النص المفهرس

صفحات 101-120

السنة(١) ، بل قد يبلغ التغاير حتى في محتويات الترجمة نفسها بالرغم من
وجودٍ إشارةٍ إلى الترجمة السابقة، كما في ترجمة ابن الطبري القاضي الحنفي
حيث ذكره أولاً في وفيات سنة ٣٧٣هـ ناقلاً عن الحاكم النيسابوري المتوفى
سنة ٤٠٥ هـ وقد ذكر الحاكم أنه كان ببخارى حينما كان ابن الطبري يملي
بها(٢)، ثم أعاده ثانية في وفيات سنة ٣٧٧ هـ ناقلاً عن أبي سعد عبدالرحمن
ابن محمد الإدريسي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ أيضاً والذي ذكر أن ابنَ الطبريِّ كان
يتولى قضاء القضاة بخراسان(٣) ولم يكن الحاكم قد ذكر له مثل هذه الوظيفة
الخطيرة .
وفي مثل هذه التراجم يصعبُ ترجيحُ إحدى الروايتين، فإنه اعتمد
مؤرخين عظيمين أكثرَ النقلَ عنهما، ومن ثم فهما متعاصران عُرِفَا بالدقة
والضبط وكلاهما أَلَّفَ عن المشرقِ وأَرّخ لرجاله الأُول في كتابه العظيم ((تاريخ
نيسابور)) الذي اختصره الذهبي(٤)، والثاني في ((تاريخ سمرقند))(٥) و((تاريخ
إستراباذ))(٦).
إِنَّ مثل هذا الاعتماد على بعض ثقاتِ المؤرخين جعله في بعض الأحيان
يذهل فيترجمُ الشخصَ مرتين من غير أنْ يشعر كما فعل في ترجمة الفقيه أبي
عبدالله محمد بن إسماعيل بن علي اليمني الشافعي المعروف بابن أبي الصيف
حيث ترجم له أولاً في وفيات سنة ٦٠٩هـ(٧) ثم أعاد ترجمته من غير أن يشعر
في وفيات سنة ٦١٩هـ(٨) متابعاً في ذلك زكي الدين المنذري الذي كان قد
ترجمه مرتين من غير أن يشعر أيضاً (٩).
في وريقة طيارة وضعت بين الورقتين ٢٠٧-٢٠٨ من النسخة السابقة.
(١)
(٢) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
انظر كلامنا على ((المختصرات)» من آثار الذهبي في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٥، وراجع
(٤)
الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). السخاوي: الإعلان، ص ٦٣٣.
(٥)
الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥٠-٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) والسخاوي: الإعلان، ص٦١٥.
(٦)
(٧)
الورقة ٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨)
الورقة ١٩٨ من النسخة السابقة.
(٩) ترجم له المنذري أولاً في وفيات سنة ٦٠٩هـ من التكملة (٢/ الترجمة ١٢٧٥) ثم أعاده
في وفيات سنة ٦١٩ هـ منها (٣/ الترجمة ١٩٠٧) وتابع ابن الملقن شمس الدين الذهبي =
٩٩

ونتيجة لكل هذا فقد كان من الطبيعي أن يظل الذهبي يبحث ويدقق في
تواريخ الوفيات في أثناء تأليف الكتاب وبعد الانتهاء منه، فإذا ما وجد وَهَماً
في ذكر تاريخ وفاة أو تقديراً لم يُقارب الحقيقةَ أو وقف على موردٍ أثبت وأكثر
دقة، اعتنى بهذا الأمر ونَّه عليه وترجمَ له في موضعه الصحيح بوريقة طيارة أو
على هامش النسخة وأشار في الموضع الأول إلى مثل هذا الأمر وطلب من
الناسخ تحويلَ مثل هذه التراجم إلى مواضعها الصحيحة بكلمة ((يُحَوّل)) نحو
قوله في وفيات سنة ٣٩٦هـ: ((أحمد بن عبيد بن بيري الواسطي. ترجمته في
بضع وأربع مئة. قال لنا الخلال: أخبرنا السلفي، قال: سألت خميساً الحوزي
عن ابن بيري، فقال: هو أبو بكر أحمد بن عبيد ... قال خميس: قال لي أبو
المعالي ... ولدت في السنة التي مات فيها أبو بكر ابن بيري سنة ست
وتسعين)) (١). وكان الذهبيُّ مثلاً قد ذكر في وفيات سنة ٤٤٢ هـ عبدالرحمن
ابن محمد بن أحمد الذكواني الأصبهاني المعدل وقال: ((وحدث في هذا العام
ولا أعلم متى توفي)» ثم وجد وفاته وأنها كانت سنة ٤٤٣هـ، نقلاً من كتاب
((الوفيات)) ليحيى بن مندة المتوفى سنة ٤٧٠هـ، فذكر هذه المعلومات في آخر
الترجمة بقَطة قلم تختلفُ عن الأصلِ ثم كتبَ فوق الترجمة بالقطة نفسها
((يُؤَخَّرُ إلى سنة ثلاث))(٢)، وفي موضعه من سنة ثلاث ذكر اسمه واسم أبيه
فقط وقال: ((يكتب من السنة الماضية، قال يحيى بن مندة: مات في ربيع
الآخر))(٣). ومثل هذا تعليقه على ترجمة بشر بن محمد بن ياسين الباهلي
المذكور في وفيات سنة ٣٧٣هـ بقوله: ((يؤخر إلى سنة ثمان))(٤) . والشواهد
في كتاب الذهبي كثيرة على مثل هذا الاستدراك والتصحيح وطلب
في غلطه فترجم له في وفيات سنة ٦١٩هـ (العقد المذهب، الورقة ١٧٢) مع أن
=
الصحيح في وفاته سنة ٦٠٩هـ. وانظر: الفاسي: العقد الثمين ٤١٥/١ - ٤١٦ والعيني:
عقد الجمان ج ١٧ الورقة ٢٤٠ (مصورة دار الكتب ١٥٨٤ تاريخ) وابن الأثير: الكامل ج
١٢ ص١٢٤ وغيرهم.
(١) وضع الذهبي هذه الترجمة بوريقة طيارة عند الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ٤٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٣) الورقة ٤٠٨ من النسخة السابقة وانظر عن ابن مندة وكتابه بحثنا: كتب الوفيات،
ص ٢٤٧ .
(٤) الورقة ١٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
١٠٠

