النص المفهرس

صفحات 181-200

الأكبر من مصادرهم مثل ابن الجوزي في ((المنتظم))، وابن الأثير في
((الكامل))، وبدر الدين العيني في ((عقد الجمان))، وغيرهم. كما جَرَّبنا عدم
ذكر المصادر نهائياً عند طائفة من ثقات المؤرخين كالمنذري في كتابه
((التكملة))(١) . وفي الوقت نفسه وجدنا طائفة أخرى عنيت بذكر مصادرها،
ولكنها تفاوتت في ذلك أيضاً حيث كان قسم منهم يذكر موارده بصورة دقيقة،
بينما كان القسم الآخر يذكر مورده تارة ويغفله تارة أخرى.
أما الذهبي فكان من الذين اعتنوا بذكر مواردهم سواء أكان ذلك في القسم
الخاص بالحوادث أم في القسم الخاص بالتراجم.
ويبدو لنا أن عناية الذهبي بذكر مصادره قد جاءت نتيجة لطبيعة تربيته
ونشأته العلمية وعنايته الفائقة بالحديث وعلومه وتعاطيه الرواية وشدة كَلَفِه
بها، وآية ذلك أن رواية الحديث بالأسانيد والتدقيق في رواته تُعَدُّ أرقى أنواع
ذكر المصادر وأدقها، فكان من الطبيعي جداً أن يعنى الذهبي بذكر مصادره في
تاريخه وبخاصة في القسم الخاص بالتراجم نظراً للصلة الوثيقة التي تربط
الحديث بالتراجم التي لم تنشأ وتتطور إلا بسبب العناية بالحديث النبوي
الشريف(٢) . يضاف إلى ذلك الأهمية البالغة لضبط تراجم الرجال في تقويمه
صحة المنقولات سواء أكان ذلك في الحديث أم في غيره، حيث كانت قيمة
الروايات وصحتها تعتمد أولاً على قيمة ناقليها(٣). ولما كانت آراء العلماء
ممن تؤخذ أقوالهم في الرجال تجريحاً وتعديلاً تحتل مكاناً بارزاً في محتويات
(١) راجع الفصل الذي كتبناه عن مصادر التكملة في كتابنا: المنذري وكتابه التكملة،
ص٢٧٢ فما بعد.
(٢) راجع كتابنا: أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين (بغداد ١٩٦٦)، وبحثنا: مظاهر
تأثير علم الحديث في علم التاريخ، ص ٢٧ فما بعد، والعمري: بحوث، ص٤٣ فما بعد،
وروزنتال: مناهج العلماء المسلمين، ص١١٥ .
(٣) قال الشافعي: ((ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا
في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث
المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه))
(الرسالة، ص٣٩٩) وعن هذا الموضوع انظر أيضاً: الرسالة، ص٢١٧، ٣٢٢، ٣٤١،
٥٤٤، والطبري: تاريخ، ج١ ص٣-٤، وانظر:
J. Schacht Origins of Muhammadan Jurisprudence, P.36.
١٧٩

الترجمة، كان لابد من إيراد هذه الأقوال من مصادرها الأصلية، وعزوها إلى
أصحابها بشكل دقيق.
ومع كل ذلك فإن الذهبي لم يتبع دائماً أسلوباً علمياً واضحاً في ذكر
مصادره، قياساً بمناهج البحث العلمي في عصرنا، فهو في معظم الأحيان يذكر
المؤلف ولا يذكر كتابه فيقتصر مثلاً على القول: ((قال خليفة))، أو ((قاله
الإدريسي))، أو ((ذكره المنذري)) ونحو ذلك، مع أن كثيراً من المؤلفين الذين
أخذ عنهم، قد ألفوا أكثر من كتاب. ثم نجده في كثير من الأحيان التي يذكر
فيها اسم الكتاب لا يعنى بذكر عنوانه الذي وضعه له مؤلفه، ويكتفي بإطلاق
لفظ ((تاريخ)) عليه، نحو قوله مثلاً: ((قال ابن خلكان في تاريخه)) (١)، و((قال
موفق الدين ابن أبي أصيبعة في تاريخه)) (٢)، و((ذكره أبو شامة في تاريخه)) (٣)
و((قال السلمي في تاريخه))(٤) وهلم جرًّا.
ولا شك أن ذكر اسم المؤلف وإغفال اسم كتابه يسبب الكثير من الإرباك
للباحثين، ليس في الخلط بين كتاب وآخر من كتبه حسب، ولكن في معرفة
الكتاب الواحد أيضاً. ولعل المثال الآتي يوضح هذه المسألة، فقد نقل الذهبي
من كتاب ((الوفيات)) لأبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس البغدادي
المتوفى سنة ٤١٢ هـ(٥) ، ولكننا لم نعرف اسم كتابه لو لم يذكره في إحدى
المرات مصادفة في وفيات سنة ٣٩٧هـ حينما ترجم لأبي الحسن علي بن عمر
ابن أحمد ابن القصار البغدادي المالكي، ونقل ترجمته عن جملة من المؤرخين
الذين ذكروا أن وفاته كانت سنة ٣٩٨هـ، فقال معلقاً: «قلت: الصحيح وفاته
في هذه السنة في ثامن ذي القعدة ضبطها ابن أبي الفوارس في الوفيات له))(٦) .
(١) ويريد به ((وفيات الأعيان)).
(٢) انظر مثلاً: الورقة ٣٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) ويريد به ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) كما
هو مشهور.
(٣) انظر مثلاً: الورقة ٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١) وقد اعتبر الذهبي كتاب ((الروضتين)) والذيل عليه
كتاباً واحداً.
(٤) انظر مثلاً: الورقة ٢٣٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) ويريد به ((طبقات الصوفية)).
(٥) انظر مثلاً: الورقة ٨٧، ٩٤، ٩٦، ١١٨، ١٢٦، ١٣٠، ١٣١، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٧،
١٥١، ١٥٢، ١٦٢، ١٨٠، ١٨٣، ٢١٤، ٢٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ٢٤٠ من النسخة السابقة.
١٨٠

