد.
ورواه أبو سَلَمَة بن عبدالرحمن بنحوه، وزاد فيه أنَّه جَهَّزَ جيشَ
العُسْرَة. ثم قال: ولكنْ طال عليكم أمري فاستعجلتم، وأردتم خلع سِرْبالٍ
سَرْبَلَنِيه اللهُ، وإنِّي لا أخلعه حتّى أموتَ أو أُقْتَل.
(١) طبقات ابن سعد ٧٠/٣.
٢٤٣

وعن ابن عمر(١)، قال: فأشرف عليهم وقال: عَلَمَ تقتلونني؟ فإنَّ
رسولَ اللهِ وَ لّ قال: ((لا يحلُّ دمُ امريءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كُفْرٌ بعدَ
إسلام، أو رجل زَنَى بعد إحصاٍ، أو رجل قتل نفساً))، فَوَاللهِ ما زنيتُ في
جاهليّةٍ ولا إسلام، ولا قتلتُ رجلاً ولا كفرت .
قال أبو أُمَامَة بن سهل بن حنيف(٢): إنِّي لَمَعَ عثمان وهو محصور،
فكنّا ندخُل إليه مَدْخِلاً - إذا دَخَلَ إليه الرِجلُ - سَمِعَ كلامَ مَن على البلاط،
فدخل يوماً فيه وخرج إلينا وهو متغيِّرُ اللَّوْنِ فقال: إنّهم يتوعَّدوني بالقَتْلِ،
فقلنا: يكْفِيكَهُمُ اللهُ.
وقال سهل السَّرَّاج، عن الحَسَن، قال عثمان: لَئِنْ قَتلوني لا يقاتلون
عدوًّاً جميعاً أبداً، ولا يقتسمون فَيْئاً جميعاً أبداً، ولا يُصَلُّون جميعاً أبداً.
وقال مثلَه عبدالملك بن أبي سُلَيمان، عن أبي ليلى الكِنْدِيّ(٣)، وزاد
فيهِ: ثمّ أرسل إلى عبدالله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكَفّ الكَفّ،
فإنَّه أبلغُ لكَ في الحُجَّة. فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائمٌ رضيَ الله عنه
وأرضاه.
وقال الحسن(٤): حذَّثني وثَّب، قال: بعثني عثمان، فدعوتُ له
الأشترَ، فقال: ما يريدُ النَّاس؟ قال: إحدى ثلاث: يُخَيِّرُونك بين الخلع،
وبين أنْ تقتصرَّ من نفسك، فإنْ أبيتَ فإنَّهم قاتِلُوك. فقال: ما كنتُ لأخلَعَ
سِرْبالاً سَرْبَلَنِيهُ اللهُ، وبَدَني ما يقومُ لِقصاص.
وقال حُمَيْد بن هلال: حدثنا عبدالله بن مُغَفَّل، قال: كان عبدالله بن
سلام يجيءُ من أرضٍ له على حمارٍ يوم الجمعة، فلما هاجوا بعثمان قال:
يا أيُّها النَّاسُ لا تقتلوا عثمان، واسْتَعْتِبُوه، فَوَالذي نفسي بيده ما قَتَلَتْ أَمَّةٌ
نبيَّها فصلُحَ ذاتُ بَيْنِهم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ سبعينَ ألفاً، وما قَتَلَتْ امَّةٌ خليفتَها
فَيُصْلِحُ اللهُ بينهم حتَّى يُهْرِيقُوا دَمَ أربعين ألفاً، وما هلكت أمّةٌ حتى يرفعوا
(١) طبقات ابن سعد ٣ /٦٩.
طبقات ابن سعد ٣/ ٦٧ .
(٢)
(٣) طبقات ابن سعد ٣/ ٧١.
تاريخ خليفة ١٧٠ .
(٤)
٢٤٤

القرآنَ على السلطان. قال: فلم ينظروا فيما قال، وقتلوه، فجلس على
طريقٍ عليٍّ بن أبي طالب، فقال له: لا تأتِ العراقَ والزَمْ منبرَ رسولِ الله
وَِّ، فَوَالذي نفسي بيده لئن تركْتَهُ لا تراه أبداً. فقال مَنْ حول عليٍّ: دَعْنَا
نقتله. قال: دعوا عبدالله بن سلام، فإنَّه رجلٌ صالح.
قال عبدالله بن مُغَفَّل: كنت استأمرتُ عبدَالله بن سلام في أرضٍ
أشتريها، فقال بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صُلْح
فاشْتَرِها. قيل لحُمَيْد بن هلال: كيف ترفعون القرآنَ على السُّلطان؟ قال:
ألم تَرَ إلى الخوارج كيف يتأوَّلُون القرآنَ على السُّلطان؟
ودخل ابن عمر على عثمان وهو محصور، فقال: ما ترى؟ قال: أرى
أنْ تُعْطِيهم ما سألوكَ من وراء عَتَبَة بابِك غير أنْ لا تَخْلَع نفسَك. فقال:
دونك عَطاءَك - وكان واجداً عليه - فقالَ: ليس هذا يوم ذاك. ثمّ خرج ابنُ
عمر إليهم فقال: إيَّكم وقَتْلَ هذا الشيخ، واللهِ لئن قتلتموه لم تحجُّوا البيتَ
جميعاً أبداً، ولم تجاهدوا عدوَّكم جميعاً أبداً، ولم تقتسموا فَيُئكم جميعاً
أبداً إلاّ أنْ تجتمع الأجسادُ والأهواءُ مختلفة، ولقد رأيتنا وأصحاب رسولٍ
الله مََّ متوافِرون نقول: أبو بكر، ثُمَّ عمر، ثُمَّ عثمان. رواه عاصم بن
محمد العُمَرِيّ، عن أبيه، عن ابن عمر .
وعن أبي جعفر القارئ(١)، قال: كان المصريُّون الذين حصروا عثمان
ست مئة: رأسهم كِنَانة بن بِشْر، وابن عُدَيْس البَلَوِيُّ، وعَمْرو بن الحَمِقِ،
والّذين قدِمُوا من الكوفة مئتين، رأسهم الأشتر النَّخَعِيّ، والّذينِ قدِموا من
البصْرة مئة، رأسهم حُكَيْم بن جَبَلَة، وكانوا يداَ واحدة في الشَّرِّ، وكانت
حُثَالةٌ من النّاس قد ضَوَوْا إليهم، وكان أصحابُ النَّبِيِّ ◌َِّ الذين خذلوه
كرِهُوا الفتنةَ وظَنُّوا أنَّ الأمرَ لا يبلغ قتْلَه، فلمّا قُتِل ندموا على ما ضيَّعوا في
أَمَرَه، ولَعَمْرِي لو قاموا أو قام بعضُهم فحثا في وجوهِ أولئك التُّرابَ
لانْصَرَفُوا خاسئين.
وقال الزُّبَير بن بكَّار: حدَّثني محمد بن الحسن، قال: لمّا كثُر الطَّعْنُ
على عثمان تَنخَى عليٌّ إلى ماله بيَنْبُع، فكتب إليه عثمان: أمَّا بعد فقد بلغ
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٧١.
٢٤٥