التحويل(١).
إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بتنظيم التراجم حسب حروف المعجم وعمل الإحالات
الكثيرة للأسماء، والكُنى والألقاب والأنساب المشهورة، وللوفيات المُخْتَلَفِ
فيها ضمن السنةِ الواحدة وفي السنوات المختلف فيها، يسهِّلُ على القارئ كثيراً
من العناء في البحث ويُجَنِّبِّه الوقوعَ في متاهات التوهم والزلل، ويرفع عنه
كثيراً من الإرباك الذي يسببه الاختلافُ في الأسماء والكنى والألقاب والوفيات
ونحوها .
وكان جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي البغدادي ((ت٥٩٧هـ)) أول من
فصَل الحوادث عن الوفيات فصلاً كاملاً في كتابه ((المنتظم)) ورتب التراجم
ضمن السنة الواحدة على حروف المعجم، وذكر المشهورين بكناهم في آخر
وفيات السنة(٢) ، فلعلَّ الذهبيَّ أخذَ هذه الطريقة عنه. على أن الذهبيَّ كان
دقيقاً في تنظيمه المعجمي سواء أكان ذلك في أسماء المترجمين أم أسماء
(١) انظر مثلاً الورقة ٦٤، ٨٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٨٧، ٩٧، ١٩٧، (أيا صوفيا ٣٠٠٨)
والورقة ٢٤١، ٤١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)) ومن الجدير بالذكر أن النساخ في الأغلب الأعَمِّ
أبقوا هذه التراجم في أماكنها مع نقلهم أقوال المؤلف بطلب التحويل وعلى ذلك فقد
أصبح من الواجب أن يعيد المحقق النظر في الكتاب ويلبي رغبات المؤلف، قارن مثلاً:
أحمد الثالث ٢٩١٧ /١٠
أيا صوفيا ٣٠٠٨
الورقة ٢٣٤
والورقة ٢٤٠
بالورقة ٢١٩
بالورقة ٢٢٥
أما صاحب النسخة الحلبية رقم ١٢٢٠ المختصة بالحوادث فقد لبى طلبات المؤلف
فحول كثيراً من الأخبار إلى مواضعها الأصلية نحو قوله في حوادث سنة ٣٣٢هـ: ((هذه
تتمةُ أخبار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي ذكرها
المصنف في غير موضعها وأمر أن تُلحقَ هنا فألحقتها حسب مرسومه)) (الورقة ٥٥) ولكنه
كان منزعجاً من طريقة المؤلف هذه، فقال في آخر ما نقله: ((انتهى ما ألحقه المؤلف
بخطه من أخبار أبي طاهر القرمطي في غير موضعه فألحقته هنا، ولا قوة إلا بالله؛ ففي
كتابة مثل هذا مضض ونسأل الله العفو والسلامة)) (الورقة ٥٨). قال بشار: ولكن كثرة
الإحالات وطلبات المؤلف في التراجم وصعوبة معرفة ما سيأتي تجعل ذلك في غاية
الصعوبة لاسيما على النساخ من غير العلماء المتخصصين.
(٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلاً ج ٧ ص ٢٣، ١٠٣، ٢٣٦، ٢٤٨، ج٩ ص٥، ٤٣، ١٣٣،
ج ١٠ ص ١٤، ٢١٩.
١٠١

آبائهم، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا في تقديمه مَن اسمُه أحمد في حرف
الألف(١)، في حين لم يلتزم ابن الجوزيِّ بهذا الترتيب التزاماً كاملاً، فإذا
أرجعنا تقديمَ ابن الجوزيِّ لمن اسمه عمر على من اسمه عثمان، وذكره لمن
اسمه علي بعد مَن اسمه عثمان مباشرة إلى احترامِه للخلفاءِ الراشدين(٢) ، فإننا
لا نستطيعُ تفسيرَ تقديم مَن اسمُه عليّ على مَن اسمُه العباس(٣)، وذكر من
اسمه عبيدالله بعد من اسمه عبدالله ثم ذكر العبادلة الآخرين (٤) - مثلاً - إلا بعدم
التزامه الكامل بالترتيبِ المعجمي. ومع أن ابنَ الجوزيِّ قد ألزم نفسه بترتيب
الآباء في الأسماء المتشابهة على حروف المعجم كما يبدو فإنه لم يضبط
ذلك(٥) ، علماً أنه أهملَ ترتيبَ الأسماء بعد الآباء إهمالاً تاماً. ولعل عدم
عناية ابن الجوزي بضبط الترتيب يعودُ إلى قلة عدد المترجَمين في السنة
الواحدة حيث لا يزيدُ معدل ما يذكر في السنة الواحدة عن عشر تراجم في حين
يبلغ معدل ما يذكره الذهبي قرابة الستين ترجمة .
ولعلَّ من المشاكلِ الرئيسة التي جابهت مؤلفي كتب التراجم في التنظيم
الداخلي لكتبهم، ومنهم الذهبي، هو التشابهُ بين أسماء المترجمين لا سيما إذا
كانوا متعاصرين، ولذلك سعى الذهبي دائماً إلى التنبيه على مثل هذا التشابه
خوف الخلط بينهم نحو قوله في آخر ترجمة علي بن زياد التونسي من أهل
(١) اعتاد كثير من مؤلفي كتب التراجم المرتبة على حروف المعجم ملاحظة بعض الاعتبارات
في الترتيب، منها مثلاً تقديم من اسمه محمد على جميع الكتاب، أو حرف الميم منه
تيمناً وتبركاً واحتراماً للنبي وَ ﴿ وتقديم عمر على عثمان وذكر علي بعد عثمان مباشرة في
حرف العين احتراماً وتقديراً للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وهي من العادات
المعروفة عندهم منذ القديم حيث قدم البخاري ((المحمدين)) في كتابه ((التاريخ الكبير)).
وممن اتبع هذه الطريقة ابن الدبيثي في تاريخه والصفدي في الوافي (انظر بحثنا: أصالة
الفكر التاريخي ص٢٩ ومقدمتنا لتاريخ بغداد لابن الدبيئي ص٣٤). ولا نعتقد أن تقديم
الذهبي ((الأحمدين)) من هذا النمط، فهي عادة متبعة عند معظم واضعي التراجم على
حروف المعجم.
(٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلاً ج٧ص ٤٠، ٤٤-٤٥، ١٣٠، ٢١١ ... إلخ.
(٣) المصدر السابق، مثلاً ج٧ ص٧٢ -٧٣ .
(٤) المصدر السابق، مثلا ج ٧ ص ١٢٨، ١٣٩، ١٤٣، ١٥٤، ١٩٣، ٢٠٧، ٢٤١ .. إلخ.
(٥) أمثلة ذلك كثيرة؛ فانظر عن مثل هذه الاختلافات في المنتظم، مثلاً: ج٧ص ١٥٠، ج٨
ص٤٦، ج٩ ص ٥٤، ٥٥، ٦٠، ٧٨، ١٠١ -١٠٢، ١١٨، ١١٩، ١٢٩، ١٧٩، ١٨٢
وغيرها.
١٠٢

