النص المفهرس

صفحات 121-140

ولما كان الذهبي يولي التراجم عنايته الفائقة أصلاً، فإنه لم يخلص
الحوادث منها، فصار يذكر أسماء وفيات المشهورين ضمن الحوادث باعتبار
ذلك حدثاً تاريخياً مهماً من الواجب ذكره وتعيينه، بل إننا نجد حوادث بعض
السنين ماهي إلا مختصر لوفيات كبار المترجمين، لاسيما في الفترة الواقعة بين
سنتي ٤١ - ٣٠٠هـ، وهي الفترة التي نظم التراجم فيها على حروف المعجم
ضمن كل عشر سنوات، فأصبح محتاجاً لتقديم وفيات الأعلام ضمن حوادث
السنة .
إن مراكز القوى في الدولة الإسلامية هي التي حددت في كثير من الأحيان
كمية المعلومات التي يقدمها الذهبي عن بلد ما من البلدان الإسلامية بالرغم
من أنه أراد لكتابه الشمولَ المكاني باعتباره تاريخاً للإسلام أجمع. ولذلك
وجدنا الحوادث المذكورة في كتابه تدور على عهد الأمويين في نطاق الشام
والعراق بينما ازداد اهتمامه بالعراق حينما أصبح مركزاً للخلافة العباسية حتى
كادت الحوادث تقتصر عليه في كثير من الأحيان. وفي بعض سني القرن الرابع
الهجري نجد الذهبي يركز على أخبار الحمدانيين بحلب بسبب حروبهم
المشهورة التي شنوها على البيزنطيين، ثم يعود إلى العناية التامة بأخبار العراق
والعباسيين ويستمر في ذلك حتى منتصف القرن السادس الهجري تقريباً بحيث
يكاد كتابه يقتصر عليهم في كثير من حوادث السنين(١) ، إلا أنه يتحول بُعيد
هذا التاريخ فيعنى بأخبار الزنكيين في الجزيرة وبلاد الشام ومن بعدهم
بالأيوبيين ولا سيما في عهد صلاح الدين بسبب نظرته إلى أهمية الأحداث التي
قاموا بها في رد المعتدين عن ديار الإسلام فتشعر في بعض السنوات وكأنه دَوَّنَ
تاريخه لهم وقَلَّ اهتمامه بأخبار الخلافة العباسية نسبياً. وتوجه الذهبي بعد
سقوط بغداد بيد هولاكو سنة ٦٥٦ هـ إلى العناية التامة بتوريخ حوادث بلاد
الشام ومصر حيث احتلت الحيز الأعظم من الحوادث، بل ظلت أخبارها في
تزايد مستمر سنة بعد أخرى حتى كادت تقتصر عليها في الربع الأخير من القرن
السابع الهجري فصار ((تاريخ الإسلام)) في هذه الفترة أقرب شبهاً بالتواريخ
المحلية .
(١) انظر مثلاً الورقة ٢-٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
١١٩

ومع أن الذهبي اعتمد بعض الموارد أكثر من غيرها في بعض الأحيان إلا
أننا وجدناه لا يتابع مورداً معيناً في اختيار الأحداث والتركيز على المهم منها.
وقد استطعنا أن نميز له منهجاً خاصاً في هذا الباب يقوم على تقدير المهم
وذكره، وإسقاط غير المهم وإهماله، مستنداً إلى مفهومه التاريخي للأحداث
الذي شرحناه قبل قليل. وقد تبين لنا أن الذهبي استطاع، في أكثر الأحايين،
أن يوجه الأحداث في تاريخه الوجهة النوعية والمكانية التي اختارها، بفضل
قدرته الفائقة على تنويع موارده بين عصر وآخر، وعدم التزامه بخط مؤرخ
معين من المؤرخين الذين سبقوه (١) .
وعلى الرغم من أن الذهبيَّ قد اختار ((المهم)) من الأحداث التي شهدها
العالم الإسلامي وأعطاها الأولوية في كتابه، فإنه لم يتخلص من طريقة كتّاب
الحوليات المسلمين الذين سبقوه، فاهتم بذكر بعض الأخبار القصيرة العجيبة
التي لا ترتبط ببعضها إلا بوقوعها في السنة التي يتناول أحداثها، وغالباً ما
تأتي هذه النتف في آخر حوادث السنة مثل الظواهر الطبيعية كالزلازل (٢)،
وكسوف الشمس(٣)، وخسوف القمر (٤)، والبرد الشديد(٥). كما عني
بالحوادث الغريبة مثل تحول امرأة إلى رجل(٦) ، وولادة طفل برأسين وأربعة
أرجل (٧)، وقدوم رجل طوله ثلاثة أشبار وثلاث أصابع إلى دار الخلافة(٨)،
ونحوها .
(١) انظر أدناه كلامنا على الموارد.
انظر مثلاً الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة ٥، ٩٢، ٩٣، ٢١٥، والورقة ٩ (أيا
(٢)
صوفيا ٣٠١٠)، والورقة ٢٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)،
والورقة ٣٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلاً الورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
انظر مثلاً الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤)
(٦) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥)
الورقة ٣٢١ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٧) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) الورقة ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
١٢٠

طبيعة التراجم وأسس انتقائها :
لقد اتضح لنا من دراستنا لكتاب ((تاريخ الإسلام)) أن الذهبي اتبع منهجاً
واضحاً عند ذكر التراجم فيه مراعياً أسساً معينة أبرزها ما يأتي:
١ - الشُّهرة والعَلَمِيَّة:
ذكر المشهورين والأعلام(١)، ولم يذكر المغمورين والمجهولين، بعرف
أهل الفن في كل عصر لا بعرفنا نحن، إذ لا ريب في أن هناك آلافاً من التراجم
التي ذكرها لم يسمع بها كثير من المتخصصين في عصرنا. على أن الذهبي كان
عارفاً بجميع مَنْ ذكرهم في تاريخه مطلعاً على سيرهم ورواياتهم وشيوخهم
وأوقاتهم سوى حالات نادرة جداً ذكر فيها أشخاصاً عرفهم علماء سبقوه ولم
يعرفهم هو فأشار إلى هذا الأمر نحو قوله في ترجمة أبي عبس خالد بن غسان
السلمي: ((ورّخه ابن منده. لا أعرفه))(٢). وهذا الذي ذكرته عن («الشهرة
والعلمية)) هو الذي يفسر عنوان الكتاب، فهو كتاب في ((المشاهير والأعلام)).
على أن مفهوم الشهرة يختلف عند مؤلف وآخر استناداً إلى عمق ثقافته
ونظرته إلى البراعة في علم من العلوم أو فن من الفنون أو عمل من الأعمال أو
أي شيء آخر، لذلك وجدنا تبايناً كبيراً بين عدد المشهورين المذكورين في
السنة الواحدة عند كُتّابِ الحوليات، ففي الوقت الذي اقتصرت فيه كثير من
الكتب على إيراد ٥-١٥ ترجمة في السنة الواحدة مثل ((المنتظم)) لابن الجوزي
(ت٥٩٧هـ)) و((مرآة الزمان)) لسبطه ((ت٦٥٤هـ)) و((الذيل على مرآة الزمان)»
لقطب الدين اليونيني (ت٧٢٦هـ)) و((البداية)) لابن كثير ((ت٧٧٤هـ)) و((عقد
الجمان)) لبدر الدين العيني ((ت٨٥٥هـ)) أورد الذهبي ستين ترجمة في المعدل
(١) استعمل الذهبي لفظ ((الأعلام)) لأولئك المشهورين جداً، وفي الأغلب ترجم لهم تراجم
حافلة وأشار بعد اسم المترجم ونسبه بأنه ((أحد الأعلام)) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه
٣٤٤.
(٢) ٣٥/٧.
١٢١