الحزامُ الطُبْبَيْن، وخَلَّف السَّيْلُ الزُّبى، وبلغ الأمرُ فوقَ قَدْره، وطمع في
الأمر مَنْ لا يدفع عن نفسه:
وإلاّ فأدْرِكْني ولَمَّا أُمَزَّقِ
فإنْ كنتَ مأكولاً فكُنْ خير آكلٍ
والبيت الشاعر من عبدالقَيْسَ.
الطَّبِي: مَوْضِعُ الثَّدي من الخَيْل.
وقال محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم: لمّا حُصر عثمان أرسل إلى عليّ: إنَّ
ابنَ عمِّك مقتول، وإنّك مسلوبٌ.
وعن أبان بن عثمان، قال: لمّا أَلَخُوا على عثمان بالزَّمْي، خرجتُ حتَّى
أتيتُ عليّاً فقلت: يا عمّ أهْلَكَتنا الحجارةُ. فقام معي، فلم يزل يرمي حتَّى
فَتَرَ مَنْكِبُهُ، ثم قال: يا ابن أخي، اجمع حَشَمَك، ثمّ يكون هذا شأنُكّ.
وقال حبيب بن أبي ثابت(١)، عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ: إنَّ عثمانَ
بعث إلى عليٍّ يدعوه وهو محصور، فأراد أنْ يأتيه، فتعلّقوا به ومنعوه،
فحسر عمامةً سوداء عن رأسه وقال: اللَّهُمَّ لا أرضى قَتْلَه ولا آمُرُ به.
وعن أبي إدريس الخَوْلاني، قال: أرسل عثمان إلى سعد، فأتاه،
فكلَّمه، فقال له سعد: أرسِلْ إلى عليٍّ، فإنْ أتاك ورضيَ صَلَح الأمرُ. قال:
فأنتَ رسولي إليه، فأتاه، فقام معه عليٍّ، فمرَّ بمالك الأشتر، فقال الأشتر
لأصحابه: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان، فقال: واللهِ لِئِنْ دخل عليه
لَتُقْتَلُنَّ عن آخِرِكم، فقام إليه في أصحابه حتَى اختلجه(٢) عن سعد وأجلسه
في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إنْ كنتم تريدون قتْلَه فأسرعوا. فدخلوا
عليه فقتلوه.
وعن أبي حبيبة، قال: لمّا اشتدَّ الأمرُ، قالوا لعثمان - يعني الذين عنده
في الدّار ــ ائذَنْ لنا في القتال، فقال: أعْزِمُ على مَنْ كانت لي عليه طاعةٌ أنْ
لا يقاتل .
أبو حبيبة هو مَوْلى الزُّبَيْرِ، روى عنه موسى بن عُقْبة .
(١) طبقات ابن سعد ٦٨/٣.
(٢) أي: جذبه ونزعه .
٢٤٦

وقال محمد بن سعد(١): حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني شُرَحْبيل
ابن أبي عَوْن، عن أبيه. وحدّثني عبدالحميد بن عمران، عن أبيه، عن
مِسْوَر بن مَخْرَمة. (ح) وحدَّثني موسى بن يعقوب، عن عمّه، عن ابن
الزُّبَيْر. (ح) وحدثنا ابن أبي حبيبة، عن داود بن الخُصَين، عن عِكْرَمة،
عن ابن عبّاس، قالوا: بعث عثمان المِسْوَر بن مَخْرَمَة إلى معاوية يُعْلِمُهُ أنّه
محصورٌ، ويأمره أنْ يُجَهِّزَ إليه جيشاً سريعاً. فلمّا قدِم على معاوية، ركب
معاوية لوقته هو ومسلم بن عُقْبة، ومعاوية بن حُدَيْج، فساروا من دمشق إلى
عثمان عشراً. فدخل معاوية نصف الليل، وقبّلَ رأسَ عثمان، فقال: أين
الجيش؟ قال: ما جئتُ إلاّ في ثلاثة رهط. فقال عثمان: لا وَصَلَ الله
رحِمَكَ، ولا أعزَّ نَصْرَكَ، ولا جزاكَ خيراً، فَوالله لا أُقتل إلاّ فيكَ، ولا يُنْقَمُ
عليَّ إلاّ من أجلك. فقال: بأبي أنت وأمّي، لو بعثتُ إليك جيشاً فسمعوا به
عاجَلُوك فقتلوك، ولكنَّ معي نجائب، فاخرجْ معي، فما شَعَرَ بي أحد،
فَوَالله ما هي إلّ ثلاثٌ حتَى نرى معالَم الشَّامِ. فقال: بئس ما أشرْتَ به،
وأبى أنْ يُجيبه. فأسرع معاويةُ راجعاً، ورد المسْوَرُ يريد المدينة فلقيَ
معاويةَ بذي المَرْوَة راجعاً، وقدِم على عثمان وهو ذامٌ لمعاوية غيرُ عاذرٍ له.
فلمّا كان في حَصْره الآخر، بعث المِسْوَرَ ثانياً إلى معاوية ليُنْجِدَه،
فقال: إنَّ عثمان أحسَنَ فأحسنَ اللهُ به، ثمَّ غيَّرَ فغيَّرَ اللّهُ به، فشددتُ عَليه،
فقال: تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسُه في حُنْجُرَته قلتُم: اذهب فادفع عنه
الموتَ، وليس ذلك بيدي، ثمّ أنزلني في مَشْرَبَةٍ(٢) على رأسه، فما دخل
عليَّ داخلٌ حتّى قُتِلُ عثمان(٣).
وأمّا سَيْف بن عمر، فروى عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لمَّا أتى
معاوية الخبر أرسل إلى حبيب بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ، فقال: أَشِرْ عليَّ برجلٍ
منفذ لأمري، ولا يقصِّر، قال: ما أعرف لذاك غيري، قال: أنت لها.
وجعل على مقدّمته يزيد بن شجعة الحِمْيَريّ في ألفٍ وقال: إنْ قَدِمْتَ
(١) نقله المصنف من تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٧٩ - ٣٨٠) من المجلد الخاص بعثمان
الذي حققته الفاضلة العالمة سكينة الشهابي .
(٢) أي: غرفة .
(٣) انظر تاريخ دمشق ٣٧٩ - ٣٨٠.
٢٤٧

