النص المفهرس

صفحات 201-220

أو غير ذلك من المحرمات فكل ذلك جائز أو واجب ذكره ليحذر ضرره. وبهذا
ظهر أن الجرح لم ينقطع وأنه والحالة هذه من النصيحة الواجبة المثاب
فاعلها))(١) .
ويلاحظ أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد برروا استعمال النقد
في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر. ومثل هذا
التبرير قد يكون صحيحاً في حالة نقد المعاصرين فهو تفسير ساذج، حيث أن
الذهبي وغيره لم يقتصروا على نقد المعاصرين من غير الرواة، بل تناولوا نقد
السابقين أيضاً فيسأل عندئذ عن الغاية من نقد السابقين؟ كما أنهم لم يستطيعوا
أن يوضحوا بجلاء سبب استمرار نقد الذهبي وغيره من المتأخرين المتقدمين
بعد انقطاع الفائدة من مثل هذا النقد.
من كل ذلك يتضح أن تعليل مثل تلك الأمور لا يكون بمثل هذه البساطة
فهناك عوامل أكثر عمقاً دفعت الذهبي إلى مثل هذه العناية لعلنا نستطيع إبراز
بعضها فيما يأتي:
أ- استمرار العناية بالرواية، فعلى الرغم من أن تمييز الحديث الصحيح
عن غيره قد استقر بعد ظهور الكتب الستة وبعض المجاميع الحديثية الأخرى
فإن المسلمين لم يتركوا الرواية بل ازدادوا عناية بها تقليداً للسابقين من جهة،
وتديناً وحباً بالحديث وروايته من جهة أخرى. ومعنى ذلك استمرار الإسناد
ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة (٢).
ب - لم يتقبل الذهبي آراء النقاد السابقين باعتبارها مسلمات لا يمكن ردها أو
الطعن فيها دائماً بالرغم من احترامه الشديد للثقات منهم ومدحه الكثير لهم.
ويبدو أنه اعتبر باب الاجتهاد في النقد ما زال مفتوحاً، لذلك عني به كل هذه
العناية، يدل على ذلك رَدُّه لآراءِ كثيرٍ من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن
(١) الإعلان، ص٤٦١ - ٤٦٢.
(٢) ركز الذهبي في كتابه ((الميزان)) على الرواة القدماء واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو
الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، وذكر أنه لو فتح على نفسه تناول المتأخرين لما سَلِمَ
معه إلا القليل إذ ((الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في
الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر فالعمدة على مَنْ قرأ لهم، وعلى من أثبت
طباق السماع لهم)). (ج١ ص٤)، ولكنه تناولهم في تاريخ الإسلام.
١٩٩

صالح المصري (ت ٢٤٨هـ)(١)، وأحمد بن عبدالله العجلي ((ت٢٦١هـ))(٢)،
وابن عدي ((ت٣٦٥هـ))(٣)، وابن حبان البستي ((ت ٣٥٤ هـ)) (٤)، ومحمد بن
إسحاق بن مندة ((ت٣٩٥هـ))(٥) والخطيب البغدادي ((ت٤٦٣ هـ)) (٦) ، وابن
عساكر (ت٥٧١هـ))(٧)، وابن الصلاح ((ت٦٤٣هـ))(٨)، وغيرهم مما يطول
ذكره، ولعل كتابه ((الميزان)» أحسن دلالة على ذلك.
ج - إن النقد أصبح جزءاً من مفهومه التاريخي، لذلك حاول تطبيقه في
كل موضع من كتابه. وقد أخطأ كثير ممن فسر نقده لكبار العلماء من غير الرواة
أو الملوك أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف ((نقد الرجال)) بل هو
حكم تاريخي الغاية منه تقويم المترجم كما سيأتي.
ويراعي الذهبي في مثل هذا النوع من النقد أن يورد ما يبين حال
المترجم مما يتصل بعقيدته كأن يكون شيعياً (٩)، أو رافضياً (١٠)، أو معتزلياً(١١)،
أو قدرياً(١٢)، ونحو ذلك، مما يتصل بأخلاقه(١٣)، أو مما يتصل بروايته كأن
يكون قليل الفهم والضبط (١٤)، متساهلاً في الرواية(١٥)، متهاوناً فيها(١٦)،
(١) مثلاً: الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) مثلاً: الورقة ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٣) مثلاً: الورقة ١٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٤) مثلاً: الورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥) مثلاً: الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) مثلاً: الورقة ١٩١ من النسخة السابقة.
(٧) مثلاً: ٣٣٩/٧.
(٨) مثلاً: الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٩) انظر مثلاً: الورقة ١٧٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٩، ٣٧٣، ٣٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) مثلاً: الورقة ٢٠٥، ٣٠٨، ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٧٥، ٣٧٦ من النسخة نفسها.
(١١) مثلاً: الورقة ٢٢٧، ٣٢٩، ٣٧٠، ٣٧٣، ٣٨٠، ٣٨٧، ٤٠٤، ٤٢٢، ٤٤٦، ٤٨٥ من
النسخة السابقة .
(١٢) مثلاً: الورقة ١١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(١٣) مثلاً: الورقة ١٧٤، ١٧٥، ١٩٠، ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١٤) الورقة ٢٠٣ من النسخة السابقة.
(١٥) الورقة ١٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٦) الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
٢٠٠