تقريباً، وزاد عددها في بعض السنين على المئة(١)
٢- الشمول النوعي:
لم يقتصر الذهبيُّ على نوع معين من المشهورين والأعلام، بل تنوعت
تراجمه فشملت كل فئات الناس من الخلفاء، والملوك، والأمراء، والسلاطين
والوزراء والسياسيين، والنقباء، والقضاة، والمحامين، والشهود العدول، والقراء
والمحدثين، والفقهاء، والأدباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، والأطباء،
والصيادلة، والتجار، والزهاد، والصوفية، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين،
والفلاسفة، وكل من اشتهر بشيء من الأشياء سواء أكان حسن الظن به أم
سيئاً، ثقة أم كذاباً. ولم يكنْ ليمنعه من ذِكْرٍ شخصٍ ما أن يكون مختلفاً معه
في العقيدة كأن يكون معتزلياً أو رافضياً أو زنديقاً، أو من غير الملتزمين بالدين
كالمغنين والمجان والمُتَهتِّكين، أو أن يكون مختلفاً معه في الدين كأن يكون
مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً، ما داموا في نطاق دولة الإسلام(٢).
ومع أن المؤلف قصد أن يكون تاريخه شاملاً جميع الناس من المشاهير
والأعلام، إلا أنه كان يُؤْثِرُ المُحَدِّثينَ على غيرهم، وفي القسم الأخير من كتابه
آثر الدماشقة على مَنْ سواهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من المترجمين من
أهل العناية بالحديث النبوي الشريف. وهذه ظاهرة طبيعية فيما أرى، لما عرفنا
من تربية الذهبي ونشأته الحديثية وحبه لرواية الحديث وشَغَفِهِ به ذلك الشغفَ
العظيم الذي ملك عليه قلبه فهو من صنفهم واسع المعرفة بهم، ولأن
المحدثين من أكثر الفئات التي عنيت بالرواية نظراً للأهمية البالغة التي يحتلها
الحديث النبوي في الحياة الإسلامية(٣) لاسيما في تلك الأعصر التي امتازت
(١) بلغ عدد التراجم في سنة ٦٩٥هـ مئة وسبع تراجم (٨٠٣/١٥ - ٨٣٢) وبلغ عددها في سنة
٦٩٩ هـ مئة وتسعين ترجمة ١٥ ١/ ٨٩٢ - ٩٤٥).
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٦.
(٣) انظر عن مكانة الحديث وأهميته في التشريع كتاب مصطفى السباعي: السُّنة ومكانتها في
التشريع الإسلامي (القاهرة ١٩٦٦)، ومحمد أبو زهو: الحديث والمحدثون، ص ٢٠ فما
بعد (القاهرة ١٩٥٨).
Robson: Hadith in Eney of Islam (New ed.).
وكان الإمام أحمد يفضل الحديث الضعيف ويقدمه على الرأي والقياس (محمد أبو
زهرة: ابن حنبل، ص ٢٤٠ فما بعد وخاصة ص ٢٤٣).
١٢٢

عن غيرها بغلبة الطابع الديني عليها .
٣- الشمول المكاني:
عمل الذهبي على أن يكون كتابه شاملاً لتراجم المشهورين من كافة أنحاء
العالم الإسلامي من الأندلس غرباً إلى أقصى المشرق.
إلا أن توافر المصادر عنده عن منطقة معينة أو عدم توافرها في فترة ما
من تاريخه هو الذي كان يحدد في كثير من الأحيان كمية المعلومات التي
يتناولها في كتابه عنها في عصر معين، وقد قال في مقدمة كتابه: ((وأيضاً فإن
عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءَها أحدٌ من الحفاظ،
أو جُمِعَ لها تاريخٌ ولم يقع إلينا))(١) ولنضرب لذلك مثلاً بغداد، فإن وقوع
معظم تواريخها التراجمية الرئيسة إليه جعل معلوماته عنها واسعة جداً في الفترة
التي تناولتها تلك التواريخ مثل تواريخ الخطيب البغدادي ((ت٤٦٣هـ))، وابن
السمعاني (ت٥٦٢هـ))، وابن الدبيثي ((ت ٦٣٧هـ))، وابن القطيعي ((ت٦٣٤ هـ))،
وابن النجار (ت٦٤٣هـ))، وابن الساعي ((ت٦٧٤هـ))(٢). فضلاً عَمَّا اطلع عليه
من الموارد الأخرى التي تناولت تراجمَ أهلها وإن لم تكن من تواريخها المحلية
الخاصة، ومن معاجيم الشيوخ والمشيخات والكتابات المتنوعة الأخرى.
ولذلك احتفظت بغداد منذ تأسيسها بحصة الأسد من التراجم التي ذكرها، إلا
أننا نلاحظ أن عددهم يأخذ بالتناقص الشديد في النصف الثاني من القرن
السابع الهجري حتى لم يعد البَغَادِدة يزيدون عن ٥٪ في العقد الأخير من
الكتاب (٦٩١ - ٧٠٠هـ) وذلك بسبب افتقاره إلى الموارد التي تعنى بتوريخ
البغداديين، فضلاً عن صعوبة وصول المعلومات إليه بسبب ما عرف من
القطيعة التي أصابت العلاقات بين العراق والشام في النصف الثاني من القرن
السابع الهجري نتيجة النزاع الحاد بين المغول والمماليك وأكثر هذه التراجم
اقتبسها من كتابين وقعا له بعد انتهائه من كتابة تاريخه، فألحقها في الحاشية،
(١) تاريخ الإسلام ١٠/١.
(٢) لقد اختصر الذهبي ثلاثة من أبرز هذه الكتب وهي تواريخ الخطيب وابن السمعاني وابن
النجار (انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٣ و٢٣٩ و٢٥٤).
١٢٣

