النص المفهرس

صفحات 81-100

ولعلَّ الذي يؤيد رأينا هذا ويزيده قوةً هو أن الذهبيَّ لا يقتصر في إطلاق
لفظ ((الطبقة)) على التراجم حسب، بل يطلقه - أيضاً - على الحوادث وهي
متسلسلة وبعيدة تماماً عن مكانها، فقد قال في نهاية حوادث سنة (٥٥٠هـ) من
النسخة التي بخطه: ((آخر الطبقة الخامسة والخمسين والحمد لله))(١) ، فإذا كان
مفهوم الطبقة يُرادُ به تحديد جماعة من الناس فكيف يصحُّ إطلاقُه على
الحوادث؟!
قد توصلنا إذن إلى أنَّ مفهومَ ((الطبقة)) في كتاب ((تاريخ الإسلام)) يعني
((العقد)). ويحق للقارئ الباحث بعد كل هذا الذي أطلنا القولَ فيه، ودللنا عليه
أنْ يتساءلَ عن سبب تنظيم الذهبي كتابه على ((عقود)) فنقول عندئذ: إنَّ ذلك لم
يكن إلا لحاجةٍ تنظيمية استشعرها الذهبيُّ لا سيما في الفترة الأولى من كتابه
التي تمتد إلى سنة (٣٠٠هـ) حيث لم تتوافر فيها لديه وفيات عدد كبير من
المترجَمين بصورة دقيقة. فلم يكن ليستطيع أن ينظم وفياتهم حسب السنين،
وإذا ما رَتَّبهم كذلك فإنه سوف يضطر لإعادةِ ذِكْرِ الشخصٍ أكثرَ من مرة استناداً
إلى الاختلافِ الحاصل في تاريخ وفاته، وهي الطريقة التي اتبعها حينما نظم
الوفيات على السنين اعتباراً من سنة (٣٠١هـ). وقد أشار الذهبي إلى ذلك في
مقدمة كتابه حينما قال: ((ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل
اتَّكَلُوا على حفظهم، فذهبت وفيات خَلْقٍ من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم
إلى قريب زمان أبي عبدالله الشافعي فكتبنا أسمائهم على الطبقات تقريباً) (٢).
إنَّ عدمَ توافر تواريخ وفيات المترجَمين في الفترة الأولى من تاريخ
الإسلام بصورة دقيقة من جهة، وقلتهم من جهة أخرى(٣) دفعت الذهبيَّ إلى
(١) الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٢) تاريخ الإسلام، ١/ ١٠ (من طبعتنا).
(٣) اعتذر الذهبي عن قلة ما هو مذكور من التراجم في السنين الأولى من كتابه فقال في أثناء
السنة الأولى للهجرة: ((والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين أن
المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى مَنْ بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز أو
من هاجر إلى الحبشة. وفي خلافة عمر - بل وقبل - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا
يظهر لك قلة مَنْ توفي في صدر الإسلام وسبب كثرة من توفي في زمن التابعين فمن
بعدهم)) تاريخ الإسلام ١/ ٢٠ وقال في اخر سنة ٢٨ هـ من كتابه: ((وقل من مات وضبط
موته في هذه السنوات كما تری)» ١٧٩/٢
٧٩

أنْ يدمج الحوادث والتراجم في العقود الأربعة الأولى من ((تاريخ الإسلام)،
بل لم يظهر لفظ ((الطبقة)) في العقود الثلاثة الأولى إطلاقاً، فقد انتقل من السنة
العاشرة للهجرة إلى الحادية عشرة من غير إشارة إلى بدء طبقة جديدة (١) ،
وانتقل من سنة عشرين إلى سنة إحدى وعشرين من غير ذكر للطبقة أيضاً(٢).
أما الطبقة الرابعة (٣١- ٤٠ هـ) فقد ذكر عنوانها ولم نجد فحواها وفائدتها، فقد
خلط الذهبيُّ الوفيات بالحوادث في هذا العقد خلط كتب الحوليات(٣).
ولننظر الآن إلى تنظيم الوفيات في هذه السنين الأربعين، إذا كان هناك من
تنظيم، ففي المدة الواقعة (١-١١ هـ) ذكر الذهبي بعض الوفيات القليلة جداً
ضمن الحوادث بحيث لا يشعر الباحث بأهميتها وترجم للنبيِّ وَّله ترجمةً طويلة
باعتبار وفاته حادثاً من حوادث سنة ١١ هـ(٤) . وبعد أن تكلم على خلافة أبي
بكر - رضي الله عنه - من ضمن حوادث هذه السنة وقصة الأسود العنسي،
وجيش أسامة، وشأن أبي بكر مع فاطمة وأخبار الردَّةِ وماجرى فيها(٥) ، ذكر
وفاة فاطمة وبعض الصحابة(٦) ، ولم يراع في ذكر هذه الوفيات أيّ نوعٍ من
أنواع التنظيم، لا من حيثُ قِدَم الوفاةِ ولا من حيث الترتيب على حروف
المعجم غير ورودها في سنة ١١هـ، أما في سنة ١٢ هـ فقد ذكر فيها مَنْ توفي
في وقعة اليمامة من غير ترتيب (٧)، وذكر بعدها بعض الحوادث القصيرة(٨)،
ثم عاد إلى الوفيات ثانية(٩)، ثم ذكر بعض الحوادث، وهكذا نجد تبايناً
كبيراً في التنظيم. وفي السنين التالية نجده يرتب بعض وفيات السنين على
حروف المعجم كما هو في سنة ثلاث عشرة(١٠)، وأربع
(١) انظر ١ / ٤٧٧ .
(٢) انظر ٢/ ١٢٣.
(٣) ١٩٨/٢ - ٣٨٢.
الورقة ١ - ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٥) = ١ / ٤٧٩ - ٨٣٧ (من طبعتنا).
(٤)
٥/٢ - ٢٩.
(٥)
٢٩/٢ - ٣٥.
(٦)
(٧) ٣٦/٢ - ٤٦.
(٨) ٢ / ٤٧ .
(٩) ٢ /٤٧ - ٤٨.
(١٠) ٢ / ٥٢ - ٧٢ .
٨٠