ولم يكن بإمكان أحد أن يستنتج أن له كتاباً في ((الوفيات)) لو لم يذكره الذهبي
تصريحاً، فالذهبي نفسه لم يذكره حينما ترجم له في تاريخ الإسلام(١) وتذكرة
الحفاظ (٢)، والمصادر الأخرى التي ترجمت له لم تذكر له من التآليف غير
كتاب ((الصحيح)) (٣) و((الأمالي)) (٤) . ولما بحث زميلنا الدكتور أكرم العمري
في موارد الخطيب البغدادي، وجد أن الخطيب قد اقتبس منه (١٩٢) نصاً في
كتابه ((تاريخ مدينة السلام)) منها (١٧٥) نصاً نقلها من كتابه مباشرة بلفظ ((قرأت
في أصل كتاب محمد بن أبي الفوارس بخط يده)) و((قال)). ولما لم يجد
الدكتور العمري أحداً ذكر له كتاباً، فإنه استنتج أن تكون بعض هذه النصوص
من ((معجم شيوخه))، ثم قال: ((ويتبين من بعضها أن معجم شيوخه كان مرتباً
على سني الوفيات))(٥) وهو استنتاج جيد في مثل هذه الصعوبات(٦).
ومع ذلك فإنه من الواجب القول: إن الذهبي كان يكتب للخاصة من
العلماء بهذا الفن، ولذا فهو يفترض المعرفة عندهم، وأن ما كان شائعاً في
تلك الأعصر قد يكون مغموراً في وقتنا هذا. يضاف إلى ذلك أن طبيعة المادة
المنقولة تؤدي في كثير من الأحيان إلى معرفة اسم الكتاب عند أهل المعرفة،
فقد نقل الذهبي عن أبي سعد عبدالرحمن بن محمد الإدريسي الإستراباذي
المتوفى سنة ٤٠٥ هـ بلفظ ((قال الإدريسي)) ولم يعين كتابه في أغلب
النصوص، ونحن نعلم أن الإدريسي ألف تاريخين؛ أحدهما: لسمرقند والآخر
الإستراباذ، فيكون من السهولة عندئذ معرفة الكتاب الذي ينقل منه، فإذا كان
المترجم إستراباذياً عرفنا أنه ينقل من ((تاريخ إستراباذ))(٧) وإذا كان سمر قندياً
(١) الورقة ١٢٢ - ١٢٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٢) ج ٣ ص ١٠٥٣ - ١٠٥٤.
(٣) الخطيب: تاريخ مدينة السلام ٥٧٦/٣ .
(٤) المصدر السابق ٢١٤/٢، والكتاني: الرسالة، ص١٥٩، والعمري: موارد، ص ٤٢١ .
(٥) العمري: موارد الخطيب، ص ٤٢٢ .
(٦) إن هذا هو السبب الذي جعلنا لا نعرف هذا الكتاب حينما كتبنا عن ((كتب الوفيات)).
مجلة الدراسات الإسلامية، العدد الثاني ١٩٦٨. كما لم يذكره الدكتور العمري في كتب
الوفيات، ص ٤٠٣ .
(٧) لم يصل إلينا هذا الكتاب، انظر من نقول الذهبي عنه الورقة ٧٧، ١٠١، ١٠٣، ١٦٥،
١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
١٨١

عرفنا أنه ينقل من ((تاريخ سمرقند))(١) . ومثل ذلك نقوله عن ابن نقطة المتوفى
سنة ٦٢٩ هـ فإذا كان النقل يتعلق برواية المترجم لأحد كتب السنن أو المسانيد
عرفنا أنه ينقل من كتابه ((التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد))(٢)، وإذا كان
في ضبط اسم أو نسبة أو اشتباه عرفنا أن ذلك من كتابه ((إكمال الإكمال)) (٣)
الذي ذَيَّلَ به على ابن ماكولا، وازداد يقيننا حينما قارنا النقول بكتابي ابن نقطة
المذکورین .
٢- عدم الإشارة إلى مواضع النقول:
لم يكن الذهبي يشير إلى مواضع النقول من الموارد التي ينقل عنها، وهو
أمر طبيعي في عصر لم تعرف الطباعة فيه، وقام العلم على المخطوطات التي
لم تتوفر منها إلا نسخ قليلة، ولذلك فإن اتباع الأساليب الحديثة في الإشارة
إلى المصادر يبدو أمراً مستحيلاً. على أن الفكر التأليفي الإسلامي استطاع أن
يحل هذا الإشكال في عنايته بتنظيم الكتب فنظمها حسب السنين، والأنساب
والحروف، والوفيات، والطبقات، ونحو ذلك، فكان من السهل على من يريد
الوقوف على نص أن يرجع إلى ذلك الكتاب فيجده بسرعة إذا كان عارفاً
بتنظيمه، ولذلك رأينا الذهبي يُعنى عند النقلِ عن مُتَرْجَمِ ما بذكرِ مكان الخبر
إذا لم يكن في ترجمته من الكتاب الذي ينقل عنه نحو قوله - مثلاً - في ترجمة
(١) لم يصل إلينا. انظر الورقة ٩٤، ١٣٧، ١٤٠، ٢١٢، ٢١٦، ٢٢٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) عندي منه نسخة مصورة عن النسخة الأزهرية رقم ١٣٧ مصطلح الحديث، وطبع طبعة
رديئة. وقد نقل الذهبي منه كثيراً، انظر مثلاً الورقة ٣، ٣٥، ٣٧، ٤٤، ٤٦، ٤٧، ٤٨،
٥١، ٦٤، ٦٥، ٦٩، ٧٠، ٩٢، ١٠١، ١٠٦، ١١١، ١٢٩، ١٣٠، ١٣٥، ١٣٦،
١٣٧، ١٥٣، ١٥٥ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) في خزانة كتبي ثلاث نسخ مصورة منه عن دار الكتب المصرية رقم ١٠ مصطلح الحديث،
وعن الظاهرية رقم ٤٢٩ حديث، والمتحفة البريطانية رقم ٤٥٨٦ شرقي. ونشره نشرة
علمية الدكتور عبدالقيوم عبد رب النبي، وطبعته جامعة أم القرى بمكة المكرمة في ستة
مجلدات سنة ١٤٠٨ هـ فما بعد. انظر بعض النقول في الورقة ١٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)،
والورقة ٥٩، ٧٨، ١٢٩، ١٥٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
١٨٢

