النص المفهرس

صفحات 21-40

وقالوا: ارجع إلى المدينةِ وإلى الذُّرِّية والنِّساء وأمِّرْ رجلاً على الجيش، ولم
يزالوا به حتى رجع وأمَّر خالدَ بنَ الوليد، وقال له: إذا أسْلَمُوا وأعطوا
الصَّدَقَة فمن شاء منكم فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة .
وقال غيره: كان مسيره في جمادَى الآخرة فبلغ ذا القَصَّة، وهي على
بريدَيْن وأميالٍ من ناحية طريق العراق، واستخلفَ على المدينة ◌ِناناً
الضَّمْريَّ، وعلى حِفْظ أنقابِ المدينة عبدالله بن مسعود.
وقال ابن لَهِيعة: أخبرنا أسامة بن زيد، عن الزُّهْريّ، عن حنظلة بن
عليَّ اللَّيْتِي، أنَّ أَبا بكر بعث خالداً، وأمره أنْ يقاتل النّاسَ على خمسٍ، مَنْ
ترك واحدةً منهنّ قاتَلَهُ كما يقاتل من تَرَك الخَمْس جميعاً: على شهادةَ أنْ لا
إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وإقام الصَّلاةِ، وأيتاء الزكاة، وصوم
رمضان (١) .
وقال عُرْوَة، عن عائشة: لو نزل بالجبالِ الراسياتِ ما نزلَ بأبي
لَهاضَها(٢)، اشْرَأَبَ النِّفاقُ بالمدينة وارتدت العربُ، فَوَالله ما اختلفوا في
نقطةٍ إلاّ طار أبي بحظّها(٣) من الإسلام(٤).
وعن يزيد بن رُومان أنَّ النَّاسَ قالوا له: إنَّكَ لا تصنعُ بالمسير بنفسك
شيئاً، ولا تدري لمن تقصد، فأمِّرْ مَنْ تثق به وارجع إلى المدينة، فإنَّك
تركتَ بها النِّفاقَ يَغْلي. فعقد لخالدٍ على النَّاسِ، وأمَّر على الأنصارِ خاصّة
ثابت بن قيس بن شَمَّاس، وأمر خالداً أن يصمدَ لطُلَيْحة الأسدي.
وعن الزُّهري، قال: سار خالدُ بن الوليد من ذي القَصَّة في ألفَيْن وسبع
مئة إلى ثلاثة آلاف، يريد طُلَيْحة، ووجّه عكَّاشة بن مِحْصن الأسَدِيّ حليف
بني عبد شمس، وثابت بن أقْرَم الأنصاري رضي الله عنهما فانتهوا إلى
(١) كتب بعضهم بعد هذا: ((وحج البيت))، ولا أصل لها بخط المصنف، فكأنه عَدّ
الشهادتين اثنتين من الخمس، والله أعلم.
(٢) أي: كسرها.
في تاريخ خليفة: ((إلى أعظمها)).
(٣)
تاريخ خليفة، وهو من رواية القاسم عن عائشة، مثله (١٠٢).
(٤)
٢١

قَطَن(١) فصادفوا فيها حِبالاً(٢) متوجهاً إلى طُلَيْحَة بثقلِهِ، فقتلوه وأخذوا ما
معه، فساق وراءهم طُلَيْحة وأخوه سَلَمَة فقتلا عُكّاشة وثابتاً.
وقال الوليد الموقّري، عن الزُّهريِّ، قال: فسار خالدٌ فقاتل طُلَيْحة
الكذّاب فهزمه الله، وكان قد تابع عُيَيْنة بن حصْنٍ، فلمّا رأى طُلَيْحة كَثْرَةَ
انهزام أصحابِه قال: ما يُهزمكم؟ فقال رجلٌ: أنا أُحدِّثُكَ، ليس مِنَّا رجلٌ إلاّ
وهو يَحبُّ أنَّ يموتَ صاحبهُ قبلَه، وإنَّا نلقى قوماً كلَّهُم يحبُّ أنْ يموتَ قبل
صاحبه، وكان طُلَيْحة رجلاً شديدَ البأس في القتال، فقتل طُلَيْحة يومئذٍ
عُكَّاشةَ بن مِحْصَن وثابت بن أقرم. وقال طُلَيْحة :
وعُكّاشَة الغنميّ تحت مجالي
عَشِيَّةَ غادرْتُ ابنَ أقْرَمَ ثاوياً
معاودة قتل الكُماة نِزالي
أقمتُ لهم صدْرَ الحمالة إنّها
ويوماً تراها في ظِلالِ عَوالٍ
فَيَوْماً تراها في الجلال مصونةً
أَلَيْسُوا وإنْ لم يَسْلَمُوا برجال
فما ظنُكم بالقوم إذ تقتلونهم
فلم تَرْهَبُوا فَرْغاً بقتل حبالٍ
فإنْ يَكُ ذا وُدِّ أُصِبْنَ ونِسْوةٌ
فلمّا غلب الحقُّ طُلَيْحة تَرجَّلَ. ثم أسلم وأهلَّ بعُمْرَةٍ، فركب يسيرُ في
النّاس آمناً، حتَّى مَرَّ بأبي بكرٍ بالمدينة، ثم سار إلى مكة فقضى عُمْرَتَه، ثم
حَسُن إسلامُه .
وفي غير هذه الرواية أنّ خالداً لقي طُلَيْحَة بِبُزَاخَة(٣)، ومع طُلَيْحَةِ عُيَيْنة
ابنِ حِصْن، وقُرَّة بن هُبَيرة القُشَيْريّ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هرب طُلَيْحةُ
وأُسِرَ عُيَيْنة وقُرَّة، وبُعِثَ بهما إلى أبي بكر فَحَقَنَ دماءهما.
وذُكِرَ أَنَّ قيسَ بن مَكْشُوح أحَد مَنْ قتلَ الأسودَ العَنْسِيَّ ارتدَّ، وتابَعَهُ
جماعةٌ من أصحاب الأسود، وخافه أهلُ صنعاء، وأتى قيس إلى فيروز
الذَّيْلَميّ وذادَوَيه يستشيرهما في شأن أصحاب الأسود خديعة منه، فاطْمَأْنًّا
إليه، وصنع لهما من الغد طعاماً، فأتاه ذادويه فقتله. ثم أتاه فيروز ففطِن
(١) جبل لبني عبس كثير النخل والمياه بين الرمة وبين أرض بني أسد.
(٢) هو شقيق طُليحة.
(٣) لطيء من أرض نجد.
٢٢

