النص المفهرس
صفحات 161-180
لتكون من زوجات النبيِّ ◌َّ في الجنَّة. روى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري. وتُوفيت في آخر خلافة عمر، وقد انفردت بصُحبةِ رسولٍ الله ◌َّ أربع سنين لا يشاركها فيه امرأة ولا سُرِّيَّة، ثم بنى بعائشة بَعدُ، ولها تسعُ سنين، وكانت سَوْدة من ساداتِ النساء. قال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ امرأةً أحب أن أكون في مِسْلاخِها(١) من سَوْدة من امرأةٍ فيها حِدَّة، فلمَّا كَبُّرت جعلت يومها من رسولِ الله ◌ُعَل لعائشة. وقال الواقديُّ: حدثنا محمد بن عبدالله بن مسلم، قال: حدثنا أبي، قال: تزوج رسولُ الله م ◌َ سَوْدة في رمضان سنة عشرٍ من النُّبُّوة بعد وفاة خديجة، وهاجر بها. وتوفيت بالمدينة في شؤَّال سنة أربع وخمسين. قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا. وروى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، قال: تُوفيت سَوْدة زمن عمر (٢) . عُتبة بن مسعود الهُذليُّ، أخو عبدالله لأبويه، وهو جدُّ الفقيه عُبيدالله بن عبدالله شيخ الزُّهري . أسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة مع أخيه، وشَهِدَ أحدًا، وكان فقيهًا فاضلاً. تُوفي في إمرة عمر على الصَّحيح، ويقال: زمن معاوية. علقمة بن عُلاثة بن عَوْف العامريُّ الكِلابيُّ. من المؤلّفَة قلوبُهُم. أسلم على يد النَّبِيِّ مَ﴿، وكان من أشرافٍ قومه، وكان يكون بتهامة، وقد قدِم دمشق قبل فتحها في طلبٍ ميراثٍ له، ووفَدَ علی عمر في خلافته. روى عنه أنس . علقمة بن مُجَزِّز(٣) بن الأعور المُدْلِجيُّ. استعمله النَّبيُّ ◌َ﴿ على بعض جيوشه، وولاّه الصِّدِّيق حربَ فلسطين، وحضر الجابية مع عمر، ثم سيَّره عمر في جيشٍ إلى الحَبَشَة في ثلاث مئة، (١) أي: في مثل هَدْيها وطريقتها . (٢) من تهذيب الكمال ٢٠٠/٣٥ - ٢٠٣. (٣) قيده المصنف بخطه، وفي المشتبه له، وتبعه ابن ناصر الدين فقيده بالحروف ٨/ ٧٦. تاريخ الإسلام ١١/٢ ١٦١ فغَرِقُوا كلُّهم، وقيل: كان ذلك في أيام عثمان بن عفّان. وأبوه مُجَزِّز هو المعروف بالقيافة . عَمْرو بن عَوْف، حليف بني عامر من لُؤَيّ. من مُولَّدي مكة، سمّاه ابن إسحاق عَمْراً، وسمّاه موسى بن عُقْبَة عُمَيْراً. شهد بدْراً وأحُداً. وروى عنه المِسْوَر بن مَخْرَمَة حديثَ قدوم أبي عُبَيْدة بمالٍ من البحرين. أخرجه البخاريُّ(١)، وصلّى عليه عمر رضيَ الله عنه(٢). عويم بن ساعدة بن عابس، أبو عبدالرحمن الأنصاريُّ، أحد بني عَمْرو بن عوف. بدريٌّ مشهورٌ، وقيل: هو من بَليٍّ، له حِلْفٌ في بني أُميَّة بن زيد، وقد شَهِدَ العَقَبة أيضًا. وله حديث في (مُسند أحمد))(٣) من رواية شَرَحبيل ابن سعد عنه، ولم يُدْرکه. وقال ابن عبدالبَرِّ(٤): توفي في حياة النبيِّ ◌ِّ، وقيل: مات في خلافة عمر. فقال وهو واقفٌ على قبره: لا يستطيع أحدٌ أن يقول: أنا خيرٌ من صاحب هذا القبر، ما نُصبت لرسولِ اللهِ مَ ﴿ رايةٌ إلاَّ وعُويم تحتها . عُمَارَة بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، المخزوميُّ. قال الواقديُّ: حدّثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عَوْن(٥)، قال: لمّا كان من أمر عَمْرو بن العاص ما كانَ بالحبشة، وصِنع النَّجَاشيُّ بعمارة بن الوليد ما صنع، وأمر السَّواحِر فنفخنَ في إحليله، فَهَامَ مع الوحشِ، فخرج إليه في خلافة عمر عبدُالله بن أبي ربيعة ابن عمّه فرصده على ماءٍ بأرضٍ الحبشة كان يَرِدُه فأقبلَ في حُمر الوحش، فلمَّا وجد ريحَ الإنس هرب حتَّى (١) البخاري ١١٧/٤ و١٠٨/٥. وأخرجه مسلم أيضًا ٢١٢/٨ فهو متفق عليه. (٢) من تهذيب الكمال ١٧٤/٢٢ - ١٧٧، ولم يرقم عليه المصنف، ورقومه فيه خ مت ن ق. (٣) أحمد ٣/ ٤٢٢. (٤) الاستيعاب ١٢٤٨/٣. (٥) هو عبدالواحد بن أبي عون. ١٦٢ إذا جهدَهُ العطشُ وردَ فشربَ، قال عبد الله: فالْتَزَمْتُهُ فجعل يقول: يا بَحِير(١) أرسِلْنَي إنِّي أموت إنَّ أمسكوني. وكان عبدالله يسمَّى بَحِيراً، قال فضبطته فمات في يدي مكانَهُ، فوارَيْتُهُ ثمّ انصرفتُ، وكان شعرهُ قد غَطَّى كلَّ شيءٍ منه . غَيْلان بن سَلَمَة الثقفيُّ. له صُحْبة ورواية، وهو الذي أسلم وتحته عَشْرُ نِسْوة. وكان شاعراً محسناً. وفَدَ قبلَ الإسلام على كِسْرى فسأله أنْ يبني له حصناً في الطائف. أسلم زمن الفتح. روى عنه ابنه عُرْوَة، وبِشْر بن عاصم . مَعْمَر بِن الحارث بن مَعْمَر بن حبيب بن وَهْب