وهما: تاريخ ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ هـ، وكتاب ((مجمع
الآداب)) لكمال الدين عبدالرزاق ابن الفوطي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ. ويصح
هذا الذي قلناه في عدد تراجم أهل الأقاليم الشرقية من المشرق الإسلامي،
فبعد أن كانت تراجمهم تحتل حيزاً كبيراً من ((تاريخ الإسلام)) قبل استيلاء
المغول على تلك البلاد في الربع الأول من القرن السابع الهجري، نجدها
تتناقص بشكل مفاجئ بعد سنة ٦١٧هـ وتكاد تختفي من الكتاب بُعيد هذا
التاريخ بسنوات قلائل بسبب انقطاع أخبارهم. ويقال مثل هذا عن الأندلس
والمغرب، فمع أنه لم يُفَصِّل فيهم ويستوعبهم مثل أيِّ مؤرخ مشرقي لكنه ذكر
جملة كبيرة منهم تزيد بكثير عما اعتاد المَشَارقةُ ذكره عنهم بسبب اعتماده على
جملة من تواريخ المغرب والأندلس المحلية المعنية بتراجم رجالها مثل تواريخ
ابن الفرضي (ت ٤٠٣ هـ))، وابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ))، والأبار (ت ٦٥٨هـ))
وغيرهم، إلا أننا نجد تراجمهم تتناقص أيضاً ولا سيما في النصف الثاني من
القرن السابع الهجري بسبب بُعْدِ تلك البلاد وانقطاع أخبارها عن مشرق العالم
الإسلامي بحيث قال الذهبيُّ في نهاية الطبقة السادسة والستين
(٦٥١- ٦٦٠هـ): ((وقد انقرض في هذه الطبقة السادسة والستين خلق من
العلماء والأعيان ورواة الآثار، منهم طائفة بالأندلس والمغرب لم تبلغنا
أخبارهم))(١) .
وقال في ترجمة الحميدي من سير أعلام النبلاء(٢): ((عملتُ أنا تاريخ
الإسلام، وهو كاف في معناه فيما أحسب، ولم يكن عندي تواريخ كثيرة مما
قد سمعت بها بالعراق، وبالمغرب، وبرصد مراغة ففاتني جملة وافرة)).
٤- التوازن الزماني :
سار الذهبيُّ على نَمَطٍ متقارب في ذكر عدد التراجم في السنة الواحدة لكل
عصر من العصور، فلم نجد عنده تفضيلاً لعصر على آخر. ومع أنه من الواجب
علينا ملاحظة قلة عدد التراجم في السنين الأولى إلا أن هذا لم يكن بسبب
(١) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٢) السير ١٢٥/١٩ .
١٢٤

تفضيل عصرٍ على آخر، فقد اعتذر الذهبي عنه بقلة الجماعة الإسلامية في
صدر الإسلام من جهة (١) وعدم توفر المعلومات الدقيقة من جهة أخرى(٢).
ومع كل ذلك فإن عدد المترجَمين في الطبقة الخامسة عشرة (١٤١ - ١٥٠ هـ) ،
يبلغ ٥١٦ مترجمًا، وفي الطبقة الحادية والثلاثين (٣٠١ - ٣١٠ هـ) بلغ ٦٦٣
مترجمًا في حين كان عدد المذكورين في الطبقة الثالثة والستين (٦٢١ - ٦٣٠ هـ)
٦٣٧ مترجمًا، وهم في الطبقة الثامنة والستين (٦٧١ - ٦٨٠هـ) ٥٨٥ مترجمًا.
أما الارتفاع غير الطبيعي في عدد المترجَمين في بعض الطبقات فإنه يعودُ إلى
أسباب أخرى مثل الحروب والأوبئة التي تحدث في فترة ما فتزيدُ من عددٍ
الوفيات، فقد بلغ عدد المترجمين في الطبقة السبعين (٦٩١-٧٠٠هـ) مثلاً
٨٢٥ مترجمًا بسبب العدد الكبير الذي قُتِلَ من العلماء بدمشق في الحرب
الغازانية المشهورة سنة ٦٩٩هـ. بحيث بلغ عدد المترجمين في هذه السنة
وحدها ١٩٠ نفسًا(٣)، بينما كان عدد المذكورين في السنة التي قبلها
٦٥ نفسًا(٤) وعددهم في السنة التي بعدها ٦٧ نفساً (٥).
٥- الاختصار:
وجَد الذهبيُّ، بسبب سَعَةِ اطلاعه وتمكنه العظيم في الرجال، مادةً هائلة
احتوتها مئات الموارد التي اعتمدها في كتابه، يساعده على ذلك سعة النطاق
الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الإسلام حتى سنة ٧٠٠هـ، والنطاق
المكاني الذي يشمل العالم الإسلامي كله. وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن
يحدد نوعية المترجَمين باختيارِ المشهورين والأعلام منهم، إلا أنَّ المسألة التي
تبدو أكثر أهمية هي كمية المعلومات التي يذكرها في الترجمة الواحدة، فقد
كان لابد له، وقد تَحصَّلَتْ لديه مادةٌ ضخمة، أنْ ينتقي منها ما يتفق وخطته
التي اتبعها في عناصر الترجمة(٦) ، ومن أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من
(١) ٢٠/١.
انظر مقدمة الذهبي لتاريخه ١/ ١٠، وينظر أيضًا ١٧٩/٢.
(٢)
(٣)
١٥/ ٨٩٢ - ٩٤٥.
(٤)
٨٦٩/١٥ - ٠٨٩١
٩٤٦/١٥ - ٠٩٦٤
(٥)
(٦) انظر أدناه الفصل الخاص عن ((عناصر الترجمة)).
١٢٥

هذا التضخم الكبير الذي قدّره له. وقد أشار الذهبي إلى ضخامة المعلومات
التي وقف عليها في مقدمة كتابه حينما قال: ((إذ لو استوعبتُ التراجمَ والوقائع
لبلغ الكتاب مئة مجلدة بل أكثر، لأن فيه مئة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في
خمسين مجلداً))(١) .
وعلى هذا فقد حاول جاهداً أن يقدم ترجمة كاملة ومختصرة في الوقت
نفسه، لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه فتخرج عن خطته في
الاختصار العام، فلما شعر مثلاً أن ترجمة عمر بن عبدالعزيز قد طالت أنهاها
بقوله: ((ومناقبه طويلة اكتفينا بهذا))(٢) ، واعتذر عن طول ترجمة ابن سينا
بقوله: ((وقد طالت هذه الترجمة))(٣). وعلى العكس من ذلك فهو يشير إلى
عدم توفر مادة كافية لبعض التراجم نحو قوله: ((بلغتنا أخباره مختصره)) (٤)
و((لم تبلغنا أخباره كما ينبغي))(٥) . أو يشير إلى تقصير بعض الموارد في ترجمة
شخص ما نحو قوله: ((ترجمته صغيرة عند الخطيب))، أو ((وقد ذكره ابن عساكر
مختصراً)) أو ((هو في تاريخ ابن النجار أخصر من هذا))(٦).
وقد تمكن الذهبي في الوقت نفسه أن يتخلص من المادة الضخمة التي
تَحَصَّلَتْ له عن بعض المترجَمين بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولت هذا
المترجم بتفصيل أكثر مما ذكره هو نحو قوله في ترجمة عمرو بن العاص:
((ولعمرو بن العاص ترجمة طويلة في طبقات ابن سعد في ثمان(٧) عشرة
(١) ٥/١ ومن الجدير بالذكر أن الشمس السخاوي نقل من خط الذهبي أنه كان يريد أن يؤلف
كتابه ((التاريخ الكبير المحيط)) وأنه لو عمله لجاء في ست مئة مجلد، ولكنه لم ينهض له.
وقد نقل السخاوي محتويات هذا التاريخ وفيه أربعون صنفاً من أصناف المترجمين
(الإعلان ص ٥١٨-٥٢٢).
(٢) ١٣١/٣.
(٣) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٠).
(٤) الورقة ١٩٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥)
الورقة ١٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٥١ - ٣٥٢.
(٧) هكذا من غير ياء وهو رسم الذهبي لها، وقال الصلاح الصفدي: ((الفصيح أن تقول عندي
ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مئة درهم لأن الياء هنا ياء المنقوص وهي ثابتة
في حالة الإضافة والنصب)) (الوافي م ١ ص ١٩).
١٢٦