عشرة(١) ، وخمس عشرة(٢)، وثلاثين(٣)، ويدمج بعض الوفيات في سنين
أخرى بالحوادث أو يذكرها في آخر الحوادث من غير ترتيب كما في سنة ست
عشرة(٤)، وسبع عشرة (٥)، وثماني عشرة (٦)، وتسع عشرة(٧) وعشرين(٨)،
وإحدى وعشرين(٩)، وثلاث وعشرين(١٠)، وأربع وعشرين(١١)، والسنوات من
إحدى وثلاثين إلى أربعين(١٢)، في حين لم يذكر في بعض السنين أية
ترجمة(١٣). ولكنه ذكر من توفي في خلافة عمر على التقريب في سنة وفاته
وهي سنة ٢٣ هـ، ورتبهم على حروف المعجم (١٤)، ثم ذكر في نهاية سنة
ثلاثين من توفي في خلافة عثمان تقريباً ونظمهم على حروف المعجم أيضاً (١٥)،
مع أن عثمان قتل سنة ٣٥هـ، كما هو مشهور، وقد ترجم له هناك ترجمة
حافلة(١٦).
من كل هذا الذي قدمنا يتضح لنا أنه لم يكن هناك تنظيم سار على نَسَقٍ
واحد على الإطلاق، في هذه المدة الممتدة حتى سنة ٤٠هـ، ولم يكن للتراجم
أي أثرٍ واضح في الكتاب يميزها عن الحوادث. وهذا هو الذي يفسر لنا سبب
قراءة الصفدي لكتاب ((تاريخ الإسلام)) من أوله إلى آخر أيام الحسن، ثم
اقتصاره على الحوادث إلى نهاية الكتاب، مع أنَّ الصفديَّ لم يكن يريد أن
(١) ٧٣/٢ - ٨١.
(٢)
٨٢/٢ - ٩١.
١٨٢/٢ - ١٨٥.
(٣)
٢/ ٩٢ - ٩٦.
(٤)
٩٧/٢ - ٩٨.
(٥)
٩٩/٢ - ١٠٤.
(٦)
١٠٦/٢ - ١٠٩.
(٧)
(٨) ١١٠/٢ - ١٢١ .
(٩) ١٢٣/٢ - ١٣١.
(١٠) ٢/ ١٣٧ - ١٦٧ .
(١١) ١٦٩/٢ - ١٧٢.
(١٢) ١٩٨/٢ - ٣٨١.
(١٣) ١٧٤/٢ و١٧٥ و١٧٦ - ١٧٨ و١٧٩ و١٨٠ - ١٨١.
(١٤) ٢ / ١٦٠ - ١٦٧.
(١٥) ١٨٦/٢ - ١٩٦ .
(١٦) ٢/ ٢٥٧ فما بعد .
٨١

يقرأ من هذا التاريخ على مؤلفه غير الحوادث كما يبدو (١) ، لأنَّ تاريخ الإسلام
حتى أيام الحسن لم يكن غير تاريخ حوادث، فيه بعض الوفيات ولم يكن
بالإمكان فصل الحوادث عن الوفيات.
وابتداء من سنة ٤١هـ وحتى سنة ٣٠٠ هـ اتَّبع الذهبيُّ تنظيماً جديداً مغايراً
لما سار عليه في المدة السابقة، فصار ينظم وفيات كل عشر سنوات على
حروف المعجم ومن ثم فإنه لم يعتن بذكر وفيات المترجمين داخل الطبقة
دائماً، وأغفل وفيات عدد كبير منهم، بسبب عدم معرفته بسنة وفاتهم على وجه
الدقة، فلو أخذنا أول طبقة في هذا التنظيم الجديد وهي الطبقة الخامسة
(٤١- ٥٠ هـ) - مثلاً - لوجدنا عدد المترجَمين فيها ٧٩ ترجمة(٢) ، لم يذكر غير
تواريخ وفيات خمسة وعشرين منهم فقط، أما الآخرون فقد تركهم غُفلاً من
تاريخ الوفاة، أو حدد عصرهم تقريباً نحو قوله - مثلاً -: ((وعاش إلى دهر
معاوية))(٣)، و(توفي في إمرة معاوية)) (٤)، و((مات وسط إمرة معاوية))(٥)،
و((توفي في أول خلافة معاوية))(٦)، و((توفي في صدر خلافة معاوية))(٧)،
و((توفي في خلافة معاوية)) (٨)، و((بقي إلى هذا الوقت)) (٩). ولو أخذنا الطبقة
العاشرة - مثلاً - (٩١ - ١٠٠ هـ) لوجدنا أنه أورد فيها ٢٨٤ ترجمة(١٠)، لكنه لم
يذكر سوى تاريخ وفاة ٨٥ ترجمة منها فقط، وكتب الباقي على التقريب
مستعملاً في بعض الأحيان العبارات الدالة على تعيين أوقاتهم التقريبية نحو
قوله: ((توفي في خلافة الوليد)) (١١)، و((توفي في آخر خلافة الوليد))(١٢)،
(١) راجع الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٣، ونکت الھمیان، ص٢٤٢ .
(٢) ٣٩٣/٢ - ٤٥٤ .
(٣) ٣٩٣/٢.
(٤) ٢ / ٤٣١.
٣٩٦/٢.
(٥)
٢/ ٤٠٧.
(٦)
٤١٤/٢.
(٧)
(٨) ٤١٣/٢ و٤١٧ و ٤٣٩ .
(٩) ٣٩٦/٢.
(١٠) ١٠٥١/٢ - ١٢١٠.
(١١) ١٠٨٥/٢ و١٠٩٢ و١١٣٢.
(١٢) ١١٣٨/٢.
٨٢

و((توفي في إمرة الحجاج))(١)، و((توفي في خلافة عمر بن عبدالعزيز)) (٢) ونحو
ذلك. وينطبق هذا الذي قلناه من عدم تقييد الوفيات، إلا في القلة، على جميع
المدة الواقعة في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الذهبيّ ابتداء من سنة ٤١ هـ.
من ثم نلاحظ بعد كل ذلك تبايناً كبيراً جداً بين كبار المؤرخين الذين نقل
الذهبيُّ عنهم تواريخَ الوفيات في ضبطها وتحديدها، لا سيما في غير
المشهورين، فإذا ما قدمنا أمثلة لاختلاف هؤلاء المؤرخين في المشهورين جداً
عرفنا مدى التباين الكبير في غيرهم، فهذا أبو موسى الأشعري وتلك شهرته
اختلفت مواردُ الذهبيِّ اختلافاً بيناً في تاريخ وفاته، فذكر الهيثم بن عدي أنه
توفي سنة ٤٢هـ، ووافقه ابن مندة، وقال أبو نعيم الأصبهاني ومحمد بن
عبدالله بن نمير وأبو بكر بن أبي شيبة وقعنب التميمي: توفي سنة ٤٤ هـ، أما
الواقدي فذكر أن وفاته سنة ٥٢هـ، وجعلها المدائني سنة ٥٣هـ (٣). وهذا
سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة بلا مدافعة تختلفُ جُلُّ موارد الذهبي في
وفاته، فيذكر الهيثم بن عدي وسعيد بن عفير ومحمد بن عبدالله بن نمير أن
وفاته سنة ٩٤هـ، ويذكر أبو نعيم الأصبهاني وعلي ابن المديني أنها سنة
٩٣ هـ، ويقول يحيى القطان: إنها سنة ٩١ هـ أو سنة ٩٢هـ، وينقل الذهبي عن
محمد بن سواء عن همام عن قتادة أنه توفي سنة ٨٩هـ ثم ينقل عن أبي عبدالله
الحاكم النيسابوري قوله: ((فأما أئمة الحديث فأكثرُهم على أنه توفي سنة خمس
ومئة))(٤) . وهذا عروة بن الزبير بن العوام الإمام الفقيه المشهور نقل الذهبيُّ
عن أبي نعيم وابن المديني وخليفة: أنه مات سنة ٩٣هـ، ونقل عن الهيثم بن
عدي والواقدي وأبي حفص الفلاس: أنه توفي سنة ٩٤ هـ، ونقل عن يحيى بن
بكير: أنه توفي سنة ٩٥هـ(٥) . ومثل هذه الأمثلة كثيرة جداً، بل هي الصفة
الغالبة على ((تاريخ الإسلام)) في هذه الحقبة، فكيف يستطيع الذهبيُّ بعد
(١) ١١٥٩/٢.
٢ /١٠٨٤.
(٢)
٤٥٤/٢.
(٣)
٢ /١١٠٧.
(٤)
٢/ ١١٤٢ وانظر بعض الأمثلة فى الحقب التالية الورقة ١٢١ هـ ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥)
٨٣