أو مجازفاً (١)، أو مُخَلِّطاً (٢)، أو يُحَدِّثُ من غير أصل(٣)، أو يقلب
الأحاديث(٤)، أو يقفز من سند إلى آخر(٥) ، أو يلحق اسمه في الطبقات،
ونحو ذلك(٦) .
وتكون نتيجة التجريح أو التعديل إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها
الدقيقة جداً نحو (ثقة))، و((صدوق))، و((صويلح))، و((دجال))، و((كذاب))، وما
إلى ذلك (٧) .
إن عناية الذهبي في البحث عن عقائد المترجمين واتجاهاتهم ومذاهبهم
قدمت لنا مادة غنية في معرفة عقائدهم ومذاهبهم، ومدى انتشارها بين الناس
في فترة ما أو في منطقة معينة .
٢- التقويم والأحكام:
لم يكن الذهبيُّ يقتصر على ((نقد الرجال)) وهو ((النقد الحديثي)) الذي يعنى
بذكر حال الرجال صدقاً أو كذباً أو عقيدة أو نحوها، فإن هذا النوع من النقد لا
يمكن تطبيقه على جميع فئات المترجمين في كتابه، وقد حوى خلفاء وملوكاً
وأرباب ولاياتٍ، وشعراء وأدباء ونحوهم، ولذلك لم ينظر الذهبي إليهم
بالمناظير التي نظرَ بها إلى الرواةِ وأشباههم في الأغلب الأعم، بل نظر إلى كل
طائفة منهم بمنظار يختلف عن الآخر. وهذه مسألة قَلَّما انتبه إليها الباحثون
فوقعوا بآفة التعميم وخرجوا بما ظنوا أنه حقيقة وهي أنَّ المؤرخين المسلمين
المتأثرين بالحديث الشريف وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو
منظار الحديث والمحدثين .
(١) الورقة ٢٢٥ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٣٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
الورقة ٨٦ من النسخة السابقة، والورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣)
(٤)
الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) الورقة ١٩١ من النسخة السابقة.
(٦)
الورقة ٣١٥، ٤١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٧) انظر عن هذه الألفاظ ودلالاتها كتابه: ((ميزان الاعتدال، ج١ ص٤))، وبحث الدكتور
ناجي معروف: ((أساليب الكتّاب العرب في البحث العلمي)) المنشور في العدد الأول من
مجلة ((الكتّاب)) (بغداد سنة ١٩٦٢).
٢٠١

نعم، نظر الذهبي إلى كثير من العلماء بمنظار المحدثين، ونظر إلى بعض
من يختلفون معه في العقيدة بمنظار عقيدته وهلم جرًّا، ولكنه في الوقت نفسه
استطاع أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر كوّن في الأغلب صورة لجماع
رأيه في ذلك الشخص.
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجمين تبدو لأول وهلة
متناقضةً كل التناقض، نحو قوله في ترجمة هشام بن محمد الكلبي المتوفى سنة
٢٠٤ هـ: ((النسابة العلامة الأخباري الحافظ ... لم يكن ثقة وفيه رفض))(١)،
وقوله في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المعتزلي الذي قاد أعنف حملة
على زعماء أهل الحديث وغير القائلين بخلق القرآن: ((وكان مُصَرِّحًا بمذهب
الجهمية داعية إلى القول بخلق القرآن. وكان موصوفاً بالجود والسخاء وحسن
الخلق وغزارة الأدب))(٢). وقد صار عدم التعميم في الذم أو المدح أصلاً من
أصوله النقدية، قال في رده على ابن الصلاح ((ت٦٤٣هـ)) الذي هاجم
الماوردي ((ت ٤٥٠هـ)) بسبب الاعتزال ((فلا تحط يا أخي على العلماء مطلقاً
ولا تبالغ في تقريظهم مطلقاً» (٣).
ثم إن اختلاف المناظير عند الذهبي جعله يراعي في كل طائفة صفات
معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى الخلفاء
والملوك مثلاً من زاوية الحزم، والدهاء، والقوة والضعف، والسياسة، والظلم
والعدل، وحب العلم ونحوها، قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: ((وقد مر
من أخباره في الحوادث ما يدل على أنه كان فحل بني العباس هيبةً وشجاعةً
وحزماً ورأياً وجبروتاً، وكان جمّاعاً للمال تاركاً للهو واللعب كامل العقل جيد
المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه.
وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتدين ... خليقاً
للإمارة)) (٤)، وقال في ترجمة الخليفة المأمون: ((كان من رجال بني العباس
حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة وله
(١) الورقة ٧٥ - ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) ٧٥٨/٥.
(٣) الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٤) ٤ / ١٠٦.
٢٠٢

محاسن))(١)، وقال في ترجمة عضد الدولة البويهي: ((وعمّر الطرق والقناطر
والجسور. وكان متيقظاً شهماً .. كثير البحث عن المشكلات وافر العقل. كان
من أفراد الملوك لولا ظلمه. وكان سفاكاً للدماء ... وكان يحب العلم
والعلماء ... وأقام مكوساً ومظالم نسأل الله العافية))(٢)، وقال في هشام بن
الحكم الأموي الأندلسي: ((وكان ضعيفاً أخرق محجوراً عليه))(٣)، وقال في
وصف جوهر الصقلي القائد الفاطمي: ((وكان حسن السيرة في الرعية)) (٤)،
وقال في ترجمة العزيز بالله نزار الفاطمي: ((وكان كريماً شجاعاً حسن
الصفح ... حسن الخلق قريباً من الناس لا يؤثر سفك الدماء))(٥) .
أما العلماء فكان يراعي فيهم البراعة والمعرفة في فنهم، قال في ترجمة
نصير الدين الطوسي ((ت٦٧٢ هـ)): ((كان رأساً في علم الأوائل لا سيما معرفة
الرياضي وصنعة الأرصاد فإنه فاق بذلك على الكبار ... وكان سمحاً كريماً
حليمًا حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر لكنه على مذهب الأوائل في
كثير من الأصول، نسأل الله الهدى والسداد))(٦).
وكان يراعي في الشعراء مثلاً الإبداع، فقد نقل في ترجمة الشاعر الماجن
المتهتك ابن سكرة: «كان متسع الباع في أنواع الإبداع فائق الشعر لا سيما في
المجون والسخف وكان يقال ببغداد: إن زماناً جاد بمثل ابن سكرة وابن
الحجاج لسخي جداً. وقد شبها في وقتهما بجرير والفرزدق في وقتهما))(٧) .
وفي كثير من الأحيان يقوّم الذهبي المترجمين بعد دراسة كتبهم وتبيان
قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها. ومثل هذا النقد يدل بلا شك على
سعة في العقلية وتفهم منه لمجالات النقد وطبيعته لا سيما بالنسبة لأولئك
الذين لم يشتهروا بالرواية وعرفوا بتآليفهم في علم من العلوم أو فن من
الفنون .
(١) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٢) الورقة ١١٨ -١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) = ٣٧٧/٨ - ٣٧٨ من طبعتنا.
(٣)
الورقة ٢٦٣ من النسخة السابقة .
(٥) الورقة ١٨٦-١٨٧ من النسخة نفسها .
(٤)
الورقة ١٥٩ من النسخة السابقة .
(٦) الورقة ١٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٧) الورقة ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
٢٠٣