الطبقة التاسعة عشرة: ((وسنذكر في الطبقة الآتية إن شاء الله علي بن زياد
الإسكندري)) (١)، وقوله في وفيات سنة ٣٧٤هـ ((محمد بن أحمد بن بالوية،
أبو علي النيسابوري العدل. سمع عبدالله بن شيروية بنيسابور، وأبا القاسم
البغوي وطبقته ببغداد. أما محمد بن أحمد بن بالوية النيسابوري الذي يروي
عنه الكديمي فقديمٌ توفي سنة أربعين وثلاث مئة))(٢) ، وقوله في وفيات سنة
٤٢٠ هـ: ((علي بن محمد بن علي بن حميد، أبو الحسن. وقيل: أبو محمد
الإسفراييني المقرئ المجود. أكثر عنه البيهقي ... ومثله في الاسم والبلد
علي بن محمد بن علي أبو الحسن ابن السقاء الإسفراييني من شيوخ البيهقي
أيضاً، يروي عن ... وقد روى البيهقي عنهما معاً حديثاً، قالا: حدثنا الحسن
بن محمد. ولكن ابن السقاء أقدم سماعاً ووفاة، روى .. توفي المقرئ في ذي
الحجة سنة عشرين، وتوفي ابن السقاء سنة أربع عشرة))(٣). ونحو ذلك كثير
في كتابه (٤) .
وقد يضطره اتفاقُ بعض المترجَمين في الأسماء ونحوها إلى أنْ يترجم
للشخص المتفق بعد المترجم الذي خاف أنْ يشتبه به مباشرةً، مع أنَّ ذلك ليس
موضعه كما في ترجمة عدي بن زيد العاملي الشاعر المعروف بابن الرقاع(٥) ؛
حيث أورد بعده ترجمة عدي بن زيد ابن الحمار، وقال: ((ذكرتُه هنا تمييزاً له
من ابن الرقاع العاملي)) (٦) .
ومثل هذا الذي ذكرناه قد أدى دائماً إلى وقوع العلماء في الخلط بين
اسمين واعتبارهما شخصاً واحداً، أو جعل الشخص الواحد اثنين، فكان لابد
للذهبي من العناية بهذا الأمر وهو يترجمُ لآلافِ الناس، وينقل عن مئات
المصادر المتنوعة التي لابد أنْ تختلفَ في بعض الأسماء أو نحوها. وما كان
(١) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وقد ذكر الذهبي سميه في الورقة ٢٤٣ من النسخة نفسها.
(٢) الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وانظر ترجمة ابن السقاء في الورقة ١٥٣ من النسخة
نفسها .
(٤) انظر مثلاً الورقة ١٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٢٠٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة
١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) ٩٩/٣.
(٦) ٩٩/٣. وانظر أيضاً الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
١٠٣

هذا بالأمر الميسور، فهو يحتاجُ إلى معرفةٍ تامةٍ بالتراجم وصلات بعضهم
ببعض وقوة ملاحظة وحفظ. وقد حاول الذهبيُّ جاهداً ألا يقع في مثل هذا
الغلط فاتبع طريقة التنبيه هذه وبَيَّنَ أوهامَ بعض الموارد التي ينقلُ عنها،
يساعده في ذلك سَعَةُ اطلاعِه ومعرفته التامة ودقته وتمحيصه للموارد، ولعل
المثال الآتي، وهو واحد من أمثلةٍ عديدة في كتابه، يُوضِّحُ مدى عناية الذهبي
بهذا الأمر قال في وفيات سنة ٣٠١هـ: ((محمد بن حبان بن الأزهر العبدي،
أبو بكر القطان البصري. حَدَّثَ ببغداد عن أبي عاصم النبيل وعمرو بن
مرزوق، وعنه أبو طاهر الذهلي وابن عدي وأبو بكر الجعابي والإسماعيلي
وعمر بن محمد ابن سبنك(١) . ضَعَّفَهُ الحافظ محمد بن علي الصوري وكان قد
نزل ببغداد، قال ابن سبنك: أول ما كتبت سنة ثلاث مئة عن ابن حبان ومات
سنة إحدى. قلت: ومن طبقته:
محمد بن حُبان - بالضم أيضاً - بن بكر بن عمرو الباهلي البصري، نزل
بغداد في المخرِّم، وحَدَّثَ عن أمية بن بسطام وكامل بن طلحة ومحمد بن
منهال روى عنه الطبراني وأبو علي النيسابوري. وهو الأول(٢) بناء على أنَّ
((الأزهر)) لقب ((بكر)) أو هو جد أعلى أو وقع وهم في نسبه. وقد وهم
عبدالغني المصري الحافظ وقيده بالفتح(٣) وقال: حدثنا عنه الذهلي، قال:
وبضم الحاء محمد بن حُبان حدث عنه أبو قتيبة سلم بن الفضل. قال
الصوري: وهما واحد وهو بالضم. قلت(٤) : ليس عند الطبراني عنه سوى
حديث واحد عن كامل بن طلحة أورده عنه في معجميه الأصغر والأوسط،
وهو ضعيفٌ، وقال ابن مندة الحافظ: ليس بذاك. وأما ابن ماكولا فقال:
محمد بن حَبان ابن الأزهر الباهلي - بالفتح - عن أبي عاصم وعنه أحمد بن
(١) قيده الذهبي في المشتبه فراجعه هناك (ص٣٥٢).
(٢) يبدو أن الذهبي استدرك على نفسه فيما بعد واعتبرهما واحداً. ولما كان هذا القسم من
((تاريخ الإسلام)) لم يصل إلينا بخط المؤلف فمن الصعب أن نجزم بذلك وإن كنا نرجحه
لقوله أولاً ((قلت: ومن طبقته ... إلخ)).
(٣) انظر تفاصيل أوسع في توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ١٦٤/٢ - ١٦٨ .
(٤) الكلام للذهبي.
١٠٤

عبيدالله النهرديري(١) ومحمد بن حبان، أبو بكر، عن أبي عاصم ذكره عبدالغني
وهو متقنٌ لا يَخْفَى عليه أمرُ شيخ شيخِه، وكان القاضي أبو طاهر الذهلي من
المتثبتين لا يخفى عليه أمرُ شيوخَه. وقال الصوري: إنما هو واحد. قال ابن
ماكولا: ولم يأت بشيء فإنهما اثنان، والنسبة تفرق بينهما والله أعلم، وجَدُّ
أحدهما الأزهر وجَدُّ الآخر بكر (٢) ، قال: فإن كان شيخنا الصوري قد أتقنه
بالضم فقد غلط في تصوره أنهما واحد وهما اثنان كل منهما: محمد بن حبان،
وإنْ لم يكن أتقنه (٣) فالأول بالفتح وهذا بالضم. قلت (٤) : لم يقل الصوري
هما واحد إلا باعتبار الاثنين المسمين. أما باعتبار الرجل الآخر الذي ذكره
الدارقطني فيكونون ثلاثة؛ فإن الدارقطني قال: محمد بن حبان بن بكر بن
عمرو البصري نزل بغداد في المخرِّم وحدث عن أمية بن بسطام ومحمد بن
منهال وغيرهما))(٥) .
خامساً: عرض المواليد:
كان تاريخ ولادة المترجَم يكوِّن عنصراً بارزاً من عناصر الترجمة، وقد
اعتنى به مؤلفو كتب التراجم منذ مدة مبكرة، وأخذنا نجد اهتماماً بالمواليد
(١) منسوب إلى (نهر دير) كانت قرية كبيرة عند البصرة كما ذكر السمعاني في ((النهر ديري))
من الأنساب وتابعه ابن الأثير في اللباب.
(٢) قال بشار: قد تقدم قول الذهبي رداً على ذلك بأن الأزهر هو لقب بكر أو هو جد أعلى
وأنه وقع وهم في نسبه .
يعني أتقن تقييد الحاء من حبان بالضم أو بالفتح.
(٣)
(٤)
القول للذهبي.
(٥) ٤١/٧ - ٤٢ (من طبعتنا). وانظر مناقشة ابن ماكولا في ((الإكمال)) ج٢ ص ٣٠٥ فما بعد.
وراجعٍ تعليقنا على كتاب الذهبي ((أهل المئة فصاعداً)) ص١٢٣ هامش ١٦١ تجد فيه
تفصيلاً يغني. ومثل هذا المثال الذي ذكرناه كثير الوجود في ((تاريخ الإسلام)) للذهبي،
فراجع مثلاً: ١٢٠٥/٢. حيث تجد قوله في الكنى من الطبقة العاشرة: ((أبو عبدالله الأغر
المدني مولى جهينة اسمه سلمان روى عن أبي هريرة و ... وأما أبو مسلم الأغر
(الكوفي) عن أبي هريرة فرجلٌ آخر، وقد جعلهما واحداً الحافظ عبدالغني المصري وقبله
ابن خزيمة فوهما ... )) ولا شك أنَّ هذا الارتباك هو أحد الأسباب الرئيسة التي دعت
العلماء المسلمين إلى العناية التامة بالمتفق والمشتبه من الأسماء والأنساب والكنى
والألقاب فألفوا فيها الكتب الكثيرة المعروفة المشهورة.
١٠٥