كل هذا أنْ يُرِّبَ التراجمَ حسب السنين؟ ولذلك اخترع ((العقد)) وسماه ((طبقة))
بحيث تستوعب السنوات العشر كثيراً من مثل هذا الاختلاف. ومن أجل أن
يقدم للقارئ تسهيلاً فقد ذكر أسماء بعض الأعلام في أول حوادث السنة التي
رجح وفاتهم فيها .
وابتداء من سنة ٣٠١هـ وإلى نهاية الكتاب غَيَّرَ الذهبيُّ تنظيمه مرة أخرى
فصار يذكرُ وفيات كُلِّ سنةٍ بصورة مستقلة مرتباً تراجمَ السنةِ الواحدة على
حروف المعجم، وذاكراً المتوفّين على التقريب في نهاية كل ((طبقة)).
ويَحقُّ للباحثِ الذي قرأ ما حَبَّرناه قبلَ قليل أنْ يتساءل: كيف استطاع
الذهبيُّ أن ينقل تنظيم كتابه هذه النقلة بين سنة وأخرى؟ وكيف تمكَّنَ من حل
الإشكالات الكثيرة والمصاعب الجمة التي واجهته في ضبط الوفيات والخُلف
الذي بينها؟ فنقول عندئذ:
١- من المعلوم عند أهل العلم بالتاريخ أن التدوين في هذه الحقبة قد
ازداد ازدياداً عظيماً (١)، ولذلك توافرت مادةٌ جيدة في الوفيات، (٢) وقد أشار
الذهبيُّ إلى ذلك في مقدمة كتابه فقال بعد الذي ذكره من عدم اعتناء المتقدمين
بضبط الوفيات: ((ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم حتى
ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق
من المجهولين))(٣) . وهكذا توافرت للذهبيِّ مادةٌ غنيةٌ ودقيقة نسبياً من تواريخ
(١) انظر عن انتشار التدوين والصراع الذي جرى قبل هذا بسبب تفضيل الروايات الشفوية
والحفظ عليه، والمفاضلة بينه وبين الحفظ: بحث الدكتور صالح العلي ((المحاضرات
الشفهية)) وبحثه الآخر: ((مواد الكتابة)) وكلاهما مكتوب بالآلة الكاتبة ببغداد سنة ١٩٧٣ م،
وبحث الأستاذ كولتسيهر عن ((الصراع حول مكانة الحديث عند المسلمين)).
Goldziher Kampfe um die Stellung des Hadith im Islam (ZDMG Band
61P.860).
المنشور في مجلة جمعية المستشرقين الألمان (ZDMG) م٦١ ص ٨٦٠ فما بعد.
(٢) من المناسب أن أشير هنا إلى أنه بجانب كثير من الكتب المؤلفة في علم الرجال نجد
القرن الرابع يشهد التأليف بكتب ((الوفيات))؛ فقد ألف كل من عبدالباقي ابن قانع
البغدادي المتوفى سنة ٣١٥ هـ ومحمد بن عبدالله بن زبر الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩هـ
كتابيهما في ((الوفيات))، انظر بحثنا: كتب الوفيات، ص ٢٤٠ .
(٣) ١٠/١ (من طبعتنا).
٨٤

وفيات المترجَمين وإنْ ظلت طائفة منهم مجهولة عنده وعند غيره من
المؤرخين .
٢- ومن دراسة هذا القسم من الكتاب يتبين لنا أنَّ الذهبيَّ قد تمكن أن
يتبع منهجاً تنظيمياً يخفف فيه كثيراً من عدد الذين لم يستطع التََّبُّتَ من توارِيخِ
وفياتهم، ويزيل كثيراً من الإرباك الذي يتأتَّى من كثرةِ المذكورين في آخرَ
الطبقة على التقريب، وذلك بأن ينظم بعضاً من هؤلاء في وفيات السنة التي
كان لهم آخر ذِكْرٍ فيها، بعد أنْ صَرَّحَ في غير موضع من كتابه بأنه لم يعرف
وفاتهم يقيناً، وأنه إنما كتبهم في وفيات السنة على التقدير(١) ، ونبّه على ذلك
بعبارات دالة نحو قوله: ((حدث في هذه السنة))(٢)، و((حدث في شوال من هذه
السنة))(٣)، و((لم تضبط وفاته وإنما حدث في هذه السنة)) (٤)، و((حدث في
هذا العام ولعله مات فيه))(٥)، و((حدث في هذه السنة وتوفي بعدها))(٦)،
و((حدث في السنة ولم يذكروا وفاته))، و((حدث بنيسابور في هذه السنة وتوفي
بعد ذلك))(٧)، و((حدث في هذا العام ولم تعرف وفاته))(٨)، و((حدث في هذه
السنة، وانقطع خبره)) (٩)، و((حدث في أواخر سنة تسع وأظنه توفي سنة
عشر)) (١٠)، و((توفي بعد سنه سبع)) (١١)، و(انقطع خبره من هذا العام))، و((توفي
في حدود هذه السنة)) (١٢)، و((سمع منه في هذا العام)(١٣)، و((سمع منه في هذه
(١) انظر مثلاً الورقة ١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) قال: ((قلت: هو والذي قبله لا أعرف وفاتهما
يقيناً))، والورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) قال: ((لا أعلم تاريخ موته وإنما كتبته هنا اتفاقاً)»،
والورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
انظر مثلاً الورقة ٨٧، ١١٣، ١٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢)
الورقة ١٦٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣)
الورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٤)
الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥)
(٦)
الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨.
(٧)
الورقة ١٢٨، ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٨)
(٩) الورقة ٣٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) ٧/ ١٦٥ (من طبعتنا) وقد ذكر في سنة ٣١٠.
(١١) ١٢٢/٧، علمًا أنه ذكره في سنة ٣٠٧.
(١٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨ .
(١٣) الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
٨٥