الجُمَحِيُّ، أخو حاطب وحطاب، وأمُّهم قيلة أخت عثمان بن مظعون . أسلم مَعْمَر قبل دخول دار الأرقم، وهاجر، وآخى رسولُ الله ◌ِ ◌ّه بينه وبين معاذ بن عفراء، وشهدَ بدراً. ميسرة بن مسروق الَعَنْسيُّ. شيخ صالح، يقال: له صُحبة شهد اليرموك، وروى عن أبي عُبَيْدة. وعنه أسلم مولى عمر. ودخل الرومَ أميراً على سِتَّةِ آلاف، فوغلَ فيها وقتل وسَبَى وغِنِمَ فجمعتْ له الرومُ، وذلك في سنة عشرين، فَوَافَعَهُم ونصره الله عليهم، وكانت وقعة عظيمة . الهُرْمُزان صاحب تُسْتَرَ(٢). قد مَرَّ من شأنه في سنة عشرين، وهو من جُمْلة الملوك الذين تحتَ يدِ یزْدَجِرْد. قال ابن سعد(٣): بعثه أبو موسى الأشعريّ إلى عمر ومعه اثنا عشر نَفْساً من العجم، عليهم ثيابُ الدّيباج ومناطقُ الذَّهب وأساورة الذَّهب، فقدِمُوا بهم المدينة، فعجِب النَّاسُ من هيئتهم، فدخلوا فوجدوا عمرَ في المسجد نائماً متوسِّداً رداءه، فقال الهُرْمُزَان: هذا ملِكُكُم؟ قالوا: نعم، قال: أمَا له (١) قيده المصنف في المشتبه ٤٦، وابن ناصر الدين في التوضيح ٣٤٨/١. (٢) كتب المصنف هذه الترجمة بأخرة فأضافها إلى نسخته بورقتين مستقلتين. (٣) الطبقات الكبرى ٨٩/٥ - ٩٠. ١٦٣ حاجبٌ ولا حارس؟! قالوا: اللهُ حارسه حتَّى يأتيه أجلُه، قال: هذا المُلك لهَنِيُّ. فقال عمر: الحمدُ لله الذي أذلَّ هذا وشيعتَه بالإسلام، ثمّ قال للوفد : تكلَّموا. فقال أنس بن مالك: الحمدُ لله الذي أنجز وعده وأعزَّ دينه وخذلَ مَنْ حَادَّهُ، وأورثَنَا أرضَهم وديارهم، وأفاء علينا أبناءهم وأموالهم. فبكى عمر ثم قال للهرمُزَان: كيف رأيتَ صنيعَ الله بكم؟ فلم يُجْبه، قال: مالك لا تتكلّم؟ قال: أكَلَامُ حيِّ أم كَلاَم مَيِّتٍ؟ قال: أوَ لَسْتَ حيّاً! فاستسقى الهُرْمُزان، فقال عمر: لا يُجْمَع عليك القتْلُ والعَطَشُ، فأتوه بماءٍ فأمسكه، فقال عمر: اشربْ لا بأسَ عليك، فرمى بالإناء وقال: يا معشرَ العرب كنتم وأنتم على غير دين نتعبدكم ونقتلكم وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالاً، فلمّا كان اللهُ معكم لم يكن لأحدٍ بالله طاقةٌ. فأمر عمرُ بقتله، فقال: أوَلَم تؤمِّنِّي! قال: كيف؟ قال: قلت لي: تَكَلَّمْ لا بأسَ عليك، وقلت: اشربْ لا أقتلك حتَّى تشربه، فقال الزُّبَيْر وأنس: صَدَقَ، فقال عمر: قاتله الله أخذ أماناً وأنا لا أشعرُ، فنزع ما كان عليه، فقال عمر لسراقة بن مالك بن جُعْشم وكان أسود نحيفاً: البس سِوَارَيّ الهُرْمزان، فلبسهما ولبس كِسْوَتَه. فقال عمر: الحمد لله الذي سَلَبَ كِسْرَى وقومَهُ حُلِيَّهم وكِسْوَتهم وألبسها سُرَاقة، ثمّ دعا الهُرْمُزان إلى الإسلام فأبى، فقال عليّ بن أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين فرِّقِ بين هؤلاء. فحمل عمر الهُرْمُزان وجُفَيْنَةَ وغِيرَهما في البحر، وقال: اللَّهُمَّ اكسِرْ بهم، وأراد أنَّ يسيرَ بهم إلى الشام فكُسِرَ بهم ولم يغرقوا فرجعوا فأسلموا، وفرض لهم عمر في ألفين ألفين، وسمَّى الهُرْمُّزانَ عُرْفُطَة . قال المِسْوَر بن مَخْرَمَة: رأيتُ الهُرْمزان بالرَّوحاء مُهِلاً بالحجِّ مع عمر. وروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، قال: رأيت الهُرْمُزان مُهلاً بالحجّ مع عمر، وعليه حِلّة حِبَرة. وقال عليّ بن زيد بن جُدْعان، عن أنس، قال: ما رأيت رجلاً أخمص بطناً ولا أبعد ما بين المنكبَيْن من الهُرْمُزان . ١٦٤ عبدالرّزاق، عن مَعْمر، عن الزُّهْريّ: أخبرني سعيد بن المسيّب، أنّ عبدالرحمن بن أبي بكر - ولم تجرَّب عليه كذبة قط - قال: انتهيت إلى الهُرْمُزان وجُفَيْنَة وأبي لؤلؤة وهم نَجِيٌّ فَبَغتهم، وسقط من بينهم خنجر له رأسان نِصابُهُ في وسطه، فقال عبدالرحمن: فانظروا بِمَا قُتِل عمر، فنظروا بما قتل عمرُ، فنظروا فوجدوه خنجراً على تلك الصِّفَة، فخرج عُبَيْد الله بن عمر بن الخطّاب مشتملاً على السّيف حتّى أتى الهُرْمُزان، فقال: اصحبني ننظر فرساً لي - وكان بصيراً بالخيل - فخرج يمشي بين يديه فعلاه عُبَيْد الله بالسيف، فلما وجد حَدَّ السّيف قال: لا إله إلاّ الله فقتله. ثمّ أتى جُفَيْنة وكان نصرانياً، فلمّا أشرف له عَلَاَهُ بالسَّيفِ فصلَّب بين عينيه. ثمّ أتى بنت أبي لؤلؤة جارية صغيرة تَدَّعي الإسلام فقتلها، وأظلمت الأرضُ يومئذٍ على أهلها، ثم أقبل بالسَّيف صلتاً في يده وهو يقول: واللهِ لا أترك في المدينة سَبْياً إلاّ قتلته وغيرهم، كأنّه يعرِّض بناس من