كلما تقدم الزمن، فهو في الكتب المتأخرة أكثر منه في الكتب الأولى، فإن من
الطبيعي أن يهتم الذهبي اهتماماً بالغاً في تدوين تاريخ ولادة المترجم أو عمره
التقريبي في تراجم كتابه(١) .
وفي سنة ٣٠٢هـ وجدنا أول ذكر للمواليد في نهاية وفيات السنة، لكنه
انقطع بعد ذلك إلا في حالات نادرة، ولعله بدأ بالعناية بذلك حين وصل إلى
أواخر المئة السادسة، فقد ذكر مواليد سنة ٥٧٢ هـ(٢)، واستمر على ذلك
بصورة منتظمة(٣) إلى نهاية الكتاب. وكان الذهبي يؤكد في العناوين التي
يضعها لقوائم الولادات هذه أنها للمشهورين حسب؛ فيقول مثلاً: ((وفيها ولد
من الكبار))(٤) أو ((وفيها ولد من المشاهير))(٥) ، ولذلك فإنه لم يستوعب
المواليد استيعابه للوفيات.
ولكن لماذا عُني الذهبي بذكر المواليد في الربع الأخير من القرن السادس
ولم يورد قوائم مماثلة قبل هذا التاريخ؟ فإذا كان الجواب على ذلك وقوفه على
مواليد الكبار في هذه الفترة، أو حصوله على مادة في هذا الموضوع فإن ذلك
مردودٌ بثبوتٍ عددٍ كبير من المواليد قبل هذا التاريخ، وقد ذكرها هو في أثناء
التراجم، وكان يستطيع أن يجمع مواليد المشهورين فيذكرها في آخر كل سنة.
ويبقى لدينا بعد ذلك احتمالان :
(١) انظر أدناه كلامنا على ((عناصر الترجمة)).
(٢) وجدنا مواليد هذه السنة قد كتبت في أثناء تراجم سنة ٥٧٣هـ من نسخة أحمد الثالث رقم
١٤/٢٩١٧ وبعد ترجمة أحمد بن حامد ابن الفرات، فقال: ((وفيها ولد الشيخ الفقيه
بيونين في رجب والصفي إسماعيل بن إبراهيم ابن الدرجي بدمشق والكمال علي بن
شجاع الضرير بمصر في شعبان والشيخ أوحد الدين عمر الدويني)). (الورقة ٤٧ من
النسخة) والظاهر أن الذهبي كان قد كتبها في إحدى الجزازات وظنها الناسخ الجاهل في
هذا الموضع، وإلا فإن الذي حفظناه من ولادة هؤلاء الأعلام هو سنة ٥٧٢هـ وكما ذكر
الذهبي نفسه (انظر العبر ج٥ص٢٤٨، ٢٦٦، ٢٧٧).
(٣) باستثناء بعض السنوات الأولى التي لم ترد فيها قوائم ولادات وهي سنة ٥٧٣ وسنة ٥٧٤
وسنة ٥٧٩ وسنة ٥٨١ .
(٤) الورقة ٥٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
١٠٦

الأول: إنه عُني بذكر مواليد الكبار من شيوخه وشيوخ شيوخه، ويؤكد هذا
الاحتمال أن جميع المذكورة مواليدهم من هذه الفئة، وقد تَبَيَّنَ لنا ذلك
بمقارنتهم بمعجم شيوخه وبشيوخ المذکورین في معجم شيوخه.
الثاني: وهو الأرجح عندنا أنه فَكَّرَ بمثل هذا العمل بأخَرَة، وهو في الأقل
قد عُني بذكر المواليد عند بداية تأليفه للمجلد الثامن عشر المحتوي على
تراجم المدة الواقعة بين سنتي ٦٠١- ٦٢٠هـ، أي منذ مطلع القرن السابع
الهجري، فالولادات هنا مذكورة في أصل النسخة وليس على حواشيها ولا في
طيارات لنقول عندئذ إنه ألحقها فيما بعد.
أما قوائم الولادات المذكورة قبل ذلك فهي إما أنْ تكونَ من أصلِ النسخة
أو يكون الذهبي قد ألحقها فيما بعد. والذي يُعَزِّزُ كونَها مُلْحقةً غلطُ الناسخ في
ولادات سنة ٥٧٢هـ وإقحامها في أثناء تراجم سنة ٥٧٣هـ مما يدل على أنها
كتبت في طيارة أو على حاشية النسخة ولكننا في الوقت نفسه لم نقف على
ولاداتٍ لسنتي ٥٧٣هـ و ٥٧٤هـ فهل ابتدأ الذهبي بذكر المواليد بصفة منتظمة
اعتباراً من سنة ٥٧٥هـ؟ وأن قوائم الولادات قد ابتدأت تظهر في نسخة الذهبي
الأصلية اعتباراً من هذا التاريخ؟ هذا هو الذي أعتقده.
وكان عدد ما يورده الذهبيُّ من المواليد في النصف الأول من القرن السابع
يتراوح بين ١٠-١٨ اسماً (١) ، وهي أقل من ذلك بقليلٍ في الربع الثالث
منه (٢) ، لكنها تناقصت تناقصاً كبيراً في العقد الأخير منه حيث تراوح عددها
بين ٢-٥ فقط (٣) وهو أمر طبيعي، فيما نعتقد، لأنَّ مَنْ ولد في هذا العقد كان
ما يزال صغيراً لم يتعين بعد، ولم يعرف الذهبي من هو الذي سوف يتميز
منهم، ولذلك جاءت هذه المواليدُ لبعضٍ أبناءِ معارفه، ولبعضٍ من تلامذتِه
النُّجُب .
(١) انظر مثلاً الورقة ١٠، ٢٨، ٣٨، ٤٨، ٥٥، ٦٢-٦٣، ٦٩، ٧٤، ٩١، ١٠٣، ١١٧،
١٣٢، ١٤٣، ١٥٨، ١٧١، ١٨٢، ١٩٤، ٢٠٥، ٢١٥، ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) انظر مثلاً الورقة ٧، ١٦، ٢١، ٢٥، ٣٣، ٤٧، ٥٩، ٦٥، ٦٩، ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلاً الورقة ٢١٧، ٢٢٣، ٢٣٢، ٢٤١، ٢٥٥، ٢٦٣، ٢٧٢، ٢٨٢، ٣١٠، ٣١٩
من النسخة السابقة .
١٠٧