٣- نقد الروايات :
رد الذهبيُّ كثيراً من الروايات التي نقلها عن المؤلفين السابقين بعد نقدها
أو نقد مؤلفيها. ولم يكن مستعداً دائماً لتصديق كل ما يقال عن شخص ما أو
حادثة معينة، ولذلك وجدناه قلما ترك مؤلفاً نقل عنه من غير أن يُخَطََّهُ في أكثر
من رواية بصرف النظر عن مكانة ذلك المؤلف من العلم وجلالته فيه،
فتحصَّلت في الكتاب ثروة نقدية على غاية من الضخامة، يلمسها كل مَنْ يطالع
الكتاب أو يتفحصه. يضاف إلى ذلك أنه لم يقتصر على أسلوب واحد في النقد
بل تَوسَّلَ بكل ممكن مما يوصله إلى الحقيقة ومن ثم وجدنا تنوعاً في أساليبه
النقدية في هذا المجال لعل من أبرزها :
أ- نقد السند :
ونجد ذلك واضحاً في كلامه على كثير من الأحاديث النبوية الشريفة وفي
بعض الروايات الأولى. ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في
راوٍ واحد من رواته أو أكثر، أو تقويمه استناداً إلى مقاييس المحدثين فيحكم
بعد ذلك على قوة الحديث وضعفه باستعمال العبارات الدالة عليه كأن يقول
مثلاً ((منقطع))، و((مرسل))، و((متفق عليه))، و(صحيح))، وغيرها من
المصطلحات المعروفة عندهم. ولما كان الذهبي من كبار حفاظ الحديث
وجهابذته لذلك ما وجدناه ترك حديثاً من غير تعليق عليه(١) . وقد طبق هذه
الطريقة على بعض الأخبار بعد دراسة أسانيدها وهو نادر في كتابه (٢) لعدم
عنايته بالإسناد فيه أصلاً وتعويله على المؤلفات السابقة.
ومع ذلك فإنَّ الذهبيَّ لا يكتفي بنقد السند في معظم الأخبار التي يوردها
ويضعفها استناداً إلى ضعفٍ في سندها، بل يحاول جاهداً إيراد ما يقوي هذا
التضعيف من الأدلة التاريخية التي تتوفر له؛ ففي اتهام هشام بن عروة لابن
إسحاق نقل الذهبي هذه الرواية عن العقيلي، قال: ((قال العقيلي: حدثني
(١) الصفدي: الوافي، ج٢ ص ١٦٧ .
(٢) انظر مثلاً: ٧ /١٨٥ و٦٤٤ و ٦٥٣.
٢٠٤

الفضل بن جعفر، قال: حدثنا عبدالملك بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن
داود، قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق
كذاب. قلتُ: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب، فقلت لوهيب: ما يدريك؟
قال: قال لي مالك، فقلت لمالك: وما يدريك؟، قال: قال لي هشام بن
عروة، قلت له: وما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي وأدخلت عليَّ وهي بنت
تسع سنين وما رآها رجل حتى لقيت الله)) فقال الذهبي معلقاً: ((قلت: هذه
حكاية باطلة وسليمان الشاذكوني ليس بثقة، وما أدخلت فاطمة على هشام إلا
وهي بنت نيف وعشرين سنة فإنها أكبر منه بنحو من تسع سنين، وقد سمعت
من أسماء بنت الصديق، وهشام لم يسمع من أسماء مع أنها جدَّتهما. وأيضاً
فلما سمع ابن إسحاق منها كانت قد عجزت وكبرت وهو غلام أو هو رجل من
خلف الستر فإنكار هشام بارد))(١) .
ب- نقد المتن :
وهو الذي يقوم على نقد متن الرواية بكل ما يستطيع الناقد إيراده من الأدلة
التي تثبت دعواه. وهذا النوع من النقد هو الذي عني به الذهبي في كتابه فردّ
مئات الروايات وأبطلها بنقده المتين، وهو ظاهرة جِدُّ واضحة فيه.
ومن أمثلة عنايته بنقد المتن مع توفر الإسناد القوي، تعليقه على خبر سفر
النبي ◌َّ مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصة بحيرا الراهب، وملخص
الحديث: أن الراهب تناقش مع أبي طالب والقرشيين في أمره حينما كانوا
يتظللون بفيء شجرة، ثم أقبل النبي له وعليه غمامة تظله فلما جلس تحت
الشجرة مال عليه فيء الشجرة، فلما رآه الراهب وعرف صفته ناشد أبا طالب
أن يرد النبي وَ لو خوفاً عليه من الروم فرده أبو طالب، وبعث أبو بكر معه بلالاً
الحبشي. فقال الذهبي: ((تفرد به قراد، واسمه عبدالرحمن بن غزوان(٢)
(١) ٤ / ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) توفي سنة ٢٠٧هـ، انظر الذهبي: ميزان ج٢ ص ٥٨١ -٥٨٢ .
٢٠٥