بالأمر فهرب، ولقيه جُشَيْش(١) بن شَهْر ومضى معه إلى جبال خَوْلان،
وملك قيسُ صنعاء، فكتب فيروز إلى أبي بكر يَستمدُّه. فأمَدَّه، فلقوا قيساً
فهزموه ثمّ أسروه وحملوه إلى أبي بكر رضي الله عنه فوبَّخه، فأنكر الرِّدَّة،
فعفا عنه أبو بكر .
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: فسار خالد - وكان
سيفاً من سيوف الله - فأسرع السيرَ حتى نزل ببُزَاخَةَ، وبعثتْ إليه طَيء: إِنْ
شئتَ أنْ تقدِمَ علينا فإنَّا سامعون مطيعون، وإنْ شئتَ، نسيرُ إليك؟ قال
خالد: بل أنا ظاعنٌ إليكم إنْ شاء اللهُ، فلم يزل بيُزَاخة، وجمع له هناك
العدوّ بنو أسد وغَطَفان فاقتتلوا، حتّى قُتِلَّ من العدو خَلْقٌ وَأُسِر منهم
أسارى، فأمر خالد بالحُظر أن تُبْنَى، ثمّ أوقد فيها النِّيرانَ وألقى الأسارى
فيها، ثم ظعن يريدُ طيْئاً، فأقبلت بنو عامر وغَطفان والنَّاس مُسْلمين مُقِرِّينَ
بأداء الحقِّ، فقبل منهم خالد.
وقُتِلَ في ذلك الوجه مالك بن نُوَيْرة التميمي في رجالٍ معه من تميم،
فقالت الأنصار: نحن راجعون، قد أقرَّت العربُ بالذي كان عليها، فقال
خالد ومَن معه من المهاجرين: قد لَعَمْري آذَنُ لكم، وقد أجمع أميرُكم
بالمسير إلى مُسَيْلَمَة بن ثُمَامة الكذَّاب، ولا نرى أنْ تفرَّقوا على هذه الحال،
فإنَّ ذلك غيرُ حَسَنٍ، وإنّه لا حُجَّةَ لأحدٍ منكم فَارَقَ أميره وهو أشدّ ما كان
إليه حاجةً، فابتِ الأنصارُ إلا الرجوعَ، وعزم خالد ومَنْ معه، وتخلّفت
الأنصار يوماً أو يومين ينظرون في أمرهم، ونَدِمُوا وقالوا: ما لكم واللهِ عذْرٌ
عند الله ولا عند أبي بكر إنْ أُصيبَ هذا الطَّرف وقد خَذَلْنَاهم، فأسرعوا نحو
خالد ولَحِقُوا به، فسار إلى اليَمَامة، وكان مُجَّاعَة بن مُرارة سيّد بني حنيفة
خرج في ثلاثة وعشرين فارساً يطلب دماً في بني عامر، فأحاط بهم
المسلمون، فقتل أصحاب مُجَّاعَة وأوثقه.
وقال العطاف بن خالدٌ: حدّثني أخي عبدالله عن بعض آل عديٍّ، عن
وحْشِيٍّ، قال: خرجنا حتَّى أتينا طُلَيْحة فهزمهمُ اللهُ، فقال خالد: لا أرجع
(١). هكذا قيده هنا بخطه، وهو يوافق تقييده في المشتبه (٢٦٥)، وتقدم تقييده: ((جشنس))
بخطه أيضاً .
٢٣

حتى آتي مُسَيْلَمَةَ حتَّى يَحْكُمَ اللهُ بيننا وبينهم، فقال له ثابت بن قيس : إنّما
بُعِثنا إلى هؤلاء وقد كفى الله مَؤُونَتَهم، فلم يقبل منه، وسار، ثمّ تبعَه ثابت
بعد يومٍ في الأنصار.
مقتل مالك بن نُوَيْرة التميمي الحنْظلي اليَرْبوعي
قال ابن إسحاق(١): أُتِيَ خالد بن الوليد بمالك بن نُوَيْرة فيِ رَهْطٍ من
قومه بني حنظلة، فضرب أعناقَهُم، وسار في أرضٍ تميم، فلمّا غَشوا قوماً
منهم أخذوا السِّلاحَ، وقالوا: نحن مسلمون، فقيل لهم: ضَعُوا السّلاح،
فوضعوه، ثمّ صلَّى المسلمون وصلَّوا.
فروى سالم بن عبدالله(٢)، عن أبيه، قال: قدِم أبو قَتَادَة الأنصاريّ على
أبي بكرٍ فأخبره بقتلِ مالكِ بن نُوَيْرَةَ وأصحابه، فجزعَ لذلك، ثم ودَى مالكاً
وردّ السَّبْيَ والمال.
ورُوِيَ أنّ مالكاً كان فارساً شجاعاً مُطاعاً في قومه وفيه خُيَلاء، كان
يقال له الجَفُولُ. قَدِمَ على النَّبِّ ◌ِله وأسلم فولاَهُ صَدَقَةَ قومه، ثمّ ارتَدَّ،
فلمّا نَازَلَه خالد قال: أنا آتي بالصَّلاةِ دونَ الزَّكاةِ. فقال: أما علمتَ أنَّ
الصّلاة والزَّكاة معاً؟ لا تُقْبَلُ واحدةٌ دون الأخرى! فقال: قد كان صاحبك
يقول ذلك. قال خالد: وما تراهُ لك صاحباً! واللهِ لقد هممتُ أنْ أضربَ
عُنُفَك، ثم تحاورا طويلاً فصمَّمَ على قتله: فكلّمَهُ أبو قَتَادَة الأنصاري وابن
عمر، فكره كلامهما، وقال لضرار بن الأزْوَر: اضْرِبْ عُنُقَه، فالتفت مالك
إلى زوجته وقال: هذه التي قَتَلَتْني، وكانتْ في غايةِ الجمال، قال خالد: بل
اللهُ قَتَلَكَ برجوعِك عن الإسلام. فقال: أنا على الإسلام. فقال: اضْرب
عُنُقَه، فضرب عُنُقه، وجعل رأسه أحد أثافي قِدْرٍ طُبِخَ فيها طعامٌ(٣)، ثم
(١) أخرجه خليفة ١٠٥، والطبري ٣/ ٢٨٠ عن ابن إسحاق.
(٢) تاريخ خليفة ١٠٥ .
(٣) لعل هذه من جملة الافتراءات على سيف الله المسلول خالد بن الوليد، إذ ليس من
المعقول ولا المقبول أن يرتكب مثل هذه الفعلة جنديٌّ صغير، فما بالك بخالد بن
الوليد!، أَضِفْ إلى ذلك أن الإسلام ينهى عن المثلة، بل إن خليفة رسول الله له أبا=
٢٤٠