وعلى الرغم من أنَّ كثيراً من المؤرخين قد عُنوا بذكر مواليد المترجَمين
لكن أحداً منهم لم يفكر أن يذكر ذلك بصورة منفردة. وإذا استثنينا كتاب
((تاريخ موالد العلماء ووفياتهم)) لابن زَبْر الرَّبَعِي الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩هـ
الذي ذكر فيه مواليدَ بعض الرواة بصورة غير منتظمة ومرتبكة (١) ، فإنَّ الذهبيَّ
يُعَدُّ أولَ مَنْ نظم المواليد في كل سنة على حدة، فوصل بِفَنِّ التراجمِ إلى
المستوى الراقي الذي لم يصل إليه أحد من قبل .
سادساً: أسلوب العرض الأدبي:
قد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حصل طرفاً صالحاً من
العربية في نَحْوِهَا وصَرْفها وآدابها، كما أنه عُني عنايةً كبيرة في مطلع حياته
بالقراءات التي تقومُ في أساسها على عِلْم تام بالعربية، وقد تعاطى الشعرَ فنظمه
وأورد من شعرٍ غيرِه جملةً كبيرة في كتابه ((تاريخ الإسلام)»، ولذلك أصبحت
لغته قويةً جداً يصعبُ أنْ نجدَ في كتابه لحناً أو غلطاً لغوياً أو استعمالاً عامياً،
فإذا كان النادر من ذلك فإنه من سهو القلم والذهول.
وقد نجد في بعض كتاباته ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشيء؛ فأهلُ
«العربية مستطيعون دائماً إيجادَ أوهام حتى لخواص العلماء(٢) . فمن ذلك مثلاً
قوله ((توفي في ثالث عشرين صفرً))، أو ((مولده في خامس عشرين محرم))
ونحوهما هكذا بإثبات النون. وهذا لم يرض به بعضُ أهلِ العربية ومنهم
أستاذنا الدكتور مصطفى جواد يرحمه الله، حيت ارتأى أنْ تُحَذَفَ النونُ، وقد
غيرها في جميع كتبه التي نشرها فصارت عندئذ ((ثالث عشري)) و((خامس
عشري)) ونحو ذلك(٣)، مع أننا نجد هذا الاستعمالَ في كتابات كَثْرةٍ من
(١) نسختي المصورة عن نسخة دار التحف البريطانية الفريدة وهي في ٨٢ ورقة ومن ضمنها
بعض الذيول الأخرى. وقد نشره الدكتور عبدالله بن أحمد بن سليمان الحمد بالرياض في
مجلدین سنة ١٤١٠ هـ.
(٢) انظر كتاب أبي القاسم الحريري: درة الغواص في أوهام الخواص.
(٣) انظر مثلاً تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني ص ٧٥-٧٧، والذهبي: المختصر المحتاج
إليه، ج٢ ص ٢٥٢، ٢٩٢، ٣٠٢، وابن الساعي: الجامع المختصر ج٩ ص ١، ٤٦،
١١٨، ١٤٣، ١٤٥.
١٠٨

المؤرخين الذين عرفوا بقوة عربيتهم مثل جمال الدين ابن الدبيئي وجمال الدين
ابن القفطي في كتابه ((إنباه الرواة)) وغيرهما. فضلاً عن أنَّ بعضَ أهل العربية
يرى أنَّ هذا الاستعمال قد يكون تقديراً منهم يريدون ((ثالث عشرين من شهر
صفر)) ونحوه(١) .
ومن ذلك قوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ:
((فإن له أياماً بيضاء في الإسلام))(٢)، والأصح أن يقول ((أياماً بِيضاً)) كما هو
معروف عند أهل العربية لأن ((أيام)) جمع فكان لابد أنْ يلحقَ الصفةَ وهي
مجموعة أيضاً. ومثل هذه المسائل بمجموعها لا تخرج الذهبيَّ عن صحة اللغة
والمعرفة التامة بها، وهي ليست من الإهمام بحيث يقال فيها أخطأ فلانٌ
وأصاب فلان .
ولقد اعتنى الذهبيُّ عنايةً بالغة بضبط الأسماء والأنساب ونحوها تقييداً
بالحروف تارة، وضبطاً بالقلم تارة أخرى، وكان معنياً أشَدَّ العنايةِ حتى بضبط
التلفظ بالأسماء، فلما أشكل عليه التلفظ ببعض أسماء أهل الأندلس كتب إلى
شيخه العلامة أثير الدين أبي حيان الغرناطي (ت٧٤٥هـ))(٣)، يسأله عن
ذلك، قال الصفدي في ترجمة أبي حيان: ((وله اليدُ الطولى في ... وتراجم
الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خصوصاً المغاربة وتقييد أسمائهم على
ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأنهم مجاورو بلاد الفرنج
وأسماؤهم قريبة (من لغاتهم) (٤) وألقابهم كذلك، كل ذلك قد جَوَّدَهُ وقَيَّده
وحَرَّره، والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق
بالمغاربة وأجابه عنها))(٥) . وقد كتب أثير الدين إلى الذهبي كتاباً من أجل
ذلك سماه: ((قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي)) ذكره أبو حيان في إجازته
لصلاح الدين الصفدي، (٦) ونقل منه ابن حجر في ترجمة أبي الحجاج
(١) انظر مقدمتنا لكتاب ((ذيل تاريخ مدينة السلام)) لابن الدبيئي ص ٦٢ - ٦٣.
(٢) الورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
انظر عن أبي حيان كتاب الدكتورة خديجة الحديثي: ((أبو حيان النحوي)) بغداد ١٩٦٦.
(٣)
(٤) ما بين العضادتين إضافة من نفح الطيب للمقري ج ٣ ص ٢٩٥.
(٥) الصفدي: الوافي ج ٥ ص ٢٦٧-٢٨٦، والمقري: نفح الطيب ج ٣ص ٢٩٥.
(٦) الصفدي: الوافي ج ٥ ص ٢٨١.
١٠٩