(وهو)(١) ثقة احتج به البخاري والنسائي، ورواه الناس عن قراد وحسنه
الترمذي. وهو حديث منكر جداً؛ وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين فإنه
أصغر من رسول الله وَ له بسنتين ونصف. وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا
بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد. وأيضاً: فإذا كان عليه غمامة
تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة
التي نزل تحتها. ولم نر النبي وَلَ ذَكَّر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته
قريش، ولا حكته أولئك ألاشياخ مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل
ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده وَّ حِسٌّ من النبوة ولما
أنكر مجيءَ الوحي إليه أولاً بغارِ حراء، وأتى خديجة خائفاً على عقله، ولما
ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه وَ له. وأيضاً: فلو أثر هذا الخوف في أبي
طالب ورده كيف كانت تَطِيبُ نَفْسُه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا
لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية مع أن ابن عائذ قد
روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر وبلالاً إلى آخره، فقال:
حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره
بمعناه))(٢).
ونرى من هذا النقد أن الذهبي قد حَلَّلَ الخبر تحليلاً علمياً من كافة
جوانبه: في أحداثه، وألفاظه، ودلالاته، واستعمل عقله، والأدلة التاريخية
ليثبت بطلانه، وهو يدل على مَلَكَةٍ عظيمة في النقد وتمكن فيه.
والحق أن الذهبي استعمل عقله في رَدِّ كثير من الروايات حتى وإن لم
تتوفر لديه الادلة الكافية، لكن حِسَّهُ التاريخي جعله لا يقبلها وإنْ رواها أو
نقلها الثقات، فقد نقل عن الخطيب نصاً عن عدد حمامات بغداد وأنها كانت
ستين ألف حمام، فقال: ((قلت: كذا نقل الخطيب في تاريخه وما أعتقد أنا هذا
قط ولا عشر ذلك))(٣) . ولم يقبل تصديق ضخامة أعداد الناس الذين كانوا
يحضرون مجالس وعظ ابن الجوزي مع أن ابن الجوزي ذكرها بنفسه في
(١) إضافة مني للتوضيح.
(٢) ٥٠٣/١ - ٥٠٤ .
(٣) ٣٩٧/٣.
٢٠٦

المنتظم، كما هو مشهور وأيدها عبداللطيف البغدادي ((ت٦٢٩ هـ)) وجماعة من
المعاصرين كما نقل الذهبي في ترجمته(١) .
ثانياً: التعصب والإنصاف في النقد:
كان من منهج الذهبي نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم ليقدم
صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمة من تراجمه،
بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي ((ت٧٧١هـ))
وغيره. كما أن الذهبيَّ عني بترجمة عدد كبير من المعاصرين له ولا سيما في
معجمه الكبير، ومعجمه المختص بالمحدثين، ولا ريب أنه نَقَدَ بعضهم فلم
يعجبهم ذلك، وتأذى البعض منهم وغضب غضباً شديداً مثل شمس الدين
محمد بن أحمد بن بصخان المقرئ المتوفى سنة ١٤٣هـ الذي ترجم له الذهبي
وأورد بعض ما فيه من القدح. فكتب ابن بصخان هذا بخط غليظ على الصفحة
التي بخط الذهبي كلاماً أقذع فيه بحق الذهبي بحيث صار خط الذهبي لا يقرأ
غالبه (٢) .
وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما
في العقائد(٣) ، فكان شافعي الفروع حنبلي الأصول، ولذلك عني عند النقد
بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث واعتبرها جزءاً منه كما بينا قبل قليل.
ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه مَنْ يتعصبُ للأشاعرةِ غاية
التعصب .
وبسبب العقائد انْتُقِدَ الذهبيُّ من بعض معاصريه لاسيما تلميذه تاج الدين
عبدالوهاب السبكي (٧٢٨ -٧٧١هـ))(٤) في غير موضع من كتابه ((طبقات
(١) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٥٧ .
(٢) السخاوي: الإعلان، ص ٤٧٠، وانظر الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٣٠-٣١.
(٣) انظر أعلاه الفصل الاول من الباب الأول.
(٤) اتصل السبكي بالذهبي سنة ١٣٩هـ ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عاماً، ولازمه فكان يذهب
إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في معجمه المختص (انظر مقدمة طبقات
الشافعية) .
٢٠٧

الشافعية الكبرى)) (١) وفي كتابه الآخر ((معيد النعم)) (٢)، فقال في ترجمته من
الطبقات: ((وكان شيخنا - والحق أحق ما قيل والصدق أولى ما آثره ذو السبيل -
شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الإزراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان
أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا
يَصِفُهم بخيرٍ إلا وقد رَغِمَ منه أنفُ الراغم. صنّف التاريخ الكبير، وما أحسنه
لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه))(٣)، وقال في ترجمة
أحمد بن صالح المصري من الطبقات أيضاً: ((وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر
الله له، فإنه على حُسْنِهِ وجمعه مشحونٌ بالتعصب المفرط لا واخذه الله، فلقد
أكثرَ الوقيعةَ في أهل الدين، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال
بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة،
ومدح فزاد في المُجَسِّمة، هذا وهو الحافظ المدره والإمام المبجل، فما ظنك
بعوام المؤرخين)) (٤) . وذكر في موضع آخر أنه نقل من خط صلاح الدين خليل
ابن كيلكدي العلائي ((٦٩٤-٧٦١هـ))، وهو من تلاميذ الذهبي والمتصلين
به(٥)، أنه قال ما نصه: ((الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه
وورعه وتَحَرِّيه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات، ومنافرة
التأويل، والغفلة عن التنزيه حتى أثَّرَ ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل
التنزيه وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه
بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ويتأول
له ما أمكن، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما
لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول مَنْ طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه، ويعتقده
ديناً، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر
لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد
منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك، وسببه المخالفة في
(١) انظر مثلاً: ج٢ص١٣ فما بعد، ج٣ص٢٩٩، ٣٥٢-٣٥٣، ٣٥٦، ج٤ ص٣٣، ١٣٣،
١٤٧، ج٩ ص١٠٣ -١٠٤ وغيرها.
(٢) معيد النعم، ص٧٤، ٧٧.
ج ٩ ص ١٠٣ - ١٠٤.
(٣)
(٤) ج ٢ ص ٢٢.
(٥) ابن حجر: الدرر، ج٢ ص١٧٩ - ١٨٢.
٢٠٨

العقائد))(١)، ثم ذكر السبكي أن الحال أزيد مما وصف العلائي ثم قال:
((والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله.
ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لاينقل
عنه ما يعاب عليه))(٢) . وبالغ السبكي بعد ذلك فذكر أنَّ الذهبي متقصد في
ذلك وأنه كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفية والمالكية والشافعية
غضباً شديداً ثم يقرطم الكلام ويمزقه ((ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات
الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها)) (٣).
وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشاً بين المؤرخين فرد عليه السخاوي
(ت٩٠٢هـ)) حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للأشاعرة ونقل قول عز الدين
الكناني (ت٨١٩هـ)) في السبكي: ((هو رجل قليل الأدب عديم الإنصاف،
جاهل بأهل السُّنة ورتبهم)) (٤). وقال يوسف بن عبدالهادي (ت٩٠٩هـ)) في
معجم الشافعية: ((وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي كان أجل
من أن يقول ما لا حقيقة له .. والإنكار عليه أشد من الإنكار على الذهبي، لا
سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط من هذا الإفراط)) (٥).
والحق أنَّ السبكيَّ أشعريٌّ جَلْدٌ متعصب غاية التعصب ولا أدل على ذلك
من شتيمته المقذعة في حق الذهبي في ترجمة أبي الحسن الأشعري من
الطبقات فقد سَفَّ بها إسفافاً كبيراً بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة
طويلة في ((تاريخ الإسلام)) ولأنه اكتفى بإحالة القارئ إلى كتاب ((تبيين كذب
المفتري)) لابن عساكر فاعتبر ذلك نقيصة كبيرة في حق الأشعري(٦). وقد قرأ
السخاوي بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: ((يا مسلم
استحي من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السُّنة الذين هم الأشعرية،
الطبقات ج٢ ص ١٣ .
(١)
(٢)
نفسه، ج٢ ص ١٣ - ١٤.
(٣)
نفسه، ج٢ ص ١٤.
الإعلان، ص٤٦٩ فما بعد.
(٤)
(٥)
معجم الشافعية، الورقة ٤٧ -٤٨ (ظاهرية).
الذهبي: تاريخ الإسلام ٤٩٤/٧ - ٤٩٨. وقد وصف الذهبى الأشعري بأحسن الأوصاف
(٦)
وذكر تصانيفه وقال: ((من نظر في هذه الكتب عرف محله ومن أراد أن يتبحر في معرفة
الأشعري فليطالع كتاب تبيين كذب المفتري .. )).
٢٠٩

ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس))(١).
ومع ذلك فإن هذه القضية جديرة بالدرس لأنها توضح أهمية كتاب الذهبي
من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحري من جهة أخرى .
ولقد أبانت دراستنا لتاريخ الإسلام أن الذهبي قد وُفِّقَ إلى أنْ يكون منصفاً
إلى درجة غير قليلة في نقده لكثير من الناس وما رأينا عنده تفريقاً كبيراً بين
علماء المذاهب الأربعة. وما كان يرضى الكلام بغير حق ولا حتى نقله في
بعض الأحيان، قال في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي: ((قد
ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها))(٢) وقال في
ترجمة ابن الحريري الدمشقي الحنفي ((ت٧٢٨هـ)): ((قاضي القضاة علامة
المذهب ذو العلم والعمل))(٣) ، وقوله في قاضي الحنفية شمس الدين
الأذرعي ((ت٦٧٣ هـ)): ((لم يخلف بعده مثله)) (٤) ، وترجم لأبي جعفر
الطحاوي ترجمة رائقة ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجم(٥) . وهذا
هو منهجه في معظم الحنفية لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا من
الشافعية ولا المالكية، ولا الحنفية.
ولو قال السبكي إنه كان يتعصب على الأشاعرة حسب لوجدَ بعضَ الآذانِ
الصاغية ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوص قد تؤيد رأيه، علماً أني بحثتُ
في ((تاريخ الإسلام)) ولم أستطع أن أحصل على مثل يَصْلُح أن يسمى انتقاداً
الأشعري. نعم قد نجد بعضَ تقصيرٍ في تراجم قسم من الأشاعرة. وفي هذا
المجال صرت أشعر أن سبب قصر بعض تراجم الأشاعرة قد جاء من عدم قيام
الذهبي بنقل آراء المخالفين بتوسع حباً منه للعافية كما في ترجمة أبي الحسن
الأشعري الذي لم يأت الذهبي بكلمة نقد فيه مع أن الأشعري قضى القسم
الأكبر من حياته معتزلياً، ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة. والواقع أن
الذهبي ما بخس فضل هذا الرجل إلى درجة أنه اعتبره مُجَدِّداً في أصول
طبقات، ج٣ص٣٥٢ - ٣٥٣ .
(١)
(٢) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٣) معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٥١.
(٤) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٥) ٤٣٩/٧ - ٤٤٠ .
٢١٠

الدين على رأس المئة الرابعة (١).
أما كلام الذهبي في الصوفية فصحيح ما قاله السبكي، ولكن في النادر
منهم، وهذا رأي ارتآه الذهبي واعتقد فيه وآمن به؛ فقد ميّز بين طائفتين منهم :
أولاهما: كانت متمسكة بالدين القويم متبعة للسنة، احترمهم الذهبي
الاحترام كله، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن
يحيى الأنصاري السبتي عند رحلته إلى مصر(٢) وقال في ترجمة فرج الزنجاني
المتوفى سنة ٤٥٨ من تاريخه: ((وهو الذي لبسنا خرقة السهروردي من
طريقه))(٣) . وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد ويعنى بإيرادها في كتابه
بل يكثر منها عادة(٤) ، ويورد بعض أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة
فيه(٥) .
أما الثانية: فقد اعتبرهم الذهبي مارقين عن الدين مشعوذين بهم مَسٌّ من
الجنون، ومنهم الأحمدية(٦) أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية (٧)
وشيخها جمال الدين محمد الساوجي فقد ذكر تُرَّهَاتِهِ وانغشاشَ الناس به
وبحاله الشيطاني(٨)، ووصف بعض أحوالهم في ترجمة يوسف القميني
(ت٦٥٧هـ)) فقال: ((وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين ولما توفي شَيَّعَهُ
خَلْقٌ لا يحصون من العامة، وقد بصرنا الله تعالى وله الحمد وعرّفنا هذا
النموذج ... فقد عَمَّ البلاء في الخَلْقِ بهذا الضرب ... ومن هذه الأحوال
الشيطانية التي تضل العامة: أكل الحيات ودخول النار، والمشي في الهواء
ممن يتعانى المعاصي ويخل بالواجبات ... وقد يجيء الجاهل فيقول: اسكت
لا تتكلم في أولياء الله، ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله وأهانهم إذ
(١) تفسير للحديث الشريف: ((يبعث الله من يجدد .. الحديث))، وقد فسر الذهبي ((من))
لصيغة الجمع. انظر السبكي: طبقات، ج٣ص٢٦.
(٢) الورقة ١٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣)
تاريخ الإسلام ١٠٠/١٠ من طبعتنا.
(٤) انظر مثلاً: ٣٩/٧ - ٤٠ و ٨٥.
(٥) مثلاً: ٦٧/٧ - ٦٨ و١٠٢ و٧٣٣ - ٧٣٤.
(٦) معجم الشيوخ، م١ الورقة ٤٠.
(٧) القلندرية: المحلقون أي: الذين يحلقون رؤوسهم ولحاهم.
(٨) الورقة ١٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
٢١١

أدخل فيهم هؤلاء الأوباش المجانين أولياء الشياطين)) (١).
ولم يكن الذهبي متعصباً للحنابلة بالمعنى الذي صوّره السبكي فالرجل
كان محدثاً يحب أهل الحديث ويحترمهم، إلا أن هذا لم يمنعه من تناول
مساوئ بعضهم فقد نقل عن الإمام ابن خزيمة في ترجمة الطبري المؤرخ قوله:
((ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة))،
ثم قال الذهبي معقباً وناقلا عن أبي محمد الفرغاني: ((كان محمد بن جرير ممن
لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل
وحاسد وملحد))(٢). وقال في ترجمة عبدالساتر بن عبدالحميد تقي الدين
الحنبلي المتوفى سنة ٦٧٩هـ: ((ومهر في المذهب ... وقَلَّ مَنْ سمع منه لأنه
كان فيه زعارة، وكان فيه غلو في السُّنة، ومنابذة للمتكلمين ومبالغة في اتباع
النصوص ... وهو فكان حنبلياً خشناً متحرقاً على الأشعري ... كثير الدعاوى
قليل العلم))(٣).
ومع ما كان للذهبيِّ من إعجاب بشيخه ابن تيمية فإنه أخذ عليه ((تغليظه
وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير النفوس)) (٤)، كما
أخذ عليه: ((الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والإزراء بالكبار))(٥)
وقد رأى في بعض فتاويه انفراداً عن الأمة، قال: ((وقد انفرد بفتاوى نِيلَ من
عِرْضِه لأجلها، وهي مغمورةٌ في بحرٍ علمه - فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه -
فما رأيتُ مثله وكل أحد من الأمة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا؟))(٦).
وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه أنه تكلم في ابنه أبي هريرة
عبدالرحمن فقال: ((إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه))(٧).
ولست هنا في حال دفاع عن الرجل فكتابه خير مدافع عنه وهو الحكم في
تقويمه، ولكنني أقول: إن تحقيق كثير من الإنصاف، وإن لم يكن كله، أمرٌ له
قيمته العظمى في كل عصر.
(١) تاريخ الإسلام ١٤/ ٨٧٠ من طبعتنا.
(٢) نفسه ٧/ ١٦٢ .
(٣) الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
الورقة ٣٣٢ من النسخة السابقة.
(٤)
بيان زغل العلم، ص ١٧ - ١٨ .
(٥)
(٦) تذكرة الحفاظ، ج ٤ ص ١٤٩٧.
(٧) السخاوي: الإعلان، ص٤٨٨ .
٢١٢

الباب الثالث
نسخ تاريخ الإسلام الخطية

مدخل: تدوین الکتاب
لا ندري الوقت الذي بدأ الذهبي فيه بتأليف كتابه، ولكننا نعلم أنه فرغ
من إخراجه الأول في جُمادى الآخرة من سنة ٧١٤هـ كما جاء بخطه في آخر
المجلدة الأخيرة منه (١). ورجح الدكتور صلاح الدين المنجد أنه بدأ به إثر
عودته من مصر سنة ٧٠٠هـ (٢). وقد بينا عند كلامنا على سيرة الذهبي أن
رحلته إلى مصر لم تكن في هذا التاريخ، إنما كانت في سنة ٦٩٥هـ ودللنا على
ذلك بأدلة لا تقبل الشك(٣). ومع ذلك فإننا نعتقد بأنه بدأ بكتابة المسودة
الأولى قبل سنة ٧٠٤هـ وهي السنة التي اختصر فيها الذهبي تاريخ ابن
الدبيثي(٤) حيث لم يذكره من بين ما اختصر من كتب رئيسة في مقدمته لتاريخ
الإسلام. ولكن من المحتمل جدًا أن يكون قد جمع كثيرًا من مادة الكتاب قبل
هذا التاريخ بكثير، إذ من غير المعقول أن يكون قد كتب مثل هذا التاريخ
الواسع ذي الموارد المتعددة قبل جمع مادته بصورة دقيقة ومنظمة، واختصار
عدد من المؤلفات الرئيسة التي كونت مادة كتابه مثل ((تاريخ نيسابور)) لأبي
عبدالله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥هـ، و((تاريخ مصر)) لابن يونس
المتوفى سنة ٣٤٧هـ، و((تاريخ مدينة السلام)) للخطيب البغدادي المتوفى سنة
٤٦٣ هـ، والذيل عليه لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢هـ، و((الأنساب))
للسمعاني أيضًا، و((تاريخ دمشق)) لأبي القاسم ابن عساكر المتوفى سنة
٥٧١هـ، و((وفيات الأعيان)) لابن خَلَّكان المتوفى سنة ٦٨١هـ، وتاريخ أبي
شامة المتوفى سنة ٦٦٥هـ، و((ذيل مرآة الزمان)» لشيخه قطب الدين اليونيني
المتوفى سنة ٧٢٦هـ.
وحينما انتهى الذهبي من تدوين تاريخه لأول مرة سنة ٧١٤هـ، صار
الكتاب كما يبدو في تسعة عشر مجلدًا ضخمًا بخطه. ثم أضافَ إليه كثيرًا من
(١) الورقة ٣٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) مقدمته لطبعته من سير أعلام النبلاء ج ١ ص٢٧ .
(٣) انظر أدناه الفصل الأول من الباب الأول.
(٤) الذهبي: المختصر المحتاج إليه، الورقة ١٣٢ (نسخة دار الكتب المصرية وهي بخط
الذهبي) وقد جاء في آخرها: ((تم اختصاره للذهبي في أواخر سنة أربع وسبع مئة من
نسخة الوقف بالناصرية)).
٢١٥

تراجم المئة الثانية وبَيّض هذا القسم ثانية سنة ٧٢٦هـ(١) فجاءت النسخة في واحد
وعشرين مجلدًا، يدل على ذلك قوله في طرة المجلد الحادي والعشرين الذي
بخطه: ((المجلد الحادي والعشرون من كتاب تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير
والأعلام تأليف العبد الفقير إلى الله محمد بن أحمد بن عثمان ابن الذهبي. ثم
إنني زدتُ جملةً كثيرةً في أرباب المئة الثانية فآل الحال إلى أنَّ هذا المجلد صار
في العدد الحادي والعشرين(٢). ولعل هذا هو الذي يفسر لنا ذكر تلميذه ابن
شاكر الكتبي ((ت ٧٦٤هـ)) أنَّ الذهبي ألف ((تاريخ الإسلام)) في تسعة عشر
مجلدًا(٣) .
ولكن إذا كان الذهبي قد انتهى من تدوين كتابه في تسعة عشر مجلدًا سنة
٧١٤هـ ثم زاد في تراجم المئة الثانية بعد ذلك فأصبح في واحد وعشرين
مجلدًا سنة ٧٢٦هـ فكيف نفسر التناقض الحاصل بين تسلسل عناوين
المجلدات الباقية بخطه وبين قوله في نهاية المجلد الحادي والعشرين أنه انتهى
منه سنة ٧١٤هـ؟ وهل يعني هذا أنه أعادَ نسخ الكتاب وتنظيمه ثانية منذ سنة
٧٢٦هـ؟ فإذا كان ذلك كذلك فإن التناقض باق بسبب كتابته على طرة المجلد
الأخير: إنه المجلد الحادي والعشرون، وأنه صار كذلك بعد الزيادة التي
أضافها في أهل المئة الثانية وبَيَّضها سنة ٧٢٦هـ، وقوله في آخر المجلد الأخير
نفسه: إنه انتهى منه سنة ٧١٤هـ!
وجوابنا عن ذلك أنَّ المؤلف، فيما نعتقد، لم يبيض سوى المئة الثانية أو
قسمًا منها في الأقل، فكان أن زاد هذا القسم المُبيض زيادةً جعلت المؤلف
يزيده مجلَّدين آخرين، ثم إنه أعاد كتابه عناوين المجلدات اعتبارًا من المجلد
الثامن وحتى المجلد الحادي والعشرين بعد أن أعادَ تنظيمها وصَلَّح بعض ما
أمكن تصليحه(٤)، وعليه فإن عناوين هذه المجلدات قد كتبت في حدود سنة
(١) وصل إلينا من هذا القسم المبيض تبييضًا ثانيًا بخط المؤلف قسم من وفيات الطبقة الثامنة
عشرة في أثناء ترجمة الإمام مالك بن أنس، وجميع الطبقتين التاسعة عشرة والعشرين في
حوادثهما ووفياتهما، وهو في (٣٠١) ورقة (أيا صوفيا ٣٠٠٦). وقد جاء في نهاية
المجلد: ((فرغتُ من تبييض الطبقة تبييضًا ثانيًا في سنة ٧٢٦))، وهذا هو قسم من المجلد
السابع من نسخة المؤلف .
(٢) أيا صوفيا ٣٠١٤.
(٣) عيون التواريخ، الورقة ٨٦ (كيمبرج ٢٩٢٣).
(٤) مثل ما فعل في المجلد الثالث عشر حيث حاول تصليحه وجعله المجلد الخامس عشر . =
٢١٦