يا حبيب وقد قُتِلَ، فلا تَدَعَنَّ أحداً أشار إليه ولا أعانَ عليه إلاّ قتلته، وإنْ
أتاك الخبرُ قبل أن تصِلَ، فأقمْ حتَّى أنظر. وبعث يزيد بن شِجعةً في ألفٍ
على البغال، يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الرَّوايا فأغَذَّ السَّير، فأتاه
قتْلُهُ بِقُربْ خَيْبَرَ. ثمَّ أتاه التُّعمانُ بن بشير، معه القميصُ الذي قتلوه فيه، فيه
الدِّماء وأصابع امرأته نائلة، قد قطعوها بضربةِ سيفٍ، فرجعوا، فنصب
معاوية القميص على منبر دمشق، والأصابع معلّقة فيه، وآلى رجالٌ من أهل
الشّام لا يأتون النِّساء ولا يمشُّون الغُسْلَ إلّ من حُلُم، ولا ينامون على
فراشٍ حتّى يقتلوا قَتَلَة عثمان، أو تَفْنَى أرواحُهم، وبَكَوْه سنةً.
وقال الأوزاعيُّ: حدَّثني محمد بن عبدالملك بن مروان، أنَّ المُغيرة
ابن شُعبة، دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنّك إمام العامَّة، وقد
نزل بك ما ترى، وإني أعرضُ عليك خِصالاً: إمَّا أنْ تخرج فتقاتلهم، فإنّ
معك عدداً وقوّة، وإمَّا أنْ تَخْرِق لك باباً سوي الباب الذي هُمْ عليه، فتقعد
على رواحلك فتَلْحق بمكة، فَإنَّهم لن يستحلُّوك وأنتَ بها، وإمَّا أنَّ تلحق
بالشَّام، فإنَّهم أهلُ الشَّام، وفيهم معاوية. فقال: إني لن أفارقَ دار هجرتي،
ولن أكون أوَّلَ مَنْ خَلف رسولَ الله ◌ِلَّ فِي أُمَّته بسفْكَ الدِّماءِ(١).
وقال نافع(٢)، عن ابن عمر: أصبح عثمان يحدّث النَّاسَ، قال: رأيتُ
رسولَ الله ◌َ ◌ّ اللَّيلةَ في المنام، فقال: ((أفطِرْ عندنا غداً))، فأصبح صائماً،
وقُتِلَ من یومه .
وقال محمد بن سيرين: ما أعلمُ أحداً يتَهم عليّاً في قتل عثمان، وقُتِلَ
وإنّ الدَّارَ غاصَّة، فيهم ابن عمر، والحَسَن بن عليّ، ولكنَّ عثمان عزم
عليهم أنْ لا يقاتلوا.
ومن وجهٍ آخر، عن ابن سيرين، قال: انطلق الحَسَن والحسين وابنُ
عمر، ومروان، وابنُ الزُّبير، كُلُّهم شاك السِّلاح، حتَّى دخلوا على عثمان،
فقال: أعزِمُ عليكم لَمَا رَجعْتُمْ فوضعتم أسلحَتكم ولِزِمْتُمْ بيوتكم، فقال ابن
الزُبير، ومروان: نحن نعزِمُ على أنفسنا أنْ لا نبْرَح. وخرج الآخرون.
(١) انظر تاريخ دمشق ٣٨٧-٣٨٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٧٥.
٢٤٨

وقال ابن سيرين: كان مع عثمان يومئذٍ في الدَّار سبع مئة، لو يَدَعُهُم
لَضَرَبُوهم حتّى يُخْرِجُوهم من أقطارها .
ورُوي أنَّ الحَسَن بن عليٍّ ما راحَ حتّى جُرحَ .
وقال عبدالله بن الزُّبَيْر: قلتُ لعثمان: قاتِلْهم، فوَالله لقد أحلَّ اللهُ لكَ
قِتَالَهم، فقال: لا أقاتلهم أبداً، فدخلوا عليه وهو صائم. وقد كان عثمان
أَمَّرَ ابنَ الزُّبَيْر على الدّار، وقال: أطيعوا عبدالله بن الزُّبَیْر.
وقال ابن سيرين: جاء زيد بن ثابت في ثلاث مئة من الأنصار، فدخل
على عثمان، فقال: هذه الأنصارُ بالباب. فقال: أمّا القِتالُ فلا.
وقال أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ على عثمان يوم الدَّار
فقلتُ: طاب الضَّرْبُ. فقال: أيسُرُك أنْ يُقْتل النّاسُ جميعاً وأنا معهم؟
قلتُ: لا، قال: فإنّك إنْ قتلتَ رجلاً واحداً، فكأنما قتلتَ النَّاسَ جميعاً.
فانصرفتُ ولم أقاتل .
وعن أبي عَوْن مولى المِسْوَر، قال: ما زال المصريّون كافِين عن
القتالِ، حتّى قدِمَتْ أمدادُ العراق من عند ابن عامر، وأمدادُ ابن أبي سَرْحٍ
من مصر، فقالوا: نُعاجِلُهُ قبل أن تَقْدَم الأمداد.
وعن مسلم أبي سعيد، قال: أعتق عثمان عشرين مملوكاً، ثمّ دعا
بسراويل، فشدَّها عليه، ولم يَلْبَسْها في جاهلية ولا إسلام(١)، وقال: إنِّي
رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ البارحة، وأبا بكرٍ، وعمر، فقال: ((اصْبِرْ فإنّك تُفْطِر
عندنا القابلة)). ثمّ نشر المُصْحَفَ بين يديه، فَقُتِلَ وهو بين يديه.
وقال ابن عَوْن، عِن الحَسَن: أنبأني وثَّاب مولى عثمان، قال: جاء
رُوَيْجل كأنّ ذِئبٌ، فاطّلع من بابٍ، ثمّ رجع، فجاء محمد بن أبي بكر في
ثلاثة عشر رجلاً، فدخل حتَّى انتهى إلى عثمان، فأخذَ بلحيته، فقال بها
حتَّى سمعتُ وقْعَ أضْراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابنُ
عامر، ما أغْنَتْ عنك كُتُبُك. فقال: أرسِلْ لِحْيَتي يا ابن أخي. قال: فأنا
رأيتُهُ استَعْدَى رجلاً من القوم عليه يُعِينُهُ، فقام إلى عثمان بِمِشْقَصٍ، حتَّى
وَجَأ به في رأسه ثمّ تَعَاوَرُوا عليه حتّى قتلوه .
(١) أي: لبسها لئلا تبدو عورته إذا قتل رضي الله عنه.
٢٤٩