المزي(١) .
إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بدراسة عددٍ ضخم من المؤلفات التاريخية والأدبية
والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة جعلته يطلع على أساليب عددٍ كبير من
الكتاب والمؤلفين على مدى عصور طويلة تنوعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه
كُلُّ ذلك خبرةً أدبية قوية .
وقد تميز أسلوبُ الذهبيِّ بالطراوة والحبك ولم يُعْنَ بالصفةِ البيانية وتزويق
الألفاظ كغيره من معاصريه وتلامذته مثل ابن سيد الناس وتاج الدين السبكي
والصلاح الصفدي وغيرهم. وهذا أمرٌ طبيعي فيما نرى لأنَّ للكلمة مكانتها عند
الذهبي، وهو الناقدُ الذي يختارُ العبارةَ المناسبة للتعبير عما يريد بصورة دقيقة
ويصف المترجَم بالعبارة التي تَزِنُه جرحاً أو تعديلاً، فهو أسلوبٌ علمي قبل كل
شيء. ومن الواضح أنه لا يمكن عرضُ الحوادث بصفةٍ دقيقة وأوصاف
المترجمين بشكل متقنٍ باتباع مثل تلك الأساليب، لأنَّ أسلوبَ الصنعةِ البلاغية
يتجلى فيه دائماً الابتعادُ عن الدقة .
وكان الذهبيُّ صاحبَ منهج تاريخي بدا في غاية الوضوح في التراجم،
لذلك فإنه لم يخرج عن موضوع هو بصددٍ بحثه، فلم نجدْ في كتابه استطراداً لا
في الحوادث ولا في الوفيات.
وقد عمد الذهبيُّ مثل غيره من المحدثين وعلماء الرجال إلى استعمال
المختصرات(٢) في أسلوبه الكتابي، وتشمل هذه المختصرات بعض الألفاظ
وأسماء الكتب التي يتكرر ذكرها في كتاب ما، ويرمز إليها عادة بحرف واحد
أو أكثر أو رقم، وقد ذكر الذهبي بعضها في مقدمة كتابه(٣) ، وإليك ما وقفنا
عليه من المختصرات التي استعملها :
(١) المصدر السابق: ج ٥ ص ٢٣٤ وانظر خديجة الحديثي: أبو حيان النحوي ٢٦١ قلت:
والحبي : السحابُ الذي بعضُه فوق بعض .
(٢) انظر عن المختصرات واستعمالاتها: الصفدي: الوافي، ج١ ص٤١-٤٢، ومقدمتنا لتاريخ
ابن الدبيثي م ١ ص ٦٣، والعلموي: المعيد في أدب المفيد والمستفيد. المسألة العاشرة
(ط. دمشق)، وروزنتال: مناهج العلماء المسلمين، ص٩٦-١٠١ وغيرها.
(٣) ٧/١ - ٨ (من طبعتنا).
١١٠
٠

ع= حديث المترجم في الكتب الستة(١).
٤= حديث المترجم في كتب السنن الأربعة .
خ= حديث المترجم في صحيح البخاري.
م= حديث المترجم في صحيح مسلم بن الحجاج.
د= حديث المترجم في سنن أبي داود.
ت= حديث المترجم في جامع الترمذي.
ن= حديث المترجم في سنن النسائي.
ق= حديث المترجم في سنن ابن ماجة القزويني(٢).
لقد عُني الذهبيُّ بوضع هذه الرموز عند بداية الترجمة ليدلل على ذلك من
غير أن يكتبه، ثم استعمل مثل هذه الرموز للدلالة على أصحابها أيضاً وليس
لوجود حديث المترجم في كتبهم فقط نحو قوله: ((قال خ)) أي: قال البخاري،
و ((قال خ في تاريخه)) ويريد: قال البخاري في تاريخه. و((ذكره م)) ويريد: ذكره
مسلم. وهلم جرًا.
أما إذا كان حديث المترجم في خمسة من الكتب الستة فقد وضع الذهبي
كلمة «سوی)» قبل رمز الذي لم يرد حديثه فيه نحو قوله: ((سوی خ)) ویرید:
حديثه في الكتب الستة فيما عدا البخاري، و(سوى ت)) ويريد: حديثه في
الكتب الستة فيما عدا جامع الترمذي وهكذا.
أما في الأسانيد فقد استخدم المختصرات الشائعة عند المحدثين وهي:
ثنا : حدثنا .
أنا وأبنا: أخبرنا. وغالبًا ما تكون من غير نقط.
ح: وهو رمز ((التحويل)) وتستعمل إذا كان للحديثِ إسنادانٍ أو أكثر
لتفصلَ بينهما ولتدلَّ على تَحَوُّلِ القارئ من إسنادٍ إلى آخر.
(١) وهي صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن كل من أبي داود والترمذي والنسائي وابن
ماجة .
(٢) استعمل حرف ((ق)) مع أن شهرته بابن ماجة أكثر من شهرته بالقزويني، إلا أنهم خافوا
استعمال الجيم من اختلاطها بالخاء وهو الحرف المستعمل للبخاري.
١١

الفصل الثاني
محتويات الكتاب وأسس انتقاء مادته
طبيعة الحوادث وأسس انتقائها :
واجه الذهبيُّ مادةً كبيرة كان عليه أنْ ينتقي منها ما يراه مناسباً لكتابه ولا
سيما أنه اختصر في الحوادث كثيراً قياساً بالمادة الضخمة من التراجم التي
أوردها في كتابه، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك؟
الجواب: إنه انتقى ما رآه في نظره مُهمَّا حريًّا بالذكر جديراً بالتدوين(١).
ولكن ما هي موازينه في ذلك، وميزانُ أيِّ مؤرخِ في وزنِ الأحداثِ يتصل
اتصالاً وثيقاً بمفاهيمه، وينطلق من بيئته ونوعية ثقافته، وهما اللذان بدورهما
يكونان مزاجه الذي يحمله على ذكر حدثٍ تاريخي وإهمالِ آخر، والإسهاب
في جوانب معينة والاختصار في جوانب أخرى؟
لقد اعتبر الذهبيُّ، مثلَ غيرهِ من المؤرخين المسلمين المتدينين، أنَّ
أساسَ الدولة الإسلامية ونموذجها الأعلى يتمثل في حكومةِ الرسولِ بَّ في
المدينة(٢) ، ولذلك أوْلَى الفترةَ المدنيةَ اهتماماً عظيماً وفصَّلَ في حوادثها
تفصيلاً لانجده إلا في التواريخ المتخصصة بحيث احتلت السنوات العشر التي
قضاها الرسول ب18َّ في المدينة مجلداً كاملاً من تاريخه هو المجلد الأول.
وعني بعد ذلك بذكر أخبار حروب الردة وتكوين الأمة الإسلامية وحركة الفتوح
والمساهمين فيها باعتبارهم المثل الأعلى للمجاهدين المسلمين، ولذلك
احتلت هذه الفترة الزمانية القصيرة التي لا تتجاوز ٥٪ من نطاق كتابه الزماني
قرابة ثلث الحوادث المذكورة في جميع الكتاب.
(١) لقد اعتبر الذهبي التاريخَ من العلوم النافعة واستعاذَ بالله من علم لا ينفع، وأكد ضرورةً
الاطلاع على ((المهم)) منه، قال في المقدمة واصفاً كتابه: ((يعرف به الإنسان مهم ما مضى
من التاريخ)) ٥/١ (من طبعتنا).
(٢) يدخل ضمن ذلك بالطبع أهمية حكومة الرسول ◌َليم وأعمالها في دراسة الفقه الإسلامي
باعتبارها من الأسس التي يقوم عليها الفقه .
١١٣

