النص المفهرس
صفحات 201-220
يوم الفتح وشهد حُنينًا، وأعطاه النبيُّ وَلّه من الغنائم مئةً من الإبل وأربعين أوقية. وقد فُقئت عينُهُ يوم الطَّائف، ثم شهد اليَرمُوك، فكان يُذَكِّرُ يومئذٍ ويحضُّ على القتال. روى عنه ابن عباس، وقيس بن أبي حازم. وقيل: فُقئت عينُهُ الأخرى يوم اليَرْمُوك في سبيل الله رحمه الله، وكان مُقَدَّم جيشِ الجاهليّة يومَ أُحُد. وكان أسَنَّ من رسولِ الله وَّهِ بعَشْر سنين، وكان يتَجر إلى الشام وغيرها . وكان يوم اليَرْمُوك تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان، فكان يقاتل ويقول: ((يا نصرَ الله اقترب)). وكان يقف على الكراديس يقصُّ ويقول: ((الله الله إنَّكم دارةُ العرب وأنصار الإسلام، وهؤلاء دارةُ الروم وأنصار المشركين، اللَّهُم هذا يومٌ من أيَّامك، اللَّهُم أنْزِل نصركَ على عبادك)). تُوفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وله نحو تسعين سنة(١). ويقال: تُوفي فيها المِقْداد، والعباس، وابن عَوْف، وعامر بن ربيعة، وسيأتون بعدها رضي الله عنهم. يَزْدَجرد بن شَهْرَيار بن بَرَويز المَجُوسيُّ الفارسي، کِسْری زمانه. انهزم من المسلمين في دار مُلكه إلى مَرْو، وضَعُفت دولة الأكاسرة وولّت أيَّامهم، فكان هذا خاتمتهم. ثار عليه أمراء مَرو، وقيل: بل بَيَّتْهُ التُّرك وقتلوا خواصَّه، فهرب والتجأ إلى بيت رجلٍ فقتله غدرًا ثم قُتلَ به. والله أعلم. (١) ينظر تهذيب الكمال ١١٦/١٣ - ١١٩. ٢٠١ سنة اثنتين وثلاثين فيها كانت وقعة المضيق بالقرب من قُسْطَنْطِينيّة، وأميرُها معاوية . وتُؤُفِّي فيها: أبي بن كعب، قاله خليفة(١) وحده. وأوس بن الصَّامت، أخو عُبادة، وقد تقدما. سِنان بن أبي سنان بن محصن الأسديُّ، حليف بني عبد شمس . وكان أسنّ من عمّه عُكَّاشة، هاجر هو وأبوه وشهدا بدْراً. تُوُفِّي أبوه والنَّبِيُّ بِّهِ يحاصرُ بني قُرَيْظة، وكان سِنان من سادة الصّحابة، قال الواقديٍ: هو أوَّلُ مَنْ بايعَ تحت الشَّجرة. الطَّفَيْلِ بن الحارث بن المطّلب، فيها في قَوْلٍ، وقد ذُكر . وأخوه الحُصَيْنِ تُؤُفِّي بعده بأربعة أشهر، وقد شهدا بدْراً. قال رسول الله مَثّل: ((إنَّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيءٌ واحدٌ لم يفارقونا في جاهليّة ولا إسلام)»(٢). ع: العباس بن عبدالمطلب بن هاشم، أبو الفضل، عمُّ النبيِّ صَيَا الله ولد قبل النبيِّ مَّه بسنتين أو ثلاث، وحضر بَدْرًا فأسره المسلمون، ثم أسلم بعد أنْ فَدَى نفسه وقَدِم مكة. له أحاديث؛ روى عنه ابناه عبدالله وعُبيد الله، والأحنف بن قيس، وعامر بن سعد، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، ونافع بن جُبَير بن مُطعم، وأُّ كُلثوم بنته، وعبدالله بن الحارث بن نوفل. وله فضائل ومناقب رضي الله عنه. قال الكلبيُّ: كان العباسُ شريفًا مَهيبًا عاقلاً . (١) تاريخه ١٦٧ . (٢) أخرجه البخاري ١١١/٤ و٢١٨ و١٧٤/٥. وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة (٢٨٨١). ٢٠٢ وقال غيره: كان أبيض بَضَّا جميلاً طويلاً فخمًا مهيبًا، له صَغِيرتان، عاش ثمانيًا وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان، ودُفن بالبقيع، وعلى ضريحه قُبة عظيمة . وقال خليفة(١) وحده: تُوفي سنة أربع وثلاثين. وقال الزُبير بن بَكَّار: كان للعباس ثوبٌ لعاري بني هاشم وجفنةٌ لجائعهم، وكان يمنعُ الجارَ، ويبذُلُ المالَ، ويُعطي في النَّوائب، وكان ندیمَ أبي سُفيان بن حَرْب في الجاهلية. وعن سهل بن سعد، قال: لما رجع النبيُّ ◌َ﴾ من بَدْر استأذنه العباسُ أنْ يرجع إلى مكة حتى يهاجر منها، فقال: ((اطمئنَّ يا عمُّ فإنَّك خاتمُ المهاجرين كما أنا خاتم النَّبيين)). رواه أبو يَعْلى(٢) والهَيْثم بن كُليب في مُسْنَديهما . وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله بَّ: ((إنَّ عمَّ الرجل صِنْو أبيه ومن آذى العباسَ فقد آذاني)). وصحح الترمذي من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبدالله بن الحارث هذا الحديث إلى آخره(٣). وقال محمد بن طلحة التَّيمي - وهو ثقة - عن أبي سُهيل بن مالك، عن سعيد بن المُسيِّب، عن سعد، قال: كنَّا مع النبيِّ مَّ فأقبل العباس فقال النبيُّ وَّ: ((هذا العباس عم نبيكم أجودُ قريش كفَّا وأوصلها)). أخرجه (٤) النسائي (٤) . (١) تاريخ خليفة ١٦٨ . (٢) في مسنده (٢٦٤٦). ورواه الطبراني كما في مجمع الزوائد ٢٦٩/٩ من حديث إسماعيل بن قيس، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، به. وإسماعيل ابن قيس منكر الحديث، وقد ساق المصنف هذا الحديث ضمن منكراته في كتابه الميزان ٢٤٥/١ . الترمذي (٣٧٥٨) وفيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وتصحيح الترمذي مما يعتد به . (٣) في الكبرى (٨١٧٤)، وهو عند أحمد ١٨٥/١ وإسناده حسن فإن محمد بن طلحة (٤) التيمي وإن قال المصنف: ثقة، لكن حديثه لا يرتقي إلى مراتب الصحة التامة، وينظر تحرير التقريب ٢٦٠/٣. ٢٠٣ وروى عبدالأعلى الثَّعلبيُّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ◌ََّه قال: ((العباسُ منِّي وأنا منه))(١). وقال ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريبِ عن ابن عباس: إنَّ النبيَّ مَّر جعل على العباس وولده كساءً ثم قال: ((اللَّهُم اغفر للعباس وولده مغفرةً ظاهرةً وباطنةً لا تغادر ذَنْبًا، اللَّهُم اخْلفهُ في ولده)). تفرَّد به عبدالوهاب بن عطاء، عن ثور. حسَّنه الترمذي(٢). وقال عبدالرحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسولَ الله وَلَه يجلُّ أحدًا ما يجلُّ العباس، أو يُكرم العباس(٣). وقال أنس: قَحطَ الناسُ، فاستسقى عمرُ بالعباس، وقال: اللَّهُم إنَّا كنَّا إذا قَحَطنا نتوسل إليك بنبيك محمد مَّ فتسقينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعمّ نبيِّنا فاسقنا. قال: فسُقُوا. أخرجه البخاري (٤). وقال أبو مَعْشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن غيره، أنَّ عمر فرض لمن شهد بدرًا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض للعباس اثني عشر ألفًا . وروى ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن الثقة، قال: كان العباس إذا مرَّ بعمر أو بعثمان وهما راكبان نزلا حتى يجاوزهما إجلالاً لعمّ رسولِ الله ◌َِّ . . وقال عَمرو بن مُرَّة، عن أبي صالح السَّمَّان، عن صُهَيب مولى العباس، قال: رأيتُ عليًّا يقبّلُ يدَ العباس ورِجْله ويقول: يا عمُّ ارْضَ عنِّي . (١) أخرجه الترمذي (٣٧٥٩)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل))، وينظر تمام تخريجه في تعليقنا عليه. على أن عبدالأعلى بن عامر الثعلبي ضعيف كما بيناه في ((تحرير التقريب)). (٢) في جامعه الكبير (٣٧٦٢)، والتحسين في مصطلح الترمذي هو إعلال للحديث، فانظر تعليقنا عليه هناك. (٣) قال المصنف في السير ٢/ ٩٢ بعد أن ساقه: ((إسناده صالح)). (٤) البخاري ٣٤/٢. ٢٠٤ وقال ثور بن يزيد، عن مكحول، عن سعيد بن المسيِّب، أنَّه قال : العباس خير هذه الأمة وارث النبيِّ مَّ وعمُّه. إسناده صحيح. وقال الضَّخَّاك بن عثمان الحزامي: كان يكون للعباس الحاجةُ إلى غِلْمانه وهم بالغابة، فيقف على سَلْع في آخر اللّيل فيناديهم فيُسْمعُهُم، والغابة على نحوٍ من تسعة أميال. وقال علي بن عبدالله بن عباس: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكًا . وقال المدائني: إنَّه تُوفي سنة ثلاثٍ وثلاثين(١). ١ عبدالله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاريُّ الخزرجيُّ، أبو محمد المدنيُّ، وقيل: إن ذكر ثعلبة في نسبه خطأ. شَهِدَ بَدرًا والعَقَبة، وهو الذي أُريَ الأذان. روى عنه ابنه محمد، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن المُسَيِّب، وآخرون. عاش هذا أربعًا وستين سنة . وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: حدثني محمد بن عبدالله بن زيدٍ أن عبدالله شهد النبيَّ مَّ عند المَنْحَر وحلق رأسه فقسم منه على رجال وقَلَّم أظفاره، فأعطاه. قال محمد: فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم(٢). ع: عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبدالرحمن الهُذليُّ، حليفُ بني زُهرة، وأمُّه أمُّ عَبْد هُذَلية أيضًا. كان من السابقين الأولين، شهد بدرًا والمشاهدَ كلَّها، وكان له أصحاب سادة، منهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وعَبِيدة السَّلمانيُّ، وأبو وائل، وطارق بن شهاب، وزِرُ بن حُبَيش، وأبو عَمروَ الشَّيباني، وأبو (١) ينظر تهذيب الكمال ٢٢٥/١٤ - ٢٣٠. (٢) إسناده صحيح إن لم يدلسه يحيى بن أبي كثير فهو ثقة ثبت لكنه يرسل ويدلس. أخرجه أحمد ٤٢/٤، وابن خزيمة (٢٩٣١) و(٢٩٣٢). وينظر المسند الجامع ٣٠٨/٨ حديث (٥٨٦٥). ٢٠٥ الأحوص، وزيد بن وهب، وخلق سواهم. وكان صاحب نَعل النبيِّ صلالله فكان إذا خلعها حملها أو شالها. وكان يدخل على النبيِّ مَ﴾ ويخدمه ويَلْزمه. وتلقَّن من في رسولِ الله ◌ِ ◌ّل سبعين سُورة. قال ابن سيرين: قال عبدالله بن مسعود: لو أعلم أحدًا أحدث بالعَرْضة الأخيرة منِّي تَنالُه الإبلُ لَرَحَلتُ إليه. وقال عَمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَري، عن عليٍّ، وسُئل عن عبد الله، فقال: علمَ القرآنَ والسُّنَّة ثم انتهى. وعن ابن مسعود، قال: كَثَّاني النبيُّ بََّ أبا عبدالرحمن قبل أن يولَدَ لي. وعن ابن المُسَيِّب، قال: رأيتُ ابن مسعود عظيمَ البطن أحْمَش السَّاقين. وقال قيس بن أبي حازم: رأيته آدَمَ خفيفَ اللَّحم. وعن عُبيدالله بن عبدالله بن عُتبة، قال: كان نحيفًا قصيرًا، شديدَ الأدَمة، وكان لا يَخْضب . وعن غيره، قال: كان ابن مسعود لطيفَ القَدِّ، وكان من أجود النَّاس ثَوْبًا، أبيض، وأطيب النَّاس ريحًا. وقال ابن إسحاق: أسلم ابن مسعود بعد اثنتين وعشرين نَفْسًا . وقال أبو الأخَوْص: سمعتُ أبا مسعود البدري وأبا موسى حين مات ابن مسعود، وأحدهما يقول لصاحبه: أتُراه ترك بعده مثله؟ قال: لئن قلتَ ذاك لقد كان يُؤْذِنُ له إذا حُجبنا ويَشهَد إذا غِبْنا . وقال أبو موسى: مكثتُ حينًا وما أحسب ابن مسعود وأُمَّه إلاّ من أهل بيت النبيِّ وَّه من كثرة دخولهم وخروجهم عليه. وقال القاسم بن عبدالرحمن: كان عبد الله بن مسعود يُلبس رسولَ الله وَ نَعْلَيْه، ويمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نَعْلَيه، فأخذهما عبدالله وأعطاه العصا، وكان يدخل الحُجرة أمامه بالعصا. وعن عُبيد الله بن عبدالله، قال: كان عبد الله صاحبَ سواد رسولِ الله ٢٠٦ وَّه، يعني سِرَّهُ، وصاحبَ وساده، يعني فراشَهُ، وصاحب سواكه ونَعَلَيه وطَهوره، وهذا يكون في السَّفَر . وعن عَبِيدة، عن عبدالله، قال: كنت مع رسول الله مَّ في حائطِ فبشرني بالجنَّةِ . وقال رسول الله مَ له: ((من أحبَّ أنْ يقرأ القرآن غَضَّا كما أُنْزِل فليقرأ قراءة ابن أمِّ عبد)). قال ابن مسعود: ثم قعدتُ أدعو فجعل رسولُ الله ◌ِّ يقول: ((سَلْ تُعْطه))، فكان فيما قلت: اللَّهم إنِّي أسألك إيمانًا لا يرتدُّ، ونعيمًا لا يَنْفُدُ، ومُرافقةَ نبيِّك محمد ◌َّه في أعلى جِنان الخُلدِ(١). وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: قال رسول الله ◌َّ: ((لو كنت مؤمّرًا أحدًا عن غير مَشُورةٍ لأمَّرتُ عليهم ابن أُمِّ عبد)). رواه أحمد في ((مُسنده))(٢) والترمذي(٣). وعن عليٍّ، قال: أمر رسولُ الله ◌ِّ﴾ِ ابن مسعودٍ فصعد شجرةً فنظر الصَّحابةُ إلى سَاقَي عبدالله، فضحكوا من حُمُوشة ساقيه، فقال رسولُ الله وٍَّ: «ما تضحكون؟ لَهُما في الميزانِ يومَ القيامةِ أثقلُ من أُحُدٍ)). رواه مُغيرة، عن أمِّ موسى، عن علي (٤). وقال عبدالملك بن عُمير، عن مولى لرِبْعي، عن رِبْعي، عن حُذيفة، قال: قال رسول الله وَل: ((اقتدُوا باللذينَ من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بِهَدي عمَّار وتَمسَّكُوا بعهدِ ابن أُمّ عبد)). حسَّنه الترمذي(٥) لكن لفظه: ((وما حدثكم ابن مسعود فصدِّقوه)). (١) رواه زر بن حبيش عنه، كما في مسند أحمد ٤٤٥/١ و٤٥٤، وابن ماجة (١٣٨) وغيرهما . (٢) مسند أحمد ٧٦/١ و٩٥ و١٠٧ و١٠٨ . الجامع الكبير (٣٨٠٨) و(٣٨٠٩)، وهو حديث ضعيف لضعف الحارث الأعور. (٣) أخرجه أحمد ١١٤/١، وابن سعد ١٥٥/٣، وابن أبي شيبة ١١٤/١٢، والبخاري في (٤) الأدب المفرد (٣٧) وغيرهم. وإسناده مما يعتبر به. على أن متن الحديث صحيح من رواية زر بن حبيش عن ابن مسعود عند أحمد ١/ ٤٢٠ وغيره. (٥) جامعه الكبير (٣٧٩٩ م). ٢٠٧ وقال منصور، عن القاسم بن عبدالرحمن، قال: قال رسول الله التالية : ((رضيت لأُمَّتي ما رضيَ لها ابن أُمّ عبد))(١). ورُويَ نحوُه من طُرُق أُخر. وقال عَلْقمة: كان ابن مسعود يُشبه النبيَّ بِحََّ فِي هَذِيه ودَلِّه وسَمْته(٢). وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ: سمعتُ عبدالرحمن بن يزيد يقول: قلنا لحُذيفة: أخبرنا برجل قريب السَّمت والدَّلِّ برسول الله مَ له حتى نلزمه. قال: ما أعلم أحدًا أَقْربَ سَمْتًا ولا هَدْيًا ولا دَلاً من رسول الله ◌ِّله حتى يُواريه جدارُ بيته من ابن أُمّ عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمدٍ وَثّ أنَّ ابن أُمِّ عبدٍ من أقربهم إلى الله زُلفة(٣). وقال أبو إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثتُ إليكم عَمَّار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النُّجَباء من أصحابِ رسولِ الله ◌ِ ﴾ من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، فقد آثرتُكم بعبدالله على نفسي. وقال عبدالله بن عمرو : سمعت رسولَ اللهِ وَلَّه يقول: ((اسْتَقرئُوا القرآنَ من أربعة: من عبدالله بن مسعود، وأُبيِّ بن كَعْب، ومعاذ بن جَبَل، وسالم مولى أبي حُذيفة))(٤). وقال مسروق، عن عبدالله، قال: ما من آية إلاَّ أعلم فِيمَ أُنْزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني تُبَلِّغُنيه الإبلُ لأتَيتُه(٥). (١) إسناده ضعيف لإرساله، القاسم بن عبدالرحمن لم يدرك النبي بُحلّ ويرويه بعضهم متصلاً ولا يصح، فرواه زائدة عن منصور عن زيد بن وهب عن عبدالله، بنحوه، وخالف في ذلك سفيان وإسرائيل في روايته عن منصور عن القاسم، به مرسلاً. واغتر الحاكم بالمتصل فرواه ٣١٧/٣ - ٣١٨، وقال: ((هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، والغريب