أبي بكر محمد بن علي الحداد البغدادي من وفيات سنة ٤٥٧ هـ: ((حكى عنه
الخطيب في ترجمة دعلج))(١) .
٣- بداية النقل وانتهاؤه:
كان الذهبي يشير إلى بداية نقله عن مؤلف ما باستعمال العبارات الدالة
على ذلك نحو قوله: ((قال))، و((ذكر))، وما إليهما في مقدمة النص المنقول.
أما انتهاء النقل فيشير إليه بإيراد نص آخر واستعماله لفظاً يدل على بداية نقل
جديد، أو باستعماله كلمة «قلتُ)) عندما يريد أن يعبر عن رأيه في نص أو مسألة
من المسائل مما يتعلق بالحادثة أو الترجمة أو النص المنقول أو ناقله، إضافة
إلى استعماله العبارات الدالة على الانتهاء نحو قوله مثلاً: ((انتهى قول ابن أبي
أصيبعة))(٢)، أو ((آخر كلام عز الدين ابن الأثير)) (٣)، ونحو ذلك.
وقد لا يذكر الذهبي بداية النقل ويرجىء ذلك إلى نهاية النص ويعبر عنه
بما يدل عليه، نحو قوله: ((قاله خليفة)) (٤)، أو ((قاله الفلاس))(٥)، أو ((قال
يحيى بن مندة ذلك))(٦)، أو ((ذكر هذا ابن الساعي))(٧)، و ((ذكر هذا كله
المسبحي)(٨)، و((نقلت هذا كله من خط السيف ابن المجد))(٩) ، أو
((ورّخه))(١٠) فلان .
ومع هذا كله تبقى مسألة بداية النقل وانتهائه معقدة نسبياً تثير للباحث
بعض الإرباك إذا لم يكن عارفاً بمنهج المؤلف الذي ينقل منه، فقد تبين لنا -
(١) ١٠ / ٩٣.
(٢) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣)
الورقة ٢٤٤ من النسخة نفسها .
(٤)
٥٨٥/٢.
الورقة ٤، ١٠، ٤٢، ٤٤، ٦٧، ٧٢، ٩٨، ١١٨، ١٤٨، ٢٣٢، ٢٣٧، ٣٧٣ (أيا
(٥)
صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
الورقة ٣٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦)
الورقة ٢٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٧)
(٨) ٨٢٧/٧ .
(٩) الورقة ٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١٠) انظر مثلاً: الورقة ٩٠، ٢٠٥، ٢٨٧، ٢٩٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
١٨٣

مثلاً - أنَّ نقلَ الذهبيِّ لجزء يسير من الترجمة عن مؤلف ما في الظاهر قد يعني
في معظم الأحيان نقله لجميعها عنه، لا سيما عند عدم ذكر مصدر
آخر، ولنضرب لذلك مثلين توضيحيين: أولهما من تاريخ الخطيب، وثانيهما
من التكملة للمنذري: قال الذهبي في وفيات سنة ٤١٣ هـ: ((محمد بن أحمد
ابن يوسف، أبو بكر البغدادي الصياد. سمع أبا بكر الشافعي وابن خلاد
النصيبي ومحمد بن أحمد بن مُحْرِم (١) وأحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي
وأحمد بن جعفر بن حمدان السقطي البصري، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان
ثقة صدوقاً انتخب عليه ابن أبي الفوارس وتوفي في ربيع الأول، وكان مولده
في سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة))(٢) . فيخيل لأول وهلة أن الذهبيَّ لم ينقل
عن الخطيب غير العبارة التي جاءت بعد التصريح بالنقل ((قال الخطيب))،
ولكن المقارنةَ تُبيِّنُ أنَّ الذهبيَّ أخذ الترجمة كلها عن الخطيب (٣).
وقال في وفيات سنة ٦٣٣هـ: ((عبدالمنعم بن صالح بن أحمد بن محمد،
أبو محمد المصري المسكي النحوي المعروف بالإسكندراني لسكناه بها يُعَلِّمُ
العربيةَ مدة. ولد في شعبان سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وأخذ النحو عن
العلامة أبي محمد عبدالله بن بري، وانقطع إليه مدة حتى أحكم الفن، وسمع
من حماد الحراني. وروى شيئاً من شعره(٤)، وكان مليح الخط. كتب عنه
الزكي المنذري، وقال: توفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر)) (٥).
وحينما نقارن هذه الترجمة بما جاء في ((التكملة)) للمنذري نجد الذهبي قد
نقلها بمجموعها منه (٦) .
إن منهج النقل هذا يفسر لنا كثيراً من الغموض الذي صاحب العلماء
المسلمين في مناهجهم التأليفية، فحتى عند النصِّ على النقل باستعمال الألفاظ
الدالة عليه تبقى أجزاء أساسية من المادة التاريخية لا يُعرفُ لها أصلٌ في
(١) بضم الميم وسكون الحاء وكسر الراء المهملتين كما في المشتبه ص٥٧٩ .
(٢)
تاريخ الإسلام ٢٢٦/٩.
(٣) قارن الخطيب: تاريخ مدينة السلام ٢٥٥/٢.
(٤) الضمير هنا يعود إلى المترجم.
(٥) ١٤/ ١٠٩ - ١١٠.
(٦) التكملة ٣ / الترجمة ٢٦٤٦.
١٨٤

الظاهر، وذلك أكثر تعقيداً في التراجم، حيث نجد من الطبيعي أنْ يذكرَ الناقلُ
اسمَ المترجم ونسبه وكنيته ولقبه قبل أن يُصَرِّحَ بالنقلِ عن الآخرين، ومن غير
المعقول أن يبدأ بذكر اسم الشخص بلفظ نَقْلِ نحو ((قال)) أو ((ذكر)) لما لذلك
من ركَّةٍ تأليفية. ومع ذلك فإن ذكر أجزاء أخرى من الترجمة مثل الشيوخ
وتاريخ الميلاد أو نحوهما من غير تصريح بالنقل لا يُفَسَّرُ إلا بافتراضِ الناقلِ
معرفةً عند القارىء وفهماً لما قام به. أما القول بأن هذه الأقسام غير المصرح
بها هي من معلومات المؤلف العامة الشائعة، أو أنها من إضافات المؤلفين
أنفسهم (١) ، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر بلا ريب. ومن هنا يدرك القارىء
أهمية إحالاتنا في الحواشي على المصدر الرئيس الذي اقتبس منه المؤلف جل
الترجمة وصعوبة هذا المنهج الذي اتبعناه ودقته.
٤- دلالات النقل عند عدم التصريح به :
أما في حالة عدم وجود الألفاظ الدالة على النقل فيخيل للمرء لأول وهلة
أن الذهبي لا يذكر موارده. وقد تبين لنا بعد المقارنات الدقيقة الكثيرة أن
الذهبي يستعمل ألفاظاً معينة في أثناء الترجمة لتدل على النقل من غير تصريح
به تأتي في آخرها عادة. ومن هذه الألفاظ ((روى عنه))(٢) فلان، و((وثّقه)) (٣)
فلان، و(كتب عنه)) (٤) فلان، و((حكى عنه))(٥) فلان، و((وأجاز لفلان))(٦)،
(١) راجع رسالة الزميل الدكتور أكرم العمري: ((موارد الخطيب)) حيث عقد المبحث الثالث
من الفصل الثالث ((طبيعة المادة التي أضافها الخطيب ولم يسندها إلى شيوخه)) ص ١٠٥
فما بعد .
(٢) انظر مثلاً: الورقة ٧، ٨، ٩، ٢٠، ٢٥، ٥٨، ٦٠، ٦٢، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ١١٤،
١١٩، ١٢٢، ١٢٧، ١٣٠، ١٣٥، ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ١٢٠، ١٢٥،
١٦٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرها كثير.
(٣) مثلاً: ٢٧/٧ و٥٠ و٧٠ ... الخ.
(٤) انظر مثلاً: ٧/ ٥٣٦ و ٥٥٠.
(٥) مثلاً: الورقة ١٣٣، ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) انظر مثلاً: الورقة ١٣، ٢٠، ٣٠، ٣٤، ٤٣، ٤٦، ٤٧، ٧٢، ٨١ ... إلخ (أيا صوفيا
٣٠١١) .
١٨٥