ووجدناه بعد ذلك يعنى دائماً بأخبار الجهاد في سبيل الله سواء أكان
ذلك بالفتح أم برد المعتدين عن ديار الإسلام، فأورد من أخبار الجهاد الكثير
وفصَّل فيه بما سمح له منهجه، فذكر من أخبار فتوحات الأمويين شيئاً كثيراً
بالنسبة لما تضمنه كتابه من حوادث هذه الفترة، كما عُني بذكر العلاقات
الإسلامية البيزنطية على مدى التاريخ وأولاها اهتماماً واضحاً (١) ، ولعل من
أبرز ذلك ذكره لتفاصيل الحروب التي خاضها الحمدانيون مع البيزنطيين(٢).
كما اهتم اهتماماً كبيراً بذكر المعارك العديدة التي خاضها المسلمون ضد
الصليبيين على مدى عصور التاريخ الإسلامي(٣)، وعني بظهور المغول
وتحركاتهم وأخبارهم واستيلائهم على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي،
واهتم بذكر علاقاتهم بالشام ومصر (٤) . ويظهر تقدير الذهبي لمثل هذه
الأحداث في مدحه لأولئك الذين جاهدوا في سبيل الله وتحمسه الشديد عند
ذكرهم، بل تفصيله في أفضالهم في هذا المجال بالرغم من ذكره الظلم الذي
مارسوه نحو قوله في عهد الوليد بن عبدالملك: ((وفتح الله على
(١) انظر مثلاً: ٧/٨ و٨ - ١٠ و١٣ - ١٤ (من طبعتنا).
(٢) نقل الذهبي كثيراً من التفاصيل عن العلاقات البيزنطية الحمدانية من تاريخ ثابت بن سنان
وغيره من المصادر المعروفة. ولكن الذي يبدو أكثر أهمية نقله الكثير من التاريخ الذي
ذَيَّلَ به علي بن محمد الشمشاطي العدوي على تاريخ الطبري وأوصله إلى زمانه (انظر
بصفة خاصة ٧/٨ - ١٠) وكان الشمشاطي على صلة وثيقة بالأسرة الحمدانية؛ إذ عمل
مؤدباً ونديماً لهم فكان مُطَّلعاً على أخبارهم عارفاً باتصالاتهم. ومع أننا لم نقف على
تاريخ وفاته إلا أن ابن النديم كان على صلة به وذكر أنه كان حياً في عصره سنة ٣٧٧ هـ
(الفهرست ص ٢٢٠) وانظر ترجمته وأخباره عند النجاشي: الرجال، ص١٨٦، وياقوت:
معجم الأدباء ٤/ ١٩٠٧ - ١٩٠٩، ومعجم البلدان ج ٣ ص ٣٢٠، وبروكلمان:
الملحق، ج ١ ص ٢٥١ (بالألمانية) والزركلي: الأعلام، ج٥ص ١٤٣، وج ١٠ ص
١٥٤ وانظر أيضاً تعليق أمدروز على تجارب الأمم لمسكوية، ج ص١٩٤ -١٩٦،
والسامر: الدولة الحمدانية، ج ٢ ص ١٨٢ .
(٣) انظر مثلاً الورقة ٢-٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠) والورقة ٢١٨، ٢٢٥، ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٤٥،
٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٤ -٢٣٧، ٢٤٢، ٢٥٥، ٢٦١، ٢٦٤-٢٦٧ (أيا
صوفيا ٣٠١٢).
(٤) انظر مثلاً الورقة ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٣٩-٢٤٤، ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٢٧،
٢٣٣، ٢٥٢-٢٥٤، ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقلما تخلو الحوادث المذكورة في
المجلدين الأخيرين من تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠١٣، ٣٠١٤) المتضمنة لحوادث
٦٥١- ٧٠٠ من ذكر للمغول وعلاقاتهم بمصر والشام.
١١٤

الأسلام فتوحاً عظيمة في دولة الوليد وعاد الجهاد شبيهاً بأيام عمر رضي الله
عنه))(١)، وقوله في ترجمته: ((وكان الوليد جباراً ظالماً لكنه أقام الجهاد في
أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة كما ذكرنا))(٢)، وقوله في ترجمة
الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦هـ: ((ولما سارت الجيوش
المنصورة من مصر لحرب التتار كان هو طليعة الإسلام ... وكان غازياً
مجاهداً مرابطاً خليقاً للملك لولا ما كان فيه من الظلم، والله يرحمه ويغفر له
ويسامحه؛ فإن له أياماً بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات
معدودة)»(٣). وتحمَّس الذهبي للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي رضي الله
عنه وطوّل في حروبه للصليبيين بحيث وضع عنواناً في أثناء حوادث سنة
٥٨٣هــ أطلق فيه على هذه السنة ((سنة الفتوحات)) وفصّل فيها على غير عادته
إلى درجة استغراق هذا العنوان قرابة الثماني ورقات كبيرة(٤) وقال معلقاً على
فتح بيت المقدس: ((فالحمد لله على هذه النعم التي لا تحصى))(٥) ، وقال في
موضع آخر: ((فرزقنا الله شكر هذه النعم ورحم صلاح الدين وأسكنه الجنة)) (٦) )
وقال عن حصار عكا بعد ذلك: ((وكان السلطان يكون أول راكب وآخر
نازل ... ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين)) (٧). ثم نتحسس تحمسه
من الألفاظ التي يطلقها على أعداء الإسلام نحو قوله: ((وتتابعت الأمداد من
رومية الكبرى التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا لعنه الله)) (٨)، وقوله
في أحدهم: ((طاغية الروم ... وكان هذا الكلب)) (٩) ، و((ملك الفرنج لا رحمه
الله)) وقد صب اللعنة عليهم وأساء القول فيهم كلما ورد ذكر واحد منهم (١٠).
تاريخ الإسلام ١٠٢٤/٢ (من طبعتنا).
(١)
(٢) ١١٨٥/٢ (من طبعتنا).
(٣) الورقة ٣٤- ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ١٢/ ٦٧٣ - ٦٨٢ (من طبعتنا).
(٥) ٦٧٩/١٢ .
(٦) ١٢ / ٦٨١.
(٧) ٦٩٨/١٢، وانظر تقويمه لجهاد بعض الأمراء والملوك الورقة ٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)
والورقة ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٩) الورقة ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(١٠) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٣٦.
١١٥