السنة ولم تؤرخ وفاته))(١)، و((أجاز للخولاني في هذه السنة))(٢)، و((كان حياً
في هذه السنة))، و((بقي إلى بعد هذا العام بيسير))(٣)، و((بقي إلى هذا
العام)) (٤)، و((كان حياً في هذا الوقت ولم أر له تاريخ وفاة)»(٥) ، ونحوها.
٣- وقد رأينا الذهبي دائما يحاول أن يجد وحدات زمنية يَتَّسع نطاقُها
لتشملَ أولئك المتوفّين على التقريب، وهنا وجد هذه الوحدة الزمنية أيضاً،
فوضع غير المعروفين منهم في نهاية كل عقد ومَيِّزهم بعناوينَ تحملُ العبارات
الدالة على عدم تمكنه من ضبطٍ تاريخ وفاتهم نحو قوله: ((ذِكْرُ مَنْ لم أعرف
تاريخَ موته من أهل هذه الطبقة كتبتهم على التقريب)»(٦)، أو ((مَنْ كان حياً في
هذا الوقت، ولم أعرف تاريخ وفاته فكتبتهم تخميناً لا يقيناً))(٧)، أو ((مَنْ لم
نَحْفظ وفاته وله شهرة كتبناه تقريباً)»(٨)، أو ((المتوفون في عشر السبعين وثلاث
مئة تقريباً لا يقيناً))(٩)، أو ((ممن كان في هذا الوقت))(١٠)، أو ((المتوفون بعد
الأربع مئة ظناً))(١١)، أو ((المتوفون في هذا الحدود ما بين الستين والسبعين))(١٢)
- يعني وخمس مئة -، أو ((وممن كان في هذا الوقت))(١٣)، أو ((المتوفّون على
التخمين)) (١٤)، ونحوها من هذه العناوين. وقد رتب الذهبيُّ غير المعروفين
هؤلاء على حروف المعجم (١٥) أيضاً.
(١) الورقة ١٣١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ٢٣٩ من النسخة السابقة.
(٣) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨ .
(٤)
الورقة ١٩٢، ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) ينظر: الذهبي ومنهجه ٢٩٨ .
(٦) ١٦٩/٧ (من طبعتنا).
(٧) ٧/ ٦٠٠.
(٨) ١٥٨/٨.
(٩) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١٠) الورقة ٢١٠ من النسخة السابقة.
(١١) الورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٢) ١٢ / ٤٤٧.
(١٣) ١٢/ ٩٢٢
(١٤) ١٢ / ٦٥٢.
(١٥) قد نلاحظ في آخر تراجم المذكورين على التقريب عدم انتظام في الترتيب المعجمي
(انظر مثلاً الورقة ١١٢-١١٣، ١٧١-١٧٢، ٢٠٨، ٢٥٧-٢٥٨، أحمد الثالث =
٨٦

ولما كان الذهبيُّ قد غير التنظيم ابتداء من مطلع القرن الرابع الهجري
وجعله على السنين فكان من الطبيعي أن يكون عدد المترجَمين غير المعروفة
وفياتهم في العقود الأولى من هذا التنظيم الجديد أكبر بكثير مما هو عليه في
العقود الأخيرة، على الرغم من إيجاد بعض الأساليب المخففة لعددهم مما
ذكرنا قبل قليل .. وقد لاحظنا نتيجةً لما قمنا به من إحصاءات بعد تحقيقنا
للكتاب على أفضل النسخ أن عددهم كان يأخذ بالتناقص كلما اقترب الكتاب
من عصر المؤلف، فمن بين عدد تراجم الطبقة الحادية والثلاثين
(٣٠١ -٣١٠ هـ) البالغ (٦٦٣) ترجمة وجدنا (١٦٧) ترجمة منها قد ذكرت في
نهاية الطبقة على التقريب (١) ، لعدم وقوفِ المؤلف على وفياتهم، في حين بلغ
عددهم في الطبقة التي بعدها (٨٤) نفساً (٢) ، وفي الطبقة الثالثة والثلاثين
(٧٩) نفساً (٣)، وفي الطبقة الخامسة والثلاثين (٨٠) نفساً(٤)، وفي السادسة
والثلاثين (٧٣) نفساً (٥) ، وفي الطبقة الثامنة والثلاثين (٦٨) نفساً (٦) ، وفي
الطبقة الأربعين (٤٨) نفساً(٧)، وفي الثانية والأربعين (٥٢) نفساً (٨) بينما
بلغوا في الطبقة الثالثة والأربعين (٢٦) نفساً (٩)، وفي الرابعة والأربعين (٢٧)
٩/٢٩١٧) على أن هذا لا علاقة له بالتنظيم إذ جاء من الإضافات التي أضافها الذهبي إلى
=
نسخته فيما بعد ووضع لها إشارات تشير إلى مواضعها وطلب إلى النساخ وضعها في
مكانها الصحيح، إلا أن النساخ أبقوا عليها حيث كانت. على أن بعض النساخ الفهماء،
ومنهم بدر الدين البشتكي، قد أعادوا تنظيم التراجم في كثير من الأحيان لإدراكهم أن
المصنف أراد ذلك، فقد ذكر البشتكي في آخر الطبقة التاسعة والخمسين أنه فعل ذلك،
قال: ((وقدمت من الأسماء وأخرت على شرطه ما يجب)). وقد سرنا نحن على هذه
القاعدة في جل المواضع .
(١)
١٦٩/٧ - ٢٠٢ (من طبعتنا).
٧ /٣٨٠ - ٤٠٠.
(٢)
٧ /٦٠٠ - ٦٢٠ .
(٣)
٧ /٩٠٠ - ٩٢٠.
(٤)
٨/ ١٥٨ - ١٧٦ .
(٥)
٨/ ٤٨٨ - ٥٠٢ .
(٦)
٨/ ٨٢٥ - ٨٤٠.
(٧)
٣٢٦/٩ - ٣٣٨.
(٨)
٩ / ٤٨٤ - ٤٩٠.
(٩)
٨٧

نفساً (١) ، وفي الخامسة والأربعين (١١) نفساً (٢)، فإذا ما انتقلنا إلى القرن
السابع وجدنا هذا العدد يتناقص حيث لم يتجاوز عدد المذكورين على التقريب
في نهاية أول عقد منه (٦٠١ - ٦١٠هـ) (١٨) ترجمة(٣)، وفي العقدين
الثاني(٤) والثالث(٥) أربع تراجم، وفي العقد الرابع سبع عشرة ترجمة(٦) ،
وفي العقد الثامن عشر تراجم(٧) ، أما العقدان الأخيران من الكتاب فلم نجد
فيهما ذكراً للمتوفين على التقريب، مع أن عدد الذين ذكر الذهبيُّ وفاتهم في
الطبقة الأخيرة من كتابه قد بلغ (٨٢٥) مترجَم (٨).
وفي أثناء تبييض الذهبيّ لكتابه وبعد الانتهاء من كتابته، كان يعثر دائماً
على وفيات بعض من لم يعرف وفاتهم من أولئك الذين كتبهم على التقريب،
سواء أكان ذلك في القسم المنظم على ((العقود)) أم في القسم المنظم على
السنين فكان يضع إشارة لذلك ويطلب من النُّسَّاخ تحويلهم إلى مواضعهم
الأصلية الصحيحة، فقد تبين له فيما بعد مثلاً، أنَّ المنذر بن عبدالله بن المنذر
القرشي الأسدي الذي ترجم له أولاً في الطبقة الثامنة (١٧١ - ١٨٠ هـ) قد توفي
سنة ١٨١ هـ لذلك طلب تأخيره إلى الطبقة التاسعة عشرة(٩) . ومن ذلك - أيضاً
- ما قال في أثناء وفيات سنة ٣٢٤هـ: ((محمد بن أحمد بن عمر الداجري -
يُحَوَّل إلى هنا من تقريب الطبقة الماضية))(١٠) ومثلُ هذا كثير في كتابه(١١).
إنَّ ذكر الحوادثِ سنةً بعد سنة من أول الكتاب إلى آخره ثم تنظيم التراجم
ابتداء من سنة ٣٠١هـ على السنين قد جعل الذهبيَّ، فيما نعتقد، يغير رأيه في
(١) ٩ / ٥٩٨ - ٦٠٤ .
(٢) ٩ / ٧٥٧ - ٧٦٠ .
(٣) ٢٥٧/١٣ - ٢٦٤.
(٤) ١٣ / ٦٢٧ - ٦٢٨ .
(٥) ١٣ / ٩٤٧ - ٩٥٠ .
(٦) ٣٣٨/١٤ - ٣٤١.
(٧) ١٥ / ٤١٠ - ٤١٤.
(٨) الورقة ٢١٠-٣١٩ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٩) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(١٠) الورقة ١٣٣ (أحمد الثالث ٩/٢٩١٧) وانظر أيضاً الورقة ١١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١١) انظر أدناه كلامنا على تنظيم التراجم.
٨٨