تزوَّج خالد بالمرأةِ، فقال أبو زُهير السَّعديُّ من أبيات:
قضى خالد بغياً عليه لعُرْسه وكان له فيها هوىّ قبل ذلِكا
وذكر ابن الأثير في ((كامله)) (١) وفي ((معرفة الصحابة))(٢)، قال: لما
تُوُفِّي النَّبِيُّ بِّه وارتدَّتِ العربُ، وظهرت سَجَاح وادّعت النُّوَّة صالَحَهَا
مالك، ولم تظهر منه رِدَّةٌ، وأقام بالبِطاح، فلمّا فرغ خالد من أسد وغَطَفان
سار إلى مالك وبثَّ سرايا، فأُتي بمالك. فذكر الحديث، وفيه: فلمَّا قدِم
خالد قال عمر: يا عدوَّ الله قتلتَ امِرٍأً مسلماً ثمَّ نَزَوْتَ على امرأته،
لِأَرْجُمَنَّكَ. وفيه أنَّ أبا قتادَة شَهِدَ أنَّهم أذَّنوا وصلَّوا .
وقال الموقَّرِيُّ(٣)، عن الزُّهْريّ، قال: وبعث خالد إلى مالك بن نُوَيْرة
سَرِيَّةً فيهم أبو قَتَادَة، فساروا يومهم سِراعاً حتى انتهوا إلى محلَّةِ الحيِّ،
فخَرج مالكٌ في رَهْطه فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون، فزعم أبو
قتَادة أنّه قال: وأنا عبدُاللهِ المسلمُ، قال: فضَع السلاحَ، فوضعه في اثني
عشر رجلاً، فلمّا وضعوا السلاحَ ربطهم أميرُ تلك السَّريّة وانطلق بهم
أسارى، وسار معهم السَّبْي حتى أتوا بهم خالداً، فحدَّثَ أبو قَتَادة خالداً أنَّ
لهم أماناً وأنّهم قد أدَّعوا إسلاماً، وخالف أبا قَتادةَ جماعةُ السَّرِيَّةِ فأخبروا
خالداً أنّه لم يكن لهم أمانٌ، وإنّما أُسِروا قَسْراً، فأمر بهم خالد فقُتِلُوا وقَبَضَ
بكر الصديق رضي الله عنه كان يوصي الجيش وقادته المتوجهين إلى مقارعة الأعداء
=
ألا يحرقوا شجراً ولا يقتلوا شيخاً أو طفلاً ... ووصيته في ذلك مشهورة لا تحتاج
إلى مزيد شرح.
وإن إيرادَ الذهبيِّ وغيره من المؤرخين لمثل هذه النصوص غير المحققة، لا يعني
أنهم يقرونها، بل إنهم يعتمدون على ذكر السند فيتركون للمطلع معرفة الصحيح من
الملفَّق الدخيل، وقد ساق الذهبي هذه الحكاية من غير سند، وسندها في تاريخ
الطبري ٢٧٩/٣ وهو سند مظلم، فهي من رواية سيف ابن عمر، عن خزيمة بن
شجرة، عن عثمان بن سويد الرياحي، عن سويد الرياحي، وهم بين كذاب ومجهول.
(١) الكامل في التاريخ ٣٥٨/٢.
(٢) أسد الغابة في معرفة الصحابة ٢٩٥/٤.
(٣) هو الوليد بن محمد الموقري، أحد المتروكين، يروي عن الزهري الموضوعات التي
لم يحدث بها الزهري قط!
٢٥

سَبْيَهُم، فركب أبو قَتَادة فرسه وسار قِبَلَ أبي بكرٍ. فلمَّا قَدِمَ عليه قال: تعلم
أنَّه كان لمالك بن نُوَيْرة عهد وأنّه ادّعى إسلاماً، وإنّي نَهَيْتُ خالداً فتركَ
قولي، وأخذَ بشهاداتِ الأعرابِ الذين يريدون الغنائمَ. فقام عمر فقال: يا
أبا بكر إنَّ في سيفِ خالد رَهَقاً، وإنَّ هذا لم يكن حقّاً فإنَّ حقاً عليك أنْ
تَقِيدَهُ(١)، فسكت أبو بكر.
ومضى خالد قِبَلَ اليَمامة، وقَدِمَ مُتَمَّم (٢) بن نُوَيْرة فأنشد أبا بكر مَنْدَبَةً
نَدَب بها أخاهُ، وناشده في دم أخيهِ وفي سَبْيهم، فردَّ إليه أبو بكر السَّبْيَ،
وقال لعمر وهو يناشد في الَفَوَد: ليس على خالد ما تقول، هَبْهُ تَأْوَّلَ
فأخطأ .
قلت: ومن المَنْدَبَة :
وكنّا كَنَدْمَاني جَذِيمة حِقْبَةً من الذَّهر حتّى قيل لن يتصدَّعا
لطُول اجتماع لم نَبتْ ليلةً معاً
فلمّا تَفَرَّقنا كأنِّي ومالِكاً
وقال الثَّوْرِيّ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: لمّا قدِم
وفدُ بُزَاخةٍ أسدَ وغَطَفان على أبي بكر يسألونه الصُّلحَ، خِيَّرَهُم أبو بكرٍ بين
حربٍ مُجَلِّية أو خُطَّةٍ مُخْزِية، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ الله أمَا الحربُ فقد
عرفناها، فما الخطَّة المُخْزِيَة؟ قال: يؤخذ منكم الحَلْقة والكُراعِ(٣)،
وتُتْرَكُونَ أقواماً تَتبعونَ أذنابَ الإبلِ حَتَّى يُرِي اللهُ خليفةَ نبيِّهِ والمؤمنينَ أمراً
يعذرونكم به، وتُؤْذُّونَ ما أصبتم مَنّا ولا نُؤدِّي ما أصبنا منكم، وتشهدونَ أنَّ
قتْلانا في الجنَّةِ وأن قتلاكم في النَّار، وتَدُوِن قَتْلانا ولا نَدِي قتلاكم. فقال
عمر: أمّا قولك: ((تَدُون قتْلانا)) فإنَّ قَتْلانا قُتِلوا على أمرِ الله لا دِيات لهم.
فاتبع عمر، وقال عمر في الباقي: نِعْمَ ما رأيت (٤).
(١) هو من القَوَد، وهو القصاص.
(٢) بفتح الميم المشددة، قيّده صاحب ((القاموس)).
(٣) الكراع: اسم لجميع الخيل.
(٤) كتب المصنف هذه الفقرة في حاشية نسخته بخطه .
٢٦

قتال مُسَيْلَمَة الكذَّاب
ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: سار خالد إلى اليمامة
إلى مُسَيْلَمَة، وخرج مُسَيْلَمةُ بجُموعِه فنزلوا بعفرا فحلَّ بها خالد عليهم،
وهي طَرَف اليَمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلّها ورِيف اليمامة وراء
ظُهَورهم. وقال شُرَحْبيل بن سلمةٍ: يا بني حنيفة اليوم يوم الغَيْرَة، اليوم إنْ
هُزِ متم ستُرْدَف النّساءِ سَبِيَّات ويُنْكَحْن غير حظِيّات، فقاتلوا عن أحسابكم.
فاقتتلوا بعفرا قتالاً شديداً، فجال المسلمون جَوْلَةً، ودخل ناسٌ من بني
حنيفة فُسْطاطَ خالد، وفيه مجَّاعة أسير وأمّ تميم امرأة خالد، فأرادوا أنْ
يقتلوها فقال مُجّاعة: أنا لها جارٌ، ودفع عنها، وقال ثابتُ بن قيس حين
رأى المسلمين مُدْبِرِين: أُفٍ لكم ولما تعملون، وكرَّ المسلمون فهزم الله
العدوَ، ودخل نفرٌ من المسلمين فُسطاطَ خالدٍ فأرادوا قتل مُجَّاعة، فقالت
أمُّ تميم: والله لا يُقْتل، وأجارته. وانهزم أعداءُ الله حتى إذا كانوا عند حديقةٍ
الموتِ اقتتلوا عندها، أشدَّ القتال. وقال محكّم بن الطُّفَيْل: يا بني حنيفة
ادخُلُوا الحديقة فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعةً وقُتل، وقال
مُسَيْلَمَة: يا قوم قاتِلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقَتلَ مسيلمَةَ
وحشيٌّ مولى بني نوفل .
وقال المُوَقّريّ، عن الزُّهري: قاتل خالد مُسَيْلَمَة ومَنْ معه من بني
حنيفة، وهم يومئذٍ أكثرُ العربِ عدداً وأشدّه شَوْكَةً، فاستُشْهِدَ خَلْقٌ كثير،
وهزم الله بني حنيفة، وقُتِلَ مُسَيْلَمة، قتله وحْشِيٌّ بَحرْبَةِ .
وكان يقال: قَتَلَ وحْشِيٌّ خيرَ أهلِ الأرض بعد رسولِ الله ◌ِ﴾ ﴾ وشَرَّ أهل
الأرض .
وعن وحْشِيٍّ، قال: لم أر قط أصْبَرَ على الموت من أصحاب مُسَيْلَمَة،
ثمّ ذكر أنّه شارك في قتلِ مُسَيْلَمة .
وقال ابن عَوْن، عن موسىٍ بن أنس، عن أبيه، قال: لمّا كان يوم
اليَمامة دخل ثابت بن قيس فتحَّطَ، ثم قام فأتى الصَّفَّ والنّاسُ منهزمون،
فقال هكذا عن وجوهنا، فضارب القومَ، ثم قال: بئسما عَوَّدْتُمْ أقرانَكم، ما
٢٧