وعن ريطة مولاة أسامةَ، قالت: كنتُ في الدَّار، إذْ دخلوا، فجاء
محمد (١) فأخذ بلحيةِ عثمان فَهَزَّها، فقال: يا ابن أخي دعْ لِحْيَتي فإنك
لَتَجْذُب ما يعزّ على أبيك أنْ تُؤْذِيها. فرأيتُه كأنَّه استحيى، فقام، فجعل
بطرف ثوبه هكذا: ألا ارجعوا ألا ارجعوا. قالت: وجاء رجلٌ من خلف
عثمان بسعَفَةِ رَطْبة، فضرب بها جبهَتَه فرأيتُ الدَّمَ يسيل، وهو يمسحه
ويقول: ((اللَّهُمَّ لا يطلب بدمي غَيْرُكَ))، وجاء آخر فضربه بالسَّيف على
صدره فأقْعَصَه(٢)، وتَعَاوَرُوه بأسيافهم، فرأيتُهم ينْتَهِبُون بيته .
وقال مجالد، عن الشَّعبي، قال: جاء رجلٍ من تُجِيب من المصريّين،
والنّاسُ حول عثمان، فاسْتَلَّ سيفه، ثمّ قال: أفْرِجوا، ففرجوا له، فوضع
ذُباب سيفه في بَطْنِ عثمان، فامسكت نائلة بنتُ الفَرافصة زوجةٌ عثمان
السَّيف لتمنع عنه، فَحزّ السَّيف أصابعها .
وقيل : الذي قتله رجلٌ يقال له حمار .
وقال الواقديُّ: حدَّثني عبدُالرحمن بن عبدالعزيز، عن عبدالرحمن بن
محمد بن عَبْدٍ، أنَّ محمد بن أبي بكر تَسَوَّر من دار عَمْرو بن حَزْم على
عثمان، ومعه كِنَانة بنُ بِشْر، وسُودان، وعمرو بن الحَمِقِ، فوجدوه عند
نائلة يقرأ في المُصْحَف، فتقدَّمهم محمد، فأخذ بلِحْيته، وقال: يا نَعْثَلَ قد
أخزاكَ الله. فقال: لستُ بنَعْثَلٍ ولكنَبِي عبدالله، وأميرُ المؤمنين. فقال
محمد: ما أغنى عنك معاوية وفُلانٌ وفُلان. قال: يا ابن أخي دع لِحْيَتي،
فما كان أبوك ليَقْبِضَ على ما قَبَضْتَ. فقال: ما يُراد بك أشدّ من قبضتي،
وطعن جَنْبَه بمِشْقَصٍ، ورفع كِنَانةُ مَشَاقِصَ فوجأ بها في أذُن عثمان، فمضت
حتى دخلت في حلقه، ثمّ علاه بالسَّيف. قال عبدالرحمن بن عبدالعزيز:
فسمعت ابن أبي عَوْن يقول: ضرب كِنانة بن بشر جبينَهُ بعمود حديد،
وضربه سُودان المُرَادِيُّ فقتله، ووثب عليه عَمْرو بن الحَمِقِ، وبه رَمَق،
وطعنه تسع طَعْنَاتٍ، وقال: ثلاثٌ لله، وستّ لما في نفْسي عليه .
(١) هو ابن أبي بكر الصديق.
(٢) أي: قتله قتلاً سريعاً.
٢٥٠

وعن المغيرة، قال: حصروه اثنين وعشرين يوماً، ثمّ أحرقوا الباب،
فخرج مَنْ في الدَّار.
وقال سليمان التَّيْميُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد مولى أبي أُسَيد،
قال: فتح عثمان البابَ ووضع المُصْحَف بين يديه، فدخلَ عليه رجلٌ،
فقال: بيني وبينك كتابُ الله، فخرج وتركه، ثمّ دخل عليه آخر، فقال: بيني
وبينك كتابُ الله، فأهوى إليه بالسَّيف، فاتَّقاه بيده فقطعها، فقال: أما والله
إنّها لأوّلُ كفِّ خَطَّتِ المُفَصَّل(١)، ودخل عليه رجلٌ يقال له: الموت
الأسود، فخنقه قبل أن يُضْرب بالسّيف، قال: فَوَالله ما رأيتُ شيئاً أَلْيَن من
حلْقه، لقد خنقتُهُ حتَّى رأيت نفسَهُ مثل الجان(٢) تَرَّد في جسده (٣).
وعن الزُّهري، قال: قُتِلَ عند صلاة العصْر، وشدّ عبدٌ لعثمان على
كنانة بن بِشْر فقتله، وشدّ سُودان على العبد فقتله.
وقال أبو نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: ضربوه فجرى الدَّمُ على
المُصْحَف على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة](٤).
وقال عمران بن حُدَيْر، إلّ يكن عبد الله بن شقيق حدَّثني: أنّ أوّل قطرةٍ
قطرت من دمه على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فإنَّ أبا حُرَيْث ذكرِ أنَّه ذهب هو
وسُهَيْل المُرِّيّ، فأخرجوا إليه المُصْحَفَ، فإذا قطْرةُ الدَّم على
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ قال: فإنَّها في المُصْحَف ما حُكَّتْ.
وقال محمد بن عيسى بن سُمَيْع، عن ابن أبي ذئب، عن الزُهْري: قلتُ
لسعيد بن المسيّب: هل أنتَ مُخَّبري كيف كان قتلُ عثمان؟ قال: قُتِلَ
مظلوماً، ومَنْ خَذَلَهُ كان معذُوراً، ومَن قتله كان ظالماً، وإنّه لمّا اسْتُخْلف
كره ذلك نفرٌ من الصَّحابة، لأنه كان يحبُّ قومَهُ ويولّيهم، فكان يكون منهم
ما تُنْكره الصَّحابة فيُسْتَعْتَبُ فيهم، فلا يعزِلُهُمْ، فلمّا كان في السِّتِّ الحِجَجِ
الأواخِر استأثر ببني عمِّه فولاهم وما أشَرك معهم، فولّى عبدَالله بنَ أبي
(١) أي: كتبت القرآن الكريم.
(٢)
ضربٌ من الحيات، وهو الدقيق الخفيف. قال تعالى: ﴿تهتز كأنها جان﴾
(٣) تاريخ خليفة ١٧٤ -١٧٥ .
(٤) تاريخ خليفة ١٧٥ .
٢٥١