عنوان الكتاب فيحذف منه لفظ ((طبقات)) ويضع لفظ ((وفيات)) بدلاً منه فيصير
عنوان الكتاب ((تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام)) بدلاً من ((تاريخ
الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام)). ودليلنا على ذلك أن العنوان الذي ورد
فيه لفظ ((طبقات)) لم يرد إلا في طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين من
النسخة التي بخطه، بينما ورد العنوان الذي يحمل لفظ ((وفيات)) بخطه في
المجلدات الثمانية التي وصلت إلينا من هذه النسخة. ويزدادُ يقيننا، بل يتكامل
في هذا الأمر حينما نتذكر أنَّ طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين هما
من الطرر التي كتبها الذهبيُّ عند انتهائه من الكتاب أول مرة، وأنَّ الطررَ الثماني
الأخرى كانت تمثِّلُ الإخراجَ الأخير لكتابه .
ثانياً: العلاقة بين الحوادث والتراجم:
كانت الكتب التاريخية الأولى المرتبة حسب السنين تُعنى بذكرِ الحوادثِ
بالدرجة الأولى مثل تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وتاريخ الطبري
المتوفى سنة ٣١٠هـ وغيرهما، وقَلَّما أعطتْ أهميةً كبيرة ومتميزة للتراجم.
وقد ظهر تحولٌ واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا النمط من الكتب
التاريخية لاسيما عند المؤرخين المحدِّثين، حيث زاد اهتمامهم بذكر التراجم.
ويبدو ذلك واضحاً في كتاب ((المنتظم)) لأبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة
٥٩٧هـ حيث أدخل تقسيماً واضحاً بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجم
تعقبُ حوادثَ كُلِّ سنةٍ ورَتَّبها حسبَ حروفِ المعجم. وقد ظلت هذه الطريقة
تؤثر في أُطَر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده. ويعزو
الأستاذ روزنتال ذلك إلى سيطرةٍ علم الكلام(١) ، في حين نعتقد أنَّ هذا التطور
لم يكن إلا بتأثيرِ علمِ الحديثِ النبويِّ، واشتدادِ العنايةِ برواته (٢).
لقد فصَلَ الذهَبَيُّ فصلاً تاماً بين الحوادث والوفيات، ورأينا قبل قليل
تذبذبه في السير على خطّ واضح في ذكر الحوادث وعدم وجود أية علاقة بيِّنة
لها بالوفيات. ولعلَّه فكّر في بعض الأحيان بتجميع حوادثٍ كل مجلد مع
(١) روزنتال: علم التاريخ، ص ١٩٨، ٢٠٤.
(٢) انظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين ص٣٣- ٣٤.
٨٩

الوفيات الواردة فيه (١) ، فحينما أورد حوادث السنوات ٦٤١ - ٦٥٠هـ في
المجلد التاسع عشر الذي لم يتضمن وفياتها، ذكر أنها من حوادث المجلد
العشرين(٢). وقد طلب الذهبيُّ من الناسخ في نهاية تراجم الطبقة الخامسة
والستين من المجلد العشرين أن يرتب تلك الحوادث التي مرت في المجلد
الماضي في ذلك الموضع (٣).
والعلاقة الوحيدة التي نجدها بين الحوادث والتراجم هي وجود بعض
الإحالات من الحوادث إلى الوفيات وبالعكس لاسيما في تراجم الشخصيات
السياسية التي أسهمت في الحوادث، نحو قوله في ترجمة السلطان غياث الدين
الغوري في وفيات سنة ٦٠٥هـ: ((هو في الحوادث)) (٤)، وقوله في ترجمة
محمد ابن تكش خوارزم شاه: ((قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث))(٥) ،
مع أنه ترجم له ترجمة حافلة في قرابة الخمس ورقات(٦) ، وقوله في ترجمة
ولده جلال الدين: ((وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره))(٧)
وغيرها(٨) . ومع كل ذلك فإن هذا الانفصام الذي أشرت إليه بين الحوادث
والوفيات قد أدى إلى تكرار بعض المعلومات فيهما، كما في قصة الوحشة التي
جرت بين الملك الجواد وعماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ محمد بن حموية
الجويني ومقتل عماد الدين سنة ٦٣٦هـ حيث تكررت في الحوادث
والوفيات (٩) .
٠
(١) انظر أعلاه كلامنا على ((الخطة العامة للكتاب)).
(٢) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣) الورقة ١٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٤) الورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) الورقة ١٧٢ - ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥)
الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) انظر مثلاً الورقة ١٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الورقة ٦٠
(أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)،
والورقة ٣٩.
(٩) انظر ترجمة عماد الدين ابن شيخ الشيوخ في نسخة أيا صوفيا ٣٠١٢، ورقة ٧٨ فما بعد،
وقارن حوادث سنة ٦٣٦ هـ (ورقة ٢٤٨ من النسخة نفسها).
٩٠

كان اهتمامُ الذهبيِّ الرئيس ينصب دائماً على التراجم، وذلك يعكسُ
مفهومه الأصلي للتاريخ، لذلك احتلت التراجمُ حيزاً كبيراً من تاريخه. فإذا
استثنينا الحقبة الأولى من كتابه (١- ٤٠ هـ) فإنَّ كميةَ الحوادث لا يمكن أن
تقارن بكمية التراجم، فإننا إذا أحصينا عددَ الأوراق التي سودها الذهبيُّ لتاريخ
القرن السابع الهجري من ((تاريخ الإسلام)) - مثلاً - وجدناها تبلغ ١١٧٤ ورقة
لم تحتل الحوادث منها غير ١٧٠ ورقة فقط(١) ، وهذا يعني أنها تُكَوِّنُ ١٤,٤٪
من الكتاب، علماً أنها أقل من ذلك بالنسبة للقرون الأولى حيث بلغت للحقبة
الواقعة بين سنتي ١٨١ - ٢٢٠ هـ ١٠٪ فقط(٢). وقد جاء هذا التقصيرُ النسبي
في الحوادث بسبب عدم استقصاء الذهبي لما ذكرته المصادرُ من حوادث
واقتصاره على البعض منها. وقد صرح بذلك في أكثر من موضع، فقال في
بداية حوادث الطبقة السادسة والستين: ((وهذه نبذة مما جرى في هذه الطبقة
من الحوادث))(٣)، وقوله في بداية حوادث الطبقة التاسعة والستين: ((ذِكْرُ
الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر على الترتيب مختصرًا)»(٤) ، وهو منهجٌ
اختطه الذهبيُّ لنفسه كما سيتضح عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء
مادة الحوادث .
إن اختفاء العلاقة بين الحوادث والتراجم في كتاب ((تاريخ الإسلام)) هو
الذي جعل الذهبيَّ فيما نعتقد لا يتبع نمطاً واحداً في تجميع الحوادث، وجَوَّزَ
لنفسه أنْ يذكرها متتابعةً كل عشر سنوات تارة وكل خمسين سنة تارة أخرى
(١) منها ٣٤ ورقة في المجلد الثامن عشر (أيا صوفيا ٣٠١١) و٤٣ ورقة في الملجد التاسع
عشر (أيا صوفيا ٣٠١٢) و٣٧ ورقة فى المجلد العشرين (أيا صوفيا ٣٠١٣ ) و٥٦ ورقة
في المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) أجريت هذه الإحصائية على النسخة التي بخط الذهبي، فقد بلغت أوراق الطبقة التاسعة
عشرة ١٣٨ ورقة احتلت الحوادث ١٢ ورقة منها، وبلغ عدد أوراق الطبقة العشرين
١٣١ ورقة منها ٢١ ورقة حوادث، وعدد أوراق الطبقة الحادية والعشرين ٨٤ ورقة منها ٨
أوراق حوادث، أما الطبقة الثانية والعشرون فبلغ عدد أوراقها ١٤٧ ورقة احتلت الحوادث
٩ أوراق منها فقط. فيكون مجموع عدد أوراق الطبقات الأربع ٥٠٠ ورقة منها ٥٠ ورقة
حوادث. ونرى من المفيد أن نشير هنا إلى أن الذهبي كان يورد أسماء وفيات الكبار
ضمن الحوادث فهي تحتل قسماً غير قليل منها أيضاً.
(٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٤) الورقة ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
٩١