٧٢٦هـ. بينما بقيت المادة التي احتوتها هي تلك التي انتهى من كتابتها في سنة
٧١٤هـ. واعتقادنا هذا له من الأدلة التي تؤيده ما يجعلنا مطمئنين إليه، وها
هي ذي:
١- إن القسم غير المُبَيَّض الذي وصل إلينا بخط الذهبي والذي يتكون من
المجلدات: الثاني(١)، والثامن(٢)، والثاني عشر(٣)، والثالث عشر(٤)، والخامس
عشر(٥)، والثامن عشر (٦)، والتاسع عشر (٧)، والعشرين(٨)، والحادي
والعشرين(٩) مليئة بالزيادة التي كتبها الذهبي بخطه على حواشيها، وفي
الطيارات الكثيرة التي وضعها بين الأوراق، بينما لا نجد في المجلد السابع(١٠)،
وهو المبيض ثانية، إلا النزر اليسير من ذلك، بل يكاد أن يخلو منه.
٢- يظهر الاختلاف في الخط واضحًا بين النشرتين؛ فخط الذهبي في
المجلد السابع أكثر إتقانًا ووضوحًا، وقد خط المؤلف بعض العناوين الداخلية
بخط جميل (١١)، ومَيَّزَ التراجم الحافلة عن غيرها بأن خط اسم الشُّهرة بخط
غليظ جميل في أعلى الترجمة وفي وسط الصفحة(١٢). بينما لا نجد أي أثر
لذلك في المجلدات الأخرى.
٣- وصول بعص الطُرر المُصَلَّحة إلينا، فمن ذلك طرة المجلد الخامس
عشر الذي كان سابقًا المجلد الثالث عشر، وهو تصليح جد ظاهر. ومن ذلك
ومثل ذلك أيضًا تصليحه طرة عنوان المجلد التاسع عشر وتحويلها إلى المجلد الحادي
=
والعشرين .
(١) أيا صوفيا ٣٠٠٥.
(٢) أيا صوفيا ٣٠٠٧ .
(٣) أيا صوفيا ٣٠٠٨.
(٤) أيا صوفيا ٣٠٠٩.
(٥) أيا صوفيا ٣٠١٠.
(٦) أيا صوفيا ٣٠١١.
(٧) أيا صوفيا ٣٠١٢ .
(٨) أيا صوفيا ٣٠١٣ .
(٩) أيا صوفيا ٣٠١٤ .
(١٠) أيا صوفيا ٣٠٠٦.
(١١) انظر مثلا الورقة ١٧١، ١٧٢، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧، ١٨١، ١٩٢ ... إلخ.
(١٢) انظر مثلا الورقة ١٩٧، ٢٠٢، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢١٠، ٢١٢، ٢١٧، ٢١٨، ٢٢٠، ٢٢٥،
٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٢ .. إلخ.
٢١٧

أيضًا طرة المجلد الحادي والعشرين الذي كان قبل التصليح المجلد التاسع
عشر، وهو تصليح لا يعرفه ولا يلاحظه إلا من يطيل التمعن فيه، فقد حَوَّل
الذهبي كلمة ((التاسع)) إلى ((الحادي)) بأن غير حرف (التاء) إلى (حاء) ثم وضع
ركزةً للسين بحيث صارت دالاً ومَدَّ حرف العين وقَعَّره فصار (ياءً). وهذا هو
الذي بفسر التصاق الياء بالدال التصاقًّا بينًا، ووجود فتحة فوق الحاء مع عدم
الحاجة إليها لأنها كانت في الأصل نقطتي التاء. أما كلمة ((عشر)) فقد أضاف
إليها الياء والنون في آخرها فصارت ((عشرين))، وهي تظهر واضحة وقد حُشِرَت
بين ((عشر)) وحرف الجر ((من)). والطريف أن الفتحات التي وضعها الذهبي فوق
كلمة ((عشر)) ظلت باقية بعد تحويل الكلمة إلى ((عشرين))(١).
٤- ويتبين من دراسة السماعات التي كتبها صلاح الدين خليل بن أيبك
الصفدي بخطه على صفحات العنوان، وعلى هوامش المجلدات في الداخل،
تسلسل تواريخ هذه السماعات ابتداء من أوائل سنة ٧٣٥هـ حتى شهر شعبان
منها، ووجود الوقفية على المدرسة المحمودية على معظم المجلدات التي
وصلت إلينا وهذا يؤيد أن القسم المبيض سنة ٧٢٦هـ قد أصبح جزءًا من
النسخة القديمة .
٥- لم يشر الذهبي في أيٍّ من تلك المجلدات إلى تبييض الكتاب ثانية،
بله ما هو مذكور في آخر المجلد الحادي والعشرين من أنه فرغ منه سنة ٧١٤هـ
وما جاء في آخر المجلد الخامس عشر بخط الذهبي: ((آخر المجلد الثالث عشر
والحمد لله))، مع أنه كتب في طرته أنه المجلد الخامس عشر.
إن هذا التناقض الظاهري جعل مفهرسي هذه النسخة في معهد إحياء
المخطوطات العربية يظنون أنَّ الذهبي كتبها سنة ٧٢٦هـ وسنة ٧٢٧هـ من غير
دليل لديهم غير إشارته الواردة في المجلد السابع(٢).
وعلى الرغم من وصول نسخ عديدة من ((تاريخ الإسلام))، إلا أنه لم
تصل إلينا نسخة كاملة منه، لذلك اعتمدنا في تحقيقنا على المجلدات العشر
التي وصلت إلينا بخطه، ثم جمعنا النسخ من خزائن الكتب بالخافقين لما لم
يصل إلينا بخطه.
(١) انظر صورة طرة هذا المجلد.
(٢) راجع فهرس المخطوطات المصورة، ج٢ قسم١ ص٥٣.
٢١٨