أنه خرج الرواية المرسلة عقب ذلك ونوه إلى أنها علة للحديث، فكأنه لم يلق لها بالاً . (٢) ابن سعد ٣/ ١٥٤. (٣) أخرجه البخاري ٣٥/٥، والترمذي (٣٨٠٧) وفي تعليقنا عليه تمام تخريجه . (٤) أخرجه البخاري ٣٤/٥ و٤٥ و٢٢٩/٦، ومسلم ١٤٨/٧ و١٤٩ وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي، حديث (٣٨١٠). (٥) هو في الصحيحين: البخاري ٢٣٠/٦ ومسلم ١٤٨/٧ من طريقه . ٢٠٨ وقال الزُّهريُّ: أخبرني عبيد الله بن عبدالله، أنَّ ابن مسعود كره لزيد نسخَ المَصَاحف، وقال: يا معشر المسلمين أُعْزلُ عن نسخ كتاب المصاحف ويتولاها رجلٌ غيري، والله لقد أسلمتُ وإنه لَفي صُلبٍ أبيه، يا أهل الكوفة: اكتُمُوا المصاحفَ التي عندكم وغُلُّوها. قلتُ: قال ذلك لما جعل عثمان زيد بن ثابت على كتابة المَصَاحف، وتطلب سائر مَصاحفِ الصحابة ليغسلَها أو يُحرِّقها، فعل ذلك ليجمع الأُمَّةَ علی مُصحفٍ واحدٍ . قال أبو وائل: خطب ابن مسعود، وقال: غُلُّوا مَصَاحفكم، كيف تأمروني أن أقرأ على قراءةٍ زيد بن ثابت، وقد قرأتُ من في رسولِ الله بضعًا وسبعين سورة، وإن زَيدًا ليأتي مع الغِلْمان له ذُؤابتان(١) . وقال أبو وائل: إنِّي لَجَالسٌ مع عمر، إذ جاء ابن مسعود، فكاد الجُلُوس بِوارونه من قِصَره - يعني وهو قائم - فضحك عمرُ حين رآه، وجعل يكلُّم عمرَ ويضاحكه وهو قائم عليه، ثم ولَّى فأتْبَعَهُ عمرُ بَصَرِه حتى تَوَارى فقال: كُنِيفٌ(٢) مُلىءَ عِلْمًا . وقال الأعمش، عن أبي عمرو الشَّيباني، عن أبي موسى أنَّه قال: لا تسألوني عن شيءٍ ما دام هذا الحَبرُ بين أظهركم، يعني ابن مسعود. وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبدالله: سمعت أبا موسى يقول: مجلسٌ كنت أُجالسُهُ ابن مسعود أوثقُ في نفسي من عمل سَنَةٍ . وقال الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حُرَيث بن ظُهير، قال: جاء نعيُ عبد الله إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله. وقال مسروق: انتهى عِلْم الصحابة إلى عليٍّ وابن مسعود. وقال زيد بن وَهْب: رأيت بعَيْنَي عبد الله أثَرَين أسْوَدَين من البُكاء. (١) أخرجه أحمد ٤١١/١، والنسائي ١٣٤/٨. وقد عزاه محققو مسند أحمد إلى البخاري ومسلم فأخطؤوا، فإن ما عند الشيخين ليس فيه: ((وإن زيدًا ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان)). (٢) تصغير كنف، وهو الوعاء. تاريخ الإسلام ٢/م١٤ ٢٠٩ وعن ابن مسعود، قال: حَبَّذا المكروهان الموت والفقر، وايمُ اللهِ ما هو إلاَّ الغِنَى والفَقْرِ، وما أبالي بأيّهما ابتُدئتُ. وقال سيف بن عمر، عن عطيّة، عن أبي سيف، قال: انَّخذ ابن مسعود ضيعةً بِرَاذان، ومات عن تسعين ألفِ مثقالٍ، سوى رقيقٍ وعروضٍ وماشية . وقال عامر بن عبدالله بن الزُبير: إنَّ ابن مسعود أوصى إلى الزُّبير بن العَوَّامِ . وقال قيس بن أبي حازم: دخل الزُّبير على عثمان بعد وفاة ابن مسعود، فقال: أعطني عطاءَ عبد الله فعِيالُ عبدالله أحقُّ به من بيت المال. فأعطاه خمسة عشر ألفًا . هِمَّام، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أبيه، عن ابن مسعود، في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، قال: هما زانيان ما اجتمعا . قال قَتَادة: فقلتُ لسالم: أيُّ رجلٍ كان أبوك؟ قال: كان قارئًا لكتاب الله . الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص: سمعت أبا مسعود الأنصاريَّ يقول: واللهِ ما أعلم النبيَّ مَّ ترك أحدًا أعلم بكتاب الله من هذا، يريد عبدالله بن مسعود. الطيالسيُّ: حدثنا شعبة، عن سَلَمة بن كُهَيل، قال: حدثني حبَّة العُرني، قال: كتب عمر: يا أهل الكوفة أنتم رأس العرب وجُمْجُمتُها، وسهمي الذي أرمي به، قد بعثت إليكم بعبد الله وخِرتُ لكم وآثَرتُكُم به على نفسي . تُوفي عبدالله بالمدينة، وكان قدمها فمرض أيَّامًا ودُفن بالبقيع، وله ثلاثٌ وستون سنة، في أواخر السنة(١). ع: عبدالرحمن بن عَوْفٍ بن عبد عَوْف بن عبد بن الحارث بن زُهرة بن كلاب، أبو محمد القُرشيُّ الزُّهريُّ. أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشَّورى. (١) ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٢١ - ١٢٧، وله ترجمة رائقة في السير ١/ ٤٦١ - ٥٠٠ . ٢١٠ روى عنه بنوه إبراهيم وحُميد وعَمرو ومُصعب وأبو سَلَمة، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، وأنس بن مالك، ومحمد بن جُبَير بن مُطْعم، وغَيْلان بن شُرَحبيل، وآخرون. وكان اسمه في الجاهلية عبد عَمرو، وقيل: عبدالكعبة. وكان على مَيْمَنة عمر في قدمته إلى الجابية، وعلى مَيْسَرته في نوبة سَرْغ (١). مولده بعد الفيل بعشر سنين. وقد أسقط البخاريُّ وغيره ((عبدًا)) من نسبه . وقال الهيثم بن كُلَيب وغيره: ((عبدالحارث)) في ((عبد بن الحارث)). وعن عبدالرحمن، قال: كان اسمي عبد عَمرة، فسماني رسولُ الله ◌ِلّه عبدالرحمن(٢). وعن سَهْلة بنت عاصم، قالت: كان عبدالرحمن أبيض، أعْين، أَهْدَب الأشفار، أقنى، طويل النَّابَيْن الأعليَين، ربما أدمى نابُهُ شَفَته. له جُمَّةٌ أسفلَ أُذُنَيه، أعْنَق، ضخم الكفين . وقال ابن إسحاق: كان عبدالرحمن ساقط الثَّيَّتَيَنْ، أَهْتَمَ، أَعْسَر، أعْرَج، كان قد أُصيب يوم أُحُدٍ فَهُتم، وجُرح عشرين جراحةً، بعضُها في رِجْله فعرج . وعن يعقوب بن عُتبة، قال: كان طُوَالاً، حسن الوجه، رقيقَ البَشَرة، فيه جَنأ، أبيض بحُمرة، لا يُغيِّر شَيْبه . وقال صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن، عن أبيه، قال: كنا نسير مع عثمان، فرأى أبي فقال عثمان: ما يستطيع أحدٌ أن يعتدَّ على هذا الشيخ، فَضْلاً في الهجرتين جميعًا. وعن أنس، قال: قدم عبدالرحمن المدينةَ فَآخى النبيُّ ◌َّ بينه وبين سعد بن الربيع الخَزْرجي، فقال: إنَّ لي زوجتين، فانظر أيُّهما شئتَ حتى (١) هي أول الحجاز وآخر الشام. (٢) أخرجه الحاكم ٣٠٦/٣ من طريق إبراهيم بن عبدالرحمن عن أبيه، به. وأخرجه الطبراني (٢٥٤) من طريق عبد العزيز بن عمر، عن عبدالرحمن بن عوف، به . ٢١١ أطلِّقها لتتزوجها وأُشاطرك نصفَ مالي. فقال: بارَكَ اللهُ لك في أهلك ومالك، ولكن دلّوني على السوق، فذهب ورجع وقد حصل شيئًا . وقد روى أحمد في «مُسنده))(١) من حديث أنس، أنَّ عبدالرحمن أثرى وكثُر ماله حتى قدمت له مرَّةً سبع مئة راحلةٍ تحمل البُرَّ والدَّقيق، فلما قدمت سمع لها أهل المدينة رَجَّة، فبلغ ذلك عائشةَ، فقالت: سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يقول: ((عبدالرحمن بن عَوف لا يدخل الجثّة إلاّ حَبْوًا)). فلما بلغه قال: يا أُمَّه أُشْهِدُكِ أنَّها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله . قلتُ: كان تاجرًا سعيدًا فُتح عليه في التِّجارة وتَموَّلَ، حتى إنَّه باع مرَّةً أرضًا بأربعين ألف دينار فتصدَّق بها، وحمل على خمس مئة فرسٍ في سبيل الله، ثم على خمس مئة راحلة. وفي الصحيح (٢) أنَّ النبيَّ وَّل غاب مرةً فقدَّموا عبد الرحمن يصلّي بالنَّاس، فأتى رسولُ الله ◌ٍِّ وهو يصلّي بالنَّاسِ، فأراد أن يتأخَّر، فأومأ إليه رسول الله ◌َّ أن اثبت مكانك. فصلى وصَلَّى رسولُ الله ◌َ خَلْفه. وهذه مَنْقبةٌ عظيمة . وقال محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبيه، قال: رأيت الجنّة، وإنِّي دخلتُها حَبْوًا، ورأيت أنَّه لا يدخلها إلاَّ الفُقراء(٣) . وعن عبدالله بن أبي أوفى، قال: شكا عبد الرحمن خالدًا إلى رسول الله ◌ٍِّ فقال: ((يا خالد لا تُؤذِ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقتَ مثل أُحُدٍ ذَهبًا لم تُدرك عَمَله)) (٤). (١) مسند أحمد ١١٥/٦ واستنكره. (٢) مسلم ٢٦/٢ من حديث عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه . (٣) إسناده ضعيف، لانقطاعه، فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. (٤) إسناده ضعيف، هكذا رواه بعضهم عن الشعبي عن عبدالله بن أبي أوفى، به، كما هو عند البزار (٢٧١٩)، وابن حبان (٧٠٩١)، والطبراني في الكبير (٣٨٠١)، وفي الصغير (٥٨٠) والخطيب في تاريخه ٣٨/١٤. ورواه بعضهم عن الشعبي مرسلاً ليس فيه ابن أبي أوفى كما هو عند أحمد في الفضائل (٤٨٤)، ورجح أبو زرعة الرواية المرسلة (العلل ٢٥٨٥). ٢١٢ وقال محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله وَالخير قال: ((خِيارُكم خيارُكم لنسائي)). قال: فأوصى عبدالرحمن لهن بحديقةٍ قُوِّمت بأربع مئة ألف(١) . وقال عبد الله بن جعفر: حدثتني أمُّ بكر بنت المِسْوَر، أنَّ عبد الرحمن ابن عَوْف باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فَقَسمَها في فقراء بني زُهرة، وفي المهاجرين، وأُمَّهات المؤمنين، فقالت عائشة: سَقَى اللهُ ابن عَوْفٍ من سلسبيل الجنَّة. زاد يحيى الحِمَّاني فيه عن عبد الله أنها قالت: أما إني سمعت رسولَ الله ◌ِ لَّ يقول: ((لن يحنو عليكُنَّ بعدي إلاَّ الصَّالحون))(٢) . وقال ابن إسحاق، عن محمد بن عبدالرحمن بن حُصين، عن عَوْف ابن الحارث، عن أمّ سَلَمة، قالت: قال رسول الله مج لّ لأزواجه: ((إنَّ الذي يحنو عليكنَّ بعدي لَهُو الصَّادقُ البارُ، اللَّهُم اسْقِ ابن عَوْفٍ من سلسبيل الجنَّة))(٣) . وعن نِيَارِ الأسْلمي، قال: كان عبدالرحمن ممن يُفتي في عهدِ رسولِ الله ◌َله . وقال يزيد بن هارون: حدثنا المُعَلَّى الجَزَري، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر، أنَّ عبدالرحمن قال لأصحاب الشُّوَرى: هل لكم أنْ أختارَ لكم وأنفصل منها؟ قال علي: أنا أولُ من رضيتُ، فإني سمعتُ رسولَ الله صَى اللّه يقول: ((إنك أمينٌ في أهل السَّماء والأرض)). وقال ابن لَهِيعة عن يحيى بن سعيد، عن أبي عُبيد بن أزهر، عن أبيه أنَّ عثمان اشتكى رُعافًا، فدعا حُمرَان، فقال: اكتب لعبد الرحمن العهدَ من (١) أخرجه الترمذي (٣٧٤٩)، وقال: ((هذا حديث حسن غريب))، وانظر تمام تخريجه في تعلیقنا على الترمذي . (٢) أخرجه أحمد ١٠٤/٦، والحاكم وصححه ٣١٠/٣ و٣١١ وتعقبه المصنف بقوله: ((ليس بمتصل)). (٣) أخرجه ابن سعد ١٣٢/٣، والحاكم ٣١١/٣، وإسناده ضعيف، ابن إسحاق مدلس و قد عنعنه . ٢١٣ بعدي. فكتب له، فانطلق حمران إلى عبدالرحمن، فقال: لك البُشرى، إنَّ عثمان كتب لك العهدَ من بعده. فقام بين القبر والمنبر فقال: اللَّهُم إنْ كان من تولية عثمان إيَّاي هذا الأمرَ فأمِتني قبل عثمان، فلم يَعِش إلاَّ ستة أشهر. وعن سعد بن الحسن، قال: كان عبدالرحمن بن عَوْف لا يُعرف من بين عبيده . وعن الزُّهري، قال: أوصى عبدالرحمن بن عَوْف لمن شهد بدرًا، فوُجِدُوا مئة، لكلِّ رجلٍ أربع مئة دينار، وأوصى بألف فَرَسِ في سبيل الله . وقال إبراهيم بن عبدالرحمن بن عَوْف: سمعت عليًّا يقول يوم مات أبي: اذهب يا ابن عَوْفٍ فقد أدركتَ صَفْوها وسَبَقتَ رَنْقَها(١). وقال محمد بن سيرين: اقتسم نساءُ ابن عَوْف ثُمْنَهُنَّ فكان ثلاث مئة وعشرين ألفًا . تُوفي سنة اثنتين وثلاثين، وله خمسٌ وسبعون سنة، ودُفن بالبقيع رضي الله عنه(٢) . خ دت ن: كعب الأحبار، أبو إسحاق بن ماتع الحِمْيريُّ اليَمَانيُّ الکتابيُّ. أسلم في خلافة أبي بكر، أو أوَّل خلافة عمر. روى عن عمر، وصُهيبٍ، وعن كُتُب أهل الكتاب، وكان في الغالب يعرف حقَّها من باطلها لسعةٍ عِلمه وكثرة اطلاعه. روى عنه ابن امرأته تُبيع الحِمْيري، وأسْلم مولى عمر، وأبو سلام الأسود، وآخرون. ومن الصَّحابة أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية. وسكن الشَّام وغزا بها. وتُوفي بحمص طالب غزاة. قال خالد بن مَعْدان، عن كعب الأحبار: لأنْ أبكي من خَشْيةِ الله أحبُ إليَّ من أنْ أتصدَّق بوزني ذَهبًا(٣). ع: أبو الدَّرداء، واسمه عُويمر بن عبدالله، وقيل: ابن زيد، وقيل: ابن ثعلبة الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ، وقيل: عُوَيمر بن قيس بن زيد، (١) أي: كدرها . (٢) ينظر تهذيب الكمال ٣٢٤/١٧ - ٣٢٩. (٣) ينظر تهذيب الكمال ١٨٩/٢٤ - ١٩٣ . ٢١٤ ويقال: عامر بن مالك. حكيم هذه الأُمّة. له عن النبيِّ ◌َّ عدة أحاديث. روى عنه أنس، وأبو أُمامة، وجُبَير بن نُفير، وعَلْقمة، وزيد بن وَهْب، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأهله أمُّ الدَّرداء، وابنه بلال بن أبي الدَّرداء، وسعيد بن المسيِّب، وخالد بن مَعْدان، وخلق سواهم. وَلَيَ قضاء دمشق. وداره بباب البريد وتُعرف اليوم بدار الغَزِّي. كذا قال ابن عساكر(١). وقيل: كان اقنى، أَشْهَل، يَخْضب بالصُّفرة. وقال الأعمش، عن خَيْئمة، قال أبو الدَّرداء: كنتُ تاجرًا قبل المَبْعَث، فلما جاء الإسلامُ جمعتُ التِّجارةَ والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التِّجارةَ ولزمت العبادة. تأخر إسلامُ أبي الدَّرداء، فقال سعيد بن عبدالعزيز: إنه أسلم يوم بدرٍ وشهد أحدًا، وأنَّ رسولَ الله ◌َّ أمره أن يردّ من على الجبل يوم أحُد، فردّهم وحده، وكان يومئذٍ حسنَ البلاء، فقال رسولُ الله ◌َّه: ((نِعم الفارس عُوَيمر))(٢) . وعنه ◌ََّ، قال: ((حكيم أمَّتي عُويمر))(٣). وفي البخاري (٤) من حديث أنس، قال: مات رسول الله وَّ ولم يجمع القرآن غيرُ أربعة: أبو الدَّرداء، ومُعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري . (١) تاريخ دمشق ٤٧ / ٩٤. (٢) أخرجه ابن عساكر ١٠٨/٤٧ - ١٠٩ من طريق شريح بن عبيد، قال: كان أبو الدرداء ... فذكره. وإسناده منقطع، شريح لم يدرك أبا الدرداء. وقد رواه أيضًا من طرق أخرى عن أبي الدرداء، وكلها فيها انقطاع . (٣) إسناده إسناد سابقه، أخرجه ابن عساكر أيضًا ٤٧ / ١٠٨ - ١٠٩. وأخرجه ابن عساكر ١١٣/٤٧ عن جبير بن نفير، بنحوه مرسلاً، جبير مخضوم لم يفد إلا في عهد عمر على الراجح. (٤) البخاري ٢٣٠/٦. ٢١٥ وقال الشَّعبيُّ: جَمَعَ القرآنَ على عهد رسول اللهُِّ ستَّةٌ، فسمى الأربعة وأُبي بن كعب، وسعد بن عُبيد، قال: وكان بقي على مُجَمِّع بن جارية سورة أو سورتان، حين تُوفي النبيُّ چل﴾ . وكان ابن مسعود قد أخذ من في رسولِ اللهِ مَّ بضعًا وسبعين سورة، وتعلَّم بقيّة القرآن من مُجَمِّع ولم يجمع أحدٌ من خلفاء الصحابة القرآن غيرُ عثمان . وعن أبي الزَّاهريّة، قال: كان أبو الدَّرداء من آخر الأنصار إسلامًا . وقال معاوية بن صالح، عن أبي الزَّاهرية، عن جُبَير بن نُفَير، قال: قال النبيُّ مَّهِ: ((إنَّ الله وعدني إسلامَ أبي الذَّرداء))(١). قال: فأسلم. وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتْبعُنا للعِلْم والعمل أبو الدَّرداء . وقال أبو جُحَيفة الشُّوائيُّ: آخى رسولُ اللهِ مَلِ بين سَلْمان وأبي الدَّرداء، فجاءه سَلْمان يعوده، فإذا أمُّ الدَّرداء مُتَبذِّلة، فقال: ما شأنُكِ؟ قالت: إنَّ أخاك أبا الدَّرداء يقوم الليل ويصومِ النهارَ، وليس له في شيءٍ من الدنيا حاجة. فجاءه أبو الدَّرداء فرحب بسَلْمان وقرّب إليه طعامًا، فقال سَلْمان: كُل قال: إنِّي صائم، قال: أقسمت عليك لَتُفْطرنَّ. فأفطر، ثم بات سلمان عنده، فلمَّا كان من الليل أراد أبو الدَّرداء أن يقوم، فمنعه سَلمان وقال: إنَّ لجسدك عليك حقًّا، ولربِّك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًّا، صُم وأفطر وصلِّ وأتِ أهَلَكَ وأعط كلَّ ذي حقِّ حقه. فلمَّا كان وجهُ الصّبح قال: قُم الآن إنْ شئت، فقاما وتوضَّأ ثم ركعا ثم خرجا، فدنا أبو الدَّرداء ليخبر رسولَ الله ◌ِ ◌ّ بالذي أمرهُ سَلْمان، فقال له: ((يا أبا الذَّرداء إنَّ لجسدكَ عليكَ حقًّا مثل ما قال لك سَلْمان))(٢). (١) أخرجه ابن عساكر ١٠٥/٤٧ - ١٠٦، وإسناده صحيح إن سمعه جبير بن نفير من أبي الدرداء . (٢) أخرجه البخاري ٤٩/٣ و٤٠/٨، وتمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي حديث (٢٤١٣) . ٢١٦ وقال سالم بن أبي الجَعْد: قال أبو الدَّرداء: سَلوني فَوَالله لئن فقدتموني لتفقُّدُنَّ رجلاً عظيمًا . وقال يزيد بن عَمِيرة: احتُضرَ مُعاذ، قالوا: أوصنا. قال: التمسوا العِلْمِ عند أربعة: أبي الدَّرداء، وسَلْمان، وابن مسعود، وعبدالله بن سلام. وعن أبي ذَرِّ أنَّه قال: ما أظلَّت خضراءُ أعْلَمَ منك يا أبا الدَّرداء. قال أبو عمرو الدَّاني: عَرَضَ على أبي الدَّرداء القرآنَ: عبدالله بن عامر، وخُليدُ بن سعد القارىء، وراشد بن سعد، وخالد بن مَعْدان . قلت: في عَرْض هؤلاء عليه نَظَر . قال الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمَّام بن الحارث، قال: كان أبو الدَّرداء يقرىء رجلاً أعجميًا فقرأ: ﴿طَعَامُ الْأَثِمِينَ﴾ [الدخان] ((طعامُ اليتيم))، فقال أبو الدَّرداء: ﴿طَعَامُ الْأَثِيْمِ﴾، فلم يقدر يقولها، فقال أبو الدَّرداء: ((طعامُ الفاجر)) فأقرأه ((طعام الفاجر)). وقال خالد بن مَعْدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقِلَين. فيقال: من العاقلان؟ فيقول: مُعاذ، وأبو الدَّرداء. وروى الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّة، عن خَيْثمة، قال: كان أبو الدَّرداء يُصلح قِدْرًا له، فوقعت على وجهها فجعلت تُسَبِّح، فقال: يا سَلْمان تعال إلى ما لم يسمع أبوكَ مثله قطّ، فجاء سَلْمان وسكن الصَّوت، فأخبره، فقال سَلْمان: لو لم تصِح (١) لرأيتَ أو لسمعتَ من آيات الله الكبرى. حديث (٢) صحيح (٢). وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: كان أبو الدَّرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: ارجعا إليَّ أعيدا عليَّ قضيَّتكما. وقال أبو وائل، عن أبي الدَّراء، قال: إنِّي لَآمُرُكم بالأمر وما أفعلُه، ولكن لعلَّ الله أنْ يأجُرني فيه . (١) من الصياح. (٢) إن كان خيثمة بن عبدالرحمن الأشجعي سمعه من أبي الدرداء، فإنه لم يسمع من ابن مسعود، وقد توفيا في السنة نفسها . ٢١٧ وقال ميمون بن مِهْران: قال أبو الدَّرداء: ويلٌ للذي لا يعلم مرَّةً، وويلٌ للذي يعلمُ ولا يعمل سبعَ مرَّاتٍ . وقال عَوْنٍ بِن عبدالله: قلتُ لأمِّ الدَّرداء: أيُّ عِبادة أبي الدَّرداء كانت أكثر. قالت: التَّفكّر والاعتبار. وعن أبي الدَّرداء أنَّ قيل له: كم تُسبِّح في كلِّ يوم؟ وكان لا يَفْتَرُ من الذِّكر، قال: مئة ألف، إلاَّ أنْ تُخطىء الأصابع . وقال معاوية بن قُرَّة: قال أبو الدَّرداء: ثلاثةٌ أُحبُّهن ويكرهُهُنَّ الناسُ: الفقرُ والمرضُ والموتُ. وعنه، قال: أحبُّ الموتَ اشتياقًا لربِّي، وأحبُّ الفقرَ تواضعًا لربِّي، وأحِبُّ المرض تكفيرًا لخطيئتي(١). وقال عِكْرمة بن عمار، عن أبي قُدامة محمد بن عُبيد الحنفي، عن أمِّ الدَّرداء، قالت: كان لأبي الدَّرداء ستُّون وثلاث مئة خليلٍ في الله يدعو لهم في الصَّلاة، قالت: فقلتُ له في ذلك، فقال: إنَّه ليس رجلٌ يدعو لأخيه في الغَيْبِ إلاّ وكل اللهُ به مَلَكين يقولان: ولكَ بمثل ذلك. أفلا أرغبُ أن تدعو لي الملائكة . قال الواقدي، وأبو مُسهر: مات أبو الدَّرداء سنة اثنتين وثلاثين(٢). ع: أبو ذَرِّ الغِفَاري. اسمه جُندُب بن جُنادة على الصَّحيح، وقيل: جُندُب بن سَكَن، وقيل: بُرَير بن عبدالله، أو ابن جُنادة. أحد السَّابقين الأوَّلين، يقال: كان خامسًا في الإسلام، ثم انصرف إلى بلاد قومه، وأقام بها بأمر النبيِّ وَّ، ثم لمَّا هاجر النبيُّ ◌َّل هاجر أبو ذرٍّ إلى المدينة . ورُوي