النص المفهرس
صفحات 221-240
صدري إلاَّ قد صَبَيْتُهُ في صدرِ مالك بن ضَمْرَة. أبو إسحاق السبيعي، عن هانىء بن هانىء، سمع عليًّا يقول: أبو ذَر وعاءٌ مُلىء عِلْمًا، ثم أُوكيَ عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قُبض (١). شَريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، قال قال رسولُ الله ◌َّ: ((أُمرَتُ بِحُبِّ أربعةٍ لأنَّ الله يحبُّهم: علي، وأبي ذَرٍّ، وسلمان، والمقداد)). أبو ربيعة هذا خرَّج له أبو داود وغيره، قال أبو حاتم(٢): مُنكر الحديث. عبدالحميد بن بهرام: حدثنا شَهْر، قال حدثتني أسماء، أنَّ أبا ذَرٍّ كان يخدم النبيَّ مَّ، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد، وكان هو بيته، فدخل النبيُّ مَّ المسجدَ ليلةً فوجده نائمًا، فنَكتَه برجله، فجلس فقال له : ((ألا أراك نائمًا))؟ قال: فأين أنام؟ فجلس إليه رسولُ الله ◌ِّ فقال: ((كيف أنت إذا أخرجوك منه))؟ قال: ألحقُ بالشام. قال: ((كيف أنتَ إذا أخرجوكَ منها))؟ قال: إذًا أرجع إلى المسجد فيكون بيتي ومنزلي. قال: فكيف أنتَ إذا أخرجوك منه الثانية؟ قال: إذًا آخُذُ سيفي فأقاتل حتى أموتَ. قال: فكشر إليه رسولُ الله ◌ٍِّ وقال: ((أدُلُّك على خيرِ من ذلك: تنقادُ لهم حيث قادوك حتى تلقاني وأنتَ على ذلك)). أخرجه الإمام أحمد(٣). الأوزاعيُّ قال: حدثني أبو كثير، عن أبيه، قال: أتيتُ أبا ذرٍّ، وقد اجتمعوا عليه عند الجَمْرة الوُسطى يستفتونه، فأتاه رجلٌ فقال: ألم يَنْهَك أميرُ المؤمنين عن الفُتيا. فرفع رأسه وقال: أرقيبٌ أنت عليَّ! لو وضعتم الصَّمْصامة على هذه، ثم ظَننتُ أني أُنْفِذ كلمةً سمعتُها من رسول الله وسـ قبل أنْ تُجيزوا عليَّ لأنْفذتُها . رواه غيرُ واحدٍ عن الأوزاعيِّ. واسم أبي أبي كثير مَرْثد، صَدُوق (٤). (١) أخرجه أحمد ٣٥١/٥. (٢) الجرح والتعديل ٦/ الترجمة ٥٧٥ . (٣) مسند أحمد ١٧٦/٥، وهو ضعيف، شهر بن حوشب ضعيف عند التفرد كما بيناه في ((تحرير التقريب))، ولم يتابع . (٤) بل مجهول كما بيناه في ((تحرير التقريب))، وقد خالف المصنف قوله في الميزان = ٢٢١ عن ثَعْلبة بن الحَكَم، عن علي، قال: لم يبق أحدٌ لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذَرٍّ ولا نفسي. ثم ضرب بيده على صدره(١). الجريريُّ، عن أبي العلاء بن الشِّخِّير عن الأحنف، قال: رأيت أبا ذرٍّ قام بالمدينة على ملأ من قُريش، فقال: بَشِّر الكَنَّازِين برَضْفٍ يُحْمى عليه فيوضع على حَلَمة ◌َذْي أحدهم حتى يخرج من نُغْض(٢) كتفه. فما رأيتُ أحدًا ردَّ عليه شيئًا، وذكر الحديث وهو حديث صحيح (٣). ابن لَهِيعة، قال: حدثنا أبو قَبيل، قال: سمعت مالكَ بن عبد الله الزِّيادي يُحدَّثُ عن أبي ذَرٍّ أنه دخل على عثمان، فقال عثمان: يا كعب إنْ عبدالرحمن تُوفي وترك مالاً فما ترى؟ قال: إنْ كان - يعني زكَّى - فلا بأس، فرفع أبو ذُرِّ عصاه فضرب كَعبًا، وقال: سمعتُ رسولَ الله مَ له يقول: ((ما أحبُّ أنَّ لي هذا الجبل ذَهبًا أنفقه ويُتَقبَّلُ مِنِّي أَذَرُ خَلْفي منه ستَّ أواقٍ)). أنشدك الله يا عثمان أسمعته مرارًا؟ قال: نعم (٤). جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحَجَّاج، عن عبدالله بن سيدان، قال: تَناجى عثمان وأبو ذَرٍّ حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسمًا وقال: سامعٌ مُطيعٌ ولو أمرني أنْ آتي عدن. وأمرهُ أنْ يخرجَ إلى الرَّبذَة. الأعمش، عن ميمون بن مهران، عن عبدالله بن سيدان، عن أبي ذَر، قال: لو أمرني عثمان أنْ أمشي على رأسي لمشيتُ. وعن أبي جُوَيرية، عن زيد بن خالد الجُهَني أنَّ أبا ذَرٍّ قال لعثمان: والله لو أمرتني أنْ أحْبُو لَحَبوْتُ ما استطعت . أبو عمران الجَوْني، عن عبدالله بن الصَّامت، قال: قال أبو ذَرٍّ لعثمان: يا أميرَ المؤمنين افتح البابَ لا تحسبني من قومٍ يمرقون من الدِّين ٨٧/٤ فقد قال: ((فيه جهالة)). وابنه أبو كثير اسمه مالك، وهو مقبول عند المتابعة = كما بيناه في ((تحرير التقريب)). (١) تقدم قبل قليل، فأعاده المؤلف هنا . (٢) أي: أعلى الكتف. هو في الصحيحين: البخاري ١٣٣/٢، ومسلم ٧٦/٣ و٧٧ . (٣) (٤) إسناده ضعيف لجهالة مالك بن عبدالله وضعف ابن لهيعة، ومن طريق ابن لهيعة أخرجه أحمد في المسند ٦٣/١ . ٢٢٢ كما يَمْرُقُ السَّهِمُ من الرَّمية، يعني الخوارج. العوَّام بن حَوْشب، قال: حدثني رجل عن شيخ وامرأته من بني ثعلبة، قالا: نزلنا بالرَّبذة، فمرَّ بنا شيخٌ أشْعَث، فقالواً هذا من أصحاب رسولِ اللهِ وَّ. فاستأذنَّاهُ أنْ نَغسلَ رأسه، فأذن لنا واستأنسَ بنا، فبينا نحنُ كذلك إذ أتاه نفرٌ من أهلِ العراق، فقالوا: يا أبا ذَرْ فَعَلَ بك هذا الرجلُ وفعلَ، فهل أنتَ ناصبٌ لَك رايةً؟ فقال: لا تذلُّوا السُّلطان فإنَّه من أذلَّ السُّلطان فلا توبةَ له، واللهِ لو أنَّ عثمانَ صلبني على أطولِ خشبةٍ لسمعتُ وصبرتُ ورأيتُ أنَّ ذلك خيرٌ لي. حُميد بن هلال، عن عبد الله بن الصَّامت، قالت أمُّ ذَرٍّ: والله ما سَيَّر عثمانُ أبا ذرِّ - تعني إلى الرَّبذة - ولكنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّه قال له: ((إذا بلغ البناءُ سَلْعًا فاخرُج منها)). ابن شَوْذب، عن غالب القطَّان، قال: قلتُ: يا أبا سعيد أعثمان أخْرَجَ أبا ذَرِّ؟ قال: معَاذَ الله . أبو سعيد هو الحسن. أبو هلال، عن قَتَادة، عن سعيد بن أبي الحسن، أنَّ أبا ذَرٍّ كان عطاؤه أربعة آلافٍ، فإذا أخذه دعا خادمه فسأله ما يكفيه للسنة فاشتراه، ثم اشترى فَلَوسًا بما بقي، وقال: إنه ليس من وعاءٍ ذَهبٍ ولا فضة يُوكأُ عليه إلاّ وهو يتلظَّى على صاحبه . الأوزاعي، عن يحيى، قال: كان لأبي ذَرٍّ ثلاثون فَرسًا يحمل عليها، فكان يحملُ على خمسةَ عشر منها يغزو عليها ويُريح بقيتها، فإذا رجعت حمل على الخمسة عشر الأخرى. ثابت البُنانيُّ، قال: بنى أبو الدَّرداء مَسْكنًا فمرَّ عليه أبو ذَرٍّ، فقال: ما هذا؟ تَعمرُ دارًا أمرَ اللهُ بخرابها!؟ حسين المُعلِّم، عن ابن بُرَيدة، قال: كان أبو موسى يُكرم أبا ذر، وكان أبو موسى خفيف اللّحم، قصيرًا، وكان أبو ذَرٍّ رجلاً أسود، كثَّ ٢٢٣ الشَّعر، فكان أبو موسى، يقول: مرحبًا بأخي، فيقول: لستُ بأخيك، إنَّما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتعمل(١). قيل: لم يعِش بعده ابن مسعود إلاّ نحو عشر أيام. وقال الجُريرُّ: حدثنا أبو العلاء بن عبدالله، عن نُعيم بن فَعْنَبِ قال: أتيتُ أبا ذَرِّ فجاءت امرأته بثريدةٍ، فقال: كُل فإنِّي صائم. ثم قام يُصلِّي، ثم انْفَتلَ فأكلَ، فقلتُ: إنَّا لله ما كنت أخاف أن تكذبني! قال: ما كذبتُ، إني صمتُ من هذا الشَّهر ثلاثة أيَّامِ، فَكُتب لي أجره وحُلَّ لي الطَّعام. (١) تقدم هذا الخبر. ٢٢٤ سنةٌ ثَلاث وثَلاثين فيها كانت غزوة قُبْرس - قاله ابن إسحاق وغيره - وغزوة إفريقية، وأميرُ النَّاس عبدُالله بن سعد بن أبي سَرْح. قاله اللَّيْث. وفيها قَال خليفة(١): جمع قارن جَمْعاً عظيماً بباذَغِيس وهرَاة، وأقبل في أربعين ألفاً فترك قيسُ بن الهَيْثم البلادَ وهربَ، فقام بأمرِ المسلمين عبدُالله ابن خازم السُّلَميّ، وجمع أربعة آلاف مقاتل، والتقى هو وقارن، ونصره الله وقتل وسَبَى، وكتب إلى ابن عامر بالفتح، فاستعمله ابنُ عامر على خراسان. ثمّ وجَّه ابنُ عامر عبدالرحمن بن سَمُرَة على سجستان، فصالحه صاحب زَرَنْجَ(٢) وبقي بها حتّى حُوصِر عثمان. قال خليفة(٣): وفيها غزا معاوية مَلَطْية وحِصْن المرأة من أرضِ الرُّوم. قال(٤): وفيها غزا عبدُالله بن أبي سَرْح الحَبَشَة، فأصيبت فيها عينُ معاوية بنُ حُدَيْج. وفيها تُوفي : عبدالله بن كعب الأنصاريُّ المازنيُّ . أحد البدريين، ورَّخَه المدائني، وقد تقدَّم ذِكْره في سنة ثلاثين. عبدالله بن مسعود، في قولٍ، وقد تَقدَّمَ . ع: المِْداد بن الأسود الكِنْدِيُّ البَهْرانيُّ . كان في حِجْر الأسود بن عبد يغوث الزُّهري، فيُقال: تبناه، وقيل: كان عبدًا حبشيًّا له فتبنّاه، واسم أبيه عَمرو بن ثَعْلَبة بن مالك من وَلَد الحاف ابن قُضَاعة، وقيل: إنَّه اصاب دمًا في كِنْدة، فهرب إلى مكة، وحالف الأسود بن عبد يغوث. (١) تاريخه ١٦٧ . هي قصبة سجستان . (٢) (٣) تاريخه ١٦٧ . (٤) تاريخه ١٦٨. تاريخ الإسلام ٢/م١٥ ٢٢٥ كان من السَّابقين الأوَّلين، شهد بَدرًا، ولم يصحَّ أنَّه كان في المسلمين فارس يومئذٍ غيره، واختلفوا في الزُّبير . روى عنه عليُّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجُبير بن نُفَير. وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وهَمام بن الحارث، وعُبيد الله ابن عدي بن الخيار، وآخرون. وعاش سبعين سنة، وصلى عليه عثمان . وكان رجلاً آدمَ طُوالاً، أبطن، كثير شعر الرأس، أعْيَنَ، مقرون الحاجبين. وكان يوم فتح مكة على مَيْمَنة النبيِّ صَلى الله وقال ابن عَوْن، عن عُمير بن إسحاق، عن المِقْداد: إنَّ رسول الله مَهَاوَالله بعثه مبعثًا، فلما رجع قال: كيف وجدتَ الإمارة؟ قلتُ: يا رسولَ الله ما ظننتُ إِلاَّ أَنَّ النَّاسَ كلَّهم لي خَوَلٌ، والله لا ألي على عملٍ ما عشتُ(١). وقال ثابت البُناني: كان عبدالرحمن والمِقْداد يتحدَّثان، فقال له ابنُ عَوْف: ما لك لا تَزَوَّج. قال زوِّجني بنتك. قال: فأغلظ عليه وأحنقه، فشكا إلى رسولِ الله ◌ََّ فعرف الغمَّ في وجهه، فقال: ((لكنِّي أزوجك ولا فَخْر)). فزوَّجه بابنة عمِّه ضُباعة بنت الزُبير بن عبد المطلب، فكان بها من الجمال والعقل والتمام مع قَرَابتها من رسول الله ◌َِّ(٢). وعن بُرَيدة، قال: قال رسول الله ◌َّ: ((أمرني الله بحبِّ أربعةٍ: علي، وأبي ذَر، وسَلْمان، والمِقْداد)). رواه أحمد في ((مسنده)(٣). وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله مَ﴾: ((الجنَّةُ تشتاقُ إلى أربعة)» فذكرهم. إسناده ضعيف . (١) إسناده ضعيف، عمير بن إسحاق مقبول عند المتابعة وإلا فضعيف، ولم يتابع، وأخرجه الحاكم وصححه على عادته ٣٤٩/٣ - ٣٥٠، وأبو نعيم في الحلية ١٧٤/١. (٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٦٢/٣، وهو مرسل، ثابت البناني لم يدرك النبي ولم يسمع من المقداد ولا عبد الرحمن. (٣) أحمد ٣٥١/٥ و٣٥٦، وهو حديث ضعيف، في إسناده شريك سيء الحفظ ولم يتابع، وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الحديث (٣٧١٨) من جامع الترمذي. ٢٢٦ وعن كريمة بنت المِقْداد أنَّ المقداد أوصى للحسن والحُسين لكل واحدٍ منهما بثمانية عشر ألف دِرْهم، وأوصى لأمَّهاتِ المؤمنينَ لكلِّ واحدةٍ بسبعة آلاف درهم. وعن أبي فائد، أنَّ المِقْداد بن عَمرو شرب دُهْنَ الخِرْوَعِ فمات. وقيل: إنَّه مات بالجُرْف على ثلاثةِ أميال من المدينة، ودُفن بالبقيع(١). (١) ينظر تهذيب الكمال ٤٥٢/٢٨ - ٤٥٧. ٢٢٧ سنَةً أربَعٍ وثلاثين فيها وثب أهلُ الكوفة على أميرهم سعيد بن العاص فأخرجوه، ورضوا بأبي موسى الأشعريٍّ، وكتبوا فيه إلى عثمان فولاَهُ عليهم، ثُمَّ إنَّه بعد قليل ردَّ إليهم على الإمْرة سعيدَ بنَ العاص، فخرجوا ومنعوه . وفيها كانت غزوة ذات الصَّواري في البحر من ناحية الإسكندرية وأميرُها ابن أبي سَرح. وفيها تُوفي : إياس بن أبي البُكَير بن عبد يا ليل الكِنانيُّ، حليف بني عدي. كان من المهاجرين، شهد بدرًا هو وإخوته: خالد، وعاقل، وعامر، ولم يشهد بدرًا إخوةٌ أربعةٌ سواهم، وقد شهد إياس فتحَ مصر . وأخوه عاقل بن البُكَير، ويقال: ابن أبي البُكَير، كأنَّه كان يُكَنى باسمه. قُتلَ ببدر؛ قال ابن سعد (١): كان اسمُ عاقل ((غافلاً)) فغيَّرِه النبيُّ وَ ثِير. وكان أبو معشر والواقدي يقولان: ابن أبي البُكَير. وكان موسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وابن الكلبيِّ يقولون: ابن البكير. وعن يزيد ابن رُومان أنَّ الإخوة الأربعة أسلموا في دار الأرقم. ع: عُبادة بن الصَّامت بن قيس بن أصرم، أبو الوليد الأنصاريُّ الخزرجيُّ. أحد النُّقباء ليلة العَقَبة. شهد بدرًا والمشاهدَ، ووليَ قضاءَ فلسطين، وسكن الشام. روى عنه أبو أُمامَة، وأنس بن مالك، وجُبير، وحِطَّان بن عبد الله الرَّقاشيُّ، وأبو الأشعث شَرَاحيل الصَّنْعاني، وأبو إدريس عائذ الله الخَوْلاني، وخَلَق سواهم . وكان فيما بَلَغنا رجلاً طُوالاً جسيمًا جميلاً، تُوفي بالرَّمْلة، ويقال: تُوفِي ببيت المَقْدِس . (١) طبقاته ٣٨٨/٣. ٢٢٨ وقال محمد بن كعب القُرَظي: جمع القرآن في زمن النبيِّ مَ ﴿ خمسةٌ من الأنصار: مُعاذ، وأُبي، وأبو أيوب، وأبو الدَّرداء، وعُبادة، فلمَّا استُخلف عمر، كتبٍ يزيدُ بن أبي سُفيان إليه: إنَّ أهلَ الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يُعَلِّمُهُم القرآن ويُفَقِّهُهُم، فقال: أعينوني بثلاثة. فخرج مُعاذ، وأبو الدَّرداء، وعُبادة . وروى إسحاق بن قَبِيصة بن ذُؤَيْب عن أبيه، أنَّ عُبادة بن الصَّامت أنكر على معاوية شيئًا، فقالَ: لا أُساكنُكَ بأرضٍ، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقْدَمَك؟ فأخبره بفعلٍ معاوية، فقال له: ارْحَل إلى مكانك فقبَّح اللهُ أرضًا لستَ فيها وأمثالك، فلاَ إمرةً له عليكَ. وقال عُبادة: بايَعْنَا رسولَ الله مََّ على السَّمع والطّاعة، وأنْ نقوم بالحَقِّ حيثُما كُنَّا لا نخافُ في الله لومة لائم(١). وفي (مُسند أحمد))(٢) من حديث إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، قال: كتب معاويةُ إلى عثمانَ: إن عُبادة قد أفسد عليَّ الشامَ وأهله، فإما أنْ يكفّ، وإما أنْ أُخَلِّي بينه وبين الشَّام. فكتب إليه أنْ رَحِّل عُبادة حتى تَرُدَّه إلينا. قال: فدخل على عثمان فلم يَفْجأه إلا به وهو معه في الدار، فالتفت إليه فقال: يا عُبادة مالنا ولك؟ فقام عُبادة بين ظَهْرَي الناس فقال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّ يقول: ((سَيَلي أموركم بعدي رجالٌ يُعرِّفونِكم ما تُنكرُّون، ويُنكرُون عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى، ولا تَضِلُّوا بربكم)). وقال الهيثم بن عدي وحده: إن عُبادة تُوفي سنةَ خمسٍ وأربعين، ولا مُتابع له. وقال جماعةٌ: إنه تُوفي سنة أربع وثلاثين (٣) . (١) أخرجه البخاري ٦٩/٩، ومسلم ٦/ ١٦ من طريق الوليد بن عبادة عن أبيه، به. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة، الحديث (٢٨٦٦). (٢) مسند أحمد ٣٢٥/٥، وإسناده ضعيف، فإن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة مقبول حيث يتابع وإلا فضعيف، ولم يتابع. وأيضًا فإن في إسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا منها . (٣) ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٨٣ - ١٨٩. ٢٢٩ كعب الأحبارِ تُوفي فيها، قاله شُريحٍ بِن عُبيد، وقد تقدَّم. مِسْطح بن أَثَاثَة بن عَبَّاد بن المُطّلب بن عبد مَنَافِ المُطَّلبي، المذكور في حديث الإفْك. شَهِدَ بَدْرًا والمشاهدَ بعدها، وكان فقيرًا يُنفقُ عليه أبو بكر الصُّدِّيق. قال ابن سعد: كان قصيرًا شئن الأصابع، غائر العينين، عاش ستًّا وخمسين سنة(١). أبو سُفيان بن حَرْب، فيما قاله المدائني، وقد تقدَّم. ع: أبو طلحة الأنصاريُّ، واسمه زيد بن سهل بن الأسود، أحد بني مالك بن النَّجَّار. كان من الثُّقباء ليلةَ العَقَبة. شهد بَدْرًا والمشاهدَ بعدها. روى عنه ابن زوجته أنس بن مالك، وزيد بن خالد الجُهنيُّ، وابنه عبدالله بن أبي طَلحة، وابن عباس، وغيرهم. وسرد الصَّوم بعد النّبِيِّ مََّ، وغزا بحرَ الشَّام فمات فيه في السَّفينة، وقيل: تُوفي بالمدينة، وصلّى عليه عثمان. قال رسولُ الله ◌َّ: ((صوتُ أبي طلحة في الجيش خيرٌ من فئة))(٢). وقال أنس: قَتَلَ أبو طَلحة يوم حُنَين عشرين رجلاً وأخذ أسلابهُم، وكان أكثرَ الأنصار مالاً . وقال عليٍّ بن زيد: سمعت أنسًا يقول: كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسولِ الله ◌ٍَّ وينثر كِنَانتَهُ ويقول: وجهي لوجهكَ الوقاء، ونفسي لنفسك الفِداء(٣) . قال ابن سعد(٤): كان آدم مربوعًا لا يُغَيِّرُ شَيْبه . (١) قول ابن سعد هذا ليس في المطبوع من طبقاته، والطبعة، كما هو معروف، ناقصة . (٢) أخرجه أحمد ٢٠٣/٣، وعبد بن حميد (١٣٨٤) من طريق ثابت عن أنس، وإسناده صحیح . (٣) علي بن زيد بن جدعان ضعيف، أخرجه أحمد ١١١/٣ و١١٢، والبخاري في الأدب المفرد (٨٠٢)، من طريق علي بن زيد، به . (٤) طبقاته ٣ / ٥٠٧ . ٢٣٠ وعن أنس، قال: كان أبو طلحة يأكل البَرَد وهو صائم ويقول: ليس بطعام ولا شراب. إسناده صحيح(١). وقال عليُّ بن زيد بن جُدعان، عن أنس قال: قرأ أبو طلحة ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة ٤١] فقال: ما استمع الله عُذرَ أحد، فخرج إلى الغَزْو وهو شيخ كبير . وصحَّ عن أنس أنَّه غزا البحرَ فمات، فلم يجدوا جزيرةً إلاّ بعد سبعة أيَّام، فدفنوه ولم يتغيَّر. وقال أنس: إنَّ النبيَّ مَّ حلق رأسه وأعطى شقَّ رأسه أبا طلحة(٢). وقد أبلى أبو طلحة بلاءً عظيمًا يوم أُحُد كما تقدَّم. قال الواقديُّ، والمدائنيُّ وجماعة: تُوفي سنة أربع وثلاثين. وقال خليفة(٣): سنة اثنتين وثلاثين (٤). خ ت ن: أبو عبس بن جَبْر بن عمرو الأنصاريُّ الأوسيُّ. اسمه على الأصح عبدالرحمن، وكان اسمه عبدالعُزَّى، فغيَّره رسولُ الله ◌ِّ. وكان من قَتَلة كعب بن الأشرف اليهودي. شهِد بَدرًا وغيرها. روى عنه ابنه زيد، وحفيده أبو عَبْس بن محمد، وعَبَاية بن رفاعة، وغيرُهم . وتُوفي بالمدينة، وصلَّى عليه عثمان(٥). وفيها ولد زين العابدين علي بن الحُسين . (١) أخرجه عبدالله بن أحمد فى زيادته على مسند أبيه ٢٧٩/٣، وهو موقوف، وهو اجتهاد منه تفرَّد رضي الله عنه به، والجمهور على خلافه . (٢) أخرجه مسلم ٨٢/٤، وخرجناه مطولاً في تعليقنا على الترمذي (٩١٢). (٤) ينظر تهذيب الكمال ٧٥/١٠ - ٧٧. (٣) تاريخه ١٦٦ . (٥) ينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٦ - ٤٧ . ٢٣١ سنة خمس وثلاثين فيها غزوة ذي خُشُب، وأمير المسلمين عليها معاوية(١). وفيها حجَّ بالنَّاسِ وأقام الموسَم عبدُالله بن عباس. (مقتل عثمان) وفيها مَقْتَلُ عثمان رضي الله عنه (٢): خرج المصرّيون وغيرُهم على عثمان وصاروا إليه ليخلعوه من الخلافة . قال إسماعيل بن أبي خالد: لمّا نزل أهل مصر الجُحْفَة، وأَتَوْا يعاتبون عثمانَ صعِد عثمانُ المِنْبَر، فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عنّي شرّاً: أَذَعْتُمُ السَّيِّئَةَ وكتمتم الحَسَنَة، وأغريتم بي سُفَهاءَ النّاس، أيُّكُم يذهب إلى هؤلاء القوم فيسألهم ما نقموا وما يريدون؟ قال ذلك ثلاثاً ولا يُجيبه أحد. فقام عليٍّ فقال: أنا. فقال عثمان: أنت أقربهم رَحِماً. فأتاهم فرحَّبوا به، فقال: ما الذي نَقَمْتُم عليه؟ قالوا: نَقَمْنا أنّه محا كتابَ الله - يعني كونه جمع الأمَّة على مُصْحَفٍ-، وحمى الحِمَى، واستعمل أقرباءه، وأعطى مروانَ مئة ألف، وتناولَ أصحابَ رسولِ الله ◌ِ له. قال: فردَّ عليهم عثمان: أمَّا القرآنُ فمن عند الله، إنَّما نهيتكم عن الاختلافِ فاقرؤوا عَلَى أيِّ حرفٍ شئتم، وأمّا الحِمَى فَوَاللهِ ما حميته لإبلي ولا لغَنَمي، وإنّما حَمَيْتُهُ لإِبِل الصَّدَقَة. وأمَّا (١) هكذا في النسخ وهو وهم بَيّن، فالعبارة غير مستقيمة ولا تصح، فذي خُشب موضع معروف بالقرب من المدينة المنورة، فأي غزوة هذه التي تأمَّر فيها معاوية؟! وإنما كان في هذه السنة نزول المتآمرين على عثمان من أهل مصر هذا الموضع، قال الطبري في مفتتح سنة خمس وثلاثين من تاريخه: ((فمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصر ذا خُشُب، حدثني بذلك ... عن أبي معشر قال: ذو خشب سنة خمس وثلاثين، وكذلك قال الواقدي)) (٣٤٠/٤). (٢) استوعب حافظ الشام أبو الحسن ابن عساكر ترجمة عثمان ومقتله في تاريخه لمدينة دمشق، ومنه أفاد المؤلف، فلم نر كبير فائدة في الإشارة إليه في جميع النصوص، إلا عند الضرورة، فمن أراد استزادة، فليراجعه . ٢٣٢ قولُكم: إنّي أعطيتُ مروانَ مئة ألفٍ، فهذا بيتُ مالِهِم فليستعملوا عليه مَنْ أحبَّوا. وأمّا قولكم: تناول أصحابَ رسولِ الله ◌َِّ. فإنَّما أنا بشرٌ أغضبُ وأرضى، فمن اذَّعَى قِبَلي حقّاً أو مَظْلمَةً فها أنا ذا، فإنْ شاء قَوَداً وإنْ شاء عَفْواً. فرضي النَّاسُ واصطلحوا ودخلوا المدينة. وقال محمد بن سعد (١): قالوا: رحل من الكوفة إلى المدينة: الأشتر النَّخَعِيّ - واسمه مالك بن الحارث -، ويزيد بن مُكِنِف (٢)، وثابت بن قيس، وكُمَيل بن زياد، وزيد، وصعصعة ابنا صُوحان، والحارث الأعور، وجُنْدُب ابن زُهَير، وأصفر بن قيس، يسألون عثمانَ عزْلَ سعيد بن العاص عنهم. فرحل سعيد أيضاً إلى عثمان فوافقهم عنده، فأبى عثمانُ أن يعزله. فخرج الأشترُ من ليلته في نفرٍ، فَسَرَى(٣) عشراً إلى الكوفة واستولى عليها وصعد المنبر، فقال: هذا سعيد بنِ العاص قد أتاكم يزعم أنَّ السَّواد بستان لأُغَيلِمَةِ من قريشٍ، والسَّواد مساقِطَ رؤوسِكم ومراكزُ رِماحِكم، فَمَنْ كان يرى الله عليه حقاً فلْيَنهض إلى الجَرَعة (٤). فخرج النَّاسُ فعسكروا بالجَرَعَة، فأقبل سعيد حتى نزل العُذَيب (٥)، فجهَّز الأشترُ إليه ألفَ فارسِ مع يزيد بن قيس الأرحبيِّ، وعبدالله بن كِنَانَة العبْدِيِّ، فقال: سِيرُوا وأزعِجاه وأَلْحِقاه بصاحبه، فإنْ أَبَّى فاضْرِبا عُنُقَه. فَأَتَيَاهُ، فلمَّا رأى منهما الجدَّ رجع. وصعد الأشترُ منبرَ الكوفة، وقال: يا أهل الكوفة ما غضبتُ إلّ لله ولكم، وقد ولَّيت أبا موسى الأشعريَّ صلاتكم، وحُذَيْفَةَ بنَ اليَمَان فَيْئَكُمْ، ثُمَّ نزلَ وقال: يا أبا موسى اصعَدْ. فقال: ما كنتُ لأفعل، ولكنْ هَلُمُوا فبايعوا الأميرِ المؤمنين وجَدِّدوا البيعةَ في رِقابكم، فأجابه النَّاسُ. وكتب إلى عثمان بما صنع، فأعجب عثمان، فقالَ عُتْبَة بن الوعل شاعر أهل الكوفة: تصدَّقْ علينا يا ابن عفّان واحتسِبْ وأَمِّرْ علينا الأشْعَرِيَّ لَيالِيا (١) طبقاته ٣٣/٥. في طبقات ابن سعد: ((مكفّف)) وما أثبتناه مجود في النسخ كافة . (٢). (٣) في طبقات ابن سعد: ((فسار)) وما أثبتناه من النسخ، وهو الأصح. (٤) موضع قرب الكوفة . موضع بين القادسية والمغيثة . (٥) ٢٣٣ فقال عثمان: نعم وشهوراً وسنين إنْ عِشْتُ، وكان الذي صنع أهل الكوفة بسعيد أول وهْنِ دخل على عثمان حين اجتُرِىء عليه . وعن الزُّهْرِيّ(١)، قال: وَلِيَ عثمان، فعمل ستَّ سِنين لا ينقمُ عليه النَّاسُ شيئاً، وإنَّه لأحبُّ إليهم من عمر، لأنَّ عمرَ كان شديداً عليهم، فلَمّا ولِيَهم عثمانُ لاَنَ لهم ووَصَلَهم، ثمّ إنَّه توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السِّتِّ الأواخرِ، وكتب لمروان بخُمْسِ مصر أو بخُمْس إفريقية، وآثر أقرباءه بالمال، وَتأوّل في ذلك الصِّلةَ التي أمرَ اللهُ بها، واتَّخَذَ الأموالَ، واستسلفَ من بيتِ المال، وقال: إنَّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنِّي أخذته فقسَمته في أقربائي، فأنكر النَّاسُ عليه ذلك. قلتُ: وممّا نقموا عليه أنَّه عزل عُمَيْر بن سعد عن حمص، وكان صالحاً زاهداً، وجمع الشامَ لمعاويةَ، ونزعٍ عَمْرو بن العاص عن مصر، وأمَّرَ ابنَ أبي سَرْحٍ عليها، ونزع أبا موسى الأشعريّ عن البصرة، وأمَّرَ عليها عبدَالله بن عامر، ونزع المُغِيرة بن شُعْبة عن الكوفة وأمَّرَ عليها سعيد بن العاص . وقال القاسم بن الفضل: حدثنا عَمْرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجَعد، قال: دعا عثمانُ ناساً من الصَّحابة فيهم عمَّار. فقال: إنِّي سائِلَكم وأحبُّ أَنْ تَصْدُقُوني: نَشَدْتُكُم الله أتعلمون أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾﴾. كان يُؤثر قريشاً على سائر النَّاس، ويؤثرُ بني هاشم على سائر قريش؟ فسكتوا، فقال: لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتُها بني أُميَّة حتّى يدخلوها . وعن أبي وائلِ أنَّ عبد الرحمن بن عَوْفٍ كان بينه وبين عثمان كلامٌ، فأرسل إليه: لِمَ فَرَرْتَ يومٍ أُحُد وتخلَّفْت عن بدْر وخالفتَ سُنَّةَ عمر؟ فأرسل إليه: تخلَّقْت عن بدْرٍ لأنّ بنتَ رسولِ الله ◌ِ لّ شغلتني بمرضها، وأمّا يوم أُحُد فقد عفا الله عنّي، وأمّا سُنَّةُ عمر فَوَاللهِ ما استطعتها أنا ولا أنتَ. وقد كان بين عليٍّ وعثمان شيءٌ فمشى بينهما العبّاس، فقال عليّ: واللهِ لو أمرني أن أخرج من داري لفعلت، فأمّا أُدَاهِنُ أنْ لا يُقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل . (١) طبقات ابن سعد ٦٤/٣. ٢٣٤ وقال سيف بن عمر (١)، عن عطيّة، عن يزيد الفَقْعَسِيّ(٢)، قال: لمَّا خرج ابنُ السَّوداء(٣) إلى مصر نزل على كِنانة بن بِشْر مرَّةً، وعلى سُؤْدان بن حُمرانِ مَرَّة، وانقطع إلى الغافقيّ فشجَّعه الغافقيُّ فتكلّمَ، وأطاف به خالد ابن مُلْجَم، وعبدالله بن رزين، وأشباهٌ لهم، فصرف لهم القول، فلم يجدهم يُجيبون إلى شيء ما يُجيبونَ إلى الوصيّة، فقال: عليكم بناب العرب وحجرهم، ولسنا من رجاله، فأروه أنَّكُمْ تَزرعون، ولا تزرعوا العام شيئاً حتّى تنكسر مصر، فَتَشْكُوهُ إلى عثمانَ فيعزله عنكم، ونسأل مَنْ هو أضعف منه ونخلوا بما نريد، ونُظْهر الأمرَ بالمعروف والنَّهْيَ عن المُنْكَر. وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي حُذَيْفَة، وهو ابنُ خالِ معاوية، وكان يتيماً في حِجْر عثمان، فكبرَ، وسأل عثمانَ الهجرةَ إلى بعضٍ الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنَّه سألَ عثمانَ العملَ، فقال: لست هناك. قال: ففعلوا ما أمرهم به ابنُ السَّوْداء، ثمّ إنَّهم خرجوا ومَنْ شاء الله منهمٍ، وشكوا عَمْراً واستعفوا منه، وكلَّما نهنه(٤) عثمانُ عن عَمْرو قوماً وسكْتَهُم انبعث آخرون بشيءٍ آخر، وكلُّهم يطلبُ عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح، فقال لهم عثمان: أمَّا عَمْرو فسننزعه عنكم ونُقِرُّه على الحرب. ثمَّ ولَّى ابنَ أبي سَرْح خراجَهم، وترك عَمْراً على الصَّلاة. فمشى في ذلك سُودان، وكِنانة بن بِشْر، وخارجة، فيما بين عبدالله بن سعد، وعَمْرو بن العاص، وأغروا بينهما حتَّى تكاتبا على قَدْر ما أبلغوا كلَّ واحد، وكتبا إلى عثمان، فكتب ابنُ أبي سَرْح: إنَّ خراجي لا يستقيمُ ما دام عَمْرُوٌ على الصَّلاة. وخرجوا فصدَّقوه واستعفوا من عَمْرو، وسألوا ابنَ أبي سرح، فكتب عثمان إلى عَمْرو: إنَّه لا خيرَ لك في صُحْبة مَنْ يكرهك فأقبل. ثم جمع مصرَ لابنِ أبي سَرْح. (١) تاريخ الطبري ٤/ ٣٤٠ فما بعد بتصرف. (٢) نسبة إلى فقعس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة . (٣) هو عبدالله بن سبأ اليهودي. (٤) أي: كَفَّهم. ٢٣٥ وقد رُوي أنَّه كان بين عمَّار بن ياسر، وبين عبَّاس بن عُتْبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان. وقال سَيْف، عن مُبَشّر، وسهل بن يوسف، عن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، قال: قدِم عمّار بن ياسر من مصر وأبي شاكٍ، فبلغه، فبعثني إليه أدعوه، فقام معي وعليه عمامةٌ وسخةٌ وجُبَّة فِرَاء. فلمّا دخل على سعد قال له: ويُحَك يا أبا اليقظان إنْ كنتَ فينا لِمِنْ أهلِ الخير، فما الذي بلغني عنك منٍ سعْيك في فسادٍ بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين، أَمَعَك عقلُكَ أمْ لا؟! فأهوى عمّار إلى عِمامته وغضب فنزعها، وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه. فقال سعد: ((إنّا لله وإنّا إليه راجعون)) ويُحَكَ حين كَثُرَت شَيْبَتك ورقّ عظْمُكَ ونفد عُمْرَك خلعت رِبْقَةَ الإسلام من عُنُقِك وخرجت من الدّين عُرْياناً. فقام عمّار مُغْضباً مُوَلٍاً وهو يقول: أعوذ بربّي من فتنة سعد. فقال سعد: ألا في الفتنة سقطوا، اللَّهُمَّ زِدْ عثمان بعفوه وحِلمه عندك درجات. حتّى خرج عمّار من الباب، فأقبل عليَّ سعد يبكي حتّى أخضلَ لحيته وقال: مَنْ يأمن الفتنة يا بُنَيَّ لا يخرجنْ منك ما سمعتَ منه، فإنَّه من الأمانة، وإنِّي أكره أنْ يتعلَّق به النَّاسُ عليه يتناولونه، وقد قال رسول اللّه ◌َ ا: «الحقُّ مع عمَّار ما لم تغلب عليه دَلْهَةُ(١) الكِبَر))(٢)، فقد دَلِه وخَرِفَ. وممّن قام على عثمان محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، فَسُئِلَ سالم بن عبد الله فيما قيل عن سببٍ خروج محمد، قال: الغضب والطَّمَع، وكان من الإسلام بمكانٍ، وغزَّه أَقوامٌ فَطُّمِعَ، وكانت له دالَّة، ولِزِمَهُ حقٌّ، فأخذه عثمان من ظهره. وحجَّ معاوية، فقيل إنَّه لمَّا رأى لِينَ عثمانَ واضطّرابَ أمرِه، قال: انطلِقُ معي إلى الشَّام قبل أنْ يهجمَ عليك مَنْ لا قِبَلَ لك به، فإنَّ أَهلَ الشَّام على الطّاعة. فقال: أنا لا أبيعُ جِوارَ رسول الله ◌ِ﴿ بشيءٍ وإنْ كان فيه قطْعُ (١) أي: ذهابُ الفؤاد من هَمَّ أو نحوه، كما يَدْلَهُ عقلُ الإنسان من عشقٍ أو غيره. (٢) إسناده تالف، سيف بن عمر متروك، وشيخه مبشر بن الفضيل مجهول، أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٣٦/٤ . ٢٣٦ خَيْطِ عُنُقي. قال: فأبعثُ إليك جُنْداً. قال: أنا أُقَتِّر على جيرانِ رسولِ الله وَ﴿ الأرزاقَ بِجُنْدٍ تُساكِنُهُم! قال: يا أمير المؤمنين واللهِ لَتُغْتَالَنَّ ولَتُغْزَيَنَّ. قال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْم الوكيل(١) . وقد كان أهلُ مصر بايعوا أشياءَهم من أهلِ الكوفة والبصرة وجميع من أجابهم، واتَّعَدُوا يوماً حيث شَخَصَ أُمراؤهم، فلم يستقم لهم ذلك، لكنَّ أهلَ الكوفة ثار فيهم يزيدُ بن قيس الأرحبيُّ واجتمع عليه ناسٌ، وعلى الحرب يومئذٍ القَعْقَاعِ بن عَمْرو، فأتاه وأحاط النَّاسُ بهم فناشدوهم، وقال يزيد للقَعْقَاعِ: ما سبيلك عليَّ وعلى هؤلاء، فَوَاللهِ إِنِّي لَسَامعٌ مُطيعٌ، وإنِّي لازمٌ لجماعتي إلّ أنّي أستعفي من إمارة سعيد. ولم يُظْهِرُوا سوى ذلك، واستقبلوا سعيداً فردّوه من الجَرَعة، واجتمع النَّاسُ على أبي موسى، فأقرَّهُ عثمان . ولمَّا رجع الأمراءُ لم يكن للسَّبَئِّيّة (٢) سبيلٌ إلى الخروج من الأمصار، فكاتبوا أشياعهم أنْ يتوافوا بالمدينةِ لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنَّهم يأمرون بالمعروف، وأنّهم يسألون عثمانَ عن أشياء لتطِيرَ في النَّاسِ ولتُحَفَّقَ عليه. فَتَوَافَوْا بالمدينة، فأرسل عثمانُ رجلين من بني مخزوم ومن بني زُهْرَة، فقال: انْظُرًا ما يريدون، وكانا مِمَّنْ ناله من عثمانَ أدبٌ، فاصطبرا للحقِّ ولم يضطغنا، فلمَّا رأوهما باتُّوهما وأخبروهما، فقالا: مَنْ معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة. قالا: فكيف تصنعون؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياءَ قد زرعناها في قلوبِ النَّاس، ثمّ نرجع إليهم ونزعم لهم أنَّا قد فَرَّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يَتُّبْ، ثمّ نخرج كأنَّنا حُجَّاج حتَّى نَقدِمَ فنحيطَ به فنخلَعَهُ، فإنْ أبى قتلناه. فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك، وقال: اللَّهُمَّ سلِّم هؤلاء فإنَّك إنْ لم تُسَلِّمهم شَقُوا، فأمّا عمّار فحمل عليَّ ذنب ابنُ أبي لهب وعَرَكه بي(٣)، (١) تاريخ الطبري ٣٤٥/٤. (٢) أي: المنسوبون إلى عبدالله بن سبأ اليهودي. (٣) أي: حَمّله ذنبه وتركه، وابن أبي لهب هو عباس بن عتبة بن أبي لهب. ٢٣٧ وأمّا محمد بن أبي بكر فإنّه أُعْجِب حتّى رأى أنَّ الحقوقَ لا تلزمه، وأما ابن سارة فإنَّه يتعرَّضُ للبلاء. وأرسل إلى المِصْريين والكوفيين، ونادى: الصَّلاة جامِعَة - وهم عنده في أصل المنبر - فأقبل أصحابُ رسولِ الله ◌َ ◌ّ فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم بالأمر، وقام الرجلان، فقال النَّاسُ: اقتل هؤلاء فإنَّ رسولَ الله بَّ قال: ((مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحدٍ، وعلى النَّاس إمامٌ فعليه لعنةُ الله، فاقتلوه)). وقال عثمان: بل نَعْفُو ونقبل، ونُبَصِّرُهم بجهدنا، إنّ هؤلاء قالوا: أَتَمَّ الصلاةَ في السَّفرِ، وكانت لا تُتَمُّ، ألا وإنِّي قدمتُ بلدًا فيه أهلي فأتممتُ لهذا . قالوا: وحميتَ الحِمَى، وإنِّي واللهِ ما حَمَيْتُ إلاّ ما حُمِيَ قبلي، وإنِّي قد وُلِّيتُ وإِنِّي لأكْثَرُّ العربِ بعيراً وشاءً، فمالي اليوم غيرُ بعيرَيْنِ لحَجَّتي، أكذاك؟ قالوا: نعم. قال: وقالوا: كان القرآنُ كُتُباً فتركتها إلاَّ واحداً ألا وإنَّ القرآنَ واحدٌ جاء من عند واحدٍ، وإنّما أنا في ذلك تابعٌ هؤلاء، أفكذاك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنِّي رددت الحَكَمَ وقد سَيَّره رسولُ الله ◌ٍِّ إلى الطَّائف ثمّ ردّه، فرسولُ اللهِ بَ لِ سَيَّرَهُ وهو ردَّهُ، أَفَكَذاك؟ قالوا: نعم. وقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم استعمِل إلاّ مُجْتَمَعًا مَرْضِيًّا، وهؤلاء أهلُ عملي فَسَلُوهم، وقد ولَّى مَنْ قبلي أحدثَ منه، وقيل في ذلك لرسولِ الله ◌ِّ أشدَّ مِمَّا قيل لي في استعمالِه أُسامةَ، أكذاكَ؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنِّي أعطيتُ ابنَ أبي سَرْح ما أفاءَ اللهُ عليه. وإنّي إنّما نَفَلْتُهُ خُمْس الخُمْسِ، فكان مئة ألف، وقد نَفَل مثل ذلك أبو بكر وعمر، وزعم الجُنْد أنَّهم يكرهون ذلك فردَدْتُهُ عليهم، وليس ذلك لهم، أكذاك؟ قالوا: نعم . وقالوا: إنِّي أحبُّ أهل بيتي وأُعْطيهم. فأمّا حُبُّهُم فلم يُوجِبْ جَوْراً، وأمَّا إعطاؤهم، فإنّما أُعطيهم من مالي، ولا استحلُّ أموالَ المسلمين لنفسي ٢٣٨ ولا لأحدٍ. وكان قد قسم مالَهُ وأرضَهُ في بني أُميَّة، وجعلَ ولده كبعض مَن يُعطَى. قال: ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم، قال: فتكاتبوا وتواعدوا إلى شوَّال، فلمَّا كان شؤَّال خرجوا كالحُجَّاجِ حتّى نزلوا بقرب المدينة، فخرج أهلُ مصر فِي أربع مئة، وأمراؤهم عبدالرحمن بن عُدَيْس البَلَوِيُّ، وكِنَانة بن بِشْر اللَّيْتِيُّ، وسُودان بن حُمْران السَّكُونِيُّ، وقُتَيْرة السَّكُونِيُّ، ومقدَّمهم الغافقيُّ بن حرب العَكِّيُّ، ومعهم ابن السَّوْداء. وخرج أهلُ الكوفة في نحو عدد أهلِ مصر، فيهم زيد بن صُوحان العَبْدِيُّ، والأشتر النَّخَعِيُّ، وزياد بن النَّصْرَ الحارثيُّ، وعبد الله بن الأصَم، ومُقَدَّمهم عَمْرو بن الأصَمَّ. وخرجٍ أهلُ البصرة وفيهم حُكَيْم(١) بن جَبَلَة، وذَرِيح بن عِبَّاد العبديَّان، وبِشْر بن شَرَيْح القَيْسيُّ، وابن مُحَرِّش الحنفيُّ، وعليهم حُرْقُوص بن زُهَير السَّعْدِيّ. فأمّا أهلُ مصر فكانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهل البصرة فكانوا يشتهون طلحة، وأمّا أهلُ الكوفة فكانوا يشتهون الزبير(٢)، وخرجوا ولا تشكُّ كلُّ فِرْقةِ أنَّ أمرها سيتمُّ دون الأخرى، حتَّى كانوا من المدينة على ثلاثٍ، فتقدَّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب. وتقدَّمَ ناسٌ من أهل الكوفة فنزلوا الأعْوَص، وجاءهم ناسٌ من أهل مصر، ونزل عامَّتُهم بذي المَرْوَة، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهل مصر زياد بن النَّضْر، وعبدالله بن الأصَمّ ليكشفوا خبرَ المدينة، فدخلا فلقَيا أزواجَ النَّبِيِّ بَّهِ، وطلحةَ، والزُّبَيْرَ، وعليّاً، فقالا: إنّما نَؤُمُ هذا البيتَ، ونستعفي من بعض عُمَّالنا، واستأذنوهم للنّاس بالدخول، فكلّهم أَبَّى ونَهَى، فرجعا. فاجتمع من أهلِ مصرَ نفرٌ فأتوا عليّاً، (١) قيّده ابن حجر في التبصير ٤٤٦. (٢) حدث هنا بعض اضطراب في النسخ، فقد جاء في بعضها: ((وأما أهل البصرة فكانوا يشتهون الزبير، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون طلحة)). وما ذكرنا في أعلاه ذكره الطبري (٣٤٩/٤) وهي رواية سيف، عن أشياخه، وكذلك نقلها على الصواب ابن كثير في البداية ٧/ ١٨١ وغيره . ٢٣٩ ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفرٌ فأتوا الزبير، وقال كلُّ فريقَ منهم: إنْ بايعنا صاحِبَنا وإلّ كِدْناهم وفرَّقْنا جماعتهم، ثمّ كَرَرْنا حتَّى نَبْغَتَهُم . فأتى المصريُّون عليّاً وهو في عسكرٍ عند أحجار الزَّيت، وقد سرَّح ابنَه الحَسَنَ إلى عثمانَ فيمن اجتمعَ إليه، فسُلَّم على عليَّ المصرِيُّون، وعرضوا له، فصاحَ بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصّالحون أنَّكم ملعونون، فارجِعُوا لا صَحِيَكُم اللهُ، فانصرفوا، وفعل طلحةُ والُّبَيْرُ نحوَ ذلك. فذهب القوم وأظهروا أنَّهم راجعونَ إلى بلادهم، فذهب أهلُ المدينة إلى منازلهم، فلمَّا ذهَب القومُ إلى عساكرهم كَرُّوا بهم، وبغتوا أهلَ المدينة ودخلوها، وضجُّوا بالتكبير، ونزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا، بعثمان وقالوا: من كفتَّ يدَه فهو آمِن. ولِزِمَ النَّاسُ بيوتَهم، فأتى عليّ رضي الله عنه فقال: ما رَدَّكُم بعد ذَهَابِكم؟ قالوا: وجدنا مع بريدٍ كتاباً بقَتْلنا. وقال الكوفيُّون والبصريُّون: نحنُّ نمنعُ إخواننا وننصرهم. فعلم النَّاسُ أنَّ ذلك مكرٌ مِنهم. وكتب عثمان إلى أهلِ الأمصار يستمِدُّهم، فساروا إليه على الصَّعْب والذَّلُول، وبعث معاويةُ إليه حبيبَ بن مَسْلَمَة، وبعث ابنُ أبي سَرْح معاويةً ابن حُدَيْج وسار إليه من الكوفة القَعْقاع بن عَمْرو. فلمَّا كان يوم الجمعة صلَّى عثمانُ بالنَّاس وخطب فقال: يا هؤلاء الغُزَّاء اللّهَ اللهَ، فَوَاللهِ إنّ أهل المدينة لَيَعْلَمَونَ أنْكم ملعونون على لسان محمد ◌َّ، فامْحُوا الخطأَ بالصَّواب، فإنَّ الله لا يمحو السَّيِّءَ إلاّ بالحَسَن. فقام محمدُ بن مَسْلَمَة، فقال: أنا أشهدُ بذلك، فاقعده حُكَيْمَ بن جَبَلَة، فقام زِيدُ بن ثابت فقالٍ: ابْغِني الكتابَ. فثار إليه من ناحيةٍ أخرى محمد بن أبي قُتَيْرَة فأقعده وتكلَّم فأفظَع، وثار القومُ بأجمعهم، فحصبوا النَّاسَ حتّى أخرجوهم، وحَصَبُوا عثمانَ حتَّى صُرِعٍ عن المنبر مَغْشِيَّاً عليه، فاحتُمِل وأُدْخِل الدَّار. وكان المصريُّون لا يطمعونَ في أحدٍ من أهلِ المدينة أنْ يَنْصُرَهم إلاّ ٢٤٠