و((ضعفه))(١) ، ونحوها. ومما يؤكد ذلك أنَّ الذهبيَّ يستعمل في مواضع أخرى
هذه الألفاظ ويلحق بها ألفاظ النقل الصريح، نحو قوله: ((روى عنه أبو عبدالله
الدبيثي وقال ... ))(٢)، و((سمع منه الضياء المقدسي وقال ... ))(٣)، و((وَثَّقَهُ
الخطيب وقال))(٤)، و((كتب عنه أبو سعيد بن يونس وورَّخَ موته فيها))(٥) ،
ونحو ذلك.
ومن أجل توضيح ذلك نورد بعض الأمثلة: فقد نقل الذهبي من ((تاريخ
مدينة السلام)) للخطيب كثيراً من التراجم باستعمال عبارة ((وثقه الخطيب))،
وهذه واحدة منها، قال في وفيات سنة ٣٢٣هـ: ((محمد بن أحمد بن أسد، أبو
بكر الحافظ ويعرف بابن البستنبان ويلقب كزاز. سمع الزبير بن بكار وعيسى
بن أبي حرب وجماعةٍ. وعنه الدارقطني والمعافى الجريري. وثقه الخطيب،
وعاش اثنتين وثمانين سنة))(٦) .
ونقل الذهبي كثيراً عن ((معجم أسامي مشايخ أبي علي الحسن بن أحمد
ابن الحسن الحداد)»(٧) المتوفى سنة ٥١٥هـ من غير إشارة له، بل اكتفى
بالقول في نهاية التراجم: ((روى عنه أبو علي الحداد))، أو ((روى عنه الحداد))
ونحوهما. وبعد مقارنة هذه التراجم بما وصل إلينا من هذا المعجم تبين أن
الذهبي قد سلخ تراجمه (٨).
(١) انظر مثلاً: الورقة ١٢٨، ١٣٢، ١٤١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ١٥، ٤٣، ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) الورقة ٦٠ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ١٥، ١٦، ٢٠، ٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) ٣٠/٧.
(٦) ٧/ ٤٨٠ وقارن الخطيب ١٠٢/٢. وينظر مزيد أمثلة في كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٤٣٣ .
(٧) وهو برواية أبي الحسن مسعود بن أبي منصور بن محمد الخياط عنه. عندي منه نسخة
بخطي نسَخْتُهَا في آخر صفر سنة ١٣٨٦ هـ عن نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٦م
مصطلح الحديث. وقد صَحَّحْتُها ورقمتُ تراجمها وعددها (٨١) ترجمة: فيها
المحمدون، وسبع تراجم من الأحمدين.
(٨) قارن مثلاً:
اسم المترجم
المعجم
تاريخ الإسلام
تاريخ
(أيا صوفيا ٣٠٠٩)
الوفاة
الورقة ٣٧٩ الترجمة رقم ٢٣
٤٤٠
محمد بن إبراهيم بن علي أبو ذر الصالحاني
الورقة ٣٨٦ الترجمة رقم ٩
محمد بن علي بن محمد بن علي أبو بكر الحللي ٤٤٠
١٨٦

ومن ذلك أيضاً نقله عن المنذري باستعمال لفظ ((كتب عنه))، قال في
وفيات سنة ٦٣١هـ: ((الخضر بن بدران بن بُغْرَى، الأديب أبو العباس التركي
الشاعر. من أولاد الأمراء المصريين، وله شعر كثير. وكان شيخاً كبيراً عاش
ثمانياً وثمانين سنة. كتب عنه الزكي المنذري وغيره، ومات في ربيع
الأول)) (١). وكان المنذري قال في وفيات السنة المذكورة: ((وفي شهر ربيع
الأول أيضاً توفي الشيخ الأجل الأديب أبو العباس الخضر بن بدران بن بُغْرَى
ابن حطان بن كمشتكين بن عبدالله التركي الشاعر بمصر. وكتبت عنه شيئاً من
شعره، وله شعر كثير. وهو من أولاد الأمراء المصريين. وقال لي في سنة
ثلاث وعشرين وست مئة: لي الآن ثمانون سنة))(٢) . وهكذا أعاد الذهبي
ترتيب الترجمة استناداً إلى ما ورد في ((التكملة)) للمنذري.
على أني أود أن أشير هنا إلى أن مثل هذه النقول تكون عادة حينما يقتصر
الذهبي على مؤلف واحد في النقل.
٥- الدقة في النقل :
٠
لا نعني بدقة النقل هنا نقل النصوص الحرفي، بل نقل المعلومات بصورة
صحيحة ودقيقة بحيث لاتجد اختلافاً في المادة التاريخية عند المقارنة. وقد
استعمل الذهبي طريقة النقل الحرفي تارة وأغفلها تارة أخرى، لكنه على أيٍّ
حال كان دقيقاً في نقله، متثبتاً منه، دَلَّتْ على ذلك المقارنات التي أجريناها
بين كتابه وبين بعض ما وصل إلينا من كتب (٣).
الترجمة رقم ٢٨
٤٤٢ الورقة ٤٠٢
الترجمة رقم ٢٧
٤٤٢ الورقة ٤٠٤
الترجمة رقم ٥٧
٤٤٥ الورقة ٤٢٨
الترجمة رقم ٣٧
٤٤٨ الورقة ٤٥٦
محمد بن عبدالله بن فضلوية
=
محمد بن مهران الخويي
محمد بن الفضل بن محمد القاساني
محمد بن الحسين بن عبدالله البرجي
(١)
الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
التكملة ٣/ الترجمة ٢٥٢٣.
(٢)
ومن قبل هذا كنت اعتمدت ((تاريخ الإسلام» للذهبي في تصحيح الكتب التي حققتها،
(٣)
منها كتاب ((التكملة لوفيات النقلة)) لزكي الدين المنذري، وكتاب ((ذيل تاريخ مدينة السلام
بغداد)) لابن الدبيثي، وكتاب ((مشيخة النعال البغدادي)) وغيرها، وثَبَّتُ المقارنات في
هوامش هذه الكتب ومنها تظهر دقة نقول الذهبي.
١٨٧