ورقة))(١) ، وقوله في ترجمة ابن خزيمة المحدث المشهور: ((وقد استوعب
أخباره الحاكم أبو عبدالله في تاريخ نيسابور وفيها أشياء كَيِّسة وأخبار
مفيدة))(٢)، وقوله في ترجمة المعافى بن عمران الموصلي الزاهد المعروف:
((وله ترجمة في تاريخ يزيد بن محمد الأزدي في بضع وعشرين ورقة)) (٣)،
وقوله في ترجمة أبي نواس: ((ترجمته سبع ورقات في تاريخ بغداد))(٤) ، وقوله
في ترجمة بلال بن سعد الدمشقي من أهل الطبقة الثانية عشرة: ((وترجمته في
تاريخ دمشق في نيف وعشرين ورقة)»(٥) ، ومثل قوله في بعض التراجم: ((وقد
طول الداني ترجمته وعظمه)) (٦) و((وقد أطنب في ذكره وأسهب في أمره أبو
سعيد بن يونس))(٧)، و((ذكره القاضي عياض وعظمه)) (٨) ونحو ذلك(٩) وقد
بلغ الأمر به في بعض الأحيان أنه أحال على كتب اختصت بسيرة أحد
المترجمين، نحو قوله في ترجمة أحمد بن حنبل: ((وقد جمع مناقب أبي
عبدالله غير واحد منهم: أبو بكر البيهقي في مجلد، ومنهم: أبو إسماعيل
الأنصاري في مُجَيْلِيد، ومنهم: أبو الفرج ابن الجوزي في مجلد))(١٠)، وقوله
في أخبار الحلاج من حوادث سنة ٣٠٩هـ بعد أن ذكر من أخباره ما بلغ قرابة
ثماني أوراق(١١): ((وأخباره أكثر من هذا في تاريخ الخطيب، وفيما جمع ابن
الجوزي من أخباره(١٢ ) ثم إني أفردتها في جزء))(١٣).
(١) ٤٣١/٢ .
٢٤٦/٧. وانظر إحالة أخرى إلى هذا التاريخ في الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢)
(٣)
الورقة ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وهو ((طبقات المحدثين)).
(٤)
الورقة ٣٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥)
٢١٤/٣.
(٦) ٧/ ٨٧٩ .
٧/ ٧٤٢.
(٧)
(٨) ٦٦٦/٧ .
(٩) انظر مثلاً ٢/ ١٢٧، والورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(١٠) ١٠٦٨/٥.
(١١) ١٦/٧ - ٢٦ (من طبعتنا).
(١٢) أحال الذهبي على كتاب ابن الجوزي هذا أيضاً في ترجمة الحلاج من وفيات سنة ٣٠٩هـ
وسماه هناك: ((القاطع لمحال المحاج بحال الحلاج)) ١٤٣/٧ .
(١٣) ٢٦/٧، وانظر عن كتاب الذهبي في سيرة الحلاج كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٠٨ . .
تاريخ الإسلام ١ / مقدمة ٥
١٢٧
٠

ومع كل هذا فإن سعة التراجم في ((تاريخ الإسلام)) تتباين الواحدة عن
الأخرى، فقد لا تزيد على بضعة أسطر، وقد تبلغ أوراقاً عديدة. وقد انتقده
تلميذه تاج الدين السبكي ((ت٧٧١هـ)) على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها
واعتبر ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي، فذكر أن تطويل التراجم
وتقصيرها مسألة يغفل عنها الكثيرون، وتكلم على هذه المسألة في عموم
المؤرخين فقال: ((فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولاً، ثم يأتي إلى
من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيراً مما نقل في مَمَادِحِه،
ويجيء إلى مَنْ يُحبه فيعكسُ الحالَ فيه، ويظنُّ المسكينُ أنه لم يأتِ بذنبٍ، لأنه
ليس يجب عليه تطويل ترجمةِ أحدٍ، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، ولا يظن
المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله مل وللمؤمنين
في تأدية ما قيل في حَقِّه من حَمْدٍ وذم))(١). ثم خصص الذهبي فقال: ((ولقد
وقفت في تاريخ الذهبي - رحمه الله - على ترجمة الشيخ الموفق(٢) ابن قدامة
الحنبلي، والشيخ فخر الدين(٣) ابن عساكر، وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى
بما لا يشك لبيبٌ أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري وذاك حنبلي،
وسيقفون بين يدي رب العالمين)» (٤) . وكلام السبكي هذا جزء من نقده الشديد
للذهبي الذي سوف نتكلم عليه في موضع آخر إن شاء الله(٥) .
وقد ظهر لنا نتيجة دراستنا لهذه الناحية في ((تاريخ الإسلام)) أن السبكي قد
بالغ في نقده بسببٍ من تعصبه الشديد للأشاعرة، فقد تبين أنَّ الذهبيَّ راعى في
أكثر الأحايين، وليس في جميعها قيمةَ الإنسان وشهرته بين أهل علمه أو
(١) السبكي: الطبقات، ج٢ ص٢٣ -٢٤.
(٢) هو عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٢٠هـ وكان من كبار
العلماء الزهاد، وهو صاحب التصانيف المشهورة المطبوعة المتداولة ومن أشهرها كتاب
((المغني)) وقد ترجم له الذهبي في سبع أوراق ٢٠٤ - ٢١٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) علماً أن
الذهبي قد ألف كتاباً في سيرته (انظر: الذهبي ومنهجه ٢٠٦).
(٣) هو فخر الدين عبدالرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر ابن أخي الحافظ
أبي القاسم ابن عساكر صاحب التاريخ المشهور، وقد توفي فخر الدين هذا سنة ٦٢٠ هـ
أيضاً، وكان من كبار الشافعية بالشام آنذاك، وترجم له الذهبي في ثلاث أوراق تقريباً
٢١١- ٢١٣ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) السبكي: الطبقات، ج٢ ص٢٤.
(٥) انظر أدناه الفصل الخاص بالنقد.
١٢٨