هكذا كُنَّا نُقاتُل مع رسولِ اللهِ مَّ فاستُشْهد رضي الله عنه.
وقال المُوَقَّرِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: ثمّ تَحصَّنَ من بني حنيفة من أهل
اليمامة ستةُ آلافٍ مقاتلٍ في حِصْنهم، فنزلوا علی حُكم خالد فاسْتحیاهم.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: وعَمَدتْ بنو حنفية
حين انهزموا إلى الحصون فدخلوها، فأراد خالد أن يُنْهِدَ إليهمُ الكتائبَ،
فلم يزل مجَّاعة حتّى صالحه على الصَّفراء والبيضاء والَحلْقة والكُرَاع(١)،
وعلى نصفِ الرقيق، وعلى حائطٍ(٢) من كلِّ قريةٍ، فتقاضَوْا على ذلك.
وقال سلامة بن عُمَيْرِ الحنفيّ(٣): يا بني حنيفة قاتِلوا ولا تُقَاضُوا خالداً
على شيءٍ، فإنَّ الحِصْنَ حصينٌ، والطعامَ كثيرٌ، وقد حضر الشتاء. فقال
مجَّاعَة: لا تُطيعوه فإنّه مَشْؤوم. فأطاعوا مُجَّاعة، وقاضاهم. ثمّ إنّ خالداً
دعاهم إلى الإسلام والبراءة مِمَّا كانوا عليه، فأسلم سائرُهُم.
وقال ابن إسحاق: إنّ خالداً قال: يا بني حنيفة ما تقولون؟ قالوا: منّا
نبيٌّ ومنكم نبيّ، فعرضهم على السيف، يعني العشرين الذين كانوا مع
مجَّاعة بن مُرَارة، وأوثقه هو في الحديد، ثم التقى الجَمْعَان فقال زيد بن
الخطّاب حين كشف النّاس: لا نَّجَوْتُ بعد الرِّحال (٤)، ثم قاتل حتى قتِلَ.
وقال ابن سِيرِين: كانوا يَرَوْن أنّ أبا مريم الحنفي قتل زيداً.
وقال ابن إسحاق: رمى عبدُالرحمن بن أبي بكر مُحكَّمَ اليَمَامةِ ابن
طُفَيْل بسهم فقتله .
قلتُ: واختلفوا في وقْعة اليَمَامة متى كانت: فقال خليفة بن خياط(٥)،
ومحمد بن جرير الطبري(٦): كانت في سنة إحدى عشرة.
(١) يعني على الذهب والفضة والسلاح والماشية من خيول وغيرها.
(٢) أي: بستان.
(٣)
تاريخ الطبري ٢٩٩/٣.
قيدها المصنف بالحاء المهملة، فوضع حاءًّ مهملة صغيره تحت الحاء علامة إهمالها،
(٤)
وأصل النص في تاريخ الطبري (٢٩٠/٣): ((وقال زيد بن الخطاب حين انكشف
الناس عن رحالهم: لا تحوز (كذا، وصوابها: لا نجوت) بعد الرحال)).
(٥) تاريخه ١٠٧ .
(٦) تاريخه ٣/ ٢٨١.
٢٨

قال عبدالباقي بن قانع: كانت في آخر سنة إحدى عشرة.
وقال أبو معشر: كانت اليمامةُ في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. فجميعُ
مَنْ قُتِلَ يومئذٍ أربع مئة وخمسون رجلاً.
وقال الواقديُّ: كانت سنة اثنتي عشرة، وكذلك قال أبو نُعَيْم، ومعن
ابن عیسی، ومحمد بن سعد، کاتب الواقديٍ وغیرهم.
قلت: ولعلّ مبدأ وقْعة اليمامة كان في آخر سنة إحدى عشرة كما قال
ابن قانع، ومُنْتَهاها في أوائل سنة اثنتي عشرة، فإنَّها بقيت أياماً لمكان
الحصار. وسأُعيدُ ذِكْرَها والشهداء بها في أوَّلِ سنة اثنتي عشرةَ.
وفاة فاطمة رضي الله عنها
وهي سيّدة نساء هذه الأمة. كُنْيَتُها فيما بَلَغَنا أمُّ أبيها. دخل بها عليّ
رضي الله عنه بعد وقْعة بدر، وقد استكملت خمس عشرة سنة أو أكثر.
روى عنها: ابنُها الحسين، وعائشة، وأمّ سَلَمَة، وأنَس، وغيرهم.
وقد ذكرنا أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَسَرَّ إليها في مَرَضه. وقالت لأنَسَ: كيف طابت
أنفُسكُم أنْ تَحْثُوا التُرابَ عِلى رسولِ الله ◌ِِّ؟
ولها مناقب مشهورة، وقد جمعها أبو عبدالله الحاكم(١).
وكانت أصغر من زينب، ورُقَيَّة، وانقطع نَسَبُ رسول الله مَّه إلاّ منها،
لأنّ أُمامة بنت بنته زينب تزوَّجِت بعليٍّ، ثمّ بعده بالمُغيرةِ بن نَوْفل، وجاءها
منهما أولاد. قال الزُّبَير بن بكَّار: انقرض عَقِبُ زينب.
وصَحَّ عن المِسْوَرِ أنَّ رسول الله مَ ◌ّه قال: «إنّما فاطمة بضْعَةٌ منّي يريبني
ما رابها ويؤذيني ما آذاها))(٢).
وفي فاطمة وزوجها وبنيها نزلت (٣): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
(١) المستدرك ١٥١/٣.
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٨/٤، والبخاري ٢٦/٥ و٣٦ و٤٧/٧ و٦١، ومسلم ١٤٠/٧
و١٤١، وأبوداود (٢٠٧٠) و(٢٠٧١)، وابن ماجة (١٩٩٨)، والترمذي (٣٨٦٧)،
والنسائي في فضائل الصحابة (٢٦٥) و(٢٦٦) وغيرهم.
(٣) في ذلك نظر، فإن سياق الآية في سورة الأحزاب يشير إلى أنها نزلت في أزواج
رسول الله صَل18، وبذلك قال المفسرون، وهذا الذي ساقه المؤلف رأي مرجوح. نعم، =
٢٩

الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهَِّكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب] فجلَّلهم رسولُ الله بكساء،
وقَال: «اللَّهُمَّ هؤلاء أهلُ بيتي)).
وأخرج التّرمِذيُ(١)، من حديث عائشة أنّها قيل لها: أيُّ النَّاس كان
أحبّ إلى رسولِ الله بَّهَ؟ قالت: فاطمة من قِبَل النّساء، ومن الرجال
زوجها، وإنْ كان ما علمت صَوَّاماً قوّاماً (٢).
وفي التِّرْمِذِيّ (٣)، عن زيد بن أرقم أنّ رسول الله به له قال لعليّ وفاطمة
وابنَيْهما: ((أنا حرْبٌ لِمَنْ حاربتمٍ سِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ)» (٤).
وقد أخبرها أبوها أنّها سيِّدةُ نساءِ هذه الأمّة في مرضه كما تقدّم.
وخلَّفَتْ من الأولاد: الحَسَن، والحُسَيْن، وزينب، وأمّ كُلْثوم. فأمّا
زينب فتزوَّجها عبدُالله بن جعفر، فتُؤُفِّيَت عنده وولدت له عَوْناً وعليّاً. وأمّا
أمّ كُلْتُومُ فتزوّجها عمر، فولدت له زيداً، ثمّ تزوَّجها بعد قتْلِ عمر عَوْنُ بنُ
جعفر فمات، ثمّ تزوّجها أخوه محمد بن جعفر، فولدت له نبتة (٥)، ثم
تزوّج بها أخوهما عبدالله بن جعفر، فماتت عنده. قاله الزُّهْريُّ.
وقال الأعمش، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البختري، قال: قال عليّ
هناك من الأقوال ما يشير إلى أن آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس من آل
=
البيت وهم الذين حرموا الصدقة، كما في حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم. وأما
حديث الكساء فهو يدل على أنَّ فاطمة وزوجها وبنيها من أهل البيت أيضًا، والسنة
متممة للقرآن الكريم.
(١)
الترمذي (٣٨٧٤).
(٢) هذا حديث ضعيف، لضعف جميع بن عمير الذي رواه عن عائشة، فقد قال
البخاري: فيه نظر، وقال ابن نمير: من أكذب الناس. وقد سبر ابن عدي في
((الكامل)) أحاديثه فقال: وما قاله البخاري كما قاله، في أحاديثه نظر، وعامة ما يرويه
لا يتابعه عليه أحد. وذكره ابن حبان في ((المجروحين))، وقال: كان رافضياً يضع
الحديث (انظر كتابنا: تحرير أحكام التقريب).
(٣)
الترمذي (٣٨٧٠).
(٤) وأخرجه ابن ماجة (١٤٥)، وهناك خَرّجناه وتكلمنا على إسناده، وبيّنا ضعفه، فراجعه
إن شئت استزادة .
(٥) هكذا مجودة بخط المؤلف، ووقع في السير ٥٠٢/٣: ((بثنة)) وهو تصحيف.
٣٠

لأمّه: اكفي فاطمةَ الخِدْمَة خارجاً، وتكفيكِ العملَ في البيت والعَجْن
والخُبْز والطُّحْن(١).
أبو العبّاس السّرّاج، قال: حدثنا محمد بن الصبّاح، قال: حدثنا علي
ابن هاشم، عن كثير النَّواء، عن عِمْران بن حُصَيْن، أنَّ النَّبِيَّ مَِّ عاد فاطمةَ
وهي مريضةٌ فقال لها: ((كيف تجدينكِ))؟ قالت: إنِّي وَجِعَةٌ وإنّه لَيَزِيدُني أَنِّي
ماليَ طعامٌ آكُلُه، قال: ((يا بُنَيَّةَ أما ترضَيْن أنْ تكوني سيّدة نساء العالمين)).
قالت: فأين مريم؟ قال: ((تلك سيِّدةُ نساءٍ عالِمِهَا، وأنت سيّدةُ نساء
عالَمِكِ، أما واللهِ لقد زوّجْتُكِ سيّداً في الدنيا والآخرة)). هذا حديث
ضعيف، وأيضاً فقد سقط بين كثيرٍ وعِمْران رجلٌ .
وقال عِلْباء بن أحمر، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله
مَّ: ((أفضلُ نساءِ أهل الجنّة خديجةُ بنتُ خُوَيْلِد، وفاطمة بنت محمد،
ومريم، وآسية))(٢). رواه أبو داود(٣).
وقال أبو جعفر الرازي عن ثابت، عن أنس مثله مرفوعاً ولفظه: ((خير
نساء العالمين أربع)).
وقال معمر، عن قتادة، عن أنس، يرفعه: حسبك من نساء العالمين
أربع، فذكرهن(٤). ويُرْوَى نحوه من حديث أبي هريرة، وغيره.
وقال مَيْسَرَةُ بن حبيب، عن المِنْهال بن عَمْرو، عن عائشة بنت طلحة،
عن عائشة، قالت: ما رأيتُ أحداً كان أشبهَ كلاماً وحديثاً برسولِ الله ◌ِ صلٍّ من
فاطمة، وكانت إذا دَخَلَتْ عليه قام إليها فقبّلها ورحَّبَ بها كما كانت هي
تصنعُ به، وقد شَبَّهَتْ عائشةُ مَشْيَتَها بمشية النَّبِيِّ وَلّ(٥).
(١) رجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٣/١ و٣١٦ و٣٢٢، وعبد بن حميد (٥٩٧)، وأبو يعلى (٢٧٢٢)،
وابن حبان (٧٠١٠)، والحاكم ١٨٥/٣، وهو حديث صحيح.
(٣) هكذا قال، وهو وهم بلا ريب، فإن أبا داود لم يخرج هذا الحديث، وإنما رواه داود
ابن أبي الفرات، عن علباء، فكأنه التبس عليه، والله أعلم.
(٤) أخرجه أحمد ١٣٥/٣، والترمذي (٣٨٧٨) وإسناده صحيح، فهو من رواية أحمد،
عن عبدالرزاق، عن معمر .
(٥) إسناده حسن، أخرجه أبو داود (٥٢١٧)، والحاكم ٣/ ١٥٤ .
٣١
1

وقد كانت وَجَدَتْ على أبي بكرٍ حين طلبتْ سهمها من فَدَك، فقال:
سمعتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يقول: ((ما تركْنَا صَدِّقَةٍ))(١).
وقال أبو حمزة الشُّكَّرِيّ، عن ابن أبي خالد، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لما
مرِضَتْ فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر فاستأذن، فقال عليّ: يا فاطمة
هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحبّ أنْ آذنَ له؟ قال: نعم، فأذِنَتْ
له، فدخل عليها يترضّاها وقال: والله ما تركتُ الدارَ والمالَ والأَهلَ
والعشيرةَ إلاّ ابتغاء مَرْضَاةِ الله ورسوله ومَرْضاتِكُمْ أهلَ البيت، ثم ترضّاها
حتى رضِيَتْ(٢).
وقال الزُّهْري، عن عُرْوَة، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ عاشت بعدَ رسولِ الله
وَلَّه ستَّة أشهُرٍ، ودُفِنَتْ ليلاً(٣).
وقال الواقديّ (٤): هذا أثبتُ الأقاويل عندنا. قال: وصلَّى عليها
العبّاس، ونزل في حُفْرتها هو وعليّ، والفضْل بن العبّاس.
وقال سعيد بن عُفَيْر: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خَلوْن من رمضان،
وهي بنت سبع وعشرين أو نحوها، ودُفِنَتْ ليلاً.
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالله بن الحارث، قال: مكثتْ فاطمةُ
بعد رسول الله مَ ﴿ ستَّةَ أشهرٍ وهي تذوب.
وقال أبو جعفر الباقر: ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر .
ورُوي عن الزُّهْرِي أَنَّه تُوُفّيت بعده بثلاثة أشهر (٥) .
ورُوي عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: كان بينها وبين أبيها
شهران. وهذا غريب.
قلتُ: والصحيح أن عمرها أربعٌ وعشرون سنة رضي الله عنها
وأرضاها.
(١) هذا حدیث صحیح متفق على صحته، وقد تقدم تخريجه من غير وجه.
(٢) هذا مرسل صحيح الإسناد، أخرجه ابن سعد ٢٧/٨ .
(٤) طبقات ابن سعد ٢٨/٨.
(٣)
الحاكم ٣/ ١٦٢.
(٥) طبقات ابن سعد ٢٨/٨.
٣٢

وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن عليّ أنّها تُوُفِيت بنت ثمانٍ وعشرين
سنة، كان مولدُها وقريشٌ تبني الكعبةَ، وغسَّلها عليٍّ .
قال قُتَيْبَة: حدثنا محمد بن موسى، عن عَوْن بن محمد بن عليّ بن أبي
طالب، عن أمّه أمّ جعفر، وعن عمارة بن مهاجر، عن أمِّ جعفر، أنّ فاطمةً
قالت لأسماء بنت عُميس: إني أسْتَقْبِحُ ما يُصْنَعُ بِالنِّساء: يُطْرَحُ على المرأة
الثَّوب فيصِفُها، فقالت: يا ابْنَةَ رسولِ الله ألا أُرِيكِ شيئاً رأيتُهُ بالحَبَشة؟
فدعت بجرائد رطبةٍ فَحَنَتْها ثمّ طرحتْ عليها ثوباً، فقالت فاطمة: ما أحسن
هذا وأجمله، إذا أنا مِثُّ فَغَسِّليني أنتِ وعليّ، ولا يدخل أحد عليَّ. فلمّا
تُوُفِّيَتْ جاءت عائشة تدخل، فقالتِ أسماء: لا تدخلي، فشكتْ إلى أبي
بكرٍ، فجاء فوقفَ على البابِ فكلّم أسماء، فقالت: هي أمرتني، قالٍ:
فاصنعي ما أمرتْكِ، ثم انصرفَ. قال ابن عبدالبَرّ (١): فهي أوّل من غُطِّيَ
نَعْشها في الإسلام على تلك الصِّفَة .
وفاة أمّ أيمن مولاة النبيِّ ګ وحاضنته
ورِثَها من أبيه، واسمُها بركة، من كبار المهاجرات. وقد زارها أبو
بكر وعمر بعد موت النبيِّ ◌َّ فبكت، فقال لها أبو بكر: أتَبكين! ما عند الله
خيرٌ لرسوله. فقالت: ما أبكي لذلك، ولكِن ابكي لأنَّ الوحيَ انقطع عنَّا من
السماء، فَهَيَّجتْهُما على البكاء.
تُوقِّيت بعد النبيِّمَلّ بخمسة أشهر. وهي أمُ أسامةَ بن زيد.
ومن مناقب أم أيمن، قال جرير بن حازم: سمعتُ عثمان بن القاسم
يقول: لما هاجرَت أمُ أيمن أمْسَت بدون الزَّوْحاء فعطِشَت وليس معها ماء،
فدُلِّ عليها من السماء دَلوٌ فشرِبَت، وكانت تقول: ما عطشتُ بعدها، ولقد
تعرَّضتُ للعطش بالصوم في الهَواجر فما عطشتُ.
وعن أبي الحُوَيرث أنَّ أَمَّ أيْمن قالت يوم حُنَينِ: ((سَبَّتَ اللهُ
أقدامكم))، فقال النبيُّ بَّهِ: ((اسكتي يا أمَّ أَيْمَن فإنَّكِ عسراءُ اللِّسان))(٢).
(١) الاستيعاب ٣٧٨/٤-٣٧٩.
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢٢٥/٨، وإسناده ضعيف جدًا فإنه رواه عن شيخه
الواقدي، وهو متروك.
تاريخ الإسلام ٢/م٣
٣٣

وذكر الواقديُّ(١) أنها بقيت إلى أوَّلِ خلافةِ عثمان.
وفاة عبدالله بن أبي بكر الصِّدِّيق
قيل: إنَّه أسلم قديماً، لكن لم يُسْمَعْ له بمَشهدٍ قبلُ، جُرح يوم
الطَّائف، رماه يومئذٍ بسهم أبو مِحْجَن الثَّقَفِي، فلم يزل يتألَّم منه، ثمّ اندمَل
الجرح، ثمَّ إنَّه انتقض عليه، وتُوُفِّي في شؤَّال سنةَ إحدى عشرة، ونزل في
حُفْرته عمر، وطلحة، وعبدالرحمن بن أبي بكر أخوه. ذكره محمد بن
جرير(٢) وغيره.
وقيل: هو الذي كان يأتي بالطَّعام وبأخبارِ قريش إلى الغار تلك اللَّيالي
الثلاث .
عگَّاشة بن مِحْصن الأسدي أبو مِحْصن
من السَّابقين الأولين، دعا له النبيُّ بَله بالجنَّةِ في حديث: ((سَبَقَكَ بها
عُكاشة))(٣) وهو أيضًا بَدريٍّ أُحديٌّ، استعمله النبيُّ ◌ََّ على سَريَّة الغَمر فلم
يلقَوا کَیْدًا .
ويُروى عن أمِّ قيس بنت مِحْصن قالت: تُوفي رسول الله ◌ٍِّ وعُكَّاشة
ابنُ أربع وأربعين سنة. وقُتلَ بعد ذلك بسنةٍ ببُزاخة في خلافةِ أبي بكرٍ سنةً
اثنتي عشرة، وكان من أجمل الرجال.
كذا رُوِيَ أَنَّ بزاخةَ سنة اثنتي عشرة، والصَّحيح أنَّها سنةَ إحدى
عشرة، قتله طَلَيحة الأسدي. وقد أبلى عُكاشة يوم بدرٍ بلاء حَسنًا، وانكسر
في يده سيفٌ، فأعطاه النبيُّ ◌َّ عُرِجُونًا أو عُودًا فعادَ سيفًا، فقاتل به، ثمَّ
طبقات ابن سعد ٨/ ٢٢٦ .
(١)
(٢) تاريخه ٢٤١/٣ .
(٣) حديث صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه أحمد ٣٠٢/٢ و٤٥٦،
والدارمي (٢٨١٠)، ومسلم ١٣٦/١.
٣٤

شهد به المشاهد. روى عنه: أبو هريرة، وابن عباس .
ثابت بن أقرم بن ثَعْلبة بن عديٌّ بن الجد بن العَجلان، وبنو
العَجْلان حُلَفاء بني زيد بن مالك بن عَوْف.
شهد بَدرًا والمشاهد، سَيَّرهُ خالد بن الوليد مع عكاشة طَليعةً على
فَرَسين، فقتلهما طُلَيحة وأخوه. وذكر الواقدي(١) أن قَتْلَهما كان يوم بُزاخة
سنة اثنتي عشرة، كذا قال. وكان ثابت من سادة الأنصار.
الوليد بن عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميُّ
أخو أبي عُبيدة، قُتلا بالبُطاح(٢) مع عمِّهما خالد في سنة إحدى
عشرة، وأبوهما هو الذي سار مع عمرو بن العاص إلى النَّجاشيِّ، وقصَّتُه
مشهورةٌ. تأخّرت وفاته(٣) .
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٤٦٧.
(٢) ما في ديار بني أسد.
(٣) كتب الصفدي بخطه على هامش الأصل الذي بخط المؤلف: ((بلغت قراءة خليل بن
أيبك على مؤلفه، فسح الله في مدته، في الميعاد الثالث عشر، ولله الحمد)).
٣٥