المهاجرين، فجعلوا يقولون له: ألْقِ السَّيفَ، فأبى، ويهابونه أن يقربوا منه، حتّى أتاه عَمْرو بن العاص، فقال: أعطني السّيف يا ابن أخي. فأعطاه إيَّاهُ. ثم ثار إليه عثمان فأخذ برأسه فتناصيا(١) حتَّى حجزَ النّاسُ بينهما. فلمّا ولّي عثمان، قال: أشيروا عليَّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فأشار المهاجرون بقتله، وقال جماعةُ النَّاس: قُتِل عمر بالأمس ويُتْبِعُونه ابنَهُ اليوم! أَبْعَدَ اللهُ الهُرْمُزان وجُفَيْنَة، فقال عَمْرو: إنّ الله قد أعفاك أنْ يكون هذا الأمر في ولايتِك فاصفحْ عنه، فتفرَّقَ النَّاسُ على قول عَمْرو، ووَدَى عثمانُ الرَّجُلَين والجارية . رواه ابن سعد(٢) عن الواقدي عن مَعْمَر، وزاد فيه: كانِ جُفَيْنَة من نصارى الحِيرَة وكان ظِئْراً لسعد بن أبي وقّاص يُعلِّمُ النّاسَ الخطّ بالمدينة، وقال فيه: وما أحسب عمراً كان يومئذٍ بالمدينة بل بمصر إلاّ أن يكون قد حجَّ، قال: وأظلمت الأرض فعظُم ذلك في النّفوس وأشفقوا أنْ تكون عقوبة . (١) أي: تواخذا بالنواصي. (٢) طبقات ابن سعد ٣٥٥/٣-٣٥٦. ١٦٥ وعن أبي وجزة، عن أبيه، قال: رأيت عُبَيْد الله يومئذٍ وإنّه لَيُنَاصي عثمانَ، وعثمانُ يقولُ له: قَاتَلَكَ اللهُ قتلتَ رجلاً يُصلِّي وصبيّةً صغيرةً وآخَر له ذِمّة، ما في الحقُ تركُكَ. وبقي عُبَيْد الله بن عمر وقُتِل يوم صِفّين مع معاوية . مَعْمَر، عن الزُّهْري: أخبرني حمزة بن عبدالله بن عمر، أنَّ أباه قال: يَرْحَم الله حَفْصَةَ إنْ كانت لمن شَيَّعَ عُبَيْد الله على قَتْلِ الهُرْمُزان وجُفَيْنَة . قَال مَعْمَر: بَلَغَنَا أَنَّ عثمان قال: أنا وليُّ الهُرْمُزان وجُفَيْنَة والجارية، وإنّي قد جعلتها دِيَة. وذكر محمد بن جرير الطَّبريّ(١) بإسنادٍ له أنَّ عثمان أقاد ولد الهُرْمُزان من عبَيْدالله، فعفا ولدُ الهُرْمُزان عنه . هند بنت عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس العَبْشَمِيّة، أُمّ معاوية بن أبي سفيان . أسلمت زمن الفتح وشهِدَت اليرموك. وهي القائلةُ للنَّيِّ بَّ: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح لا يُعطيّ ما يَكفيني وولدي، قال: ((خُذِي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف)). وكان زوجها قبل أبي سُفْيان حفص بن المُغِيرة عمّ خالد بن الوليد، وكان منِ الجاهليّة. وكانت هند من أحسن نساء قريش وأعقلهنَّ، ثمّ إنَّ أبا سُفيان طلَّقها في آخرِ الأمر، فاستقرضت من عمر من بيتِ المالِ أربعةَ آلاف دِرْهم، فخرجت إلى بلاد كلب فاشترتْ وباعت. وأتت ابنَها معاوية وهو أميرٌ على الشام لعمر، فقالت: أي بُنَيَّ إنَّه عمرُ وإنَّما يعملُ لله. ولها شِعْر جيّدٌ. واقد بن عبدالله بن عبد مَنَاف بن عزيز الحنظليُّ اليربوعيُّ، حليف بني عَدِيّ. من السّابقين الأوَّلِين، أسلم قبل دار الأرقم، وشهد بذْراً والمشاهدَ كلَّها، وآخِى رسولُ الله ◌ِّ بينه وبين بِشْر بن البراء بن مَعْرُور، وكان واقد في سَرِيَّة عبدالله بن جَحْش إلى نَخْلة فَقَتل واقدٌ عَمْرو بن الحَضْرَميّ، فكانا (١) تاريخ الطبري ٢٤٣/٤. ١٦٦ أوّل قاتل ومقتولٍ في الإسلام. وتُوُفِّي واقد في خلافة عمر . أبو خِراش الهُذَلّي الشّاعر، اسمه خُوَيْلِد بن مُرَّة، من بني قِرد بن عَمْرو الهُذَليّ. وكان أبو خِراش ممّن يعدو على قدميه فيسبق الخيل، وكان في الجاهلية من فُتّاك العرب ثم أسلم. قال ابن عبدالبَرِّ(١): لم يبق عربيٍّ بعد حُنَيْن والطّائف إلاّ أسلم، فمنهم من قدِم ومنهم من لم يَقْدَم(٢)، وأسلم أبو خِراشٍ وحَسُن إسلامُه. وتُوُفِّي زمن عمر، أتاه حُجّاجٌ فمشى إلى الماء ليملأ لهم فَنَهَشَتْه حيَّةٌ، فأقبل مسرِعاً فأعطاهم الماء وشاةً وقِدْراً ولم يُعْلِمْهُم بما تَمَّ له، ثمّ أصبح وهو في الموت، فلم يبرحوا حتّی دفنوه. أبو ليلى المازنيُّ، واسمه عبدالرحمن بن كعب بن عَمْرو . شهد أُحُداً وما بعدها، وكان أحد البكَّائين الذين نزل فيهم: ﴿ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهَمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْمَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة]. أبو مِحْجَن الثَّقْفيُّ. في اسمه أقوال. قدِم مع وفد ثقيف فأسلم، ولا رواية له، وكان فارسَ ثقيف في زمانه إلاّ أنّه كان يُدْمن الخمرَ زماناً، وكان أبو بكر رضي الله عنه يستعينُ به، وقد جُلِد مِراراً، حتّى إنَّ عمر نفاه إلى جزيرةٍ، فهرب