سَرْحِ مصرَ، فمكث عليها، فجاء أهلُ مصرَ يَشْكُونه ويتظلَّمون منه. وقد كان
قبل ذلك من عثمان هَنَاتٌ إلى ابن مسعود وأبي ذَرِّ وعمّار فحنق عليه
قومُهم، وجاء المصريُّون يشكونَ ابنَ أبي سَرْح، فكتب إليه يَتهدَّدهُ فأبى أنْ
يقبلَ، وضرب بعضَ مَنْ أتاه ممّن شكاه فقتله.
فخرج من أهل مصر سبع مئة رجلٍ، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى
الصَّحابة ما صنع ابنُ أبي سَرْح بهم، فقامَ طلحة فكلّم عثمان بكلام شديد،
وأرسلتْ إليه عائشة تقول له: أنصِفهم من عاملك، ودخل عليه عليٍّ، وكان
متكلّم القوم، فقال: إنّما يسألونكَ رجلاً مكان رجل، وقد اذَّعوا قِبَلَه دماً،
فاعزله، واقْضٍ بينهم، فقال: اختاروا رجلاً أُوَلِّه. فَأشاروا عليه بمحمد بن
أبي بكر، فكتب عهده، وخرج معهم عددٌ من المهاجرين والأنصار ينظرون
فيما بين أهل مصر وابن أبي سَرْح. فلمّا كان محمد على مسيرة ثلاثٍ من
المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعيرٍ مسرِعاً، فسألوه، فقال: وجَّهني أميرُ
المؤمنين إلى عامل مصر، فقالوا له: هذاَ عاملُ أهلِ مصر، وجاؤوا به إلى
محمد، وفتَّشوه فوجدوا إداوته تَتَقَلْقَل، فشقّوها، فإذا فيها كتاب من عثمان
إلى ابنِ أبي سَرْح، فجمع محمد مَنْ عنده من الصَّحابةِ، ثمّ فكَ الكتابَ،
فإذا فيه: إذا أتاك محمد، وفلانٌ، وفلانٌ فاستحِلَّ قَتْلَهُم، وأَبْطِلْ كتابه،
واثْبُتْ على عملكَ. فلمّا قرأوا الكتاب رجعوا إلى المدينة، وجمعوا طَلْحة،
وعليّاً، والزُّبَير، وسعداً، وفَضُّوا الكتابَ، فلم يبقَ أحدٌ إلّ حِنِقَ على
عثمان، وزاد ذلك غضباً وحنقاً أعوانُ أبي ذَرّ، وابنٍ مسعود، وعمّار.
وحاصر أولئك عثمان وأجلبَ عليه محمد بن أبي بكر ببني تَيْم، فلمّا
رأى ذلك عليٌّ بعث إلى طلحة، والزُّبَيْر، وعمّار، ثمّ دخل على عثمان،
ومعه الكتابُ والغلامُ والبعيرُ فقال: هذا الغلامُ والبعيرُ لك؟ قال: نعم،
قال: فهذا كتابكَ؟ فحلف أنَّه ما كتبه ولا أمرَ به، قال: فالخاتمُ خاتمك؟
قال: نعم. فقال: كيف يخرج غلامك ببعيرك بكتابٍ عليه خاتمك ولا تعلم
به !. وعرفوا أنّه خط مروان. وسألوه أنْ يدفع إليهم مَرْوان، فأبَى وكان
عنده في الدّار، فخرجوا من عنده غِضاباً، وشكُّوا في أمره، وعِلِمُوا أنَّه لا
يحلف بباطلٍ ولزموا بيوتهم.
٢٥٢

وحاصره أولئك حتَّى منعوه الماءَ، فأشرف يوماً، فقال: أفيكُمْ عليّ؟
قالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت، ثم قال: ألا أحدٌ يَسْقينا
ماءً. فبلغ ذلك عليّاً، فبعث إليه بثلاث قِرَبِ فجُرِح في سببها جماعةٌ حتَّى
وصلت إليه، وبلغ عليّاً أنّ عثمان يراد قتْلُهُ، فقالَ: إنّما أردنا منه مَرْوان،
فأمّا عثمان، فلا نَدَعُ أحداً يصلُ إليه .
وبعث إليه الزُّبَيْر ابنه، وبعث طَلْحة ابنه، وبعث عدّةٌ من الصّحابة
أبناءهم، يمنعونَ الناسَ منه، ويسألونه إخراجَ مَرْوان، فلمّا رأى ذلك محمد
ابن أبي بكر، ورمى النّاسُ عثمانَ بالسِّهام، حتّى خُضِب الحَسَن بالدِّماء على
بابه، وأصاب مروانَ سهمٌ، وخُضِب محمد بن طلحة، وشُجَّ قَنْبرِ مولى
عليّ، فخشيَ محمد أنْ يغضب بنو هاشم لحال الحَسَن، فاتّفق (١) هو
وصاحباه، وتسوُّروا من دارٍ، حتّى دخلوا عليه، ولا يعلم أحدٌ من أهل
الدّار، لأنّهم كانوا فوق البيوت، ولم يكن مع عثمان إلّ امرأتُهُ. فدخل
محمد فأخذ بِلِحْيَتِهِ، فقال: والله لو رآك أبوك لَّساءه مكانُك منِّي. فتراخت
يدُه، ووثب الرجُلان عليه فقتلاه، وهربوا من حيث دخلوا، ثمّ صرخت
المرأة، فلم يُسمع صُراخُها لِمَا في الدَّارِ من الجَلَبَةِ. فصعَدَتْ إلى النّاس
وأخبرتهم، فدخل الحَسَن والحُسين وغيرهما، فوجدوه مذبوحاً.
وبلغ عليّاً وطلحةَ والزُّبَيْرِ الخبرُ، فخرجوا - وقد ذهبت عقولُهم -
ودخلوا فرأوه مذبوحاً، وقال عليٍّ: كيف قُتِلَ وأنتم على الباب؟ ولطم
الحَسَنَ وضرب صَدْرَ الحُسين، وشتم ابن الزُّبَيْر، وابنَ طلحة، وخرج
غضْبانَ إلى منزله. فجاء النَّاسُ يُهْرعون إليه ليُبايعوه، قال: ليس ذاك
إليكم، إنما ذاك إلى أهلٍ بدر، فمن رضوه فهو خليفة. فلم يبقَ أحدٌ من
البدريّين إلّ أتى عليّاً، فَكَان أوّلَ من بايعه طلْحةُ بلسانه، وسعدٌ بيده، ثمّ
خرج إلى المسجد فصعِدَ المنبرَ، فكان أوّلَ من صعِدَ إليه طلحةٌ، فبايعه
بيده، ثمّ بايعه الزُّبَيْرِ وسعدٌ والصَّحابةُ جميعاً، ثمّ نزل فدعا النَّاسَ، وطلب
مروانَ، فهربَ منه هو وأقاربهُ.
(١) سياق العبارة: ((فلما رأى ذلك محمد ... فاتفق)) ولو قال: ((اتفق)) لكان أحسن، لكن
الذهبي رحمه الله عجل في الكتابة .
٢٥٣