سنَةً اثنتي عَشَرة
في أوائلها - على الأشهر - وقعة اليَمَامة، وأميرُ المسلمين خالد بن
الوليد، ورأسُ الكُفْرِ مُسَيْلَمَة الكذاب، فقتله الله. واستُشْهِدَ خَلْقٌ من
الصّحابةِ :
أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن
قُصَيّ، قيل : اسمه مِهْشَم .
أسلم قبلَ دخولِ النبيِّ ◌َ ◌ّ دارَ الأرقم، وشهد بدرًا وما بعدها، وهاجر
الهجرتَين إلى الحَبَشة، فوُلدَ له بها محمد بن أبي حُذيفة - الذي حَرَّضَ
المصريِّينَ على قتال عثمان - من سهلة بنت سهيل بن عمرو .
وعن أبي الزّناد، قال: دعا أبو حُذيفة بن عُتبة يوم بدر أباه إلى البراز،
فقالت أخته هند بنت عتبة، وهي والدة معاوية :
الأحولُ الأثعل الملعون طائرُهُ أبو حُذيفة شرُّ النَّاس في الدِّين
أمَا شَكَرتَ أبا رَبَّكَ من صِغرٍ حتى شَبَبتَ شبابًا غير مَحْجُون
قال: وكان أبو حُذيفة طويلاً، حَسنَ الوجه، مرادف الأسنان - وهو
((الأثعلُ)) - وكان أحْوَل، وقُتْلَ يوم اليَمَامة وله ثلاثٌ وخمسون سنة، رضي
الله عنه(١) .
سالم مولى أبي حُذَيْفَة بن عُتْبة
قال موسى بن عُقبة: هو سالم بن مَعْقل، أصله من إصْطَخر، والَى أبا
حُذَيفةَ. وإنَّما أعْتَقتَهُ ثُبَيتَةُ بنت يَعار الأنصاريَّة زوجة أبي حُذيفة، وتَبَنَّاه أبو
حُذَيفة.
قال ابن أبي مُلَيْكة، عن القاسم بن محمد: إنَّ سَهْلَة بنتَ سُهَيل بن
عمرو أتت رسول الله ◌َ﴾ وهي امرأةٌ أبي حُذيفة، فقالت: سالم معي، وقد
أدرك ما يُدركُ الرجال، فقال: ((أَرْضِعيه فإذا أرضَعتيه فقد حَرُم عليك ما
(١) انظر طبقات ابن سعد ٥٨/٣ .
٣٦

يَحْرُمُ من ذي المَحْرَمِ))(١).
فعن أم سَلَمَة، قالت: أبى أزواجُ النبيِّ مَ﴿ أن يدخل أحدٌ عليهن بهذا
الرِّضاع، وقلن: إنما هذا رُخْصةٌ من رسولِ الله لسالم خاصةً(٢).
وعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حُذَيفة يَؤُمُّ المهاجرين من
مكة حتى قَدمَ المدينةَ لأنَّه كان أقرأهم.
وقال الواقديُّ(٣): حدثني أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القُرَظي،
قال: كان سالم يَؤُمُّ المهاجرين بقُباء، فيهم عمر بن الخطاب قبل أن يَقْدم
رسولُ الله ◌َالچ .
وقال حَنْظَلة بن أبي سفيان، عن عبدالرحمن بن سابط، عن عائشة،
قالت: استبطأني رسولُ الله ◌ِّ ذاتَ ليلةٍ فقال: ما حَبَسَكَ؟ قلتُ: إنَّ في
المسجد لأَحسنَ من سمعتُ صوتًا بالقرآن، فأخذ رداءه وخرج يَسْتَمعه، فإذا
هو سالم مولى أبي حُذيفة، فقال: ((الحمدُ لله الذي جعل في أمتي مثلك)).
إسناده قويٌّ (٤) .
وقال عبدالله بن نُمير، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: إنَّ
المهاجرينَ نزلوا بالعَصْبةِ(٥) إلى جنب قُباء، فأمَّهُم سالم مولى أبي حذيفة،
لأنَّه كان أكثرهم قرآنًا، فيهم عمر، وأبو سَلَمة بن عبد الأسد.
وعن محمد بن إبراهيم التَّيمي: آخى رسولُ اللهِ وَل بين سالم مولى
أبي حُذَيفة وأبي عُبيدة بن الجرَّاح.
(١) إسناده ضعيف، لأنه مرسل، لكن روى عروة عن عمته عائشة بمعناه، وإسناده صحيح
أخرجه البخاري ١٠٤/٥ و٩/٧، وأخرجه مسلم ١٦٨/٤ من طريق القاسم عن عمته
عائشة. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة (١٩٤٣).
(٢) انظر طبقات ابن سعد ٨٧/٣.
(٣)
طبقات ابن سعد ٣ / ٨٧ .
بل: صحيح، كما بيناه في تعليقنا على طبعتنا من سنن ابن ماجة (١٣٣٨).
(٤)
قيده المؤلف بفتح العين المهملة، وفي المطبوع من البخاري (١٧٨/١) بضم العين،
(٥)
وقد بَين الحافظ ابن حجر الوجهين في الضبط (الفتح ٢٣٥/٢). وهذا الحديث
أخرجه البخاري ١٧٨/١ و٨٨/٩، وأبو داود (٥٨٨)، وابن خزيمة (١٥١١). وانظر
المسند الجامع ١٣٧/١٠ حديث (٧٣٣٣).
٣٧

وفي ((مُسند أحمد))(١)، قال: حدثنا عفَّان، قال: حدثنا حمَّاد، عن
عليٍّ بن زيد، عن أبي رافع، أنَّ عمر قال: مَن أدرك وفاتي مِن سَبْي العرب
فهو حُرٍّ من مال الله، فقال سعيد بن زيد: أما إنَّك لو أشَرتَ برجلٍ من
المسلمين لائْتَمنكَ النَّاس، وقد فعل ذلك أبو بكر وائتَمنهُ النَّاسُ، فقال: قد
رأيت من أصحابي حِرصًا سيًِّا، وإنِّي جاعلٌ هذا الأمرَ إلى هؤلاء النَّفْرِ
السِّتَّة، ثم قال: لو أدركني أحدُ رَجُلين ثمَّ جعلت إليه الأمرَ لوثقتُ به:
سالم مولى أبي حُذيفة، وأبو عبيدة بن الجرَّاح.
وقال عبدالله بن عمرو: قال رسول الله مَله: ((اسْتَقرئوا القرآن من
أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأُبِيٍّ، ومُعاذ، وسالم مولى أبي حُذيفة))(٢).
ومن طريق الواقديِّ(٣) بإسناده، عن محمد بن ثابت بن قيس بن
شَمَّاس، قال: لمَّا انكشف المسلمون يوم اليَمَامة قال سالم مولى أبي
حُذيفة: ما هكذا كنّا نفعل مع رسول الله ◌ِ لّه، فحفر لنفسه حُفرةً، فقام فيها
ومعه راية المُهاجرين يومئذٍ، ثم قاتل حتى قُتل شهيدًا سنة اثنتي عشرة رضي
الله عنه .
وقال عُبيد بن أبي الجَعد، عن عبدالله بن شدَّاد بن الهاد: إنَّ سالمًا
باع عمر ميراثه، فبلغ مئتي درهمٍ، فأعطاها أمَّه، فقال: كُليها .
وقال غيره: وُجدَ سالمٌ ومولاه رأسُ أحدهما عند رِجْلي الآخر
صريعَيْن .
وقد شهد سالم بدرًا والمشاهد.
شجاع بن وَهْب بن ربيعة الأسَدِيُّ، أبو وَهْب
مهَاجِريٌّ بذْرِيٌّ، كان رجلاً طُوالاً نحيفًا أجنى (٤)، وقد هاجر إلى
(١) أحمد ١/ ٢٠ وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جُدعان.
(٢) أخرجه أحمد ١٦٣/٢ و١٨٩ و١٩٠ و١٩١ و١٩٥، والبخاري ٣٤/٥ و٤٥
و٢٢٩/٦، ومسلم ١٤٨/٧ و١٤٩، والترمذي (٣٨١٠)، والنسائي في فضائل
الصحابة (١٢٥) و(١٣٧) و(١٧٤) وغيرهم.
(٣) طبقات ابن سعد ٨٨/٣، والواقدي متروك، لكن هذا من الأحداث التاريخية، وهو
حجة فيها .
(٤) أي: في عنقه ميل.
٣٨