ولحِقَ بسعد ابن أبي وقّاص بالقادسيّة، فكتب عمر إلى سعد فحبَسَه. فلمّا كان يوم فَسِّ النّاطِف، والْتَحَم القتالُ سأل أبو مِحْجَن من امرأةٍ سعدِ أنْ تحلَّ قَيْدَه وتُعْطِيَه فَرَساً لسعد، وعاهدها إنْ سَلِم أنْ يعودَ إلى القَيْد، فحلَّته وأعطته فرساً فقاتل وأبلى بلاءً جميلاً ثمّ عاد إلى قيده. قال ابن جُرَيْج: بلغني أنّه حُدَّ في الخمرِ سبعَ مرّات. وقال أيّوب، عن ابن سِيرِين، قال: كان أبو مِحْجَن لا يزال يُجْلَد في الخمر، فلمّا أكثر سجنوه، فلَمّا كان يوم القادسيّة رآهم فكلّم أمّ ولد سعد فأطلقته وأعطته فرساً وسلاحاً، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدقّ (١) الاستيعاب ١٦٣٦/٤ -١٦٣٩. (٢) أي: على النبي ◌َّل. ١٦٧ صُلْبَه، فنظر إليه سعد فبقي يتعجَّب ويقول: مَنِ الفارس؟ فلم يلبثوا أنْ هزمهم ورجع أبو مِحْجَن وتقيَّد، فجاء سعد وجعل يخبر المرأة ويقول: لقينا ولقينا، حتّى بعث اللهُ رجلاً على فَرَسِ أبلق لولا أنَّ تركتُ أبا مِحْجَن في القيود لظننتُ أنَّها بعض شمائله. قالتَ: واللهِ إنّه لأبو مِحْجَن، وحَكَتْ له، فدعا به وحلَّ قيوده، وقال: لا نجلدك على خمرٍ أبداً، فقال: وأنا واللهِ لا أشربها أبداً، كنت آنفُ أنْ أَدَعَها لجلْدِكم، فلم يشربها بعد . روى نحوه أبو معاوية الضرير، عن عَمْرو بن مهاجر، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: لمّا كان يوم القادسيّة أُتَّ بأبي مِحْجَن سكران فقيّده سعد، وذكر الحديث. ونقل أهلُ الأخبار أنّ أبا مِحْجَن هو القائل : تُرَوِّي عِظامي بعد موتي عُرُوقُها إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جنب كرْمَةٍ أخافُ إذا ما مِتُ ألاّ أَذُوقُها ولا تَدْفِيَنّي بالفَلاةِ فإنّني فزعم الهيثمُ بن عدِيّ أنّه أخبره من رأى قبر أبيٍ مِحْجَن بأذْرَبِيْجان - أو قال: في نواحي جُرْجَان - وقد نبتت عليه كَرْمَةٌ وظلَّلَتْ وأثمرت، فعجِب الرجلُ وتذكّر شِعْرَه. ١٦٨ سنةً أربعٍ وَعِشرين خلافة عثمان دُفِن عمر رضي الله عنه في أوَّل المحرَّم، ثمّ جلسوا للشُّورَى، فروي عن عبد الله بن أبي ربيعة أنَّ رجلاً قال قبل الشُّورَى: إنْ بايعتم لعثمان أطَعْنا، وإنْ بايعتم لعليٍّ سمِعْنا وعَصَيْنا . وقال المِسْوَرَ بن مَخْرَمَة: جاءني عبدالرحمن بن عَوْف بعد هجع من الليل فقال: ما ذاقت عيناي كثيرَ نوم منذ ثلاث ليالٍ فادْعُ لي عثمانَ وَعليًّا . والزُّبَيْر وسِعْداً، فَدَعَوْتُهُم، فجعل يخَّلو بهم واحداً واحداً يأخذ عليه، فلمَّا أصبح صلَّى صُهَيْبِ بالنَّاس، ثمّ جلس عبدالرحمن فحمد الله وأثنى عليه، وقال في كلامه: إنِّي رأيتُ النَّاسَ يأبَوْن إلاّ عثمان . وقال حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عَوْف: أخبرني المِسْوَرَ أنَّ النَّفَر الذين ولأَهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال عبدالرحمن: لستُ بالَّذي أُنَافِسُكم هذا الأمرَ ولكنْ إنْ شئتم اخْتَرْتُ لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبدالرحمن، قال: فَوَاللهِ ما رأيتُ رجلاً بَذَّ قوماً قط أشدَّ ما بذَّهُم حين ولّوه أمْرَهُم، حتى ما مِن رجل من الناس يبتغي عند أحدٍ من أولئك الرهط رأياً ولا يطؤون عقبه، ومال الناس على عبدالرحمن يُشاورونه ويُنَاجُونه تلك اللّيالي، لا يخلو به رجلٌ ذو رأي فَيَعْدِل بعثمانَ أحداً، وذكر الحديث إلى أنْ قال: فتشهّد وقال: أمَّا بعدٌ يا عليّ فإنِّي قد نظرتُ في النَّاسِ فلم أرهم يَعْدِلُون بعثمانَ فلا تجعلنَّ على نفسكَ سبيلاً، ثمّ أخذ بيد عثمانَ فقال: نبايعك على سُنَّة الله وسُنَّة رسوله وسُنَّة الخليفتَيْن بعده. فبايعه عبدالرحمن بن عَوْف وبايعه المهاجرون والأنصار. وعن أنس، قال: أرسل عمر إلى أبي طلحةَ الأنصاريٍّ، فقال: كُنْ في خمسينَ من الأنصار مع هؤلاء النَّفَر أصحاب الشُّورَى فإنَّهم فيما أحسِب سيجتمعون في بيتٍ، فقُمْ على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحداً يدخل ١٦٩ عليهم ولا تتركهم يمضي اليومُ الثالث حتّى يَؤَّمِّروا أحدَهم، اللَّهُمَّ أنتَ (١) خليفتي عليهم(١). وفي زيادات ((مُسْنَد أحمد))(٢) من حديث أبي وائل، قال: قلتُ لعبدالرحمن بن عَوْف: كيف بايعتم عثمانَ وتركتم عليًّا! قال: ما ذنبي قد بدأتُ بعليٍّ فقلتُ: أبايعكُ على كتابِ الله وسُنَّة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعتُ. ثُمَّ عرضتَّ ذلك على عثمان، فقال: نعم. وقال الواقديُّ(٣): اجتمعوا على عثمان لليلةٍ بقِيَت من ذي الحجَّة. ويُرْوَى أنَّ عبدالرحمن قال لعثمان خلْوةً: إنْ لم أُبايعْك فَمَنْ تُشير عليَّ؟ فقال: عليّ، وقال لعليّ خلْوَةً: إنْ لم أبايعْكَ فمن تُشير عليّ؟ قال: عثمان، ثمّ دعا الزُّبَيْر، فقال: إنْ لم أبايعْكَ فمن تُشير عليّ؟ قال: عليّ أو عثمان، ثمّ دعا سعداً، فقال: من تُشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنتَ فلا نُريدها. فقال: عثمان، ثمّ استشار عبدالرحمن الأعيانَ فرأى هَوَى أكثرِهم في عثمان . ثمّ نُودي ((الصّلاة جامعة)) وخرج عبدالرحمن عليه عِمامتُهُ التي عمَّمه بها رسولُ الله ◌َّةِ، متقلّداً سيفه، فصَعِد المنبرَ ووقف طويلاً يدعو سرّاً، ثمّ تكلَّمَ فقال: أيُّها النّاس إنّي قد سألتكم سِرّاً وجهْراً على أمانتكم فلم أجدكم تَعْدِلُون عن أحد هذين الرجُلَيْن: إمّا عليّ وإمّا عثمان، قم إليَّ يا عليّ، فقام فوقف بجنب المنبر فأخذ بيده، وقالٍ: هل أنت مُبَايعِي على كتاب الله وسُنَّة نبيِّه وفِعْلِ أَبي بكر وعمر؟ قال: اللَّهُمَّ لا. ولكنْ على جَهْدي من ذلك وطاقتي. فقال: قم يا عثمان، فأخذ بيده في موقف عليٍّ، فقال: هل أنت مبايعي على كتابِ الله وسُنَّة نبيّه وفِعْل أبي بكر وعمر؟ قال: اللَّهُمَّ نعم. قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يده، ثمّ قال: اللَّهُمَّ اشهد، اللَّهُمَّ إنّي قد جعلتُ ما في رقَبَتي من ذلك فِي رَقَبَةِ عثمان. (١) طبقات ابن سعد ٣/ ٦١ - ٦٢ . (٢) أحمد ١/ ٧٥ وإسنادها ضعيف. (٣) طبقات ابن سعد ٣/ ٦٣ . ١٧٠ فازدحم النّاس يُبَايِعُون عثمان حتّى غَشَوْهُ عند المنبر وأقعدوه على الدَّرَجَة الثانية، وقعد عبدالرحمن مقْعَدَ رسول الله مَل﴾ من المنبر. قال: وتلكَّأ عليٍّ، فقال عبدالرحمن: ﴿فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ٠.﴾ [الفتح]. فرجع عليٍّ يشقُّ النَّاسَ حتَّى بايع عثمانَ وهو يقول: خَدْعةٌ وأَيَّما خَدْعَة. ثمّ جلس عثمان في جانب المسجد ودعا بعُبَيْدالله بن عمر بن الخطّاب، وكان محبوساً في دار سعد، وسعد الذي نزع السَّيف من يد عُبَيْدالله بعد أن قتل جُفَيْنَة والهُرْمُزان وبنت أبي لؤلؤة، وجعل عُبَيْدالله يقول: واللهِ لأقتُلَنَّ رجالاً مِمَّنْ شرك في دم أبيٍ، يُعَرِّض بالمهاجرين والأنصار، فقام إليه سعد فنزع السيفَ من يده وجَبَذَه بشَعْرِه حتَّى أَضْجعه وحبسه، فقال عثمان الجماعةٍ من المهاجرين: أشيروا عليَّ في هذا الذي فَتَقّ في الإسلام ما فَتَقَ، فقال عليٌّ: أرى أنْ تقتُلَه، فقال بعضهم: قُتِل أبوه بالأمس ويُقْتَل هو اليوم؟! فقال عَمْرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين إنَّ الله قد أعفاكَ أنْ يكونَ هذا الحَدَثُ ولكَ على المسلمين سلطانٌ، إنَّما تَمَّ هذا ولا سُلطانَ لك، قال عثمان: وأنا وليُّهم وقد جعلتُها دِيَّةً وَاحْتَمَلْتُها من مالي(١). قلتُ: والهُرْمُزان هو ملك تُسْتَر، وقد تقدَّمَ إسلامُهُ، قتله عُبَيْد الله بن عمر لما أُصيب عمر، فجاء عَمَّار بن ياسر فدخل على عمر، فقال: حَدَثَ اليومَ حَدَثٌّ في الإسلام، قال: وما ذاك؟ قال: قتل عُبَيْد الله الهُرْمُزان، قال : إنا لله وإنّا إليه راجعون عليَّ به، وسَجَنَه . قال سعيد بن المسيّب(٢): اجتمع أبو لؤلؤة وجُفَيْنة، رجل من الحِيرَة، والهُرْمُزان، معهم خِنْجَرٌ له طَرَفَانَ مَمْلَكُهُ فِي وَسَطِهِ، فجلسوا مجلساً فأثارهم دابّة فوقع الخِنْجَر، فأبصرهم عبدالرحمن بن أبي بكر، فلمّا طُعِن عمرُ حكى عبدُالرحمن شأنَ الخنجر واجتماعهم وكيفية الخنجر ، فنظروا فوجدوا الأمرَ كذلك، فوثب عُبَيْد الله فقتل الهُرْمُزان، وجُفَيْنَة، ولؤلؤة بنت أبي لؤلؤة، فلمّا استُخْلِف عثمانُ قال له عليٍّ: أَقِدْ عُبَيْد الله من الهُرْمُزان، (١) طبقات ابن سعد ٣٥٥/٣-٣٥٦. (٢) تاريخ الطبري ٤/ ٢٤٠. ١٧١ فقال عثمان: ما له وليٌّ غيري، وإنِّي قد عفوتُ ولكنْ أَدِيه. ويُرْوَى أنّ الهُرْمُزان لمّا عضَّه السَّيفُ، قال: لا إله إلاَّ الله. وأمّا جُفَيْنَة فكان نَصْرَانِيًّا، وكان ظِئْراً لسعد بن أبي وقَّاص أقدمه إلى المدينة للصُلْح الذي بينه وبينهم وليُعَلِّمَ النَّاسَ الكتابةَ. وفيها افتتح أبو موسى الأشعريُّ الرّيَّ، وكانت قد فُتِحت على يد حُذَيْفة، وسُوَيْد بن مُقرِّن، فانتقضوا(١). وفيها أصاب النّاسَِ رُعافٌ كثير، فقيل لها: سنة الرُّعَاف، وأصاب