وخرجت عائشة باكيةً تقول: قُتِل عثمان، وجاء عليٌّ إلى امرأة عثمان،
فقال: مَن قتله؟ قالت: لا أدري، وأخبرتْهُ بما صنع محمد بن أبي بكر.
فسأله عليٍّ، فقال: تَكذِبُ، قد واللهِ دخلتُ عليه، وأنا أريدُ قتْلَه، فذكر لي
أبي، فقمتُ وأنا تائبٌ إلى الله، واللهِ ما قتلتُهُ ولا أمسكتُهُ، فقالت: صَدَقَ،
ولكنّه أدخل اللَّذَيْن قتلاه.
وقال محمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وقّاص، عن أبيه، عن جدّه، قال:
اجتمعنا في دار مَخْرَمة للبيعة بعد قتل عثمان، فقال أبو جَهْم بن حُذَيْفة : أمّا
مَنْ بايَعْنَا منكم فلا يحولُ بيننا وبين قَصاصٍ. فقال عمّار: أمّا دم عثمان
فلا. فقال: يا ابنَ سُمَيّة، أَتَقْتَصُ من جَلْداتٍ جُلِدْتَهُنَّ، ولا تقتصّ من دم
عثمان! فتفرَّقوا يومئذٍ عن غيرِ بَيْعَة .
وروى عمر بن عليّ بن الحُسين، عن أبيه، قال: قال مَروانُ: ما كان
في القوم أدفعَ عن صاحبنا من صاحِبِكم - يعني عليّاً عن عثمانَ - قال:
فقلت: ما بالَكُم تسُبُّونه على المنابر! قال: لا يستقيمُ الأمرُ إلّ بذلك. رواه
ابن أبي خَيْثَمَة. بإسناد قويٍّ، عن عمر .
وقال الواقديُّ، عن ابن أبي سَبْرَة، عن سعيد بن أبي زيد، عن
الزُّهْريّ، عن عُبَيْد الله بن عبدالله، قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قُتِل
ثلاثون ألف ألف دِرْهم، وخمسون ومئة ألف دينار، فانتُهِبَتْ وذهبت،
وترك ألف بعيرٍ بالرَّبَذَة، وترك صدقاتٍ بقيمة مئتي ألف دينار .
وقال ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بلغني أنَّ الرَّكْب الذين
ساروا إلى عثمان عامَّتُهُم جُنُّوا .
وقال لَيث بن أبي سُلَيم، عن طاووس، عن ابن عبّاس سمع عليّاً يقول:
والله ما قتلتُ - يعني عثمانَ - ولا أمرتُ، ولكن غُلِبتُ، يقول ذلك ثلاثاً.
وجاء نحوُهُ عن عليٍّ من طُرُق وجاء عنه أنَّه لعن قَتَلَةَ عثمان(١).
وعن الشَّعبيِّ، قال: ما سمعتُ من مرائي عثمانَ أحسن من قولِ كعب
ابن مالك(٢):
(١) انظر تاريخ دمشق ٤٦٢ -٤٦٨.
(٢) انظر ديوانه ٣٠٩.
٢٥٤

فكَفَّ يديه ثمّ أغلق بابه
وقال لأهلِ الدَّار: لا تقتلوهمُ
فكيف رأيتَ اللهَ صبَّ عليهمُ الـ
وكيف رأيتَ الخيرَ أدبر بَعده
ورثاه حسّانُ بنُ ثابتٍ بقوله(١) :
مَنْ سَرَّه الموتُ صِرْفاً لا مِزَاجَ له
ضخّوا بأَشْمَطَ(٢) عُنْوانُ السُّجُود به
صِبْراً فِدَى لكمُ أمّي وما وَلَدَتْ
لَيُسْمَعَنَّ وشِيكاً في دِيارهُم:
وممَّن تُوفيٍ في هذه السنة:
وأيقن أنَّ اللهَ ليس بغافِلٍ
عفا اللهُ عن كلِّ امرىء لم يُقاتِلِ
ـعداوَة والبَغْضاءَ بعد التَّواصُلِ
عن النّاس إدبارَ النَّعامِ الجَوَافِلِ
فلْيأْتِ مأدُبةً في دار عُثْمانا
يُقَطِّعِ اللَّيلَ تسبيحاً وقُرآنَا
قد ينفع الصَّبْرُ في المكروه أحيانا
اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانـا
صلة بن أَشْيَم العَدَويُّ. قيل: إنه قُتل بسجستان، وهذا وهم، لأنه
يروي عنه ثابت البناني وغيره. وكان عبدًا صالحًا.
ن: الحارث بن نَوْفل بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم
الهاشميُّ.
له صُحبةٌ، واستعمله النبيُّ بِّهِ على بعض صَّدَّقَاتِ مكة، وبعض
أعمالِ مكة، ثم استعمله أبو بكر، وعمر، وعثمان، على مكة. ثم انتقل إلى
البصرة، وبنى بها دارا. وتوفي في هذه السنة. وإنما للحارث حديث واحد
عند النسائي، عن عائشة(٣).
ع: عامرٍ بن ربيعة بن كعب بن مالك العَنْزِيُّ، عَنْزُ بن وائل، كان
حليف آل الخطّاب، العَدَويُّ.
أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا. وله عن النبيِّ
وأبي بكر، وعمر. وعنه ابنه عبدالله، وابن الزُّبير، وابن عمر، وأبو أمامة بن
(١) انظر ديوانه ٢١٥ .
(٢)
أي: الأشيب.
(٣) فى سننه ١٥٦/١، والترجمة من تهذيب الكمال ٢٩٢/٥ - ٢٩٤.
٢٥٥