وغالباً ما كان الذهبي يعنى بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي
تستحق ذلك وتتطلبه مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب
والتوقيعات التي يوردها في كتابه، والمقطعات والقصائد الشعرية، والقطع
الأدبية، ونصوص الحكايات والمناقشات بين العلماء، فضلاً عن الروايات
المسندة إلى شيوخه، ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة. فكان يؤكد ذلك
بالألفاظ والعبارات الدالة عليها، نحو قوله: ((قال سفيان، وشعبة واللفظ
له))(١)، وقوله: ((وقال الزهري، ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة،
وقاله موسى بن عقبة وهذا لفظه))(٢)، وقوله: ((وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود
عن عروة، ورواه موسى بن عقبة - واللفظ له - قال))(٣)، ((وقال الليث -
واللفظ له - وابن المبارك عن يونس بن يزيد)) (٤)، و((هذا لفظ حكاية محمد بن
طرخان عن ولده عبدالولي))(٥) ، ونحو ذلك من العبارات المحددة للنقل نصاً.
أما إذا انتقى من النص أو لَخَّصَهُ فإنه يشير إلى ذلك أيضاً، نحو قوله:
((خصت ترجمته من الإرشاد للخليلي)) (٦)، و((اختصرت هذا من السياق
لعبد الغافر)) (٧)، و(«له ترجمة في طبقات شيروية هذا منها))(٨) ، وقال في
ترجمة شهاب الدين الغوري: ((استوفى ابن الأثير ترجمته وهذه نخبتها))(٩).
وإذا غَيَّرَ ألفاظ خبرٍ نقله عن مؤلف آخر وكتبه بأسلوبه أو بمعناه نَّه إلى ذلك
ودلل عليه، نحو قوله عند حديثه عن استيلاء التتار على الدولة الخوارزمية سنة
٦١٧ هـ: ((هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدين النسوي)) (١٠). وإذا لم يكن
يحفظ خبراً شفوياً بصورة جيدة أشار إلى ذلك ونبه عليه، نحو قوله:
(١) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٥).
(٢) ٦٥٨/١.
(٣) ٢٨٠/١.
(٤) ١٧٩/١ .
(٥) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) ١١٠/٧.
(٧) ١٠/ ٨٩.
(٨) ٥٤٩/٧ .
(٩) الورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١٠) الورقة ٢٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
١٨٨

((هذه حكاية حكاها لنا الشيخ أبو الحسين اليونيني ولا أحفظها جيداً)) (١)،
وأمثلة ذلك كثيرة في الكتاب.
على أننا رأينا الذهبي في الأغلب الأعم يحرر الأخبار والتراجم على
طريقته، وخاصة في التراجم، فقد عرفناه فناناً تراجمياً لا يتبع أسلوب أحد في
عرض الترجمة الداخلي بل يَصُوغها بنفسه، فهو حتى عند نقله عن مؤلف واحد
يُعيدُ تركيبَ الترجمة بشكل قد يختلف عن ترتيب الكتاب المنقول عنه (٢)،
وقد يضطر إلى تجميع عناصر الترجمة من عدة مؤلفين، فينقل كل قسم عن
واحد أو أكثر(٣) . ولم يجد الذهبي ما يمنعه من نقل الأخبار وإعادة صياغتها
ما زال ملزماً نفسه بالدقة والأمانة، لاسيما في نقل خبر من الأخبار العامة التي
لا تؤثر في قيمتها الصياغةُ كتاريخ وفاةٍ أو ميلاد أو قيام بعمل ما، أو اختصار
في أسماء الشيوخ، ونحو ذلك. وقد أيقنتُ أنَّ الذهبيَّ كان لابد أن يتصرف في
مثل هذه النقول، وإلا صعب عليه عرض التراجم كما يريد، ولعل المثال الآتي
يوضح ذلك: قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: ((قال شباب (٤) : أقام الحَجّ
للناس أبو جعفر سنة ست وثلاثين، وسنة أربعين، وسنة أربع وأربعين، وسنة
اثنتين وخمسين، زاد الفسوي (٥): إنه حج أيضاً سنة سبع وأربعين ومئة))(٦).
ولننظر الآن إلى هذين المصدرين اللذين أخذ عنهما الذهبي وهما
((تاريخ))(٧) خليفة بن خياط المعروف بشباب العصفري المتوفى سنة ٢٤٠هـ،
و((المعرفة والتاريخ)»(٨) لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي المتوفى سنة
(١) الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
انظر أعلاه بعض الأمثلة التي أتينا بها للمقارنة .
(٢)
(٣)
انظر أعلاه كلامنا على منهجه في الموارد.
(٤) هو خليفة بن خياط العصفري المعروف بشباب (ت٢٤٠هـ)).
(٥) قوله ((زاد الفسوي)) فيه نظر، فإننا وجدنا خليفة يذكر إقامة المنصور للحج سنة ١٤٧ هـ (تاريخ،
ص ٤٢٤) فهناك ثلاثة احتمالات أولها: أن تكون النسخة التي نقل عنها الذهبي لم تحتو على هذا
النص، وثانيها: أن تكون هذه العبارة قد أضيفت فيما بعد إلى النسخة التي طبع عليها
الكتاب وهو مستبعد، وثالثها: أن يكون الذهبي ذهل عن رؤية هذا النص فتوهم بعدم ذكر
خلیفه له .
(٦) ١٠٨/٤.
(٧) حققه الدكتور أكرم العمري ونشره بمعونة المجمع العلمي العراقي (النجف ١٩٦٧).
(٨) حققه الدكتور العمري أيضاً ونشره ديوان الأوقاف العراقى بنفقاته (بغداد ١٩٧٤ - ١٩٧٥).
١٨٩