الحبشة، يقال: آخى رسولُ الله ◌ِّه بينه وبين أوس بن خَوْلي. وبعثه النبيُّ
نَّه على سَرِيَّةٍ أربعة وعشرين رجلاً، فأصابوا نَعمًا وشاءً. وكان رسولَ
رسولِ الله إلى الحارثِ بن أبي شَمر الغسَّانيِّ، بدمشق بالغُوطة، فلم يُسلم،
وأسلم حاجبُه مُرَي.
وشهد شجاع بدرًا والمشاهدَ، واستُشهد باليَمَامة عن بِضْع وأربعين
سنة. وكان من حُلفاء بني عبد شمس(١).
مد: زيد بن الخطّاب بن نُفَيْل العَدويُّ القُّرَشيُّ، أبو عبدالرحمن .
كان أسنَّ من عمر، وأسلم قبله. وكان طويلاً بمرّة، أسمر، شهد بَدرًا
والمشاهدَ. قال له عمر يوم بدر (٢): خُذ دِرْعي، قال: إنِّي أريدُ من الشهادة
کما تریدُ، فترکاها.
وكان له من لُبابة بنت أبي لُبابة بن عبد المنذر ولدٌ اسمُهُ عبدالرحمن.
وقيل: آخى رسولُ اللهِ وَّه بين زيد ومعن بن عَدي العَجْلاني، واستُشهد
باليَمَامة .
وقد روى عاصم بن عُبيدالله، عن عبدالرحمن بن زيد بن الخطّابَ،
عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّه: ((أرقَّاءكم أرِقَاءكم أطعِمُوهم مِمَّا تأكلونَ
وألْبسُوهم ممَّا تَلْبسُون ... )) الحديث(٣).
وجاء أنَّ رايةَ المسلمين يوم اليَمَامة كانت مع زيد، فلم يزل يتقدَّم بها
في نَحْر العدوِّ، ثم قاتِل حتَّى قُتِل، فأخذها سالم مولى أبي حُذَيْفَة. وكان
زيدٌ يقولُ ويصيح: اللَّهُمَّ إنِّي أعتذِرُ إليك من فرارِ أصحابي وأبرأُ إليكَ مِمَّا
جاء به مُسَيْلَمة ومُحكَّم بن الطَّفَيْل (٤).
(١) انظر طبقات ابن سعد ٣ / ٩٤ - ٩٥.
(٢) كتب المصنف في حاشية نسخته: ((خ: أحد)) أي: في نسخة أخرى: ((أحد)) وصحح
عليها .
(٣) هكذا نسب هذا الحديث إلى عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب متابعًا رواية ابن سعد في
الطبقات ٣٧٧/٣، وهو عنده من رواية أبي أحمد الزبيري عن سفيان، وهو ممن
يخطىء في حديث سفيان. والصواب في هذا أنه من حديث عبدالرحمن بن يزيد بن
جارية، عن أبيه، كما في مسند أحمد ٣٥/٤، ومصنف عبدالرزاق (١٧٩٣٥).
(٤) انظر طبقات ابن سعد ٣٧٧/٣ - ٣٧٨.
٣٩

وقال الواقديُ(١): حدثني عبدالله بن جعفر، عن ابن أبي عَوْن. قال:
وحدثني عبدالعزيز بن الماحِشُون؛ قالا: قال عمر لمُتَمم بن نُوَيرة: ما أشدَّ
ما لَقيتَ على أخيك من الخُزن؟ فقال: كانت عيني هذه قد ذهبت، فبكيتُ
بالصَّحيحة حتى أسْعَدتها الذاهبةُ وجَرَت بالدَّمع، فقال: إنَّ هذا الحُزنٌ
شديد، ثم قال عمر: يرحم الله زيدَ بن الخطّاب إنِّي لأحسبُ أنِّي لو كنتُ
أقدرُ على أن أقولَ الشِّعرَ لبكَيتُه كما بكيتَ أخاكَ. فقال: لو قُتلَ أخي يوم
اليمامة كما قُتل زيد ما بَكيتُه أبدًا، فأبصر عمر وتَعَزَّى عن أخيه، وكان قد
حزن عليه حُزنًا شديدًا، وكان يقول: إِنَّ الصَّبا لَتَهُبُّ فتأتيني بريحِ زيدٍ. قال
ابن أبي عَوْن: ما كان عمر يقول من الشِّعر ولا بيتًا واحدًا.
وعن عمر أنه كان يقول: أسلم قبلي واستُشهد قبلي.
وقد روى عنه ابنهُ، وابن عمر، له عنه النَّهيُّ عن قتل ذواتِ البُيُوت(٢) .
حزْن بن أبي وَهْب بن عمرو بن عائذ بن عِمْران بن مخزوم
المخزوميُّ.
له هجرة، وقيل: أسلمَ يوم الفتح، وهو جدُّ سعيد بن المسيِّب، أراد
النبيُّ ◌َّ﴿ أن يُغيِّرَ اسمه وقال: ((أنت سهل))، فقال: لا أغيِّرُ اسمي. قُتلَ يوم
اليمامة، وقيل: يوم بزاخة .
عبدالله بن سُهَيْل بن عَمْرو بن عبد شمس بن عبد ودِّ القُرَشِيُّ
العامريُّ، أبو سُھیل.
استُشْهد يومئذٍ وله ثمانٌ وثلاثون سنة. وكان أقبل يوم بدر مع قُريش
فانحاز إلى المسلمين وشهد بدرًا .
وقال الواقديُّ(٣): لما حجَّ أبو بكر لقي أباه بمكَّةَ فعزَّاهُ به، فقال
سُهيل: بلغني أنَّ رسولَ اللهِ بَّه قال: ((يشفعُ الشهيدُ لسبعينَ من أهله))(٤)،
(١) طبقات ابن سعد ٣٧٨/٣.
(٢) حديث معروف وهو في الصحيحين.
(٣)
طبقات ابن سعد ٣ /٤٠٦ .
إسناده ضعيف جدًا بسبب الواقدي، والحديث عند أبي داود (٢٥٢٢) من طريق أم
(٤)
الدرداء عن أبى الدرداء بإسناد ضعيف، فيه نمران بن عتبة الذماري وهو مجهول كما=
٤٠