سهل، وغيرهم. وكان الخطّاب قد تبناه. وكان معه لواء عمر لما قدم
الجابية .
وقال ابن إسحاق: أول من قدم المدينةَ مُهاجرًا أبو سَلَمة بن
عبدالأسد، وبعده عامر بن ربيعة.
وقال الواقديُّ: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمانَ بأيَّام. وكان
لزم بيته؛ فلم يشعر النَّاس إلاَّ بجنازته قد أُخْرجَت .
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، أنَّ
أباه أُتي في المنام، حين طعنوا على عثمان، فقيل له: ((قُم فَسَلِ اللهَ أنْ
يُعيدك من الفتنة)).
قيل: تُوفي قبل مَقْتل عثمان بيسير(١).
ت ق: عبدالله بن وَهْب بن زَمْعة بن الأسود بن المطلب بن أسد
القُرشيُّ الأسديُّ.
وأُمُّه قريبة أخت أمِّ سَلَمَة أمِّ المؤمنين. قيل: له صُحبة. والأصحُ أنَّه
لا صُحبة له. روى عنه عُرْوة، وغيره. وقُتل يوم الدَّار مع عثمان(٢).
ن ق: عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبدالله المَخْزُوميُّ.
والد الشاعر المشهور عمر، وأخو عياش. كان اسمه بَحيرًا، فسمَّاه
النبيُّ مَّه عبد الله. وكان أحدَ الأشراف، ومن أحسن النَّاس صورةً. وهو
الذي بَعَثَتَه قريشٌ مع عمرو بن العاص إلى النَّجَاشي لأذِّية مُهَاجرة الحَبَشة .
ثم أسلمَ وحسن إسلامُه .
ولَه رسولُ اللهِ إِّ الجَنَد(٣) ومَخَاليفَهَا، فبقيَ فيها إلى أيَّام فتنة
عثمان، فجاء لينصُره، فوقع عن راحلته فمات بقرب مكة.
وقد استقرض منه النبيُّ بِ لّ أربعين ألفًا، فأقرضه. له حديث عند
حفيده إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله، عن أبيه (٤).
(١) من تهذيب الكمال ١٤/ ١٧ - ٢٠.
(٢) من تهذيب الكمال ١٦/ ٢٧٣ - ٢٧٦ .
(٣) بلد باليمن بين عدن وتعز.
(٤) هو عند ابن ماجة (٢٤٢٤)، والنسائي ٣١٤/٧، فانظره.
٢٥٦

الواقديُّ: حدثنا كثير بن زيد، عن المُطَّلب بن حَنْطب، قال: قال لهم
عمر: إنَّ هذا الأمر لا يصلحُ للظُّلَقاء، فإن اختلفتُم فلا تظنُّوا عبدالله بن أبي
ربيعة عنكم غافلاً .
الواقديُّ: عن رجل أنَّ عبدالله بن أبي ربيعة، قال: أدخلُوني معكم في
الشُّورى فلا يعدمكم منّي رأيٌ. قالوا: لا تدخل معنا. فقال: إنْ بايعتُم لعليٍّ
سمِعْنا وعصينا، وإنْ بايعتم لعثمان سمِعْنا وأطَعْنا .
ولمّا حُصر عثمان، أقبل عبدالله مسرعًا ينصره من صَنْعاء. فلقيه
صَفْوانُ بن أُميَّة على فَرَس وهو على بغلة فجفلت من الفَرَس، فطرحت
عبدالله فكسرت فَخِذَه، فوُضَع في سريرٍ، ثم جَهَّزَ ناسًا كثيرة في الطلب بدم
عثمان(١) .
عثمان (٢) بن عفّان بن أبي العاص بن أُميّة بن عبدشمس، أمير
المؤمنين، أبو عَمْرو، وأبو عبد الله، القُّرَشِيُّ الأَمَويُّ.
روى عن النَّبِيِّ ◌َّة، وعن الشَّيْخَيْن.
قال الدَّاني: عرض القرآنَ على النَّبِيِّ ◌َ﴾. وعرض عليه أبو عبدالرحمن
السُّلَمِيّ، والمُغِيرة بن أبي شهاب، وأبو الأسود، وزِرّ بن حُبَيْش.
روى عنه بنوه: أبان وسعيد وعَمْرو، ومَوْلاه حُمران، وأنَس، وأبو
أُمَامَة بن سهل، والأحنف بن قيس، وسعيد بن المسيّب، وأبو وائل،
وطارق بن شهاب، وعلقَمَة، وأبو عبدالرحمن السُّلَمِيّ، ومالك ابن أوس
ابن الحَدَثَان، وخلقٌ سواهم .
أحد السَّابقين الأوَّلين، وذو النُّورَيْن، وصاحب الهجرتَين، وزوج
الابنتين. قَدِمَ الجابيةَ مع عمر. وتزوّجِ رُقَيَّةَ بنت رسولِ الله ◌َّ قبل
المبعث، فولدت له عبدالله، وبه كان يُكْنَى، وبابنه عَمْرو .
وأُمّه أروى بنت كُرَيْز بن حبيب بن عبد شمس، وأُمُّها البيضاء بنت
عبدالمطلب بن هاشم. فهاجر برُقَيَّة إلى الحَبَشة، وخَلْفَه النّبيُّ ◌َ عليها في
(١) ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٢) تهذيب الكمال ٤٤٥/١٩، والجزء الخاص به من ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (تحقيق
صديقتنا الفاضلة العالمة سكينة الشهابية).
تاريخ الإسلام ٢/ م١٧
٢٥٧

بالله
غَزْوَة بَدْر ليداويها في مَرَضها، فتُؤُفِّيَّت بعد بدْرِ بليالٍ، وضرب له النَّبيُّ
بسهمه من بَدْر وأجْره، ثمّ زوَّجَه بالبنت الأخرى أمّ كلثوم .
ومات ابنه عبدالله، وله ستُّ سنين، سنة أربع من الهجرة.
وكان عثمان فيما بَلَغَنا لا بالطَّويلِ ولا بالقَّصير، حَسَنَ الوجْه، كبير
اللِّخية، أسمر اللَّوْن، عظيم الكِراديسَ، بعيد ما بين المَنْكِبَيْنِ، يَخْضِب
بالصُّفْرَة، وكان قد شدَّ أسنانه بالذَّهَب.
وعن أبي عبدالله مولى شدّاد، قال(١): رأيتُ عثمان يخطب، وعليه إزارٌ
غليظ ثَمَنُهُ أربعة دراهم، ورَيْطة(٢) كوفيّة مُمَشَّقَة، ضَرِب(٣) اللّحْم - أي
خفيفه - طويل اللّخية، حَسَن الوجْه .
وعن عبدالله بن حَزْم، قال: رأيتُ عثمان، فما رأيتُ ذَكَراً ولا أُنثَى
أحْسَنَ وجهاً منه(٤) .
وعن الحسن(٥)، قال: رأيته وبوجهه نَكَتات جُدَرِيٍّ، وإذا شَعره قد كسا
ذِرَاعَيْه .
وعن السّائب(٦)، قال: رأيته يصفِّر لحيّتَه، فما رأيتُ شيخاً أجملَ منه.
وعن أبي ثَوْرِ الفَهْمِيِّ، قال (٧): قدِمْتُ على عثمان، فقال: لقد اختبأتُ
عند ربِّي عشراً: إنِّي لَرابع أربعةٍ في الإسلام، وما تعتَّيْتُ ولا تمنَيْتُ(٨)، ولا
وضعتُ يميني على فرجي منذ بايعتُ بها رسولَ الله ◌ِّل، ولا مرَّتِ بي جُمُعَةٌ
منذ أسلمتُ إلّ وأنا أُعْتِقُ فيها رَقَبَةً، إلاّ أنْ لا يكونَ عندي فَأُعْتِقُها بعد
ذلك، ولا زَنَيْتُ في جاهليّةٍ ولا إسلام قطّ .
(١) المعجم الكبير للطبراني (٩٢).
(٢)
الريطة : المنديل.
(٣) ويروى بسكون الراء أيضاً.
المعجم الكبير للطبراني (٩٤).
(٤)
هو الحسن البصري، ورواه عبدالله في زياداته على مسند أبيه ٢/ ٥٣٧ .
(٥)
(٦) هكذا قال، والمحفوظ أنه من رواية محمد بن السائب عن أمه (وليس عن أبيه)، كما
في تاريخ دمشق ١٩ .
(٧) المعرفة ليعقوب ٤٨٨/٢ .
(٨) أي: ما عصيتُ ولا كذبتُ.
٢٥٨