مكانته بين الذين من بابته سواء أكان متفقاً معه في العقيدة أم مخالفاً، فنراه مثلاً
يطول في تراجم الشعراء البارزين مثل المتنبي(١)، وعمارة اليمني(٢)،
ومجنون ليلى(٣)، والأرجاني(٤)، وغيرهم. أو كبار النحويين مثل
الكسائي(٥) . أو كبار الخطاطين مثل ابن مقلة(٦) ، وهلم جرًّا.
وكيف يقال: إنَّ التعصبَ هو الذي دفع الذهبيَّ إلى تطويل التراجم
وتقصيرها وقد طول في ترجمة الحلاج بحيث بلغ ما ذكره عنه في الحوادث
فقط ثماني أوراق(٧) ، بله الجزء الذي ألفه في أخباره، وهو الذي يقول في
ترجمته: («قتلوه على الكفر والحلول والانسلاخ من الدين ... كان كذاباً مُمَوِّهاً
مُمَخْرِقاً حلولياً له كلام حلو يستحوذُ به على نفوس جهال العوام)» (٨). وترجم
ابن سينا ترجمة طويلة بلغت عشر أوراق بخطه(٩) باعتباره «آية في الذكاء وهو
رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول وخالفوا الرسول!))(١٠)،
وترجم لأبي العلاء المعري ترجمة حافلة مع أنه أكد زندقته في غير موضع (١١).
وقد طوّل الذهبيُّ في كثير من تراجم الأشاعرة البارزين ومدحهم مدحاً كبيراً
كلاّ حسب مبلغه من العلم الذي برع فيه، نذكر منهم على سبيل المثال لا
الحصر: الإمام محيي الدين النواوي الشافعي الأشعري (١٢) الذي لم تقلَّ
ترجمتُه عن ترجمةِ الموفق ابن قدامة لا في الطول ولا في الثناء، فضلاً عن
اعتذاره في آخر الترجمة بقوله: ((ولا يحتمل كتابنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا
(١)
٨/ ٦٥ - ٧٠.
(٢)
٤١٣/١٢ - ٤٢٢.
(٣)
٧٠٠/٢ - ٧٠٣.
الورقة ٣٠٥ -٣٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٤)
الورقة ١١٣-١١٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥)
(٦)
٥٥٨/٧ - ٥٦٤.
١٦/٧ - ٢٦ (من طبعتنا).
(٧)
١٤٣/٧ - ١٤٤.
(٨)
(٩) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) الورقة ٢٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١١) الورقة ٤٦١ - ٤٧٠ من النسخة السابقة.
(١٢) الورقة ٤٢-٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
١٢٩
*

السيد - رحمه الله -))(١) .
ومع أن الذهبيَّ كان عظيم الاهتمام بالمحدثين شديدَ الكَلَفِ بهم، إلا أننا
وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عموماً إذا قيست بتراجم الشعراء والزهاد
والصوفية والمتكلمين إذا استثنينا بعض أعلامهم المشهورين جداً مثل البخاري(٢)
وأحمد بن حنبل(٣) والزهري (٤) وعبد الله بن المبارك(٥) ونحوهم.
على أن هذا الذي قلته لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقاً بعقيدته وآرائه ونظرته إلى
العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمرٌ يُجانبُ الطبيعةَ
البشرية وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في
الموازنة وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوىٍ وتَقَصُّدٍ إنما دفعته بيئته وثقافته في كثير
من الأحيان إلى الإعجاب بشخصٍ ما وتقديره، وعليه فإن تطويل الترجمة وتقصيرها
يجب أنْ يُنظر إليه بمنظار ينفذ خلال المؤلف أولاً من أجل كشف معاييره
واتجاهاته الفكرية. وعلى أساس من هذا يجب أن تفهم انتقاداتُ العلماء بعضهم
لبعض في مثل هذه المسائل، وإلا فإن مآخذ السبكي على الذهبي يمكن تطبيقها
على السبكي نفسه ويكفي أن نتذكر تراجمه في طبقات الشافعية لنعلم ذلك.
ونحن على أي حال يجب أن نعترفَ بأنَّ التاريخ كان أبداً ضحية أمزجة
المؤرخين المسلمين في الإطناب والإيجاز ونوعية المعلومات التي يهتمون بها
ويلتفتون إليها دون غيرها ويدونونها في كتبهم استناداً إلى أذواقهم ومفاهيمهم.
وتفضل بعد كل هذا الذي قلته واسأل متعجباً: كيف ترجم الذهبي لواحد من
أعظم الرياضيين هو البوزجاني المتوفى سنة ٣٨٧هـ في سطرين فقط؟!(٦) ثم
سرعان ما يتبدد استعجابك(٧) حينما تعلم أنه لم يدر يوماً من هذه العلوم شيئاً،
ولم ينل منها حظاً، بله اعتباره الرياضيات والهندسة والفلك من ((الصنائع
المظلمة)) !! (٨).
(١) الورقة ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) ٦ /١٤٠ - ١٦٤.
(٣) وقد تكلم على المحنة في أثنائها فاستغرقت من ترجمته قسماً كبيراً (١٠٣٦/٥-١٠٤٩).
(٤)
٤٩٩/٣ - ٥١٨.
(٥)
الورقة ٨٩-١٠١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦)
الورقة ١٩٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٧) قال الزمخشري في (عج ب) من أساس البلاغة (ص٦١٤): الاستعجاب: فرط التعجب.
(٨) الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
١٣٠

الفصل الثالث
عناصر الترجمة
توطئة :
تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما عن الأخرى حسب طبيعة المُترجَم
له وقيمته العلمية أو الأدبية أو مكانته السياسية من جهة وعدد الموارد التي
يعتمدها المؤلف ونوعيتها من جهة أخرى. وطبيعي أننا نجد اختلافاً واضحاً في
محتويات ترجمة السياسي عن الأديب، واختلافاً بين ترجمة الأديب أو
المحدث أو الفقيه أو المتكلم ونحو ذلك. وقد لا نستطيع أن نتبين سوى
السمات العامة في الترجمة البالغة القِصَر. على أننا في الوقت نفسه نلاحظ
تنظيماً واضحاً داخل التراجم الحافلة قد يصل حداً يضع فيه الذهبي عناوين
بالخط الغليظ لكل جزء مميز من أجزائها كما هو في ترجمة فخر الدين
الرازي (١)، وأبي عمر المقدسي (٢)، وأبي إسحاق المقدسي(٣)، والموفق
المقدسي(٤)، وعز الدين ابن الأثير(٥) ، وأبي زكريا النواوي(٦)، وغيرهم.
على أننا نستطيع أن نميز المنهج العام الذي اختطه الذهبي لنفسه في ذكر
محتويات تراجم العلماء والرواة والأدباء ونحوهم بالأمور الآتية:
١- اسم المترجم ونسبه ولقبه و کنیته ونسبته .
٢- مولده أو ما يدل على عمره.
٣- نشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ.
٤- إنتاجه وتلامذته.
٥- مكانته العلمية وعقيدته وآراء العلماء فيه ورأي الذهبي إن وجد.
(١) الورقة ٣٨-٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢)
الورقة ٥١-٥٧ من النسخة السابقة .
(٣)
الورقة ١٢٢-١٢٦ من النسخة السابقة .
الورقة ٢٠٤ -٢١٠ من النسخة السابقة.
(٤)
الورقة ٩٥-٩٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥)
(٦) الورقة ٤٢-٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
١٣١
٢٠.
٤