ونحو ذلك مما بَيَّناهُ سابقاً. ثم إنَّ شعورَ المؤرخين فيما بعد بعدم وجود هذه
العلاقة جعلهم في وضع يبدو أكثر حرية في دراسة أيِّ قسم منهما على
انفراد (١)، أو الانتقاء منه(٢)، كما شعر النُّساخ دائماً بحرية كبيرة في تجميع
كل قسم على حدة (٣) .
ثالثاً : تنظيم الحوادث وأساليب عرضها :
إن قلة المادة التاريخية التي قدمها الذهبيُّ في الحوادث قياساً بالمادة
الضخمة التي قدمها في التراجم تجعلُ من العسير علينا أن نميز له منهجاً خاصاً
في هذا المجال خالف فيه غيره من كُتَّابِ الحوليات الذين سبقوه. وقد لاحظنا
تذبذباً في طريقته بين مدة وأخرى في أساليب العرض وفي كمية المعلومات
التي يقدمها ونوعيتها .
ففي القسم الخاص بالمغازي (١-١١هـ) وجدنا موعهاً من التنظيم الذي
يمتاز بالوضوح * حيث تناول الحوادث سنة سنة، ورتب السنة الواحدة حسب
تسلسل شهورها ابتداء بالمحرم وانتهاء بذيّ الحجة منها. ومع أننا نجد محاولةً
للسيرِ على تسلسلٍ زمني في ذكر الحوادث ضمن السنة الواحدة في القسم
الخاص بالخلفاء الراشدين، إلا أنَّ ذلك لم يكن واضحاً كُلَّ الوضوح. وفي
كثير من أحداث هذه السنين (١- ٤٠هـ) ذكر الذهبيُّ بعض وفيات المشهورين
باعتبارها من الأحداث المهمة التي وقعت في تلك السنة، فمنهجه في هذه
(١) لقد استطاع الصلاح الصفدي مثلاً أن يقرأ على الذهبي القسم الخاص بالحوادث من
تاريخ الإسلام فقط (انظر الوافي، ج٢ ص١٦٣ ونكت الهميان ص ٢٤٢ وارجع إلى كلامنا
على وصف نسخة المؤلف).
(٢) من ذلك مثلاً أن شمس الدين السخاوي تمكن من تجريد تراجم الكتاب وترتيبها على
حروف المعجم (انظر الإعلان، ص٥٨٩) ووجدنا خطه على نسخة المؤلف بالإشارة إلى
ذلك (راجع المقدمة عند الكلام على نسخة المؤلف).
(٣) من ذلك مثلاً أن صاحب النسخة المحفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم ١٢٢٠
استطاع أن يجمع الحوادث التي أرخت المدة ٣٠١ - ٥٠٠هـ في مجلد واحد كما استطاع
صاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم ١٥/٢٩١٧ أن يجمع الحوادث
التي أرخت الفترة ٣٥١- ٦٧٠ هـ في مجلد واحد أيضاً. وقد جربنا وجود الكثير من النسخ
التي وصلت إلينا وهي تحتوي على مجلدات كاملة لم تذكر فيها غير التراجم.
٩٢

الحقبة يشبه منهج خليفة بن خياط (ت ٢٤٠هـ)) والطبري (ت٣١٠هـ))، وابن
الأثير ((ت ٦٣٠ هـ))، في تواريخهم.
أما القسم الخاص بالحقبة الواقعة بين سنتي ٤١ - ٣٠٠هـ فلم نجد فيه
تنظيماً زمنياً ضمن السنة الواحدة. ولكننا وجدنا عناية بذكر أسماء المشهورين
الذين توفوا فيها في أول حوادث السنة دائماً، وقد يبلغ الأمرُ به في بعض
الأحيان إلى حد يضع فيه عنواناً لأسماء المتوفَّين فيها(١) . وفي القسم الذي
بيَّضه الذهبيُّ ثانية من كتابه ووصل إلينا بخطه، نلاحظ أنَّ المؤلفَ رَتَّبَ هذه
الأسماء في أول السنة بشكل منسق: كل اسمين متقابلين، حتى لتبدو هذه
الأسماء لأول وهلة وكأنها أبيات من الشعر (٢).
إن اعتناء الذهبيِّ بذكرٍ أسماءِ الأعلام ممن توفوا في السنة ضمن الحوادث
يبدو أمراً معقولاً ومنسجماً مع مزاجه التراجمي لا سيما إذا علمنا أنه نظم
التراجمَ في هذه الحقبة حسب العقود.
وأما المدة الممتدة من بداية القرن الرابع حتى منتصف القرن السابع
الهجري فمن الصعوبة أنْ نُميز فيها أيَّ وجودٍ لتنظيم الحوادث داخل السنة
الواحدة لا من حيث الزمان ولا من حيث الأهمية، ولم نجدْ أيةَ روابطَ بين
الحوادثِ المذكورة في مثل هذه السنين سوى وقوعها في سنةٍ واحدة. وقد اتبعٍ
الذهبيُّ طريقة كُتّاب الحوليات الذين سبقوه في ذكر العبارات التي تربط
الحوادث ببعضها في داخل السنة الواحدة والتي تُوضَعُ في مقدمة الخبر عادة
مثل: ((وفيها)) أو ((وفي أولها)) أو ((وفي آخرها)) أو ((وفي رجب منها)) ونحو
ذلك.
ثم نعود فنرى تنظيمًا واضحًا في القسم الذي تناول النصف الثاني من
القرن السابع الهجري (٦٥١ - ٧٠٠هـ) من كتابه حيث سار الذهبيُّ على نمطٍ
واحد في ذكر الشهر الذي وقعت فيه الحادثة ورتب المادة حسب تسلسلها
الزمني من السنة، فكان يبدأ السنة بقوله: ((في المحرم)) أو ((في أول المحرم))
أو يذكر أي شهر آخر لكنه كان يسلسلُ الأشهرَ دائماً، وربما عيَّن اليوم في
(١) انظر مثلاً سنة ١٣٣ هـ: ((ذكر مَنْ توفي فيها من الأعيان)) ٥٩٣/٣ (من طبعتنا) وانظر
أيضاً: ٣ / ٥٨٣ ((ذكر من توفي فيها مجملاً)).
(٢) انظر مثلاً الورقة ١٧١ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
٩٣