٢٧٧ هـ. فلا نجد عند خليفة نصاً كالذي ذكره الذهبي، بل نجد خليفة يذكر
إقامة المنصور للحج في السنوات التي ذكرها الذهبي، فذكر السنة الأولى وهي
سنة ١٣٦ هـ في قائمة أمراء الموسم على عهد أبي العباس السفاح(١) ، أما
السنوات الثلاث الباقيات فقد ذكر إقامة المنصور للحج في حوادثهن كلاً على
انفراد(٢). كما ذكر الفسوي إقامة المنصور للحج في حوادث السنوات(٣).
وهكذا جمع الذهبي عدداً من النصوص، وأَلَّفَ منها نصاً واحداً.
٦- المقارنة بين الروايات وترجيح الصحيح منها:
قلنا سابقاً إن الذهبي اعتمد عدداً ضخماً من الموارد، فكان من نتيجة ذلك
أن أصبحت لديه موارد تأتلف في معلوماتها وأخرى تختلف عنها. ومن هنا
كان على الذهبي أن يجمع الروايات المؤتلفة ويفرزها عن الروايات المختلفة،
فاتبع أسلوب جمع الروايات. ولعله تأثر في ذلك بطريقة المحدثين، وهو
منهم، الذين اخترعوا الإسناد الجمعي للتخلص من تكرار الأسانيد (٤) ، نحو
قوله: ((وقال الزهري وقتادة وموسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وسعيد بن
يحيى الأموي .. ))، وقوله: ((قاله نافع وقتادة والزهري وابن إسحاق وغيرهم
وعروة في مغازيه رواية أبي الأسود .. ))، وقوله: ((وأما المنذري وابن خلكان
وابن الساعي وأبو المظفر الجوزي وشيخنا ابن الظاهري فقالوا (٥) :)) ومعظم
الكتاب على هذا النحو، فهو منهج الذهبي لم يَحِدْ عنه وذلك يدل على قابلية
عظيمة في استقصاء هذا العدد الكبير من المصادر وتجميعها وعرضها .
إن هذا الاختلاف الكبير بين الروايات دفعه إلى محاولة ترجيح ما يراه
صحيحاً منها متبعاً أسساً معينة من أبرزها:
تاريخ خليفة ٤١٤ .
(١)
(٢) المصدر نفسه ٤١٨ و٤٢١ و٤٢٦.
(٣) المعرفة والتاريخ، م٢ ص١١٦، ١٢٢، ١٢٨، ١٣١، ١٣٨.
(٤) وهو أن يجمع المحدث شيوخه الذين حدثوه عن شيخ معين بإسناد واحد ولحديث معين
في مكان واحد فيذكر الشيوخ ثم يتبعهم بقوله: قالوا. ويعود استعمال الإسناد الجمعي
إلى مطلع القرن الثاني الهجري كما هو معروف.
(٥) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٣٧ - ٤٤٨.
١٩٠

أ- معرفة الراوي وخبرته :
لقد كان يرجح المصدر الذي هو أعرفُ بالخبرِ من غيره بسبب اتصاله
بالحادثة أو معاصرته لها، نحو قوله: ((ضَعَّفَهُ أبو زرعة وذكره ابن حبان في
الثقات وأبو زرعة أعرف))(١) ، وقوله في مولد عروة بن الزبير: ((ولد سنة تسع
وعشرين. قاله مصعب، وقال خليفة: ولد سنة ثلاث وعشرين، ومصعب أخبرُ
بنسبه، ويقويه قول هشام بن عروة عن أبيه، قال: أذكر أن أبي الزبيركان
ينقزني .. ويقوي قول خليفة ما روى الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك
الحزامي، قال: قال عروة: وقفتُ وأنا غلامٌ وقد حصروا عثمان. روى الفسوي
في تاريخه عند ذكر عروة قال: حدثني .. عن عروة قال: كنت غلاماً لي
ذؤابتان فقمت أركع بعد العصر فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدرة ففررت
منه ... قلت: هذا حديث منكر مع نظافة رجاله. وقال هشام عن أبيه، قال:
رُدِدْتُ أنا وأبو بكر بن عبدالرحمن يومَ الجمل واسْتُصْغِرَنا، قال يحيى بن
معين: كان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة. وقال هشام عن أبيه: ما ماتت عائشة
حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال مبارك بن فضالة عن هشام عن أبيه،
قال: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج .. ))(٢) .
ويتضح اهتمام الذهبي بالمشاهدة والمعاصرة في الخبر الذي نقله عن
سبب وفاة محمد بن يعقوب بن يوسف أمير المؤمنين سنة ٦١٠ هـ فقد نقل أولاً
من تاريخ إبراهيم بن محمد الجزري (ت٧٣٩هـ)) الذي ذكر أن حرسه قتلوه
خطأ ثم قال بعد ذلك: ((وأما عبدالواحد بن علي المراكشي ((ت٦٤٧هـ)) فإنه
يقول في كتابه المعجب إن أبا عبدالله مرض بالسكتة في أول شعبان ومات في
خامسه. وهذا هو الصحيح لأنه أدرك موته وكان شاهداً)) (٣).
(١) الورقة ٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) ١١٣٩/٢ - ١١٤٠.
(٣) الورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
تاريخ الإسلام ١ / مقدمة ٧
١٩١
٠

ب- الوقوف على الوثائق والخطوط :
وكان يرجح رواية على أخرى بعد تقويتها بما يقفُ عليه من وثائق وخطوط
تؤيد ترجيحه، نحو قوله في تحديد وفاة عز الدين ابن الأثير المؤرخ: ((رأيتُ
تصحيحه على طبقة تاريخها في نصف شعبان سنة ثلاثين))(١) . ولما اختلف
المؤرخون الذين ترجموا لابن دحية الكلبي ((ت٦٣٣هـ)) مثل أبي عبد الله الأبار
وابن الدبيثي والضياء المقدسي والتقي الإسعردي وابن نقطة وابن مَسدي وابن
واصل الحموي في تقويمه وروايته لكتاب ((الموطأ))، رجع الذهبي إلى طبقات
السماع والإجازات وخطوط العلماء لتبيان صحة هذه الرواية وترجيحها(٢).
ج-الاستفادة من الوقائع التاريخية الأخرى:
وقد يرجح رواية على أخرى لأن هناك من الوقائع التاريخية الثابتة عنده ما
يؤيد هذا الترجيح. من ذلك مثلاً أن المؤرخين اختلفوا في تاريخ وفاة عبدالله
ابن عمر بن الخطاب، فذكر الهيثم بن عدي وأبو نعيم وعلي ابن المديني وأبو
بكر بن أبي شيبة وأبو مسهر أنه توفي سنة ٧٣هـ، وقال خليفة بن خياط وسعيد
ابن عفير إنها كانت سنة ٧٤هـ. وقد رجح الذهبي التاريخ الأخير بالرغم من
اتفاق جملة من المؤرخين الثقات في التاريخ الأول مستدلاً بصلاة ابن عمر
نفسه على جنازة رافع ابن خديج الأنصاري الصحابي المشهور(٣) الذي توفي
في أول سنة ٧٤هـ(٤). وقال في ترجمة حنش بن عبدالله الصنعاني: ((غزا
المغرب وسكن إفريقية ولهذا عامة أصحابه مصريون، وتوفي غازياً بإفريقية سنة
مئة. وثقه العجلي، وأبو زرعة. وأما أبو سعيد بن يونس فقال: حنش
الصنعاني كان مع عليّ بالكوفة وقدم مصر بعد قتل عليّ وغزا المغرب مع
رويفع بن ثابت ... وله عقب بمصر وهو أول من ولي عشور إفريقية وبها توفي
سنة مئة. وكذا قال الواقدي في وفاة حنش الصنعاني. قلت: وهم ابن يونس
(١) الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) الورقة ١٣٨ -١٣٩ من النسخة السابقة.
(٣) ٨٥٢/٢.
(٤) ٢/ ٨١٢.
١٩٢