٦ - تحدید تاریخ وفاته .
وقد تتوفر هذه الأمور جميعها في الترجمة الواحدة، وقد توجد طائفة
منها، أو لا تتوفر منها إلا القليل حسب طبيعة المترجم له وكمية المعلومات
المتوفرة عنه .
١- الاسم والنسب واللقب والكنية والنسبة:
يبتدئ الذهبيُّ الترجمةَ عادة بذكر اسم المترجم له واسم والده وأجداده
وهو قلما يورد أقل من ثلاثة أسماء(١) . ثم يذكر بعد ذلك بعض الصفات
المادحة أو الدالة على مكانته العلمية نحو: ((الشيخ))، و((الفقيه))، و((الحافظ))،
و((المسند))، و((العلامة))، و((الرحلة))، و((الشاعر))، و((الأديب))، أو من الألفاظ
الدالة على المناصب الدينية والدنيوية الرفيعة نحو: ((قاضي القضاة))، و((شيخ
الشيوخ))، و((القاضي))، و((أمير المؤمنين))، و((الملك))، و((السلطان))،
و((الأمير))، و((الوزير))، و((الحاجب))، و((نقيب النقباء))، ونحوها. كما يستعمل
ألفاظاً دالة على أصالة المترجم وبيته العريق مثل: ((الشريف)) لمن كان من
العلويين أو العباسيين، و((الأصيل)) لمن هو من بيتٍ عريقٍ في رياسة أو علم.
على أن الذهبيَّ غالباً ما يقتصر في إيراد هذه الصفات على المترجم نفسه ولا
يتعداها إلى آبائه كما فعل المنذري في ((التكملة))(٢)، فإذا تعداها في حالات
قليلة فإنه يقتصر على والد المترجم أو أحد المشهورين من آبائه كأنه يريد أن
يزيد في تعريف المترجم عند ذكره ذلك(٣).
(١) وكان يعنى بإصعاد نسب بعض المشهورين من ذوي البيوتات مثل العلويين والعباسيين
ونحوهم، انظر مثلاً الورقة ١٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٣٤، ١٥٣ (أيا صوفيا
٣٠٠٧)، والورقة ٣٦٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، أو بعض كبار العلماء، مثلاً الورقة ١٦٧ (أيا
صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٣٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٢) قارن كتابنا: المنذري وكتابه: التكملة، ص٢٤٠ .
(٣) نحو قوله: ((السلطان الملك المعظم شرف الدين ابن السلطان الملك العادل سيف
الدين))، الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، ونحو قوله في ترجمة عبدالله بن عبدالغني
المقدسي: ((الحافظ المحدث جمال الدين أبو موسى ابن الحافظ الأوحد أبي محمد
المقدسي)) الورقة ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
١٣٢

أما لقب المترجم فيأتي عادة بعد هذه الصفات والألفاظ(١) . ويلاحظ أن
الذهبي حريص في هذا الموضع من الترجمة على إيراد ما يضاف إلى اللقب،
نحو قوله: ((عزالدين))، و((ضياء الدين))، و(تاج الدين)) ونحوها في حين غالباً
ما يحذفُ مثلَ هذه الإضافة في داخل الترجمة، أو من ألقاب الرواة الذين
أخذوا عنه أو المصادر التي ينقل منها فيقول عوضاً عن الألقاب التي ذكرناها
((العز))، و((الضياء))، و((التاج)). وهذه الطريقة الأخيرة معروفة عند كثير من
المؤرخين ومنهم زكي الدين المنذري (٢).
ويذكر المؤلف كنية المترجم بعد ذكر لقبه(٣)، فإذا كان للمترجم أكثر من
كنية واحدة ذكرها نحو قوله: ((أبو الحسن وأبو محمد)) (٤)، ولكنه قلما يذكر
كنى الآباء كما فعل ابن الدبيئي وابن النجار في تاريخيهما حيث ذكرا عدداً من
كنى الآباء في نهاية الاسم، نحو قول الذهبي: ((محمد بن أحمد بن صالح بن
شافع بن صالح بن حاتم، أبو المعالي الجيلي ثم البغدادي)) (٥) ، في حين
جاءت هذه الترجمة عند ابن الدبيئي بالصورة الآتية: ((محمد بن أحمد بن
صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلي الأصل البغدادي المولد والدار، أبو
المعالي بن أبي الفضل بن أبي المعالي)) (٦) . والذهبي يخالف الزكي المنذري
في التكملة الذي كان يذكر الكنى قبل ذكر أي اسم من الآباء فضلاً عن الصفات
المادحة نحو قوله في ترجمة ابن شافع المار ذكره: ((الشيخ الأجل أبو المعالي
محمد ابن الشيخ الأجل أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الأجل أبي المعالي صالح
ابن الشيخ الأجل أبي محمد شافع بن صالح ... ))(٧).
(١) ولكن اللقب يأتي في أحيان قليلة جداً عند نهاية الترجمة فيذكر أن لقبه كذا، انظر مثلاً:
الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٧٧، ١٨٥، ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٣ .
(٣) وفي أحيان قليلة نجد تقديماً للكنية على اللقب، انظر مثلاً الورقة ٣٥، ٧٥، ٧٦ (أيا
صوفيا ٣٠١١).
(٤)
الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥)
الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
ابن الدبيثي: ذيل تاريخ مدينة السلام، ١/ ١٥٧ بتحقيقنا.
(٦)
(٧) التكملة، ٣/ الترجمة ٢٢٩٣.
١٣٣