أنَّه كان آدم جسيمًا، كث اللِّحية. (١) هذا الكلام لا يصح عنه رضي الله عنه، فقد أخرجه ابن سعد ٣٩٢/٧، وابن عساكر بإسناد ضعيف، وهو مخالف لهدي رسول الله مح له، فقد كان ◌َله يستعيذ بالله من الفقر، وينهى عن تمني الموت، ويسأل الله العافية. (٢) ينظر تهذيب الكمال ٤٦٩/٢٢ - ٤٧٥. ٢١٨ قال أبو داود: لم يشهد أبو ذَرٍّ بدرًا، وإنما ألحقه عمر مع القُرَّاء. وكان يوازي ابن مسعودٍ في العِلْم والفَضْل، وكان زاهدًا أمَّارًا بالمعروف، لا تأخذُه في الله لومةٌ لائم. وعن النبيِّ بَّه قال: ((ما أقلَّت الغَبْراء ولا أظلَّت الخضراء أصدَقَ لهجةً من أبي ذَرِّ)). حسنَّه الترمذي(١) من حديث عبدالله بن عمرو . وعن عليٍّ رضي الله عنه، وسُئل عن أبي ذَرٍّ فقال: وَعَى عِلْمًا عجز الناسُ عنه، ثم أوکی علیه، فلم يُخرج منه شيئًا . وقال النبيُّ ◌َّه: ((يا أبا ذرٍّ إنِّي أراكَ ضعيفًا وإني أحبُّ لكَ ما أحبُّ لنفسي فلا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيْنَّ مالَ يتيم)» (٢) . وقال أبو غسَّان التَّهْدي: حدثنا مسعود بن سعد، عن الحسن بن عُبيد الله، عن رِياح بن الحارث، عن ثَعْلَبة أنَّ عليًا قال: لم يبقَ اليومَ أحدٌ لا يبالي في الله لومة لائمٍ غير أبي ذَرٍّ ولا نفسي، ثم ضرب بيده على صدره. وقال بُرَيدة بن سُفيان، عن محمد بن كعب القُرظي، عن ابن مسعود، قال: لما سار رسولُ الله ◌َِّ إلى تَبُّوك، جعل لا يزال يتخلَّف الرجلُ، فيقولون: يا رسول الله تخلّف فلانٌ، فيقول: ((دَعُوه فإنْ يكن فيه خيرٌ فَسَيُلحقُه الله بكم))، حتى قيل: يا رسولَ الله تخلّف أبو ذَرٍّ، فقال ما كان يقولُه، فَتَلَوَّم عليه بعيرُه، فلمَّا أبطأ عليه أخذ أبو ذَرِّ مَتَاعهُ فجعله على ظهره، ثم خرج يتبعُ رسولَ الله ◌ِ له ماشيًا، ونظر ناظرٌ من المسلمين، فقال: إنَّ هذا لرجلٌ يمشي على الطَّريق. فقال رسولُ اللهِ ◌ّ: ((كُن أبا ذَرِّ). فلما تأمَّله القوم قالوا: يا رسولَ الله، هو والله أبو ذَرٍّ، فقال: ((يرحم الله أبا ذَرِّ يمشي وحده، ويموتُ وحده، ويُحشر وحده))(٣). فضرب الدَّهْر من (١) الترمذي (٣٨٠١) و(٣٨٠٢)، وهو حديث ضعيف كما بيناه في تعليقنا على الترمذي. (٢) أخرجه مسلم ٦/٦، وقال المصنف في ترجمته الموسعة من السير: ((فهذا محمول على ضعف الرأي، فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرًا فقد كان لا يستجيز إدخار النقدين، والذي يتأمر على الناس يريد أن يكون فيه حلم ومدارة، وأبو ذر رضي الله عنه كانت فيه حدة، فنصحه النبي (وَ ثِير)). (٣) إسناده ضعيف لضعف بريدة بن سفيان كما بيناه في ((تحرير التقريب)). ٢١٩ ضربه(١)، وسُيِّر أبو ذرٍّ إلى الرَّبَذة فمات بها. واتفقَ مرور عبد الله بن مسعود به من الكوفة فصلَّى عليه وشهِدَه. ومناقبُ أبي ذرِّ كثيرة. روى عنه أنس، وجُبَير بن نُفَير، وزيد بن وهب، وسعيد بن المسيِّب، وأبو سالم الجَيْشاني سُفيان بن هانىء، والأحنف بن قيس، وعبدالرحمن بن غَنْم الأشعري، وأبو مُراوح، وقيس بن عُبَاد، وسُويد بن غَفَلة، وأبو إدريس الخَوْلاني، وعبد الله بن الصَّامت، والمَعْرُور بن سُويد، وأبو عثمان النَّهْدي، وخلق سواهم. وقد استوعب ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» أخباره وأحواله(٢). قال حسين المُعَلِّم، عن ابن بُرَيدة: كان أبو ذَرِّ رجلاً أسودَ، كَثَّ اللُّحية. كان أبو موسى يُكرمه ويقول: مرحبًا بأخي. فيقول: لستُ بأخيك إنَّما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتَعمل . ومن أخبار أبي ذَرِّ إنَّه كان شجاعًا مِقْدامًا، قال محمد بن سعد(٣): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي سَبرة، عن يحيى بن شبل عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضة قال: كان أبو ذَرٍّ رجلاً يصيب، وكان شجاعًا ينفرد وحده، ويقطع الطريق، ويُغير على الصَّرْم(٤) كأنه السَّبعُ، ثم إنَّ الله قذفَ في قلبه الإسلامَ. فَضيل بن مرزوق، قال: حدثتني جَبَلة بنت مُصَفَّى(٥)، عن حاطب، قال: قال أبو ذَرٍّ: ما ترك رسولُ اللهِ وَ﴿ شيئًا مما صبَّهُ جبريل وميكائيل في صدره إلاَّ قد صبَّهُ في صدري، ولا تركتُ شيئًا مما صبَّه رسول الله ◌َِّ في (١) أي: مَر من مروره وذهب بعضه، ويروى: ضرب الدهر من ضربانه . (٢) تاريخ مدينة دمشق ٦٦/ ١٧٤ - ٢٢٣ . (٣) طبقاته ٤/ ٢٢٢. (٤) الصَّرْم: الجماعة . (٥) هكذا كتبه المؤلف بدلالة اتفاق النسخ عليه، وهو كذلك أيضًا في السِّير وإن غيره المحقق (٥٨/٢ هامش ٣)، وهو وهم منه رحمه الله، فالمعروف أنه ((مُصفح)»، ويقال: ((مصبح)) - بالموحدة -، كما فى تهذيب الكمال (١٤١/٣٥) وغيره، والمحافظة على نص المؤلف وإن لم يكن صوابًا أولى، وهي مجهولة الحال، وهذا الحديث أخرجه النسائي في ((مسند علي)). ٢٢٠