وابن عساكر في أنه صاحب عليّ لأن صاحب عليٍّ اسمه كما ذكرنا(١) حنش
ابن ربيعة أو ابن المعتمر وهو كنانيٌّ كوفيٌّ، وقد روى عنه جماعة من الكوفيين
كالحكم بن عتيبة و ... الذين لم يروا مصر ولا إفريقية فتبين أنهما رجلان.
ولحنش صاحب علي ترجمةٌ في الكامل لابن عدي))(٢).
د- مسايرة أکثر المؤرخین وعدم اعتداده بالشاذ:
إن الذهبي يعتمد جملة المؤرخين ويرجح رواياتهم على رواية مَنْ تَفَرَّدَ
عنهم إذا لم يكن لديه أدلة أخرى تؤيد رواية هذا المتفرد نحو قوله في ترجمة
حمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة ٣٨٦هـ: ((وقد سماه أبو منصور
الثعالبي في كتاب اليتيمة أبا سليمان أحمد بن محمد، والصواب حمد كما قاله
الجَمُّ الغفير))(٣)، وقوله في غزوة الحديبية: ((خرج إليها رسول الله ◌َّ في ذي
القعدة سنة ست؛ قاله نافع وقتادة والزهري وابن إسحاق وغيرهم وعروة في
مغازيه رواية أبي الأسود، وتَفَرَّدَ عليُّ بن مسهر عن هشام عن أبيه أن رسول الله
خرج إلى الحديبية في رمضان)) (٤) .
هـ- الترجيح بعد التعليل:
ويعلل الذهبي نصاً من النصوص المتعارضة مع ترجيحه ويفسره مستنداً
إلى معلوماته العامة، حيث أفاد - مثلاً - من معلوماته عن بعض العادات العربية
في احتساب التواريخ في تعليل أحد النصوص وتفسيره، فقد نقل عن ابن
إسحاق والواقدي أن غزوة الخندق كانت في سنة خمس للهجرة(٥) ثم نقل بعد
ذلك عن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير أنها كانت في شوال من سنة أربع
ورجح الذهبي سنة خمس، وقال: ((وقول موسى وعروة إنها في سنة أربع وهم
(١) ٢ / ٩٣٠.
(٢) ١٠٨٦/٢ - ١٠٨٧.
(٣) الورقة ١٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٤) ١/ ٢٤٢.
(٥) ١/ ١٨٥.
١٩٣
.

بَيِّنٌ، ويشبهه قول عبيدالله عن نافع عن ابن عمر: عَرَضَني رسولُ اللهِ وَله يوم
أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني فلما كان يوم الخندق عرضت عليه وأنا ابن
خمس عشرة فأجازني، فيحمل قوله على أنه كان قد شرع في أربع عشرة سنة
وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة وزاد عليها فلم يَعُد تلك
الزيادة، والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها كثيراً فتارة يعتدّون
بالكسر ويعدونه سنة وتارة يسقطونه)) (١) . ومن ذلك أيضاً قوله في نسب
المؤرخ ابن الأثير: ((كان يكتب بخطه: علي بن محمد بن عبدالكريم
الجزري(٢)، وكذا ذكره الحافظ المنذري والقوصي في معجمه وابن الظاهري
في تخريجه للصاحب مجد الدين العقيلي وأبو الفتح ابن الحاجب في معجمه
وغيرهم، وهو على سبيل الاختصار، وله أشباه ونظائر، وإنما هو: علي بن
محمد بن محمد، بلا ريب كما هو في تسمية أخويه وابن أخيه شرف الدين،
وكذا ذكره القاضي ابن خلكان وأبو المظفر ابن الجوزي وابن الساعي وغيرهم،
ويوضحه أن المنذري ذكر أخويه فقال: محمد بن محمد، مرتين))(٣).
٧- انتقاء النسخ الموثقة والمقابلة بين المخطوطات :
كان الذهبي يعنى بانتقاء أصحِّ نسخ الموارد التي يعتمدها وينقل منها،
فكان يحاول دائماً أن يأخذ من المصدر المكتوب بخط مؤلفه، أو أن يكون
توقيعه عليه للتدليل على صحة النسخة، أو يكون بخط عالم متقن ثقة. وكانت
غايته من ذلك التأكد من صحة المادة التاريخية والإشارة إلى دقتها، وتطمين
القارئ إلى أنه لم يقع أيُّ تصحيفٍ أو تحريف على النص المنقول عنه مما قد
يحدث على أيدي النساخ، فكان لذلك دائم الإشارة إلى كاتب النسخة التي
ينقل منها سواء أكان الكتاب من تأليفِ كاتبهِ أم من تأليفِ غيره نحو قوله:
((قرأت بخط الكندي في تذكرته)) (٤)، و((نقلت هذا وما قبله من خط أمين الدين
(١) ١٩٦/١.
(٢) وجدت أنا ذلك في طبقة سماع بخطه بنسخة من كتاب ((المؤتلف والمختلف)) لعبدالغني
بن سعيد المصري محفوظة في مكتبة كوبرلي بإستانبول رقم ١٥٧٨ .
(٣) تاريخ الإسلام ٩٢٧/١٣ من طبعتنا هذه.
(٤) الورقة ١٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
١٩٤

محمد بن أحمد بن شهيد، قال: وجدت بخط عبدالغني بن سعيد الحافظ فذكر
ذلك))(١)، و((ووفاته بخط أبي حكيم أحمد بن إسماعيل بن فضلان العسكري
اللغوي))(٢)، و((قرأت بخط الضياء))(٣)، و((قرأت بخط ابن نقطة))(٤)،
و((قرأت بخط ابن مسدي)) (٥)، و((وجدت بخط السيف ابن المجد)) (٦)،
و ((قرأت بخط عمر ابن الحاجب)) (٧)، و((قرأت وفاته بخط شيخنا ابن
الظاهري)) (٨)، و((شاهدت بخط والده))(٩) ، ونحو قوله في ترجمة أبي حفص
ابن طبرزد البغدادي المتوفى سنة ٦٠٧هـ: ((ورأيت بخط ابن طبرزد كتاب
طبقات الحنابلة لأبي الحسين ابن الفراء))(١٠)، وقوله في ترجمة أحمد بن محمد
بن واجب القيسي الأندلسي المتوفى سنة ٦١٤هـ: ((قرأت في فهرسته وخطه
عليه))(١١)، وغير هذا كثير في الكتاب.
وقد استفاد الذهبيُّ من الرجوع إلى المصادر المكتوبة بخطوط مؤلفيها في
نقده لهم وتبيان أوهامهم، من ذلك مثلاً أنه لما ترجم لموسى بن يوسف بن
مسدي الزاهد نقل عن مصدرين من تأليف حفيده الحافظ محمد بن يوسف
المعروف بابن مسدي المتوفى سنة ٦٦٣هـ وهما كتاب ((لباس الخرقة)) وكتاب
((معجم شيوخه)). وقد ذكر ابن مسدي في كتاب ((لباس الخرقة)) أن جده توفي
في شوال سنة ٦٠٢هـ، فقال الذهبي: ((كذا قال ابن مسدي في كتاب لباس
الخرقة، وأما في معجم شيوخه، فقال: مات في رمضان سنة أربع وست مئة،
الورقة ٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١)
(٢) الورقة ١٦٤ من النسخة السابقة.
(٣) الورقة ٢٠، ٦٥، ٧٢، ٨٨، ١٠٨، ١٣٩، ١٥٦، ١٨٥، ١٨٦ (أيا صوفيا ٣٠١١)،
والورقة ٢٨، ٣٨، ٤٠، ٤٦ ... إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤)
الورقة ٤٦، ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
الورقة ٨٦، ١٣٩، ١٦٦ من النسخة السابقة.
(٦)
الورقة ١٣٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
الورقة ٦٩، ١٥٨ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٨٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٧)
(٥)
(٩) الورقة ٥١ من النسخة السابقة.
(٨)
الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١٠) الورقة ٥٠ من النسخة السابقة.
(١١) الورقة ١٢١ من النسخة السابقة.
١٩٥