ثم وجدنا الذهبي المسلم المتمسك بدينه يُعنى بذكر أخبار الحركات التي
كان الهدف منها، في رأيه، تدمير الإسلام الحق مثل البابكية، والزنج،
والقرامطة وأمثالهم، يظهر لنا ذلك مما خصص لهم من أخبار في تاريخه ومن
تحمسه عليهم فهو دائم اللعن لصاحب الزنج ويسميه ((الخبيث))(١) . وقد اعتبر
الذين قتلهم بابك الخرمي في حروبه شهداء في سبيل الله (٢) ، وقال عن أبي
طاهر القرمطي: ((وقد كان هذا الملعون بلاء عظيماً على الإسلام وأهله))(٣).
وتناول الذهبي السني أخبار الدولة المسماة الفاطمية بشيء من التفصيل،
باعتبارها من أكبر الأخطار التي جابهت أهل السنة، فهم عنده باطنية (٤) ،
أدعياء نسب إلى آل البيت(٥)، ولذلك أطلق عليهم ((بني عبيد)) أو ((العبيديين))
أو ((الرافضة)) ونحوها، وقد قال في عبيدالله المهدي مؤسس دولتهم: ((ويا حبذا
لو كان رافضياً وبس (٦) ولكنه زنديق))(٧)، وذكر في غير موضع من كتابه كيف
كانوا يقتلون أهل السنة بعد تعذيبهم ليردوهم عن الترضي عن الصحابة(٨).
وقد اعتنى الذهبي في أثناء تناول حوادث السنين بإجمال حال السنة وأهلها لما
لذلك من أهمية عنده، نحو ذكره في آخر حوادث سنة ٣٦٣هـ قطع الخطبة في
مكة والمدينة وإقامتها للمعز العبيدي ((في الحجاز ومصر والشام والمغرب،
وكان الرفض قائماً في هذه الأقاليم وفي العراق(٩) والسُّنة خاملة مغمورة لكنها
ظاهرة بخراسان وأصبهان فالأمر لله تعالى)) (١٠). ثم قوله في سنة ٣٦٤ هـ: ((وفي
هذه السنين وبعدها كان الرفض يغلي ويفور بمصر والشام والغرب والشرق
(١) انظر مثلاً: ١٦/٦ (من طبعتنا).
(٢) تذكرة الحفاظ، ج٢ ص ٤١٥.
(٣) ٦٢٩/٧ .
(٤) ٨/ ١٨٥.
(٥) تكلم الذهبي في نسب الفاطميين في غير موضع من كتابه وكان يرى بطلانه، انظر مثلاً
الورقة ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) كلمة فصيحة بمعنى ((حسب)) كما في معاجيم اللغة.
(٧) ٧/ ٤٦١ .
(٨) المصدر نفسه.
(٩) يعني بسبب استيلاء البويهيين على العراق.
(١٠) ٨/ ١٨٣.
١١٦

لاسيما بالعبيدية الباطنية قاتلهم الله))(١) ثم أورد أخباراً عن ذلك(٢) ، وقوله في
حوادث سنة ٣٧٢ هـ: ((وفي هذا الزمان كانت الأهواء والبدع فاشية بمثل بغداد
ومصر من الرفض والاعتزال والضلال فإنا لله وإنا إليه راجعون))(٣). ويتضح
لنا من كل هذه الأمثلة أن عقيدته السُّنية هي التي دفعته إلى التركيز على مثل
هذه الحوادث .
وقد عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي وعصره ما شهدته دمشق على عهده
من صراع عقائدي حاد أثر إلى حد كبير في تكوينه الفكري، لذلك وجدناه،
انطلاقاً من بيئته وتكوينه الفكري، يُعنى بذكر النزاعات العقائدية على مدى
التاريخ حيث أولاها عناية خاصة (٤) ، وأورد أخبار الفتن التي قامت بسببها(٥).
ولعل من أوضح الأمثلة التي تؤيد هذه المقالة، الكمية التي خصصها من
الحوادث لذكر مواقف الخلفاء العباسيين من محنة القول بخلق القرآن ابتداء
بالمأمون وانتهاء بالمتوكل الذي رفع القول بخلق القرآن. وحسبنا أن نذكر أنه
في الوقت الذي كانت الحوادث في هذه السنوات لا تستغرق في العادة أكثر من
نصف ورقة فإنه كتب عن امتحان المأمون للعلماء في حوادث سنة ٢١٨ هـ قرابة
الست أوراق متتالية(٦) ، ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسة التي جعلت
العقائد تكون عنصراً بارزاً من عناصر الترجمة كما سيأتي بيانه .
وعني الذهبي بإبراز أعمال الخلفاء والملوك والأمراء المتصلة بنشر الدين
والعناية به، وإبطال الفساد(٧). وبناء المساجد والجوامع(٨) وتجديدها(٩).
(١) ٨/ ١٨٥.
(٢) ٨/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٣) ٣٤٧/٨ وأورد حكاية لأحد المغاربة القادمين من بغداد تبين كيف كان أهل الكلام من
المسلمين واليهود والنصارى والمجوس يتناقشون من غير اعتماد على كتاب الله تعالى.
(٤) انظر مثلاً الورقة ٢٢٠، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٨، ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)
والورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤) وغيرها.
(٥) ٨/ ٧٠٥ - ٥٠٨ و١٨/٩.
(٧) مثلاً الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٦)
الورقة ٨٨-٩٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) .
(٨)
مثلاً الورقة ٢٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٣٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٩) مثلاً الورقة ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢)
والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
١١٧

وإبراز الأعمال التي ساروا فيها بموجب الشريعة الإسلامية أو خالفوها مثل
فرض المكوس أو إبطالها(١) . كما عني بذكر الولايات الدينية كالقضاء وتعيين
القضاة وعزلهم، وإثبات الشهود وعزلهم، وأمراء الحاج (٢).
واهتم بالأمور المتعلقة بمصالح المسلمين الدينية فاعتنى مثلاً بذكر مواسم
الحج وما يجري للحجاج في المواسم أو في الطريق من نهب وسلب
ونحوهما(٣)، واعتنى بمصالحهم الدنيوية وما يصيب الأمة من أوبئة وسنين
مجدبة، ومجاعات، وفيضانات، وعواصف مدمرة، وارتفاع في أسعار الأطعمة
أو انخفاض فيها، وقد قدم أمثلة لذلك (٤) .
ولما كان الذهبي من المهتمين بالعلم ونشره فقد اعتنى بذكر إنشاء دور
العلم مثل المدارس، ودور الحديث، وخزائن الكتب، وتعيين المدرسين
وعزلهم. ويظهر ذلك أكثر وضوحاً في القسم الأخير من كتابه حيث احتلت مثل
هذه الأمور حيزاً ليس بالقليل من مادة الحوادث فصرنا لا نجد حوادث سنة من
السنوات خالية من مثل هذه الأمور مما يدل على شدة اهتمامه بها وعنايته
بذكرها(٥) .
واهتم بإيراد كثير من الوثائق والمكاتبات بنصوصها، وهي ظاهرة واضحة
في كتابه. وتشتمل هذه الوثائق على ما صدر من علماء الأمة من المحاضر
المتعلقة بالعقائد، والتوقيعات التي أصدرها الخلفاء والملوك. على أنه ركز
اهتمامه على الكتب التي كان ملوك الدول الإسلامية يبعثون بها إلى الخلافة
العباسية يصفون بها فتوحاتهم وحروبهم وردهم لأعداء المسلمين أو أعداء
الخلافة(٦) .
(١) مثلاً الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٣) مثلاً الورقة ٢٣٠ و٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٤٧، ٢٥٥، ٢٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢)
والورقة ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٥) ينظر المصدر نفسه ٣٤١.
(٦) ينظر المصدر نفسه.
١١٨