وعن ابن عمر، أنَّ رسول الله مَ ◌ّهِ قال(١): ((إنّا نُشَبِّه عثمانَ بأبينا إبراهيم
◌َى اللّه
وعن عائشة نحوه (٢) إِنْ صَخًا(٣).
وعن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ََّ أَتى عثمانَ عند باب المسجد،
فقال: ((يا عثمان هذا جبريل يُخْبرني أنَّ الله زوَّجك أُمَّ كُلْثُوم بمثل صَدَاق
رُقَيَّةَ، وعلى مثل صُحْبتها)). أخرجه ابن ماجة (٤).
ويُرْوَى عن أنَس أو غيره، قال: قال رسولُ اللهِ مَّ: ((ألا أبو أَيُّم، ألا
أخو أَيِّم يُزَوِّج عثمان، فإنّي قد زوّجْتُهُ ابنتين، ولو كان عندي ثالثة لَزَوَّجْتُه
وما زوَّجْتُهُ إلاّ بوحْي من السّماءِ))(٥).
وعن الحَسَنَ، قال: إنّما سُمَِّ عثمانُ ((ذا النُّورَين)) لأنَّا لا نعلمُ أحداً
أغلق بابَه على ابنتي نبيٌّ غيره(٦).
وروى عطيّة، عن أبي سعيد، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِ له رافعاً يديه
يدعو لعثمان (٧) .
وعن عبد الرحمن بن سَمُرَة، قال: جاء عثمان إلى النَّبِيِّ مَّ بألف دينارٍ
في ثوبه، حين جهّزِ جيشَ العُسْرَة، فصبَّها في حِجْرِ النَّبِيِّ بَلَّ، فجعل يقلِّبها
بيده ويقول: ((ما ضَرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم)). رواه أحمد في ((مُسْنَدِه))،
وغيره(٨) .
وفي ((مُسْنَد أبي يَعْلَى))، من حديث عبدالرحمن بن عَوْف، أنّه جهّز
(١) الكامل لابن عدي ٣/ ٢٨٢ وإسناده ضعيف.
(٢)
في المصدر السابق .
(٣) ولا يصحان.
ابن ماجة (١١٠)، وهو حديث ضعيف أيضاً.
(٤)
(٥) حديث ضعيف مثل سابقه. أخرجه ابن عساكر (٣٩)، وقال: ((وذكر أنس فيه غير
محفوظ)). وقد ساقه من طرق أخرى موصولاً ومرسلاً، وكلها طرق ضعيفة .
(٦) أخرجه ابن عساكر ٤٥ .
(٧) أخرجه ابن عساكر ٤٨-٤٩، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.
(٨) أحمد ٦٣/٥، والترمذي (٣٧٠١).
٢٥٩

جيش العُسْرَة بسبع مئة أوقيّةٍ من ذَهَب(١).
وقال خُلَيْد، عن الحَسَن، قال: جهّز عثمان بسبع مئة وخمسين ناقة،
وخمسين فرساً، يعني في غزْوة تَبُوك(٢).
وعن حَبَّةَ العُرَنيّ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله بَّهِ: ((رحِم اللهُ عثمانَ
تسْتَخييه الملائكة)»(٣) .
وقال المُحارِبِيُّ، عن أبي مسعود، عن بِشْر بن بشير الأسلميّ، عن
أبيه، قال: لما قدِم المهاجرون المدينةَ استنكروا الماء، وكانت لرجلٍ من
بني غِفار عينٌ يقال لها رُومة، وكان يبيع منها القِرْبَة بمُدٍّ، فقال رسولَ الله
وَلّ: (تبيعها بعينِ في الجنَّة))؟ فقال: ليس لي يا رسولَ الله عينٌ غيرها، لا
أستطيع ذلك. فبلغ ذلك عثمانَ، فاشتراها بخمسةٍ وثلاثين ألف دِرْهم، ثمّ
أتى النَّبِيَّ ◌َّهَ فقال: اتجعلُ لي مثل الذي جعلتَ له عيناً في الجنّة إنٍ
اشتريتُها؟ قال: ((نعم)). قال: قد اشتريتُها وجعلتُها للمسلمين (٤).
وعن أبي هريرة، قال: اشترى عثمان من رسول الله مَ ◌ّ الجنَّةَ مرَّتين:
يوم رُومة، ويوم جيشِ العُسْرَة(٥) .
وقالت عائشة: كان رسولُ الله مَّر مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فَخِذيه
أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، ثمّ عمر، وهو على تلك الحال فتحدَّثا، ثمّ
استأذن عثمان، فجلس رسولُ الله ◌َِّ وسوَى ثيابَه، فدخل فتحدَّثَ، فلمَّا
خرجٍ قلتُ: يا رسول الله دخل أبو بكر، فلم تجلسْ له، ثم دخل عمر، فلم
تَهَشَّ له، ثمّ دخل عثمان فجلستَ وسوَّيْتَ ثيابَك، قال: ((ألا أستحيي من
رجل تستحيي منه الملائكةُ))؟ رواه مسلم(٦).
(١) أخرجه ابن عساكر ٦١ .
(٢) أخرجه ابن عساكر (٦٦) من طريق الوليد بن مسلم، عن خليد - وهو ابن دعلج
السدوسي - وهو ضعيف.
(٣) أخرجه ابن عساكر ٦٧ .
(٤) أخرجه ابن عساكر ٦٨ .
(٥) أخرجه الحاكم ١٠٧/٣، وابن عساكر ٦٩.
(٦) مسلم ١١٦/٧. وهو عند أحمد ٦٢/٦، والبخاري في الأدب المفرد (٦٠٣).
٢٦٠