عثمانَ رُعافٌ حتّى تَخلَّفَ عن الحجِّ وأوصى. وحجَّ بالنَّاسِ عبدُالرحمن بن عَوْف(٢) . خ ٤: سُراقةُ بن مالك بن جُعشُم، أبو سُفيان المُدْلجيُّ. ء تُوفي في هذه السَّنة، وكان ينزل قُديدًا، وهو الذي ساخت قوائمُ فَرَسه، ثم أسلم وحسُنَ إسلامُهُ. وله حديث في العُمرة. روى عنه جابر بن عبدالله، وابن عباس، وسعيد بن المسيِّب، وطاوس، ومجاهد وجماعة. وكان إسلامه بعد غزوه الطَّائف. وقيل: تُوفي بعد مَقْتَل عثمان، والله أعلم(٣). وفيها عزل عثمانُ عن الكوفةِ المُغِيرةَ بن شُعْبَةٍ وولاَها سعدَ بن أبي وقّاص (٤). وفيها غزا الوليد بن عُقْبة أَذْرَبِيْجان وأَرْمِينية لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه، فسَبَی وغنم ورجع. وفيها جاشت الرومُ حتّى استمدَّ أمراءُ الشَّام من عثمانَ مَدَداً فأمذَّهم بثمانية آلافٍ من العراق، فمضوا حتَّى دخلوا إلى أرضٍ الروم مع أهل الشَّام. وعلى أهلِ العراق سَلْمان بن ربيعة الباهِليّ، وعلى أهلِ الشام حبيب (١) تاريخ خليفة ١٥٧ . (٢) تاريخ الطبري ٤ / ٢٤٢ . (٣) من تهذيب الكمال ٢١٤/١٠ - ٢١٥. (٤) تاريخ الطبري ٢٤٤/٤. ١٧٢ ابن مَسْلَمَة الفِهْريّ، فشتُّوا الغارات وسبوا وافتتحوا حُصُوناً كثيرة (١). وفيها وُلِد عبدالملك بن مروان الخليفة. (١) تاريخ الطبري ٢٤٦/٤ - ٢٤٧. ١٧٣ سنة خمس وعشرين فيها عزل عثمان سعداً عن الكوفةِ واستعملَ عليها الوليدَ بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط بن أبي عَمْرو بن أُميَّةِ الأُمَويّ، أخو عثمان لأُمِّه، كنيته أبو وهْب، له صُحْبة ورواية. روى عنه أبو موسى الهَمْدانيُّ، والشَّعْبيُّ. قال طارق بن شِهاب: لما قدِم الوليدُ أميراً أتاه سعد، فقال: أكِسْتَ بعدي أو استحمقتُ بعدَك؟ قال: ما كِسْنَا ولا حَمِقْتَ، ولكنَّ القومَ استأثروا عليك بسُلطانهم. وهذا مِمَّا نَقُوا على عثمان كَوْنِهِ عزلَ سَعْداً وولَّى الوليدَ ابنِ عُقْبة، فذكر حُضَيْن بن المُنْذِرِ أنَّ الوليدَ صلَّى بهم الفجرَ أربعاً وهو سَكْران، ثمّ التفت وقال: أَزِيدُكم! ويقال: فيها سار الجيش من الكوفة عليهم سَلْمان بن ربيعة إلى بَرْذَعَة، فقتل وسَبَی . وفيها انتقض أهل الإسكندرية، فغزاهم عَمْرو بن العاص أمير مصر وسَبَاهم، فردّ عثمانُ السَّبْيَ إلىٍ ذِمَّتهم، وكان ملك الروم بعث إليها منويل الخَصِيّ في مراكب فانتقض أهلُها - غير المقوقس - فغزاهم عَمْرو في ربيع الأول، فافتتحها عَنْوَةً غير المدينة فإنّها صُلْح. وفيها عزل عثمانُ عَمْراً عن مصر، واستعمل عليها عبدَالله بن سعد بن أبي سَرْح. والصّحيح أنَّ ذلك في سنة سبع وعشرين. واستأذن ابنُ أبي سَرْح عثمانَ في غزْو إفريقية فأذِنَ له. ويقال: فيها ولد يزيد بن معاوية. وحجَّ بالنَّاس عثمان رضي الله عنه. ١٧٤ سنَةٌ ستٍّ وعِشرين فيها زاد عثمانُ في المسجدِ الحرام ووسَّعه، واشترى الزِّيادة من قوم، وأبَى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمانَ في بيتِ المال، فصاحوا بعثمان فأمرَ بهم إلى الحبس، وقال: ما جرَّأكم عليَّ إلاّ حِلْمي، وقد فعل هذا بكم عمرُ فلم تصيحُوا عليه(١)، ثم كَلَّمُوه فيهم فأطلقهم. وفيها فُتِحَت سابور (٢)، أميرُها عثمان بن أبي العاص الثَّقفي، فصالحهم على ثلاثة آلاف ألفٍ وثلاث مئة ألف. وقيل: عزل عثمان سعداً عن الكوفةِ لأنَّه كان تحت دَيْنِ لابن مسعود فتقاضاه واختصما، فغضب عثمانُ من سعدٍ وعزله، وقد كانَ الولَيْدُ عاملاً لعمر على بعض الجزيرة وكان فيه رِفْقٌ برعيَّته. (١) ذكر تقي الدين الفاسي في مقدمة ((العقد الثمين)) ١/ ٨٣ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من وسع المسجد الحرام سنة سبع عشرة، وذلك بدور اشتراها، ودور هدمها على من أبى البيع وترك ثمنها لأربابها في خزانة الكعبة . (٢) بلفظ اسم سابور أحد الأكاسرة، وأصله شاه پور، وهي كورة مشهورة بأرض فارس ومدينتها النوبندجان، وتبعد عن شيراز خمسة وعشرين فرسخًا، كما في «معجم البلدان)) . ١٧٥ سنَةٌ سَبعٍ وعِشرين فيها غزا معاوية قُبْرُسَ فركب البحرَ بالجيوش، وكان معه عُبادة بن الصَّامت، وزوجة عبادة أم حَرَام (سوى ت)(١) بنتِ مِلْحان الأنصاريّة خالةٌ أنَس، فصُرعت عن بَغْلتها فماتت شهيدةً رحمها الله، وكان النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَغْشاها ويَقِيلُ عندها، وبَشَّرَها بالشَّهادة، فقبْرُها بقُبْرس يقولون: هذا قبرُ المرأة الصالحة . روت عنِ النَّبِيِّ وَلَهَ. روى عنها أنس بن مالك، وعُمَيْر بن الأسود العَنْسيّ، ويَعْلَى بن شدّاد بن أوْس، وغيرهم. وقال داود بن أبي هند: صالح عثمان بن أبي العاص وأبو موسى سنة سبع وعشرين أهلَ أرَّجَان على ألفَي ألف ومئتي ألف، وصالح أهل دار ابِجِرْد علىَ ألف ألف وثمانين ألفاً. وقال خليفة(٢): فيها عزل عثمانُ عن مصر عَمْراً وولَّى عليها عبدَ الله بن سعد، فغزا إفريقيةَ ومعه عبدالله بن عمر بن الخطّاب، وعبدالله بن عَمْرو بن العاص، وعبدالله بن الزُّبَيْر، فالتقى هو وجُرْجير بسُبَيْطِلة على يومين من القيروان، وكان جُرْجير في مئتي ألف مقاتل، وقيل في مئةٍ وعشرين ألفاً، وكان المسلمون في عشرين ألفاً . قال مُصْعَب بن عبدالله: حدثنا أبي والزُّبَيْر بن خُبيب، قالا: قال ابن الزُّبَيْر: هجم علينا جُرْجير في مُعَسْكَرِنا في عشرين ومئة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفاً. واختلف النَّاسُ على عبدالله بن أبي سَرْح، فدخل فُسْطاطاً له فخلا فيه، ورأيت أنا غرَّةً من جُرْجير بَصُرْتُ به خلَفَ عساكره على بِرْذَونِ أَشْهَب معه جاريتان تُظِلَّن عليه بريشِ الطَّواويس، وبينه وبين جُنْده أرضٌ بيضاء ليس بها أحدٌ، فخرجتُ إلى ابن أبي سَرْح فَنَدَب ليَ (١) أي: أخرج حديثها البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي. وقد كتب المؤلف ذلك فوق اسمها بالحُمْرة، فوضعته بين حاصرتين بعد اسمها . (٢) تاريخ خليفة ١٥٩ . ١٧٦ النَّاسَ، فاخترتُ منهم ثلاثين فارساً وقلتُ لسائرهم: البثوا على مَصَافّكُم، وحملتُ في الوجه الذي رأيت فيه جُرْجير وقلتُ لأصحابي: احْمُوا لي ظهري، فَوَالله ما نشبتُ أنْ خَرَقْتُ الصَّفَ إليه فخرجتُ صامداً له، وما يحسِبُ هو ولا أصحابِه إلاّ أنِّي رسولٌ إليه، حتّى دَنَوْتُ منه فعرف الشَّر، فوثب على برْذَوْنِهِ وولَّى مبادراً، فأدركتُهُ ثمّ طعنته، فسقط، ثمّ دَفَفْتُ عليه بالسَّيف، ونصبت رأسه على رُمْح وكبَّرْت، وحمل المسلمون، فارْفَضَّ أصحابُه من كلّ وجهٍ، وركِبْنا أكتافهَمُ. وقال خليفة (١): حدثنا من سمع ابن لهيعة يقول: حدثنا أبو الأسود، قال: حدّثني أبو إدريس أنّه غزا مع عبدالله بن سعد إفريقيةَ فافتتحها، فأصابَ كلّ إنسان ألفُ دينار . وقال غيره: سَبوا وغَنِموا، فبلغ سهمُ الفارس ثلاثة آلاف دينار، وفتح الله إفريقيةَ سَهْلَها وجَبَلَها، ثمّ اجتمعوا على الإسلام وحَسُنَتْ طاعتُهُم. وقسم ابنُ أبي سَرْح ما أفاء اللهُ عليهم وأخَذ خُمْسَ الخُمْس بأمر عثمان، وبعث إليه بأربعة أخماسه، وضرب فُسْطاطاً في موضِع القَيْروان ووفّدوا وفداً، فشكوا عبدالله فيما أخذَ، فقال: أنا نَقَّلْتُهُ، وذلك إليكمُ الآن، فإنْ رضِيتُم فقد جازَ، وإنْ سَخِطْتم فهو رَدٌّ، قالوا: إنَّا نَسْخَطُه. قال: فهو رَدٌّ، وكتب إلى عبدالله بردِّ ذلك واستصلاحهم. قالوا: فاعْزِلْه عَنَّا. فكتب إليه أن استخْلِف على إفريقية رجُلاً ترْضَاه واقسم ما نَقَّلْتُكَ فإنَّهم قد سخِطُوا. فرجع عبدالله بن أبي سرح إلى مصر، وقد فتح الله إفريقية، فما زال أهلُها أسْمَعَ النَّاسِ وأطْوَعَهم إلى زمان هشام بن عبدالملك. وروى سيف بن عمر، عن أشياخه(٢)، أنَّ عثمان أرسل عبدالله بن نافع ابن الحُصَين، وعبدالله بن نافع الفِهْرِيّ من فَوْرِهما ذلك إلى الأندلس، فأتياها من قِبَل البحر، وكتب عثمانُ إلَى مَن انتدب إلى الأندلس: أمَّا بَعْدُ فإنَّ القُسْطَنْطينية إنّما تُفْتَح من قِبَل الأندلس، وإنَّكم إن افتتحتموها كنتم (١) تاريخ خليفة ١٦٠ . (٢) تاريخ الطبري ٢٥٥/٤. تاريخ الإسلام ٢/ م١٢ ١٧٧ شُرَكاء في فتحها في الأجر، والسلام. فعن كعب، قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوامٌ يفتحونها يُعْرَفون بنورهم يوم القيامة. قال: فخرجوا إليها فأتَوها من بَرِّها وبحرها، ففتحها اللهُ على المسلمين، وزاد في سلطان المسلمين مثل إفريقية. ولم يزل أمرُ الأندلس كأمر إفريقية، حتّى أُمِّرَ هشام فمنع البَرْبَرَ أرضهم . ولما نزع عثمان عَمْراً عن مصر غضبَ وحقدَ على عثمان، فوجَّه عبد الله ابن سعد فأمره أنْ يمضي إلى إفريقية، وندب عثمانُ النَّاسَ معه إلى إفريقية، فخرج إليها في عشرة آلاف، وصالح ابن سعد أهل إفريقية على ألفي ألف دينار وخمس مئة ألف دينار. وبعث ملك الروم من قسطنطينية أنْ يُؤْخَذ من أهل إفريقية ثلاث مئة قِنْطار ذَهَباً، كما أخذ منهم عبدالله بن سعد، فقالوا: ما عندنا مالٌ نعْطِيه، وما كان بأيدينا فقد افتدينا به، فأمّا الملك فإنّه سَيِّدنا فليأخُذْ ما كانَ له عندنا من جائزة كما كُنَّا نُعطيه كلَّ عام، فلمَّا رأى ذلك منهم الرسول أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قوم من أصحابهم فَقَدِمُوا عليهم فكسروا السّجن وخرجوا. وعن يزيد بن أبي حبيب، قال(١): كتب عبدالله بن سعد إلى عثمان يقول: إنَّ عَمْرو بن العاص كسر الخَراجَ، وكتب عَمْرو: إنَّ عبد الله بن سعد أفسد عليَّ مكيدةً الحربِ. فكتب عثمان إلى عَمْرو: انصرف، وولِّ عبدَالله الخرَاجَ والجُنْدَ، فقدِم عَمْرو مُغْضباً، فدخل على عثمانَ وعليه جُبَّة له يَمانية مَحْشُوَّةٍ قُطْناً، فقال له عثمان: ما حَشْوُ جُبَّتك؟ قال: عَمْرو. قال: قد علمتُ أنّ حَشْوَها عَمْرو، ولم أُرِدْ هذا، إنَّما سألتك أقُطْنٌّ هو أم غيره؟ وبعث عبدالله بن سعد إلى عثمان مالاً من مصر وحشد فيه، فدخل عَمْرو، فقال عثمان: هل تعلم أنَّ تلك اللَّقاحَ درَّتْ بعدَ؟ قال عَمْرو: إنَّ فصالھا(٢) ھَلَكَتْ. وفيها حجّ عثمانُ بالنَّاسِ . (١) تاريخ الطبري ٢٥٦/٤-٢٥٧ . (٢) الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة. ١٧٨ سنة ثمانٍ وعِشرين قيل: في أوَّلها غزوة قبرس، وقد مرّت. فروى سَيْفٌ، عن رجاله، قالوا (١): أَلَغَّ معاوية في إمارة عمر عليه في غَزْو البحر وٍقُرْب الزُّوم من حِمْص، فقال عمر: إنَّ قريةً من قُرَى حمص يسمعُ أهلُها نباحَ كلابهم وصياحَ ديُوكهم أحبُّ إليَّ من كلِّ ما في البحرِ، فلم يزل(٢) بعمر حتّى كادَ أنْ يأخذ بقلبه. فكتب عمر إلى عَمْرو بن العاصَ أنْ صِفْ لِي البحرَ وراكبَهُ، فكتب إليه: إنّ رأيتُ خَلْقاً كبيراً يركبه خَلْقٌ صغير، إنْ رَكَدَّ حَرَّقَ القلوب، وإِنْ تَحَرَّكَ أراع العُقُول، تزاد فيه العقول(٣) قلَّة، والشَّكُّ كَثْرَةً، وهم فيه كدُودٍ على عُود، إنْ مال غرِق، وإن نجا بَرِق. فلمّا قرأ عمرُ الكتابَ كتبَ إلى معاويةَ: والله لا أحملُ فَيَه مسلماً أبداً. وقال أبو جعفر الطَّبريُّ(٤): غزا معاوية قبرس فصالح أهلَها على الجزية . وقال الواقديُّ(٥): في هذه السنة غزا حبيب بن مَسْلَمَة سوريةَ من أرضٍ الروم . وفيها تزوّج عثمان نائلةَ بنتَ الفرافصة فأسلمتْ قبل أنْ يدخلَ بها . وفيها غزا الوليد بن عُقْبَة أَذْرَبِيْجَان فصالحهم مثل صُلْح حُذَيفة. وقَلَّ مَنْ مات وضُبط موتُهُ في هذه السّنوات كما ترى. (١) تاريخ الطبري ٢٥٨/٤-٢٥٩. (٢) أي: معاويةٌ . (٣) هكذا بخط المصنف، وفي تاريخ الطبري ٢٥٨/٤: ((يزاد فيه اليقين)) ولعله الأنسب. (٤) تاريخ الطبري ٤/ ٢٦٢. (٥) نفسه ٤ / ٢٦٣. ١٧٩ سنة تسع وعشرين فيها عزل عثمان أبا موسى عن البَصْرة بعبدالله بن عامر بن كُرَيز، وأضاف إليه فارس . وفيها افتتح عبدالله بن عامر إصْطَخْر عَنْوةً فقتل وسبَى، وكان على مُقَدِّمته عُبَيْد الله بن مَعْمر بن عثمان التَّيْمَيّ أحدُ الأجواد؛ وكلٌّ منهما رأى النَّبِيَّ ◌َّ . وكان على إصْطَخْر قتالٌ عظيم قُتِلَ فيه عُبَيْد الله بن مَعْمر، وكان من كبار الأمراء، افتتح سابور عَنْوَةً وقلعة شيراز، وقُتِلَ وهو شاب، فأقسم ابن عامر لئن ظفر بالبلدِ ليقتلنَّ حتَّى يسيلَ الدَّمُ من بابِ المدينة، وكان بها يَزْدِجِرْد بن شَهْرَيَار بن كِسْرى فخرج منها في مئة ألفٍ وسار فنزل مَرْوَ، وخَلَّفَ على إصْطَخْر أميراً من أمرائه في جيشٍ يحفظونها. فنقب المسلمون المدينة فما دَرَوْا إلّ والمسلمون معهم في المدينة، فأسرف ابنُ عامر في قَتْلِهم وجعل الدَّم لا يجري من الباب، فقيل له: أفْنَيْتَ الخَلْقِ، فأمر بالماء فَصُبَّ على الدَّم حتَّى خرج الدم من الباب، ورجع إلى حُلْوان فافتتحها ثانياً فأكثر فيهم القتْلَ لكونهم نقضوا الصُّلح. وفيها انتقضت أَذْرَبَيْجان فغزاهم سعيد بن العاص فافتتحها(١). وفيها غزا ابن عامر وعلى مقدّمته عبدالله بن بُدَيْل الخُزاعيّ فأتى أصبهان، ويقال: افتتح أصبهان سارية بن زُنَيْم عَنْوَةً وصُلْحاً. وقال أبو عُبَيْدة: لما قدِمَ ابنُ عامر البصرةَ قَدِمَ عُبَيْد الله بن مَعْمَر إلى فارس، فأتى أرَّجان فأغلقوا في وجهه، وكان عن يمين البلد وشماله الجبالُ والأسياف وكانت الجبالُ لا تَسلكها الخَيْلُ ولا تحمل الأسياف - يعني السواحل - الجيش، فصالحهم أن يفتحوا له بابَ المدينة فيمرّ فيها مارّاً ففعلوا، ومضى حتَّى انتهى إلى النَّوبَنْدِجَان فافتتحها، ثم نقضوا الصُّلح، ثم (١) تاريخ خليفة ١٦٢ . ١٨٠