بعض الأحيان.
وفي جميع الكتاب لم يوازن الذهبيُّ، ولو بشكلٍ بسيط، بين المعلومات
المذكورة في كتابه لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية على عكس طريقته
في الموازنة بين عدد التراجم في القسم الخاص بها، كما سنوضحه بعد قليل،
ولذلك وجدنا السنين الأربعين الأولى تحتل قرابة ٤٠٪ من جميع حوادث
الكتاب مع أنها لا تكوّن من نطاق الكتاب الزماني إلا أقل من ٦٠٪ فقط،
ووجدناه في الوقت نفسه يقصر في حوادث بعض السنوات بحيث لا تتعدى
الأسطُرَ المحدودةَ، ويطوِّل في أخرى بحيث تبلغ أوراقاً عديدة. والسببُ في
ذلك فيما نعتقد، مُتَأَتٌّ من تقييمِه للحوادثِ وفَهْمِه لها، كما سيظهر لنا فيما
بعد عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء الحوادث.
ولما كان الذهبيُّ ملتزماً في ذكر الحوادث بالتنظيم على السنين فإنه كان
يقطعُ الخبرَ ليكمله في سنةٍ أخرى، وهي العادةُ التي اتبعها معظم مؤلفي الكتب
التاريخية المرتبة على السنين، فإذا ما أراد القارئ أن يطلع على حادثةٍ معينة
استمرت لعددٍ من السنين فإنَّ عليه أنْ يقرأ جميعَ حوادث هذه السنين، ويمر
بأخبار وحوادث لا علاقة لها البتة بموضوعه، فضلاً عما تسببه هذه الطريقةُ من
إرباكٍ في تتبع الخبرِ التاريخي. ومع ذلك فهو مثل غيره من كُتَّاب الحوليات،
كان يتجاوزُ مثل هذه الحالة في أحيان قليلة، فكان يذكر بعض الأحداث المهمة
متسلسلة لأكثر من سنة مثل خروج المغول وحروبهم مع علاء الدين خوارزم
شاه(١)، علماً أنه اعتبر مثل هذا التسلسل خروجاً عن نطاق السنة واستطراداً
نحو قوله في حوادث سنة ٣٧٦هـ: ((وإنما جرى ذلك في سنة تسع وسبعين
ولكن سقناه استطراداً) (٢).
وإذا آمنا بأنَّ القسمَ الأخيرَ من كتابه يمثل طريقته الخاصة في تناول
الحوادث، فإن ذلك لا يعفيه من عدم تنظيمها في الأقسام الأخرى من كتابه
على النسق الذي نظم فيه القسم الأخير منه.
(١) انظر الورقة ٢٣٩-٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) ٣٥٠/٨ (من طبعتنا).
٩٤

رابعاً: تنظيم التراجم وأساليب عرضها :
قد عرفنا أنَّ الذهبيَّ نظم المترجَمين بين سنتي ٤١ - ٣٠٠هـ في وحدات
زمنية أمدُها عشر سنوات أطلق عليها لفظ ((الطبقة)) ثم رتب التراجم على
حروف المعجم ضمن هذه الوحدات. ثم عرفنا أيضاً أنه عني بذكر تراجم كل
سنة بصفة مستقلة ابتدأ من سنة ٣٠١هـ وحتى نهاية الكتاب، ورتب المترجَمين
على حروف المعجم ضمن السنة الواحدة(١) .
ومما هو جدير بالذكر أنَّ الذهبيَّ لم يعتبر اسم المترجَم حسب في
التنظيم الداخلي للتراجم، بل اعتبر الشُّهرةَ واتخذها أساساً في ذلك سواء
أكانت شهرة المترجم في اسمه أم لقبه أم كنيته. ومن هنا وجدناه يترجم
لبعضهم بلقبه؛ من ذلك مثلاً أنه ترجم للقطامي الشاعر المشهور في حرف
القاف(٢)، وترجم للمُحَدِّثة المشهورة ست الكتبة نعمة بنت علي ابن الطراح
في حرف السين(٣). ثم قال في حرف النون من وفيات السنة نفسها: ((نعمة
بنت الطراح هي ست الكتبة - مَرَّ ذكرها))(٤) ، وترجم ليحيى بن زياد المعروف
بالفراء النحوي المشهور بلقبه في حرف الفاء(٥) ، وترجم لمحمد بن المستنير
المعروف بقطرب في حرف القاف(٦) ، وترجم لبهاء الدولة البويهي في حرف
الباء(٧) ونحو ذلك (٨).
أما المعروفون بكُناهم فقد عُني الذهبي بإفرادهم في آخر الطبقات حينما
نظم أولاً على الطبقات، وفي السنين حينما نظم بعد ذلك على السنين. ولا
ريب أنَّ اشتهارَ عددٍ كبير من المترجمين بكناهم هو الذي دفعه إلى إفرادهم
بالترتيب في آخر الطبقات أولاً وفي آخر السنوات بعد ذلك ليسهل الكشفُ
انظر أعلاه كلامنا عل الخطة العامة للكتاب.
(١)
(٢) ١٤٣/٣ (من طبعتنا).
(٣) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وفيات سنة ٦٠٤هـ.
(٤)
الورقة ٢٧ من النسخة نفسها .
الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٥)
(٦)
الورقة ٤٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٧) الورقة ٢٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٨) انظر الورقة ١٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
تاريخ الإسلام ١ / مقدمة ٤
٩٥
..... .... .......

عنهم، وآيةُ ذلك أنَّ عدداً كبيراً من المترجَمين لم يعرفوا أصلاً إلا بكناهم،
فكانت كناهم هي أسماؤهم، وهذا معروف عند المعنيين بالرجال، فضلاً عن
اشتهارِ عددٍ كبير منهم بالرغم من وجود أسماء لهم سواء عرفها الذهبي (١) ، أم
اختلف فيها المؤرخون (٢)، أم لم يعرفها نحو قوله في آخر وفيات سنة
٦٠٩ هـ: ((أبو منصور ابن الصوفي الكلابي الدمشقي لم أظفر باسمه، قال
المنذري : ... ))(٣).
ومن أجل تسهيلِ الكشفِ على التراجم والتخلص من الأوهام التي قد تقع
من جراء ترجمة شخصٍ ما بكنيته أو لقبه أو نسبته ونحو ذلك كان الذهبيُّ يعملُ
إحالاتٍ للتراجم، فإذا ما ترجم لأحدهم بلقب اشتهر به عمل إحالةً باسمه نحو
قوله: ((أحمد بن فنا خسرو بن مؤيد السلطان بهاء الدولة أبو نصر ابن السلطان
عضد الدولة - مذكور بلقبه)) (٤)، وإذا ترجم لأحدهم بكنية اشتهر بها عمل
إحالة باسمه نحو قوله مثلاً: ((الجلخ بن عيسى بن محمد، أبو بكر - يأتي
بكنيته))(٥) . وعلى العكس من ذلك فإنه إذا ترجم لأحدهم باسمه وكان يعرف
بلقب أو كنية، رتبه في لقبه أو كنيته على شكلٍ إحالةٍ وترجم له باسمه نحو
قوله في وفيات سنة ٣٢٠ هـ: ((أبو حامد ابن الشرقي، هو أحمد بن محمد بن
الحسن - تقدم))(٦) . وهكذا فإننا نجد الذهبيَّ قد سار على هذه الطريقةِ في
جميع كتابه، فملأه بالإحالاتِ الكثيرة من الأسماء إلى الكنى والألقاب
والأنساب، وبالعكس (٧) .
وقد عُني الذهبيُّ أيضاً بعملِ الإحالاتِ لأولئك الذين عُرِفُوا باسمين، فقد
ترجم للمحدثة عائشة بنت عبدالجبار بن هبة الله ابن البندار، المدعوة فرحة
(١) انظر مثلاً ٧٣٥/٢ و١٠٢٣ و١٠٢٥ و١٠٣١.
(٢) انظر مثلاً ٧٤٤/٢ و٩٠٠.
(٣) الورقة ٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وقارن المنذري: التكملة، ٢ / الترجمة ١٢٧٣.
(٤) الورقة ٢٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) الورقة ٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) ثم ترجم له بعد ذلك في الكنى، الورقة ٧٤ من النسخة
نفسها .
(٦) ٧ / ٥١٧ .
(٧) انظر مثلاً لا حصراً: الورقة ٥٢، ٢٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)،
الورقة ١٨٧، ١٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
٩٦