نقلتهما من خطه في أحدهما))(١) .
وقد اضطر الذهبي في بعض الأحيان عند عدم العثور على نسخة بخط
المؤلف إلى مقابلة أكثر من نسخة في محاولة للوصول إلى نقلٍ صحيح، فقد
راجع نسختين من كتاب أحمد بن أبي طاهر لمعرفة مساحة بغداد إحداهما
برواية الصولي والأخرى برواية غيره (٢). ولما نقل الذهبي نسب آل بويه عن
ابن خلكان في ترجمة معز الدولة، قال: ((كذا ساق نسبه القاضي شمس الدين
وعَدَّ ما بينه وبين بهرام ثلاثة عشر أباً، وقابلته على نسختين))(٣).
(١) الورقة ٢٧ من النسخة السابقة.
(٢) ٣/ ٧٩٣.
(٣) ٨/ ٩٢.
١٩٦

الفصل الخامس
النقد
تمهيد :
اختلفت مناهج المؤرخين المسلمين في الاهتمام بالنقد، فاعتنت به طائفة
منهم وأهملته طائفة أخرى. ثم وجدنا بعد ذلك تفاوتاً بين المعنيين به فَأَكْثَرَ من
الاهتمام به قسمٌ منهم مثل الخطيب البغدادي ((ت٤٦٣هـ))، وابن الدبيئي
(ت٦٣٧هـ))، وابن النجار ((ت٦٤٣هـ)، بينما أولاه القسم الآخر عناية أقل،
فلم يظهر في كتبهم بشكل واسع مثل المنذري ((ت٦٥٦هـ)) وتلميذه عز الدين
الحسيني ((ت٦٩٥ هـ).
أما الذهبيُّ فقد كان من المعنيين بالنقد كل العناية بحيث أصبح يحتل
مكاناً بارزاً في كتبه، وألف الكتب الخاصة به، ولذلك وجدناه عظيمَ الاهتمام.
به في كتابه «تاريخ الإسلام)»، مارسه في كل أقسامه واعتبره جزءاً أساسياً من
منهجه في الدراسة التاريخية .
انطلق الذهبي في هذه العناية وذاك الاهتمام من تكوينه الفكري المتصل
بدراسة الحديث النبوي الشريف وروايته ودرايته الذي يؤكد ضرورة تبيين
أحوال الرواة ودرجة الوثوق بهم بتمييز الصادقين منهم عن الكاذبين، فسحبه
بعد ذلك على جميع كتابه سواء أكان ذلك في تراجم المحدثين أم في غيرهم
وسواء أكانوا من المتقدمين أم من المتأخرين، كما طَبَّقَهُ في نقد الأخبار أيضاً.
أولاً: أنواع النقد وأساليبه:
لم يقتصر الذهبي على نوع واحد من أنواع النقد، ولم يُعْنَ بمجالٍ واحد
من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاماً
وتقويمات تاريخية، وعني بنقد الروايات التي وجد مجالاً للنقد فيها.
١٩٧

١ - نقد الرجال :
يقوم نقد الرجال عند الذهبي عادة على إصدار حكم في المترجم وتبيان
حاله جرحاً أو تعديلاً، ويكون ذلك في الأغلب بإيراد آراء الثقات من
المعاصرين فيه وانطباعاتهم الشخصية عنه، إذا كان المترجم من غير أهل
عصره، ويكتفي بآرائهم أو يرد عليها أو يُرجِّحُ رأياً منها. أما الذين عاصرهم
فيكون رأيه الشخصي هو الأساس في هذا النقد نظراً لاتصاله بهم ومعرفته
بأحوالهم.
وعلى الرغم من أن الغاية الأساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال
رجال الحديث، إلا أنه عني بتطبيقه على كثيرٍ من المُترجَمين في كتابه. وقد .
اعترض بعضُ معاصري الذهبيِّ عليه في عنايته الكبيرة بالنقد باعتبار أن
الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى تصحيح
الحديث النبوي، ولما كان الحديث قد استقرَّ في الكتب الرئيسة فما عادت
هناك من حاجةٍ إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري.
وممن صرح بهذا أبو عمرو محمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط
((ت٧٥٢هـ)) الذي ادعى أن ذكر معايب الناس غيبة لا تجوز وإنْ كان المذكور
من أهل الرواية(١) ، قال ابن حجر: ((ورأيت بخطه جزءاً حَطّ فيه على الذهبي
وترجمه ترجمة أفرط في ذَمِّه فيها وتَعقَّبها برهان الدين ابن جماعة على
الهامش))(٢) . كما أخذ عليه بعضهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة
فيه(٣) . ودافع السخاوي عن الذهبي وغيره ممن عنوا بالنقد في غير الرواة
بقوله: ((بأن الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة، ولا انحصار لها في
الرواية، فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره، ولا يُعَدُّ
ذلك غِيبةً، بل هو نصيحةٌ واجبة: أن تكون للمذكور ولاية لايقوم بها على
وجهها ... أو يكون مبتدعاً من المتصوفة وغيرهم، أو فاسقاً ويرى من يتردد
إليه للعلم أو للإرشاد ويخاف عليه عود الضرر من قِبَلِهِ فيعلمه ببيان حاله ...
(١) السخاوي: الإعلان، ص ٤٦٠، ٤٧٠، ٤٧٤.
(٢) ابن حجر: الدرر، ج٤ ص١٦٤ .
(٣) السبكي: الطبقات، ج٢ ص١٤.
١٩٨