وطريقة المنذري هذه لم تكن لتلائم الذهبي في تنظيمه الذي قام على
أساس ترتيب الأسماء ترتيباً معجمياً لأنها تؤدي إلى الاضطراب في ترتيب
الأسماء.
وتأتي بعد ذلك النسبة، حيث يبدأ المؤلف أولاً بذكر نسبة المترجم إلى
القبيلة وفروعها إنْ وُجِدَتْ ويُسلسلُ ذلك من الأعَمِّ إلى الأخصِّ نحو قوله عن
المترجم الذي ينتسب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: ((القرشي التيمي
البكري)» (١) ، لأن قريشاً تتكون من عدة عشائر فهو أعم من أن يكون تيمياً،
والتيمي أعم من أن يكون من ولد أبي بكر - رضي الله عنه - ومثل هذا قوله عن
الذي ينتمي إلى الخليفة المأمون: ((الهاشمي المأموني)) (٢)، وعن الذي ينتسب
إلى حاتم الطائي: ((الطائي الحاتمي))(٣)، وهكذا نحو قوله: ((الحميري
الكلاعي)) (٤)، و((الأنصاري السعدي العبادي))(٥) . ثم يذكر بعد ذلك نسبته إلى
المدينة أو البلدة التي ينتسب إليها، وهو يسلسل ذلك من الأعم إلى الأخص
أيضاً نحو قوله: ((البغدادي الحريمي الطاهري))(٦) ، فالبغدادي أعم من أن
يكون من أهل الحريم الطاهري المحلة المشهورة ببغداد. ويعنى الذهبي بذكر
البلدة التي جاء منها المترجم أو التي كان أحد أجداده ينتسب إليها، ويثني
بالتي ولد بها، فالتي نشأ وسكن بها، وينتهي بذكر التي توفي بها حسب ما
يتوفر له في الترجمة الواحدة، فإذا ما توفر كل ذلك أو بعضه في ترجمة واحدة
ذكره نحو قوله: ((الكناني العسقلاني الأصل التنيسي المولد المصري
المنشأ))(٧). وتأتي بعد هذه النسبة إلى المذهب نحو: ((الشافعي))،
و((الحنفي))، و((الحنبلي))، و(المالكي))، و((الزيدي))، و((الظاهري))، فإذا ما غير
المترجم مذهبه ذكر له نسبته إلى مذهبه القديم ثم إلى مذهبه الجديد. ويورد
بعد ذلك نسبته إلى العلم أو الحرفة أو الصنعة. وإذا ما اشتهر الرجل بأكثر من
(١) الورقة ٣٨، ١٢٣، ١٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ١٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣)
الورقة ٢٠٠ من النسخة السابقة .
الورقة ١٤٧ من النسخة السابقة .
(٤)
الورقة ١٤٩ من النسخة السابقة .
(٥)
(٦) الورقة ١٦١ من النسخة السابقة.
(٧) الورقة ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
١٣٤

علم أو حرفة أو صنعة ذكرها نحو قوله: ((الطحان البواب))(١)، و((المقرئ
الشاعر))(٢)، و(السمسار الصايغ)) (٣). ويُتْبعُ الذهبيُّ نسبةَ المترجَم بما عُرِفَ به
من شهرةٍ ويسبق ذلك عادة بكلمة ((المعروف))، أو ((يعرف)) مثل قوله: ((أبو
الحسن القرشي الأموي النابلسي ثم المصري المالكي العطار المعروف بابن
النطاع)) (٤) فإذا اشتهر بأكثر من نسبة أو لقب ذكرها أيضاً نحو قوله في ترجمة
علي بن عمر بن محمد بن الحسن بن شاذان من وفيات سنة ٣٨٦هـ: ((أبو
الحسن الحميري البغدادي الحربي يعرف بالسكري وبالختلي وبالصيرفي
وبالكيال)»(٥). وهو قلما ترك إنساناً اشتهر بشيء وعُرِفَ به إلا ذكره، وكتابهُ
شاهدٌ على ذلك.
وقد يزيد الذهبيُّ في تعريف المترجم فيذكر بعد الاسم واللقب والكنية
والنسبة وما إليها، وظيفةً عُرِفَ واشتهر بها اشتهاراً كبيراً نحو قوله: ((مدرس
الطائفة الحنفية بالمستنصرية)) (٦)، و((قاضي القضاة بقرطبة))(٧)، و((قاضي
بغداد))(٨)، و((قاضي بلخ))(٩)، و((قاضي بلد الخليل)) (١٠)، و((خطيب
زملكا))(١١)، و((ناظر الإسكندرية))(١٢)، ونحوها. أو يزيد في تعريفه بذكر أحد
المشهورين من أقربائه نحو قوله في ترجمة تاج الأمناء ابن عساكر المتوفى سنة
٦١٠ هـ: ((ابن أخي الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وأحد الإخوة وأكبرهم ووالد
العز النسابة))(١٣). وقوله في ترجمة أبي المظفر ضياء بن صالح الخفاف المتوفى
(١) الورقة ١٤٥ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٢٠٧ من النسخة السابقة.
(٣) الورقة ٢١١ من النسخة السابقة.
م ١٨، الورقة ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤)
(٥)
الورقة ١٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
الورقة ١٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٦)
ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام، ص ٣٦٤.
(٧)
(٨)
الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٩) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٣٦٥.
(١٠) الورقة ١٣ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(١١) الورقة ١٣٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١٢) الورقة ١٤٨ من النسخة السابقة.
(١٣) م ١٨، الورقة ٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
١٣٥

سنة ٦٠١ هـ: ((ابن أخي المفيد المبارك بن كامل)) (١). وقوله في ترجمة الفقيه
أبي المنصور فتح بن محمد بن علي الدمياطي المتوفى سنة ٦٠٦هـ: ((والد
الزين الكاتب المشهور))(٢)، وغيرها(٣). أو قد يُعَرِّفه بكتابٍ له مشهور جداً
نحو قوله في ترجمة العلامة مجد الدين أبي السعادات ابن الأثير المتوفى سنة
٦٠٦ هـ: (الكاتب البليغ مصنف جامع الأصول ومصنف غريب الحديث)) (٤) ،
وقوله في ترجمة محمد بن سعد بن محمد الديباجي المروزي المتوفى سنة
٦٠٩ هـ: ((مصنف كتاب المحصل في شرح المفصل للزمخشري)) (٥)،
ونحوها(٦) . أو قد يعرفه بكتاب مشهور يرويه، نحو قوله في وفيات سنة
٤٤١ هـ: ((محمد بن أحمد بن عيسى بن عبدالله القاضي ... البغدادي الفقيه
الشافعي راوي معجم الصحابة للبغوي عن ابن بطة العكبري)) (٧) ، وقوله في
وفيات سنة ٣٨٨هـ: ((أبو يعقوب الصيدلاني راوي كتاب الضعفاء لأبي جعفر
العقيلي عنه))(٨)، وقوله في وفيات سنة ٣٦٨هـ: ((محمد بن عيسى بن
عمروية، أبو أحمد النيسابوري الجلودي راوي صحيح مسلم))(٩) ، ونحو
ذلك (١٠)
إن هذه العناية الكبيرة بذكر انتسابات المترجم تكون في حقيقتها مادة غنية
وجزءاً مهماً من الترجمة حيث يستطيع مؤلف التراجم أن يقدم معلومات عن
نسب المترجم وأصله ومكان مولده ونشأته ووفاته ومذهبه واشتهاره بعلم من
العلوم أو فن من الفنون أو أدب أو حرفة أو صنعة بعبارة وجيزة ومن غير حاجة
(١) م ١٨، الورقة ٤ من النسخة السابقة.
(٢) م ١٨، الورقة ٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) انظر مثلاً: الورقة ٧٧، ٨١، ٩٣، ٩٥، ١٠٠، ١٠٥، ١٢٢، ١٤٣، ١٥٧، ١٦٨ (من
النسخة السابقة).
(٤) م ١٨ ، الورقة ٤٢ .
(٥) م ١٨، الورقة ٧٢ .
(٦) انظر مثلاً: الورقة ١٤٢، ١٥٨، ١٨٦، ١٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦٨، ١١٩،
١٢٠، ١٥١، ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٧) الورقة ٣٩٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٨) الورقة ٢٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٩) الورقة ٨٩ من النسخة السابقة.
(١٠) انظر مثلاً: الورقة ١١٩، ١٣٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
١٣٦