أيضاً، في وفيات سنة ٦٠١ هـ (١) ، ثم أعاد ذِكْرَهَا في حرف الفاء من وفيات
السنة نفسها إحالةً، فقال: ((فرحة بنت عبدالجبار بن هبة الله ابن البندار، أم
الحياة، هي عائشة - مرت))(٢). وترجم لأبي موسى النحوي المعروف
بالحامض المتوفى سنة ٣٠٥هـ باسم ((سليمان بن محمد)) (٣)، ثم ذكره في
حرف الميم من وفيات السنة إحالة، فقال: ((محمد بن سليمان، أبو موسى
الحامض البغدادي النحوي أحد أئمة اللسان وتلميذ ثعلب، وقيل: سليمان بن
محمد كما مر آنفاً))(٤)، وقال في وفيات سنة ٣١٧ هـ: ((أحمد بن محمد بن
إسحاق بن أبي خميصة، أبو عبدالله المكي نزيل بغداد، هو حرمي بن أبي
العلاء ... سيأتي في الحاء))(٥) ثم ترجم له باسم حرمي ترجمة مفصلة(٦)،
ونحو ذلك من الأمثلة .
إن اعتماد اللقب أو الكنية أو نحوهما في التنظيم جعل الذهبيَّ في بعض
الأحيان يتوهم فيسبقه قلمه ويترجم الشخص مرتين كما في ترجمة الفراء حيث
ترجم له في لقبه أولاً (٧)، ثم أعاد ترجمته في حرف الياء باسم ((يحيى بن
زياد))(٨). ولا ريب أنَّ سعةَ الكتابِ وكثرةَ التراجم وتشابه الأسماء وتعدد
الموارد وتنوعها يُولِّدُ كثيراً من المشاكلِ التنظيمية الداخلية، فيصبح الوقوع في
الوهم أمراً محتملاً مهما بلغت مرتبة المؤلف في الحفظ والتتبع والعلم بهذا
الفن .
وتنظيمُ الذهبيِّ التراجمَ حسب السنين جعله يدقق في تواريخ الوفيات
ويُرجِّح إحداها على الأخرى عندما يختلف المؤرخون في ضبطها، ولابد أن
يفعل ذلك، وإلا صَعُبَ عليه التنظيمُ وأشكل، أما تلك التراجم التي لم يستطع
أنْ يقطعَ فيها برأي نهائي فقد ذكرها منفصلة في وفيات السنة التي رجّحها
(١) الورقة ٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٧ من النسخة السابقة.
(٣)
٨٨/٧ (من طبعتنا).
(٤) ٧ / ٩٥ .
(٥) ٣١٧/٧ .
(٦) ٣٢٠/٧ - ٣٢١.
(٧) الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٨) الورقة ٧٩ من النسخة السابقة.
٩٧
2

ضمنياً وقطعياً وعمل لها إحالةً في وفيات السنة الأخرى تنبيهاً للقارئ، ومن
أمثلة ذلك ترجمة السلطان عز الدين سنجر شاه بن غازي الأتابكي صاحب
جزيرة ابن عمر، فقد ذكره أولاً في وفيات سنة ٦٠٤ هـ مختصراً مقتصراً على
اسمه، وقال: ((توفي في هذا العام على قول)) (١) ثم ذكر ترجمته المفصلة في
وفيات سنة ٦٠٥هـ(٢)، وقد جاء مثل هذا الاختلاف في هذا الرجل وغيره،
على ما نعتقد، بسبب الموارد الأصلية التي اعتمدها الذهبي، ففي ترجمة سنجر
شاه هذا اعتمد الذهبيُّ روايةَ زكي الدين المنذري حيث ذكره في وفيات سنة
٦٠٤هـ من التكملة(٣)، بينما اعتمد في الرواية الثانية وهي المرجحة عنده،
على أبي شامة (٤). ومثل هذا قوله في وفيات سنة ٦١٠هـ ((عيسى الجزولي
النحوي، ذكر هنا وفاته ابن خلكان. وقدم في سنة سبع))(٥) .
ولم يكن أمام الذهبي غير الاعتماد على الموارد أسلوباً وطريقاً في تثبيت
الوفيات ومن ثم عرضها في السنة المخصصة لها، فكان يرجح ما يراه راجحاً
ويترجم له في السنة المرجحة ثم يعملُ إحالةً في السنة الأخرى(٦) ، إلا أنه
اضطر في حالات قليلة جداً، إلى إعادة الترجمةِ بسب عدم إيجاده سبباً
للترجيح كما هو في ترجمة أبي بكر يحيى بن هذيل الأديب الأندلسي أحد
الفقهاء المالكية، فقد ترجم له أولاً في وفيات سنة ٣٧١هـ نقلاً عن القاضي
عياض(٧) ثم أعاد ترجمته مع الإشارة إلى الترجمة السابقة في وفيات سنة
٣٨٩هـ نقلاً عن ابن الفرضي وحَدَّدَ وفاته في الثالث عشر من ذي القعدة من
(١) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٢٥ من النسخة نفسها.
(٣) المنذري: التكملة ٢ / الترجمة ١٠٤٥ وانظر تعليقنا عليها.
(٤) ذيل الروضتين، ص ٦٧. وهي الرواية التي اعتمدها المؤرخون الذين جاؤوا فيما بعد مثل
أبي الفداء في المختصر (ج٣ص ١١٧) والصفدي في الوافي (٤٧٢/١٥) والعيني في عقد
الجمان (ج ١٧ الورقة ٣١٦ -٣١٧ مصورة القاهرة رقم ١٥٨٤ تاريخ) وغيرهم.
(٥) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) انظر مثلاً: الورقة ٢٦، ٥١، ٨٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ١٣١، ١٣٤، ١٦٦، ١٧٢،
١٨٧، ١٩٤، ١٩٨، ٢٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦، ١٢، ٢٤ (أيا صوفيا
٣٠٠٩).
(٧) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
٩٨