إلى استحداث جمل لأجل هذه الغاية، بل كان ذكر الاسم وإلحاق هذه
الانتسابات به يجعل كل هذه المسائل على غاية من الوضوح. ومن أجل أن
يضبط الذهبي ما قد يحدث من تَوَهُّم في بعض الألفاظ التي قد تؤدي إلى أكثر
من معنى نراه يشير إلى المراد بذلكَ اللفظ بصورة مختصرة جداً نحو قوله:
((العلويُّ الحسينيُّ الزيديُّ النسب))(١). لئلا يتوهم القارئُّ أنَّ هذا الرجل قد
يكون زيدي المذهب، وقوله مثلاً: ((حنش بن عبدالله ... السَّبَئِي الصنعاني،
صنعاء دمشق لا صنعاء اليمن))(٢).
وفي هذا القسم، أعني القسم الأول من الترجمة، ينص الذهبي فيما إذا
كان المترجم ضريراً فيذكر ذلك إذا وقع له(٣) . ولعل تأكيد العلماء على مثل
هذا الأمر متأتٍ من النتائج العلمية المترتبة عليه، فالضرير مثلاً لا يستطيع
القراءة أو كتابة الإجازة، بل تُكتبُ عنه (٤) . كما أن أصوله يجب أن يضبطها له
أصحابه، قال الذهبيُّ في ترجمة علي بن محمد أبي الحسن القابسي المتوفى
سنة ٤٠٣ هـ: ((وكان حافظاً للحديث وعلله ورجاله فقيهاً أصولياً متكلماً مصنفاً
صالحاً متقناً. وكان أعمى لا يرى شيئاً وهو مع ذلك من أصَحِّ الناس كتباً
وأجودهم تقييداً يضبطُ كُتُبِه ثِقاتُ أصحابِهِ، والذي ضبط له صحيح البخاري
رفيقه أبو محمد الأصيلي )»(٥) .
كما أنه عني بذكر كون المترجم من ((المعدّلين)) فيذكر ذلك بلفظ
((المعدل)) (٦) . ولعل مؤلفي كتب التراجم أعاروا أهمية لمثل هذا الأمر لما له
(١) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢)
تاريخ الإسلام ١٠٨٦/٢ .
(٣) انظر على سبيل المثال لا الحصر: الورقة ٢١، ٣١، ٤٤، ١٠٣، ١٠٥، ١٠٩، ١٤٣،
١٥٤، ١٧٧، ١٨٢ ... إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٣.
(٥) الورقة ٣٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) انظر مثلاً الورقة ٩١، ٩٥، ٩٩، ١٠٠، ١١٨، ١١٩، ١٢٧، ١٣١، ١٣٤، ١٦٨،
١٧٥، ١٨٠، ١٨٩، ١٩٢، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠٣، ٢٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٧،
٩، ١٠، ١٧، ٢١، ٢٨، ٤٣، ٥٠، ٥٨، ٦٤، ٧٤، ٩٠، ٩٢، ٩٣، ٩٥، ٩٧ ... إلخ
(أيا صوفيا ٣٣١١)، وغيرها كثير.
١٣٧

من أثرٍ في توثيق المترجم وقبوله في المناصب الدينية وخاصة القضاء. وكان
التعديل يجري عادة بشهادة الشخص عند القاضي وغالباً ما يكون عند قاضي
القضاة ويقبل القاضي شهادته بعد أن يزكيه شخصان من العدول وتكتب بذلك
وثيقة تُودَعُ بديوان الحكم (١) . على أن الذهبيَّ لم يهتم بذكر تاريخ تعديل
الشهود، وفيما إذا كان المترجم قد عزل عن الشهادة، ولا يذكر القاضي، أو
قاضي القضاة الذي جرى التعديل عنده وكأنه تابع في ذلك زكي الدين المنذري
في ((التكملة))(٢) ، بينما كان ابن الدبيثي وابن النجار وابن الساعي شديدي
الاهتمام بذكر هذه الأمور(٣).
٢- المولد :
أما القسم الثاني من الترجمة فهو ذكر تاريخ مولد المترجم وهو غالباً ما
يأتي بعد اسمه ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته. وقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات
جهد طاقته فذكرها دائماً حينما توفرت له لما لذلك من أهمية كبيرة في
الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازته عنهم. وكان
المحدثون يعنون بتتبع المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو
الأخذ عنه فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا التاريخ أو في سن لا تحتمل السماع
حكموا بكذبه في هذه الرواية، فقد كان للشيخ أبي محمد عبداللطيف بن
عبدالقاهر السهروردي المتوفى سنة ٦١٠ هـ(٤) أخ أكبر منه اسمه عبدالرحيم له
مسموعاته عن القاضي أبي بكر محمد بن عبدالباقي الأنصاري المتوفى في
رجب سنة ٥٣٥هـ(٥) فحدث به عبداللطيف هذا بإربل مع أن مولده في رجب
(١) السمناني: روضة القضاة، الورقة ١٧ (نسخة مكتبة البلدية في ميونيخ رقم ٢٦٠ عربي).
(٢) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٤ .
(٣) راجع مقدمتنا لتاريخ ابن الدبيثي، ٣٥/١، وكتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيئي، منهجه،
موارده، أهمیته، ص ٥ (بغداد ١٩٧٤).
(٤) انظر: ابن نقطة: التقييد، ص ٣٨١ - ٣٨٢، وإكمال الإكمال ٢٤٣/١، ابن الدبيثي:
تاريخ، الورقة ١٦٢ (باريس ٥٩٢٢)، المنذري: التكملة، ٢/ الترجمة ١٢٩٥، الذهبي:
تاريخ الإسلام، الورقة ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والمختصر المحتاج إليه ٦٤/٣، ابن
الملقن: العقد المذهب، الورقة ١٤٩ .
(٥) ويعرف بقاضي المارستان، انظر: ابن الجوزي: المنتظم ٩٢/١٠-٩٤، ابن الأثير : =
١٣٨